(1) (1)
قوله «كِتابُ الصَّدَاقِ»:
الصداق: بفتح الصاد هو مهر النكاح، مأخوذ من الصِّدق لأنه يشعر الزوج برغبته في زوجته.
وفي الشرع: هو العوض الواجب بعقد نكاح أو ما أُلحق به.
وقيل أيضاً: هو فرض يسمى في عقد النكاح أو بعده
قولنا «عقد النكاح» قد سبق الإشارة إليه وإلى شروطه وأركانه.
وقولنا «أو ما أُلحق به» كالوطء بشبهة, فهنا يجب الصداق بالوطء, لأن هذا الوطء ليس بحرام لاعتقاد الواطئ أن هذه المرأة زوجته، كما لو تزوج امرأة ثم تبين له أنها أخته من الرضاع إلا بعد العقد.
حكم الصداق
: نقل ابن عبد البر الإجماع على وجوبه فقال: «أجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز له وطء في نكاح بغير صداق مسمى ديناً أو نقداً» 1. وهل هو شرط لصحة العقد؟ نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب بعضهم إلى أنه شرط في العقد لا يصح العقد بدونه, لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ 2، فإبطاله وإسقاطه معصية لأمرين: الأول: لأن الله تعالى قيد الحل بقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 3، ولأن=
كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُوْنَ ثَمَناً، جَازَ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقاً، قَلِيْلاً كَانَ أَوْ كَثِيْرًا (1)،
=النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها القرآن.
وذهب جمهور أهل العلم (1) إلى أنه لا يبطل بِاستحقاق الصداق، لأنه ليس شرطًا لصحة النكاح، وهذا هو الصواب.
ومع القول بأن الصداق شرط من شروط العقد إلا أننا نقول بأن العقد يصح بدونه لأن هذا الشرط يعود على معنى زائد في العقد.
(1)
قوله «كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُوْنَ ثَمَناً، جَازَ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقاً، قَلِيْلاً كَانَ أَوْ كَثِيْرًا»:
شرع المؤلف في بيان ما يجوز أن يكون صداقاً, فكل ما صح عقد البيع عليه أو عقد الإجارة عليه صح أن يكون مهراً للمرأة، فهذا ضابط في الصداق، فعلى هذا يصح بالنقود، أو الذهب، أو الفضة لأنها تصح ثمناً, ويصح بالأعيان كما لو أصدقها ثوباً، أو سيارة، أو أرضاً، أو بيتاً، وغير ذلك، وكذا يصح بالمنافع كما لو أصدقها سكن بيت, أو أصدقها خدمة عبده، ونحو ذلك، وسيأتي الخلاف في جواز جعل المنافع صداقاً قريباً إن شاء الله.
وفهم من قوله «كل ما جاز أن يكون ثمناً» أن ما لا يجوز أن يكون ثمناً لا يكون صداقاً, فلو أصدقها ما يحرم بيعه كخنزير، أو خمر، أو معازف، =1
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِلَّذِيْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْنِيْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيْدٍ (1)،
=أو تمثال، أو صنم، ونحو ذلك فإنه لا يصح أن يكون مهراً لأنه لا يصح الأجرة عليه.
وقوله «قليلاً كان أو كثيراً»: أي يصح الصداق بما ذكرناه أنفاً سواء كان قليلاً أو كثيراً.
قلت: وذهب أبو حنيفة (1)، ومالك (2) أنه يتقدر أول الصداق بما تقطع به يد السارق مع اختلافهم في قدره، فعند أبي حنيفة عشرة دراهم، أو دينار, وعند الإمام مالك ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه المؤلف أنه لا حد لأقله حتى لو كان درهماً، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (3).
(1)
قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِلَّذِيْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْنِيْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيْدٍ»:
هذا الحديث عن سهل ابن سعد الساعدي -رضي الله عنه- «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ=123
..................................
=فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَأَىهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» 1، وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة منها:
1 - جواز عرض المرأة نفسها، أو الرجل ابنته، على رجل من أهل الخير والصلاح.
2 - جواز نظر من له رغبة في الزواج إلى المرأة التي يريد الزواج منها، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول كتاب النكاح.
3 - ولاية الإمام على المرأة التي ليس لها ولي من أقربائها.
4 - أنه لابد من الصداق، لأنه أحد العوضين.
.................................. 5 - جواز أن يكون الصداق يسيراً لقوله -صلى الله عليه وسلم- «التمس ولو خاتماً من حديد» 6 - جواز أن يكون الصداق منفعة كتعليم قرآن، أو أدب، أو صنعة، أو خدمة عبد، ونحو ذلك.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: هل يصح أن تكون المنافع صداقاً كتعليم القرآن وغيره؟
الجواب: على روايتين في المذهب 1: الرواية الأولى: الكراهة أي يكره أن يكون القرآن صداقاً، لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 2، والطول المال، ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله، فلم يصح أن يكون صداقاً كالصلاة، والصيام، وغيرها، وهذا قول أبي حنيفة 3. الرواية الثانية: أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن صداقاً للحديث المتقدم، ولأن تعليم القرآن منفعة معينة مباحة فجاز جعلها صداقاً، وكذا لو كان الصداق خدمة الرجل وغيره من المنافع المباحة، وليس فيه امتهان ولا تحقير للزوج كرعي غنم، أو زراعة أرضها، وغير ذلك من المنافع التي=
..................................
=تقوَّم بالمال لقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ 1، فجعل الرعي صداقاً، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا.
قلت: وهذا هو الصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم.
- الفائدة الثانية: هل يصح أن يكون المصحف مهراً؟ من قال بعدم جواز بيع المصحف فلم يجعله صداقاً، ومن قال بجواز بيعه وهو الصحيح كما سبق في كتاب البيوع فإنه يجعله صداقاً.
- الفائدة الثالثة: إذا عجزت المرأة عن حفظ ما كان صداقاً، كأن يجعل صداقها سورة البقرة، أو سورة آل عمران، أو سورة النساء، ونحو ذلك ثم تعجز المرأة عن حفظها فهل يسقط الصداق؟ الذي يظهر أنه لا يسقط، بل يقدر لها أجرة المثل، ولا يقال يجب مهر المثل لأن مسمى المثل لم يبطل، ولكن عجز عن إيفائه.
- الفائدة الرابعة: ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للرجل: «لا تَكُونُ لأَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا» 2: هذه الزيادة غير صحيحة عند أهل الحديث فلا تكون حجة في ترك مسمى الصداق، فيفرض لها أجرة تعليم هذه السورة مثلاً، فإن قيل: هذه السورة يعلمها معلم الصبيان في العادة بمائة ريال كان مهرها مائة ريال.
فَإِذا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ بِأَيِّ صَدَاقٍ كَانَ جَازَ (1)، وَلا يَنْقُصُهَا غَيْرَ الأَبِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا إِلاَّ بِرِضَاهَا (2)، (1)
قوله «فَإِذا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ بِأَيِّ صَدَاقٍ كَانَ جَازَ»:
كما سبق سواء كان كثيراً أو قليلاً فإنه يجوز أن يكون صداقاً.
(2)
قوله «وَلا يَنْقُصُهَا غَيْرَ الأَبِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا إِلاَّ بِرِضَاهَا»:
أي إن زوج الأب ابنته بأقل من مهر مثلها صح النكاح وثبت المسمى وإن لم ترض البنت، وذلك لأن تمام شفقته وحرصه على ابنته يقتضي أنه لا يتنازل عن مهر المثل إلا لتحصيل مصالح عظيمة فيها خير لابنته.
وقد قال عمر -رضي الله عنه- «لا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِى الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلاكُمْ بِهَا النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» (1) وقال ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد منهم، فكان ذلك اتفاقاً منهم.
ذكر بعض الفوائد
:
-
فائدة الأولى: هل هناك فرق بين البكر والثيب في الحكم؟ الجواب: ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بينهما وهو الصواب.
الفائدة الثانية: هل يجوز لغير الأب أن يصدقها أقل من مهر المثل؟
الجواب: ظاهر كلام المؤلف أن غير الأب لا يزوج بأقل من مهر المثل إلا بإذنها، فإذا أذنت صح لأن الحق لها، فإذا رضيت بإسقاطه سقط، فإن=1
وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَوَجَدَتْهُ مَعِيْبًا، خُيِّرَتْ بَيْنَ أَرْشِهِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِ قِيْمَتِهِ (1)، =فعل غير الأب فزوجها بأقل من مهر المثل بدون إذنها، فالمذهب أنه يجب لها مهر المثل ويكمل من زَوَّجها ما بقي من مهر المثل، لعدم الإذن منها، وهذا أحد القولين في المسألة (1). القول الثاني: أن الزوج هو الذي يكمل المهر، لعدم الإذن ولفساد تسمية المهر والأول هو الأظهر، أي يكون ما بقي من مهر المثل على الولي، كما لو وكله في بيع سلعة فباعها بدون الثمن، فيصح ويلزم الوكيل تمام الثمن، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (2).
(1)
قوله «وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَوَجَدَتْهُ مَعِيْبًا، خُيِّرَتْ بَيْنَ أَرْشِهِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِ قِيْمَتِهِ»:
أي لو أصدقها عبداً معيباً، أو غيره كسيارة معيبة ونحوها فوجدته معيباً كأن يكون العبد فيه عرج أو به شلل، أو السيارة غير صالحة خيرت بين إمساك ذلك وأرشه وقد سبق تعريف الأَرش في كتاب البيوع - وهو الفرق بين قيمته معيباً وقيمته سليماً - أو رده وأخذ قيمته إن كان متقوُّماً، وذلك لأن العيب ينقص المهر، فكان موجباً للخيار، كالعيب في المبيع، وذهب أبو حنيفة 3 وغيره إلى أن المرأة ليس لها إلا إمساك من غير أرش أو رده والمطالبة بالقيمة أو بالمثل لأن المطالبة بالأرش معاوضة جديدة لا بد=12
وَإِنْ وَجَدَتْهُ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهَا قِيْمَتُهُ (1)،
=فيها من رضا الطرفين، ووجود عيب يمكن معه رده مضرة للمرأة وتطالب بالقيمة أو بالمثل، وهذا هو الأقرب، أي ليس للمرأة إلا أمران:
الأول: إما أن تقبل المهر على ما هو عليه.
الثاني: أو ترده وتأخذ قيمته إن كان مما يتقوم أو مثله إن كان مثلياً.
(1)
قوله «وَإِنْ وَجَدَتْهُ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهَا قِيْمَتُهُ»:
أي إن وجدت هذا العبد الذي جعل صداقاً لها مغصوباً أو حراً فلها قيمته إذا كانت غير عالمة بحاله وقت العقد فليس لها هنا إلا القيمة, لأنها رضيت بما سمى لها, وتسليمه ممتنع, لكنه غير قابل لجعله صداقاً, فوجب الانتقال إلى القيمة لأنها بدله, ولا تستحق مهر المثل, لأنها لما رضيت بما سمي لها لم يكن لها الانتقال إلا إلى بدل ما رضيت به.
وخلاصة ما سبق ذكره إذا ما كان هناك عيب في الصداق ما يلي:
الأول: أن يكون الصداق معيباً وحكمه كما ذكر المؤلف أن لها الخيار بين الإمساك والمطالبة بالأرش، أو بين رده وأخذ قيمته، أو مثله، وذكرنا الراجح فيها.
الثاني: أن تجد المهر محرماً كأن يصدقها خمراً، أو لحم ميتة، أو لحماً محرماً كلحم الخنزير، أو المعازف، ونحو ذلك مما هو محرم، فهذه ليس لها فيه إلا قيمة هذا المحرم, فينظر كم يساوي هذا العصير مثلاً الذي أصدقها به فتعطي ثمنه, أو كم يساوي هذا اللحم فيعطيها قيمته، وهكذا وذلك لما ذكرناه أنفاً لأنها رضيت بما سمي لها.
وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ غَصْبِهِ حِيْنَ العَقْدِ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا (1)، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهَا قِيْمَتُهُ (2)، الثالث: أن تجد الصداق مستحقاً لغيرها كما لو أصدقها عبداً فبان حراً، أو أصدقها معيناً فبان مغصوباً فليس لها إلا قيمة هذا المغصوب فيقدر قيمته فيعطي لها.
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ غَصْبِهِ حِيْنَ العَقْدِ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا»:
أي وإن أصدقها عبداً وقد علمت بحريته، أو علمت بأنه مغصوب صح عقد النكاح, لأنه عقد لا يفسد بجهالة العوض, فلا يفسد بكونه محرماً، ولأن فساد العوض لا يزيد على عدمه, ولو عدم فالنكاح صحيح كما سبق فكذا إذا فسد, وقلنا يكون لها مهر المثل لأن فساد العوض يقتضي رد عوضه وقد تعذر رده لصحة النكاح فوجب رد قيمته وهو مهر المثل بالغاً ما بلغ, وعن الإمام أحمد أنه يعجبه استقبال النكاح لأنه جعل عوضه محرماً أشبه نكاح الشغار (1). (2)
قوله «وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهَا قِيْمَتُهُ»:
أي لو تزوجها على أن يكون صداقها أن يشتري لها عبد فلان, فلم يبعه إليه إلا بطلب أكثر من قيمته فلها قيمة العبد لأن العبرة بسعره فيما يتبايع به الناس, ولأن العقد وقع على التسمية فكان لها قيمته.1
فَصْلٌ فِيْ المُفَوَّضَةِ
(1) (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ المُفَوَّضَةِ»:
المفوضة في اللغة اسم فاعل من التفويض، والتفويض جعل الأمر إلى غيره يقال: فوض الأمر إليه أي جعل له التصرف فيه.
أما في الاصطلاح: فهي المرأة التي نكحت بلا مهر, أو على أن لا مهر لها، وسميت مفوِّضة بكسر الواو, لتفويضها أمرها إلى الزوج أو إلى الولي بلا مهر، أو لأنها أهملت المهر, وتسمى مفوَضة بالفتح إذا فوض وليها أمرها إلى الزوج بلا مهر.
- فائدة: التفويض نوعان:
الأول: تفويض البضع
- أي الفرج - وذلك بأن يزوج الرجل ابنته أو تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر أي بدون تسمية مهر فيصح العقد.
مثاله: أن يقول رجل لآخر «زوجني ابنتك»، فشاور ابنته فقبلت فقال: «زوجتك ابنتي»، فقال: «قبلت»، ولم يتكلموا عن المهر، فهذا يسمى تفويض البضع، فيجب لها مهر المثل كما سيأتي إن شاء الله.
حكم هذه الصورة: ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز هذه الصورة.
وخالف في ذلك المالكية 1، فقالوا ببطلان عقد النكاح في هذه الصورة, لأن التزام هذا الشرط يجعلها كالموهوبة التي اختص بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى ذلك العقد يفسخ لفساد النكاح من جهة عقده.
=
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، صَحَّ (1)، =والصواب كما ذكرنا سابقاً: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من صحة العقد ويجب لها مهر قال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (1)، فإن الله تعالى أباح لنا أن لا نفرض لهن فريضة وهذا تفويض في البضع, فإذا حصل الدخول قبل أن يفرض المهر فالواجب مهر المثل, وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ... مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ﴾ (2).
الثاني: تفويض المهر،
وهو أن يذكر المهر بدون تعيينه, مثاله أن يقول: «زوجني ابنتك»، فقال «كم ستعطيني مهراً»، فقال «ما تريده ابنتك»، أو «الذي تريده أفرضوه»، والفرق بين تفويض البضع وتفويض المهر, أن تفويض البضع - الفرج - لا يذكر فيه مهر إطلاقاً, وتفويض المهر يذكر فيه ولكن لا يعينه.
(1)
قوله «وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، صَحَّ»:
أي وإن تزوجها من غير أن يعين أو يسمى لها صداقاً صح العقد، وهذه تسمى مفوضة البضع وقد سبق بيان حكمها، فالحاصل أن مفوضة البضع التي زوجها وليها من غير مهر زواجها صحيح لقوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ=12
فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةَ (1)،
=النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} (1)، وسيأتي حديث بروع بنت واشق لما مات زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها، وأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط.
وقد سبق ما ذهب إليه المالكية في هذه المسألة، والراجح كما سبق صحة الزواج بغير صداق.
(1)
قوله «فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةَ»:
أي فإن طلقها ولم يسم لها صداقاً وكان الطلاق قبل الدخول بها لم يكن لها إلا المتعة لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ 2، والمتعة: هي ما تمتع به المرأة المطلقة من كسوة أو غيرها, ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى أمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها, وهذا هو المذهب، وهو قول جمهور الفقهاء 3، وإيجاب المتعة لما فيه من جبر قلب الزوجة لقوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.
وذهب أحمد في رواية 4 عنه أنه يجب لها نصف مهر المثل, لأنه نكاح=1
..................................
=صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول, فيوجب نصفه بالطلاق قبله كما لو سمى صداقاً محرماً.
والصحيح من القولين: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من وجوب المتعة عليه لدلالة الآية لمن يسم لها إذا طلقت قبل الدخول, ونصف المسمى لمن سمى لها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (1).
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأُولى: قول المؤلف «فإن طلقها قبل الدخول بها»: الدخول هنا بمعنى أنه لم يخلو بها خلوة بينه وبينها يمكن معها الاستمتاع فلا بد من تقييده بهذا القيد، فإن خلى بها خلوة يمكنه معها الاستمتاع فهنا يجب المهر كما سيأتي في كلام المؤلف قريباً وبيان الخلاف في ذلك، والراجح من أقوال أهل العلم.
الفائدة الثانية: هل تجب المتعة لكل مطلقة؟
الجواب: هذه المسألة على أقوال: الأول: أنه يجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ 2، ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ=1
عَلى الْمُوْسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى الْمُقْتِرِ قَدَرُه (1)،
=وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} (1)، وجه الدلالة أن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مفروضاً لهن ومدخولاً بهن.
القول الثاني: أنه تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس وإن كانت مفروضاً لها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾، والآية صريحة في الأمر بالمتعة لمن لم يدخل بها وقد فرض لها فريضة.
القول الثالث: هو ما ذكرناه آنفاً وهو أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها, فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة كما سيأتي إن شاء الله.
والراجح من هذه الأقوال الثلاثة: أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها, وما عداها فالمتعة مستحبة في حقها.
(1)
قوله «عَلى الْمُوْسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى الْمُقْتِرِ قَدَرُه»:
الموسع هو الغني, والمقتر هو الفقير، والمعنى أنه إن طلقها قبل الدخول لم يكن له عليها إلا المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، هذا هو الصحيح من المذهب 2 أي أن الاعتبار في وجوب المتعة بحال الزوج.
وقيل: بأن الاعتبار يكون بحال المرأة, وقيل الاعتبار بحالهما، وفي =1
وَأَعْلاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ يَجُوْزُ لَهَا الصَّلاةُ فِيْهَا (1)، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ وَالفَرْضِ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا، لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ، وَلِلْباقِيْ مِنْهُمَا الْمِيْرَاثُ (2)، = رواية عن الإمام أحمد (1) أنه يرجع في تقديرها إلى الحاكم، وسيأتي بيان الراجح من الأقوال قريباً إن شاء الله تعالى.
(1)
قوله «وَأَعْلاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ يَجُوْزُ لَهَا الصَّلاةُ فِيْهَا»:
أي أعلى المتعة، فهذه المرأة التي لم يفرض لها صداق ولم يدخل بها عليه أن يشتري لها مملوكة تخدمها, وأدناها كسوة تستر عورتها في الصلاة.
وهل هذا حكمٌ شرعيٌ لا يجوز مخالفته أم هو قضاء يرجع فيه إلى الأزمنة والأمكنة والأشخاص؟
الصواب: القول الثاني؛ فما ذكروه كان موافقاً لواقعهم، فالله تعالى لم يحدد المتعة في الآية بما حدده هؤلاء, فيبني الأمر في كل زمان ومكان على حسب ما يليق, فالحاصل أن المتعة تختلف بحسب الأزمان والبلدان والأشخاص والأحوال، فحال الجدب ليس مثل حال الرخاء, وحال الكساء ليس مثل حال الرفاهية والغنى.
(2)
قوله «فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ وَالفَرْضِ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا، لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ، وَلِلْباقِيْ مِنْهُمَا الْمِيْرَاثُ»:
أي فإن مات أحد الزوجين قبل أن يدخلا, ولم يكن كذلك قد فرض لها مهراً فهنا=1
..................................
=يكون لها مهر مثلها، وهذا هو المذهب 1، وهو أيضاً مذهب الحنفية 2 وقول الشافعية 3، واستدلوا على ذلك بقضاء ابن مسعود في مثل ذلك، فقد سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً, ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ.
فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِىُّ فَقَالَ قَضَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ.
فَفَرِحَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه-» 4.
وذهب مالك 5، والشافعية 6 في قول آخر أنه لا فرض لها, قياساً للموت على الطلاق, فإن الطلاق قبل الدخول لا شيء فيه، فمثله الموت، وقالوا عن أثر ابن مسعود السابق بأنه مضطرب.
والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ فإذا مات الرجل عن =
وَلا وَكْسَ وَلا شَطَطَ (1)، لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِيْ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، لَمَّا مَاتَ زَوْجُهَا (2)، وَلَهَا الْمِيْرَاثُ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ (3)،
=امرأته التي لم يدخل بها، ولم يسم لها صداقاً فإنه يكون لها ثلاثة أشياء:
الأول: الميراث؛ وهذا بإجماع أهل العلم، فلها الربع من تركته لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ (1).
الثاني: يلزمها العدة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾.
الثالث: المهر؛ وهذا مذهب جمهور أهل العلم ويكون مثل مهر نسائها.
(1) قوله «لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ»: لا وكس؛ أي لا نقص عن مهر مثيلاتها, ولا شطط؛ أي لا زيادة عن مهر مثيلاتها من النساء كما ذكر ذلك ابن مسعود في الأثر السابق.
(2)
قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِيْ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، لَمَّا مَاتَ زَوْجُهَا»:
هذا الحديث تم تخريجه وبيان الاستدلال به.
(3)
قوله «وَلَهَا الْمِيْرَاثُ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ»:
أي إذا مات أحد الزوجين فكليهما يرث الآخر، فالرجل يرث المرأة، وكذا المرأة ترث الرجل وذلك إذا مات أحدهما قبل الآخر ولم يكن هناك دخول، وقد سبق الإشارة إلى ذلك كما في أثر ابن مسعود المتقدم، وكذلك يجب على المرأة العدة لقوله=1
وَلَوْ طَالَبَتْهُ قَبْلَ الدُّخُوْلِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، فَلَهَا ذلِكَ (1)، فَإِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا أَوْ أَكْثَرَ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، وَكَذلِكَ لَوْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْهُ فَرَضِيَتْهُ (2)،
=تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (1) والآية عامة في كل من توفى عنها زوجها سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها.
(1) قوله «لَوْ طَالَبَتْهُ قَبْلَ الدُّخُوْلِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، فَلَهَا ذلِكَ»: أي وإن طالبته المرأة بأن يعين لها صداقاً قبل الدخول بها فلها ذلك لأن المهر واجب في النكاح ومن حقها أن تطالبه به قبل الدخول, فمتى فرض لها شيئاً فرضيت به فهو مهرها ليس لها غيره.
فائدة: القاعدة في مهر المثل
: أنه إذا بطل المسمى فللمرأة مهر المثل.
(2)
قوله «فَإِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا أَوْ أَكْثَرَ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، وَكَذلِكَ لَوْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْهُ فَرَضِيَتْهُ»:
المرأة مع الصداق لها أحوال:
الأول: أن يفرض لها مهر نسائها فليس لها غيره لأنه قد فرض لها ما يجب لها ولا يلزمه أكثر من ذلك.
الثاني: أن يفرض لها أكثر من مهر نسائها، فليس لها غيره لما ذكرناه في الحال الذي قبله, ولأنه أعطاها حقها وزيادة.
الثالث: أن يفرض لها أقل من مهر مثلها فترضى به فليس لها غيره لأنها قد رضيت بأقل مما يجب لها وقد أسقطت حقها برضاها فليس لها غير ما سماه لها.1
..................................
=وهنا نلخص ما ذكرناه فيما سبق من الصداق:
الأول: الصداق ملك للمرأة ليس لوليها منه شيء, إلا ما سمحت به عن طيب نفس كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ 1، ولأبيها خاصة أن يأخذ من صداقها, ولو لم تأذن, ما لا يضرها ولا تحتاج إليه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» 2.
ثانياً: يبدأ تملك المرأة لصداقها من العقد, كما في البيع ويتقرر كاملاً بالوطء أو الخلوة بها, وبموت أحدهما كما مر بنا، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: إذا طلقها قبل الدخول أو الخلوة, وقد سمي لها صداقاً, فلها نصفه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وأيهما عفا عن نصيبه لصاحبه صح عفوه لقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، ثم رغب في العفو فقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 3.
رابعاً: كل ما قبض بسبب النكاح ككسوة لأبيها أو أخيها فهو من المهر.
خامساً: إذا أصدقها مالاً مغصوباً، أو محرماً صح العقد ووجب لها مهر=
..................................
=المثل بدل الصداق المحرم.
سادساً: إذا عقد النكاح ولم يجعل للمرأة مهراً صح النكاح ويسمى ذلك بالتفويض، وقد سبق بيانه وأحكامه.
سابعاً: للمرأة قبل الدخول أن تمنع نفسها من الزوج حتى تقبض صداقها الحال, لأنها لو سلمت نفسها ثم أرادت الامتناع حتى تقبض صداقها فليس لها ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثامناً: يستحب تسمية الصداق عند العقد, لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يخلى ما يعقده من عقود النكاح من تسميته الصداق كما جاء في حديث: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» 1، وتسميته عند العقد أقطع للنزاع والخلاف بين الزوجين حيث تدخل المرأة في هذه العلاقة على بصيرة بما بذله الزوج مقابل بذلها نفسها, على أن ذلك ليس شرطاً في صحة العقد كما سبق بخلاف من قال بأن العقد لا يصح إلا بتسميته.
والصحيح: أنه لو تم من غير تسمية صح العقد وحدد مقداره لاحقاً، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة 2.
تاسعاً: يجوز تأجيل الصداق كله أو بعضه، فإذا اتفق الزوجان على تحديد جزء من الصداق معجلاً وتحديد الجزء الآخر مؤجلاً يكون ديناً في ذمة الزوج، فإذا كان المؤجل معروف الأجل التزم الزوج ذلك من غير خلاف.
..................................
=أما إذا لم يتم تحديد أجله كأن يكتفيا بتحديد نصف الصداق معجلاً والنصف الآخر مؤجلاً مثلاً ولم يحددوا أجله، فقد اختلف في ذلك الفقهاء في وقت استحقاق المطالبة بالصداق على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن هذا المؤخر لا يستحق المطالبة به إلا عند الموت أو حصول الفرقة بين الزوجين، وهذا هو المفتى به عند الحنفية 1 والصحيح من مذهب الحنابلة 2، وهو اختيار شيخ الإسلام 3.
القول الثاني: أن للمرأة الحق في المطالبة بالصداق حالاً، وهذا هو ظاهر الرواية عند الحنفية 4، ومذهب الشافعية 5.
القول الثالث: أن النكاح يفسخ بذلك قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل، ويكون حالاً، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية 6 والعمل عليه عندهم، كما أنهم يرون أن الصداق إذا أُجل كله أو بعضه إلى ما يزيد عن خمسين سنة فسد النكاح لأن التقدير بذلك مظنة إسقاطه.
والراجح من الأقوال هو القول الأول فلا تكون المطالبة به إلا بموت الزوج أو حصول الفرقة لأنه يتفق مع القياس والنظر وذلك لأن =
.................................. =المطلق من العقود ينصرف إلى العرف، والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكة والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا بالموت أو الفراق فجرت العادة مجرى الشرط, ولأن عقد النكاح يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع, وإذا ثبت هذا فلا بأس من توثيق الصداق وذلك بالكتابة والإشهاد ونحو ذلك من وسائل التوثيق، وذلك لتكون حجَّة عند الفراق أو الموت 1.
فَصْلٌ فَيْ سُقُوْطِ الْمَهْرِ وَثُبُوْتِهِ
(1) وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الْمَرْأَةِ (2)، قَبْلَ الدُّخُوْلِ (3)، كَإِسْلامِهَا (4)، أَوِ ارْتِدَادِهَا (5)، أَوْ إِرْضَاعِهَا أَوْ ارْتِضَاعِهَا (6)، (1)
قوله «فَصْلٌ فَيْ سُقُوْطِ الْمَهْرِ وَثُبُوْتِهِ»:
أي هذا فصل في بيان الحالات التي يسقط فيها المهر وكذلك الحالات التي يثبت فيها.
فما هي الحالات التي سيستقر فيها المهر والحالات التي يسقط فيها؟
هذا ما سيذكره المؤلف في هذا الفصل.
(2)
قوله «وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الْمَرْأَةِ»:
أي إن كانت الفرقة بسبب المرأة بما سيذكره المؤلف.
(3)
قوله «قَبْلَ الدُّخُوْلِ»:
أي يشترط أن تكون الفرقة هنا قبل الدخول لكي يسقط بها مهرها كما سيأتي في كلام المؤلف.
(4)
قوله «كَإِسْلامِهَا»:
كأن يكون الزوجان على غير دين الإسلام ثم تسلم المرأة أو يرتد الزوج وتكون المرأة مسلمة.
(5)
قوله «أَوِ ارْتِدَادِهَا»:
عكس ما سبق أي يبقى الزوج مسلماً وترتد المرأة.
(6)
قوله «أَوْ إِرْضَاعِهَا أَوْ ارْتِضَاعِهَا»:
إرضاعها كأن ترضع من يحرمها على زوجها, مثل أن ترضع زوجته الصغيرة فتحرم عليه لكونها بنته من الرضاع وصارت المرضعة أم ابنته من الرضاعة فتحرم عليه حينئذ, وارتضاعها كأن ترضع هي من زوجته أو أخته، ونحو ذلك فتحرم عليه.
أَوْ فَسْخٍ لِعَيْبِهَا أَوْ فَسْخِهَا لِعَيْبِهِ (1)، وْ إِعْسَارِهِ (2)، أَوْ عِتْقِهَا (3)، يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا (4)، وَإِنْ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ، كَطَلاقِهِ وَخُلْعِهِ، تَنَصَّفَ بِهِ مَهْرُهَا بَيْنَهُمَا (5)، (1)
قوله «أَوْ فَسْخٍ لِعَيْبِهَا أَوْ فَسْخِهَا لِعَيْبِهِ»:
سبق أن ذكرنا العيوب التي يحصل به فسخ النكاح, فمتى حصل فسخ بسبب عيب من العيوب التي في المرأة أو العيوب التي كانت به فإنه يسقط مهرها.
(2) قوله «أَوْ إِعْسَارِهِ»: أي حصل له إعسار فلا يستطيع أن ينفق عليها فتطلب منه الطلاق فيفارقها لذلك.
(3)
قوله «أَوْ عِتْقِهَا»:
كأن تعتق المرأة ويبقى زوجها عبداً فتختار الفسخ, فما حكم الفسخ الذي يحصل بسبب هذه الأشياء التي سبقت؟ قال المؤلف.
(4)
قوله «يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا»:
أي كل ذلك يسقط به المهر, وخلاصة ما ذكره المؤلف هنا أن كل فرقة جاءت من قبل المرأة قبل الدخول بها بسبب هذه الأشياء المذكورة وغيرها مما تكون المرأة سبباً فيها، كل ذلك يسقط المهر لأنها أتلفت المعوض قبل التسليم فسقط العوض, كما لو أتلفت المبيع قبل تسليمه, أما كون الزوج يفسخ النكاح لعيبها ويسقط المهر فلأنه سبب من جهتها.
(5)
قوله «وَإِنْ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ، كَطَلاقِهِ وَخُلْعِهِ، تَنَصَّفَ بِهِ مَهْرُهَا بَيْنَهُمَا»:
أي وإن جاءت الفرقة من قبل الزوج كطلاقه وخلعه لها بحيث يكون الخلع من جهته هو، كأن يطلب أحد أقارب المرأة كأخيها أو أبيها أن يطلقها ويعطيه مالاً في مقابلة ذلك فطلقها, هذا معنى كلامه «وخلعه» =
إِلاَّ أَنْ يَعْفُوَ لَهَا عَنْ نِصْفِهِ أَوْ تَعْفُوَ هِيَ عَنْ حَقِّهَا وَهِيَ رَشِيْدَةٌ (1)،
= وإلا فالمعروف أن الخلع يكون من قبل المرأة وبه تكون الفرقة بسببها فلا يكون لها مهر.
فالحاصل أن الفرقة إن كانت من جهة الزوج كطلاقه أو خلعه أو ردته, وغير ذلك فإن هذه الفرقة لا تسقط المهر بل تنصفه فيكون لها نصف المهر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (1).
وهل الإسلام يثبت للمخالف له مهراً؟ قولان لأهل العلم:
الأول: ثبوت نصفه عليه لأن المخالفة كانت من قبله فيثبت عليه نصف المهر، وهذا هو المذهب (2), وقول آخر عن الإمام أحمد (3) أنه إذا أسلم فلا مهر عليه لأنه فعل الواجب عليه وحصلت الفرقة بامتناعها من موافقته على الواجب فكان من جهتها.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَعْفُوَ لَهَا عَنْ نِصْفِهِ أَوْ تَعْفُوَ هِيَ عَنْ حَقِّهَا وَهِيَ رَشِيْدَةٌ»:
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ 4.123
فيُكْمَلُ الصَّدَاقُ لِلآخَرِ (1)، =فللمرأة أن تعفو وكذا الرجل, فلكل منهما العفو عن صاحبه فللزوجة أن تقول أنا لا أريد شيئاً منه, وكذا الزوج يقول أنا لا أريد شيئاً منها, لكن بشرط أن يكونا جائزي التصرف، ولذا قال المؤلف «وهي رشيدة»، والضمير على من يعود في قوله تعالى: ﴿لاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقال بعضهم على الولي، وقال آخرون: يعود على الزوجة والزوج، وهذا هو الصحيح فليس لولي الزوج أن يعفو وليس لولي الزوجة أن يعفو وذلك لأن المهر مال للمرأة فلم يملك غيرها هبته ولا إسقاطه وولي الزوج، كذلك فهو مال وقد دخل في ملكه كالإرث, فليس لأحد أن يتصرف بهبته ولا إسقاطه, ولأنه لا مصلحة له في ذلك, هذا إذا كانت المرأة رشيدة, فإن كانت غير رشيدة هل إذا عفت عن صداقها يصح؟ نقول: إذا كانت المرأة سفيهة وقالت: «خذ نصف مالي»، أو «خذ المهر كاملاً», فإنه لا يقبل قولها, لأن هذا المال تعلق به حق أبيها وحق الورثة, فالسفيه لا ينفذ تصرفه في المال.
(1)
قوله «فيُكْمَلُ الصَّدَاقُ لِلآخَرِ»:
أي يكمل كل واحد منهما الصداق للآخر إذا عفا عن حقه, فإن عفت هي عن نصفها وقد كانت قد استكملت منه نصف الصداق ردته إليه كاملاً, وإن كانت لم تستلم من صداقها شيء فلا شيء لها، وكذا هو إن عفا عن نصف الصداق أعطاها الصداق كاملاً,=
وَإِنْ جَاءَتْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ (1)، وَمَتَى تَنَصَّفَ الْمَهْرُ وَكَانَ مُعَيَّنًا بَاقِيًا لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيْمَتُهُ، صَارَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (2)، = وإن كان قد أعطاها نصفه كمَّل لها نصفه الباقي هذا معنى كلامه -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَإِنْ جَاءَتْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ»:
أي إذا كانت الفرقة بين الزوجين السبب فيها شخص آخر غير الزوجين وكانت هذه الفرقة قبل الدخول فعلى الزوج أن يعطي المرأة نصف المهر ويرجع به على من كان سبباً في التفريق كالوكيل إذا أتلف مال المشتري فإن المال ثابت في ذمة الوكيل, وقد سبق بيان صور لهذه المسألة, كما لو تزوج رجل بامرأة على زوجته فتأتي الزوجة الكبرى لتفسد على زوجها الزوجة الصغرى وكانت صغيرة فتأتي الكبرى فترضع الصغرى لتفسدها عليه, أو تأتي أخته لتفسد عليه الصغرى فترضعها فيصير خالاً لها من الرضاع، فهنا يعطي هذا الرجل نصف مهر هذه المرأة الصغيرة التى لم يدخل بها ويرجع به على من أفسدها عليه لأنه هو الذي تسبب في إفسادها عليه.
(2)
قوله «وَمَتَى تَنَصَّفَ الْمَهْرُ وَكَانَ مُعَيَّنًا بَاقِيًا لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيْمَتُهُ، صَارَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ»:
المراد بقوله «معيناً» الذي لم يثبت في الذمة, كأن يقول لها مهرك قطعة الأرض هذه, أو مهرك هذه السيارة, أو لك هذه الغنم, فهذا معنى قوله «معيناً», فإذا حصل منها فرقة قبل الدخول وكان ما أمهرها به من المعين لم يتغير لا بزيادة ولا نقصان فإنه يصير بينهما=
وَإِنْ زَادَ زِيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، كَغَنَمٍ وَلَدَتْ (1)، فَالزِّيَادَةُ لَهَا وَالغَنَمُ بَيْنَهُمَا (2)، وَإِنْ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، مِثْلُ إِنْ سَمِنَتِ الغَنَمُ (3)، =نصفين، فإن أصدقها مائة صاع من البر ثم حصل فراق بينهما قبل الدخول فلها خمسون صاعاً هذا إذا لم تتغير لا بزيادة ولا نقصان.
(1)
قوله «وَإِنْ زَادَ زِيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، كَغَنَمٍ وَلَدَتْ»:
أي إن زاد المهر المعين زيادة منفصلة، وقد سبق معنى الزيادة المنفصلة والمتصلة في باب الغصب، وقلنا بأن الزيادة المتصلة هي التي يمكن انفكاكها كالسِّمن وتعلم الصنعة في العبد, والمنفصلة هي التي تكون منفصلة عن أصلها كولد الغنم، واللبن، وما أشبه ذلك.
(2)
قوله «فَالزِّيَادَةُ لَهَا وَالغَنَمُ بَيْنَهُمَا»:
أي إن أمهرها زوجها مهراً معيناً كغنم فولدت, أو بعيراً فولدت ولداً فإنه يكون للزوجة خاصة, لأنه نماء منفصل، ويكون هذا منذ العقد إلى الطلاق، وما كان بعد الطلاق فهو بينهما جميعاً.
مثال ذلك: لو أصدقها مائة شاة فأنجبت خمسين أخرى ثم حصلت فرقة بينهما قبل الدخول، فنقول: أعطها الخمسين التى نتجت ثم تقسم المائة بينهما له خمسون ولها خمسون.
(3)
قوله «وَإِنْ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، مِثْلُ إِنْ سَمِنَتِ الغَنَمُ»:
أي وإن زاد الصداق الذي هو الغنم التي أصدقها إياها زادت زيادة متصلة كأن تسمن الغنم.
خُيِّرَتْ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهَا زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْد (1)، وَإِنْ نَقَصَتْ، فَلَهَا الخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهَا نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ (2)، (1)
قوله «خُيِّرَتْ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهَا زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:
سبق أن عرفنا الزيادة المتصلة, ف
إذا زاد صداق المرأة زيادة متصلة فلا يخلو من أقسام إذا كان هناك فرقة قبل الزواج
:
القسم الأول: هو ما ذكره المؤلف هنا وهو أن يخير المرأة بين دفع نصفها زائداً، فهذا فضل كرم منها له فيجب عليه القبول.
مثال ذلك: أصدقها أربعين شاة فسمنت وكبرت وزادت قيمتها, فلما حصلت فرقة بينهما قالت له أخذت منك أربعين شاه فهذه عشرون لك وعشرون لي مع أن هناك زيادة في نفس الغنم من جهة سمنها وغلو قيمتها.
القسم الثاني: أن تدفع له نصف قيمتها يوم العقد.
مثال ذلك: أن يصدقها غنماً هزيلة فتتغير الغنم وتصبح نشيطة سمينة فتقول الزوجة التي يريد فراقها أعطيتني أربعين شاة هزيلة قيمة الشاه الواحدة ألف ريال يوم العقد فيصير الجميع قيمته أربعون ألف ريال فتعطيه عشرين ألفاً، وهذا معنى كلام المؤلف.
(2)
قوله «وَإِنْ نَقَصَتْ، فَلَهَا الخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهَا نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:
هذا تغير بالنقص مثل لو أعطاها أربعين شاة سمينة=
وَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ نِصْفُ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ (1)،
=كل واحدة منها تساوي ألف ريال, فنقصت عن قيمتها يوم حصول الفرقة فصارت الواحدة قيمتها خمسمائة ريال.
قال المؤلف «فلها الخيار»، وفي بعض النسخ «فله الخيار»، وهذا هو الأظهر والأولى وذلك لأن الخيار يكون للزوج لا للزوجة, فالزوج هو الذي يخير بين أن يأخذ قيمة الغنم يوم العقد, أو أن يأخذ نصفها بعينها إن رضي وهو بذلك أخذ دون حقه, فالحاصل أن الزوج هنا يخير بين أمرين.
الأول: أن ينظر كم تساوي العشرون من الغنم يوم العقد فيعطى قيمتهما.
الثاني: أن يأخذ العشرين منهم دون النظر إلى ما حصل من نقصان لهذه الغنم فيأخذها ناقصة.
(1)
قوله «وَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ نِصْفُ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:
أي وإن تلفت الغنم فأصيبت بمرض ففنيت جميعها وهي في يدها فإننا نقدر قيمتها يوم إبرام العقد بينهما فيعطي نصف القيمة, فلو قدر أن قيمة هذه الغنم يوم العقد خمسون ألفاً فإنها تعطيه خمساً وعشرين ألف ريال.
وقول المؤلف «فلها نصف قيمتها».
الصواب أن يقال: «فله نصف قيمتها»، ولذا جاء في بعض النسخ «فله» بدل «فلها» وذلك لأن الغنم إنما تلفت وهي بيدها فكان الواجب عليها أنا ترد له نصف قيمتها وذلك لتعذر الرجوع في العين فرجع في القيمة، وخلاصة ما ذكر المؤلف, أن المهر له.
وَمَتَى دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ (1)، وَإِنْ خَلا بِهَا بَعْدَ العَقْدِ، وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا، وَصَدَّقَتْهُ، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَوَجَبَتِ العِدَّةُ (2)، =أحوال أربع عند الفرقة بين الزوجين قبل الدخول:
الحال الأولى: لم يتغير المهر
.
الحال الثانية: أن يتغير المهر بزيادة
.
الحال الثالثة: أن يتغير بنقص
.
الحال الرابعة: أن يتلف المال
, فهذه الأحوال الأربع للمهر، أما أحكامها فقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
(1)
قوله «وَمَتَى دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ»:
أي متى دخل الزوج بالزوجة فإن المهر يستقر, فإن دخل بها وقد فرض لها صداقاً فلها صداقها الذي فرضه, وإن دخل بها ولم يسلم لها صداقاً استقر مهر المثل وذلك لأن الدخول يوجب استقرار المسمى, فكذا مهر المثل لاشتراكهما في المعنى الموجب للاستقرار.
(2)
قوله «وَإِنْ خَلا بِهَا بَعْدَ العَقْدِ، وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا، وَصَدَّقَتْهُ، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَوَجَبَتِ العِدَّةُ»:
هذا أيضاً مما يستقر به المهر كاملاً, فيتقرر المهر كاملاً بالخلوة، وهذا هو قول أبي حنيفة 1، ومالك 2 في أحد قوليه والشافعي 3،
في القديم, وأحمد 4 في أرجح الروايتين عنه.
=
..................................
=والدليل على ثبوت المهر بالخلوة ما ورد عن زرارة بن أوفى قال «قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنَّهُ إِذَا أَرْخَى السُّتُورَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلاً، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل» 1.
واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ 2 وجه الدلالة من الآية «ما قاله الفراء»، قال: «الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها» 3، وعلى ذلك يكون معنى الخلوة عندهم هي وجود المرأة مع الرجل في مكان لا يمكن أن يطلع عليها فيه أحداً كغرفة أغلقت أبوابها ونوافذها وأرخيت ستورها وإن لم يحصل مع ذلك وطء.
وذهب مالك 4، وهو قول الشافعي 5 في الجديد، وهو رواية في مذهب أحمد 6 أنه لا يستقر المهر بالخلوة فحسب بل لابد من الوطء فإن الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، والإفضاء هو الجماع كما نقل ذلك ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ=
وَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِيْ الصَّدَاقِ أَوْ قَدْرِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيْ مَهْرَ المِثْلِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِيْنِهِ (1)،
=لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} (1)، والمسيس في الآية الجماع.
والراجح من القولين: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، فمتى حصلت الخلوة التي يمكن معها الاستمتاع فإنه يثبت المهر وتثبت العدة وإن لم يكن هناك وطء، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).
وقوله «وإن قال لم أطأها فصدقته»: أي وإن قال الزوج أنه لم يطأها وصدقته في قوله فإن هذا الكلام لا يؤثر في الحكم ما دام أنه قد حصلت خلوة يمكنه فيها الاستمتاع بالمرأة.
- فائدة: وخلاصة الكلام هنا أن المهر يستقر كاملاً بما يلي:
أولاً: الموت أي موت الزوج.
ثانياً: الدخول بالمرأة يعنى الجماع.
ثالثاً: أن يستحل منها ما لا يستحله إلا الزوج من التقبيل، أو اللمس، والنظر إلى الفرج، وما أشبه ذلك.
رابعاً: الخلوة من مميز ممن يطأ مثله بمثله, أي امرأة يوطأ مثلها.
(1)
قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِيْ الصَّدَاقِ أَوْ قَدْرِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيْ مَهْرَ المِثْلِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِيْنِهِ»:
بدأ المؤلف هنا في بيان مسائل الخلاف أي إذا حصل خلاف بين الرجل والمرأة في الصداق, والقاعدة في الخلاف أنه=12
..................................
=يقبل فيها قول من كان الأصل معه, إلا أن يكون الظاهر أقوى من الأصل فيغلب الظاهر, فالأصل في جميع المبيعات, أو الإجارة, أو الصداق, أو الرهن أو غيرها أن يقبل قول من الأصل معه, لكن لابد من اليمين لقوله -صلى الله عليه وسلم- «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْه» 1 وعلى ذلك ننزل كلام المؤلف, فإن قال الزوج أصدقتك مائة فقالت الزوجة بل مائتين, فالقول قول الزوج لأنهما اتفقا على المائة واختلفا في
الزائد فمن ادعاه فعليه البينة, وإلا فالزوج يحلف ويعطيها المائة, وهذا أحد الأقوال في المسألة، وفي رواية أخرى في المذهب ما ذكره المؤلف هنا أنه إذا اختلف الزوجان في الصداق أو قدره فالقول قول من يدعي مهر المثل مع يمينه، صورة هذه الرواية التي ذهب إليها المؤلف 2 أن يختلف الزوجان في قدر الصداق فيقول أصدقتك ثلاثين ألف ريال, وقالت بل أربعين ألف ريال, فالقول قول من يدعي مهر المثل منهما مع يمينه, فإن كان مهر مثلها ثلاثين ألفاً فالقول قول الزوج, وإن كان مهر مثلها أربعين فالقول قول الزوجة مع يمينها, وفي رواية أخرى في المذهب أنهما يتحالفان.
وقال شيخ الإسلام 3 -رحمه الله-: «يتخرج لنا قول كقول مالك إن كان =
..................................
=الاختلاف قبل الدخول تحالفا, وإن كان بعده, فالقول قول الزوج».
وقول المؤلف «وإن اختلف الزوجان في الصداق أو قدره»، في الصداق أي عين الصداق هل كان مالاً أو عيناً كسيارة أو بيت, أو أرض, فتقول له الزوجة: «أنت قد جعلت صداقي هذه السيارة»، فقال لها: «بل جعلت صداقك كذا من المال»، فاختلفا في نوع الصداق المسمى بينهم, فلو قال لها: «أصدقتك هذا البيت الذي قيمته عشرون ألفاً»، فقالت له: «بل أصدقني هذا البيت الذي قيمته خمسون ألفاً»، فهنا ينظر ما هو أقرب لمهر المثل, فإن كان مثلها يكون مهرها خمسين ألفاً قضينا لها بهذا البيت الذي تقدر قيمته بخمسين ألفاً مع يمينها, وإن كانت ممن يكون مهر مثلها عشرين ألفاً قضينا لها بهذا البيت الذي تقدر قيمته بعشرين ألفاً مع يمين الزوج.
بابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
(1) وَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَعَاشَرَةُ صَاحِبِهِ بِالْمَعْرُوْفِ (2)، (1)
قوله «بابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ»:
العشرة في اللغة: بالكسر اسم من المعاشرة والتعاشر وهي المخالطة تقول عاشرته معاشرة إذا خالطته مخالطة، واعشروا، وتعاشروا: أي تخالطوا (1). أما في الاصطلاح: فهي ما يكون بين الزوجين من حسن المخالطة والصحبة.
(2)
قوله «وَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَعَاشَرَةُ صَاحِبِهِ بِالْمَعْرُوْفِ»:
أي يجب على كل من الزوجين أن يحسن العشرة إلى صاحبه بما يقره الشرع والعرف من الصحبة والقيام بحقه، وكف الأَذى دليل ذلك قوله تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2 أي صاحبوهن وعاملوهن بالمعروف فأدوا ما لهن واصبروا على آذاهن وتقصيرهن، وقال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ 3، فالحقوق بين الزوجين متبادلة فكما أن على المرأة حقاً لزوجها، فإن لها أيضاً حقاً عليه إلا أن حق الرجل عليها أعظم وأعلى، لأن عليه الرعاية والحماية والكفاية كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ 4. =1
.................................. =وقد جاءت نصوص السنة كذلك: فعن عمرو بن الأحوص أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ, فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلا يُوَطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» 1.
- فائدة: وقول المؤلف «بالمعروف»: يحتمل فيه أمران:
الأول: أن المعروف ما عرفه الشارع وأقره.
الثاني: أن المعروف ما اعتاده الناس وعرفوه.
والصواب: أن المعروف يشمل المعنيين جميعاً، أي أنه ما عرفه الشارع وأقره، وكذلك ما اعتاده الناس وعرفوه، لكن ينظر ما عرفه الناس فإن كان الناس اعتادوا أمراً محرماً فإنه لا يجوز العمل به ولو كان هذا عادة لأن الشرع لا يقر المحرم، أما الذي سكت عنه الشارع ولم يقره لكن اعتاده الناس فيما بينهم ولم يكن محرماً فيلزم المرأة القيام به لأن العقود الجارية=
مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَلا إِظْهَارِ الكَرَاهَةِ لِبَذْلِهِ (1)، =بين الناس تتضمن كل ما يستلزمه هذا العقد شرعاً أو عرفاً، ولذا قال العلامة ابن سعدي في القواعد الفقهية: والعرف معمول به إذا ورد... حكم من الشرع الشريف لم يحد
(1)
قوله «مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَلا إِظْهَارِ الكَرَاهَةِ لِبَذْلِهِ»:
المطل: التأخير، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم- «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»
وَحَقُّهُ عَلَيْهَا تَسْلِيْمُ نَفْسِهَا إِلَيْهِ (1)، وَطَاعَتُهُ فِيْ الاِسْتِمْتَاعِ مَتَى أَرَادَهُ (2)، (1)
قوله «وَحَقُّهُ عَلَيْهَا تَسْلِيْمُ نَفْسِهَا إِلَيْهِ»:
أي إذا تم العقد يجب على المرأة تسليم نفسها في بيت الزوج إذا طلبها وكانت حرة يمكن الاستمتاع بها، لأنه بالعقد استحق الاستمتاع بها وذلك لا يحصل إلا بالتسليم، لكن هذا ليس على إطلاقه فلا بد من مراعاة عرف البلد الذي يسكن فيه الزوجان.
فإن كان العرف السائد في بلدتهم أنه لا يتم الاستمتاع بالزوجة إلا بعد دخولها لبيت زوجها وانتقالها إلى بيت الزوجية فلا يجوز له الاستمتاع بها وهي في دار أبيها أو دار وليها، فلربما حملت منه وهي في دار أبيها فيكون في ذلك تهمة، فالحاصل أنه لا بد من مراعاة عرف البلد الذي تسكن فيه المرأة.
(2)
قوله «وَطَاعَتُهُ فِيْ الاِسْتِمْتَاعِ مَتَى أَرَادَهُ»:
أي يجب على المرأة طاعة الزوج بالاستمتاع بها، والاستمتاع معناه: الوطء، لأن المقصود من النكاح الاستمتاع، دليل ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ»، وفي لفظ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ» 1، وعنه أيضاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» 2.