وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 271-310

؛ فمرادهم: الاعتداء على النفس بقتلها، وإزهاقها، والاعتداء على البدن - الذي هو أجزاء البدن - إما بقطع يد أو رجل، وإما أن يعمي بصر أو يضر بسمعه، أو نحو ذلك.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية القصاص

: الحكمة في مشروعية=

..................................  =القصاص أن الله خلق الخلق لعبادته، لكن من الناس من لا يستجيب لضعف عقيدته، فيحصل منه الاعتداء على الآخرين في أبدانهم أو أموالهم أو أعراضهم، فشرعت العقوبة في الدنيا لتمنع من اقتراف مثل ذلك، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (1).

الفائدة الثانية: الحقوق قسمان

: الأول: حقوق بين العبد وربه: وأعظمها التوحيد والصلاة.
الثاني: حقوق بين العبد وغيره من الخلق، وأعظمها الدماء، فأول ما يحاسب عليه العبد في حقوق الله الصلاة، وأول ما يقضى فيه بين العباد الدماء.

الفائدة الثالثة: القتل بغير حق من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله

: ولا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ 2، وقال -صلى الله عليه وسلم- «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَوْلُ الزُّورِ» 3، فقتل النفس بغير حق محرم بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ 4، وحكم =1

القَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ (1):  = القاتل أنه فاسق، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ... ﴾ (1)، وهذا إذا لم يتب، فإن تاب توبة نصوحاً فتوبته مقبولة، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.. ﴾ (2).

(1)

قوله «القَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ»:

أي الجناية على النفس، وهي القتل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ، ففي القرآن ورد العمد والخطأ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ 3. أما السنة فقد جاءت بإثبات شبه العمد، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَضَى رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ =12

أَحَدُهَا: العَمْدُ الْمَحْضُ، وَهُوَ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِجُرْحٍ، أَوْ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ (1)،  = دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» (1).

(1)

قوله «أَحَدُهَا: العَمْدُ الْمَحْضُ، وَهُوَ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِجُرْحٍ، أَوْ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ»:

هذا هو تعريف قتل العمد.
وقد اختلف الفقهاء في تعريف القتل العمد: فذهب الجمهور 2 إلى أن القتل العمد هو الضرب بمحدد أو غير محدد، والمحدد هو ما يقطع، ويدخل في البدن كالسيف والسكين وأمثالهما مما يحدد ويجرح، وغير المحدد هو ما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله كحجر كبير، أو خشبة كبيرة أو بفعل كخنق أو حرق ونحو ذلك مما سيذكره المؤلف.
وذهب أبو حنيفة 3 إلى أن القتل العمد هو أن يتعمد ضرب المقتول في أي موضع من جسده بآلة تفرق الأجزاء، كالسيف، والليطة «قِشرة القصب»، والمروة «بسكون الراء، الحجارة البيض البراقة، تقدح منها النار، وكانوا يذبحون بها لحدتها»، لأن العمد فعل القلب؛ لأنه القصد، ولا يوقف عليه إلا بدليله، وهو مباشرة الآلة الموجبة للقتل عادة، =1

كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ (1)، أَوْ يُكَرِّرُهُ بِصَغِيْرٍ (2)، أَوْ إِلْقَائِهِ مِنْ شَاهِقٍ (3)، أَوْ خَنْقِهِ أَوْ تَحْرِيْقِهِ، أَوْ تَغْرِيْقِهِ (4)،  = وهذا بخلاف المثقل فليس القتل به عمداً عنده -رحمه الله-.

(1)

قوله «كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ»:

بدأَ المؤلف بذكر بعض الأوصاف التي يحصل بها قتل العمد فذكر من ذلك «كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ»، كمطرقة أو سندان أو حجر ثقيل أو خشبة كبيرة، أو يلقي عليه حائطاً أو صخرةٍ عظيمة أو ما أشبهه.
(2)

قوله «أَوْ يُكَرِّرُهُ بِصَغِيْرٍ»:

أي أو يكرر ضربه بالشيء الصغير الذي يحصل القتل بتكرير الضرب به، ففيه القود، لأنه قتله بما يقتل مثله غالبا فأشبه الضرب بمثقل كبير.
(3)

قوله «أَوْ إِلْقَائِهِ مِنْ شَاهِقٍ»:

أي أو يلقي المجني عليه من مكان مرتفع فيحصل قتله به كأن يلقيه من على رأس جبل أو حائط عال وما أشبه ذلك.
(4)

قوله «أَوْ خَنْقِهِ أَوْ تَحْرِيْقِهِ، أَوْ تَغْرِيْقِهِ»:

كل هذه أوصاف لقتل العمد، فمتى حصل للمجني عليه شيء من ذلك فمات به كان القتل عمداً، كأن يجعل في عنقه خراطة، ثم يعلقه في خشبة أو شيء بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق ويموت، فهذا عمد سواء مات في الحال أو بقي زمناً، لأن هذا أشد أنواع الخنق، وكذا أن يخنقه وهو على الأرض بيديه أو بمنديل أو بحبل، أو شيء يضعه على فمه وأنفه، أو يضع يديه عليهما فيموت، فهذا إن فعل به ذلك مدة يموت في مثلها غالباً فمات فهو =

أَوْ سَقْيِهِ سُمًّا (1)، أَوِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُوْرًا بِمَا يُوْجِبُ قَتْلَهُ (2)، أَوِ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَنَحْوِ هَذَا (3)،  = عمد فيه القصاص.
واشترط بعض الفقهاء شرطاً وهو ألا يمكنه التخلص لضعفه، فإن أمكنه التخلص فلا شيء على الجاني، وقيل: بل يضمنه بالدية إذا كان يمكنه التخلص منهما، لأنه جان بالإلقاء المفضي إلى الهلاك (1). قلت: والصواب عندي أن فيه القصاص مطلقاً أذا حصل بذلك القتل.

(1)

قوله «أَوْ سَقْيِهِ سُمًّا»:

أي أو يسقيه قاتلاً أو يطعمه قاتلا فيموت به فهو عمد إذا كان مثله يقتل غالبا.
(2)

قوله «أَوِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُوْرًا بِمَا يُوْجِبُ قَتْلَهُ»:

أي ومن القتل العمد أن يشهد على المجني عليه زوراً عند القاضي بما يوجب قتله، كأن يشهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فيقتل بشهادتهما ثم يرجعان ويعترفان بتعمد القتل فيجب عليهما القتل قصاصاً، لأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالباً فأشبه المكره.
(3)

قوله «أَوِ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَنَحْوِ هَذَا»:

أي ومن القتل العمد أن يحكم الحاكم على رجل بالقتل ظلماً عالماً بذلك متعمداً قتله فيقتل ويعترف بذلك فيجب القصاص عليه.

  • فائدة: إذا وضع رجل السحر لشخص حتى أثَّر فيه ومات، فإن هذا يكون قتلاً عمداً، لأن السحر يقتل مثله غالباً، ويجتمع في حق الساحر=1

قَاصِدًا (1)،  =سببان يقتل بهما: الأول: قتله لحقِّ الله - عزّ وجل - إذا لم نقل بكفره.
الثاني: قتله لحق أولياء المقتول، فهنا تعارض عندنا حقان؛ حق أولياء المقتول، وحق الله عزّ وجل، فأيهما يقدم؟ نقول: يقدم حق أولياء المقتول، فإذا قال أولياء المقتول: ما دام أن الرجل سيقتل فنحن نريد الدية فلهم ذلك، وإن قالوا: نريد أن نقتله ونشفي صدورنا منه فلهم ذلك.
وعلى هذا فنقول لأولياء المقتول بالسحر: إن شئتم أعطيناكم هذا الساحر فاقتلوه أنتم قصاصاً، وإن شئتم قَتَلَه وليُّ الأمر حداً، ولكم الدية.

(1)

قوله «قَاصِدًا»:

هذه هي الشروط التي يتحقق بها قتل العمد، فلابد من هذين الشرطين:

الأول قصد الجناية بالقتل:

أي أن يكون الجاني قاصداً وهو أن يقتل ويزهق النفس المحرمة بنية، وإذا تخلفت النية فليس بعمد، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 1، فجعل قصد القلب للشيء عمداً، ومن هنا قالوا: لا يمكن أن يحكم بقتل العمد إلا إذا وجد قصد ونية للقتل، فلو أنه رمى ولم يقصد القتل، كأن يرمي صيداً وهو لا يقصد القتل، ومثاله أيضاً: المعلم يعذب طالباً =

عَالِمًا بِكَوْنِ الْمَقْتُوْلِ آدَمِيًّا مَعْصُوْمًا، فَهَذَا يُخَيَّرُ الوَلِيُّ فِيْهِ بَيْنَ القَوَدِ وَالدِّيَّةِ (1)،  =ثم يموت الطالب، فهذا لم يقصد القتل وإنما قصد التأديب، فإذا أردنا أن نحكم بالعمد فلا بد من وجود نية للقتل.
وكذا يشترط في القاتل لوجوب القصاص عليه أن يكون مكلفاً، أي عاقلاً بالغاً عند القتل، فلا يجب القصاص على القاتل إذا كان صغيراً أو مجنوناً جنوناً مطبقاً عند القتل، وذلك لأنه ليس لغير المكلف قصد صحيح.

(1)

قوله «عَالِمًا بِكَوْنِ الْمَقْتُوْلِ آدَمِيًّا مَعْصُوْمًا، فَهَذَا يُخَيَّرُ الوَلِيُّ فِيْهِ بَيْنَ القَوَدِ وَالدِّيَّةِ»:

هذا هو الشرط الثاني الذي يتحقق به قتل العمد وهو أن يعلم كونه آدمياً.
فقوله «آدَمِيًّا»، خرج منه قتل الحيوان، فإذا قتل حيواناً فلا يوجب القصاص، فلو أنه رأى شيئاً فظن أنه حيوان أو ظبي أو وعل - كأن يكون في البرـ فرماه فوجده آدمياً، أو رأى شخصاً نائماً فظنه حيواناً - صيداً - فقتله، أو ظنه سبعاً مفترساً فقتله، فإنه لم يقصد آدمياً معصوم الدم، ولم يرد قتل الآدمي، وإنما أراد قتل السبع ليدافع عن نفسه، أو أراد قتل حيوان صيداً.
وخرج بقوله «مَعْصُوْمًا» غير معصوم الدم، كأن يكون حربياً، ففي الجهاد إذا قتل المسلم الكافر فإنه قتل غير معصوم، فلا يوجب هذا القتل قصاصاً عليه.

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى (1)،  (1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى»

وَإِنْ صَالَحَ القَاتِلُ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَّةِ جَازَ (1)،  =فكون الجاني قريباً لهذا لا يلزم أن يكون جانياً، أو يكون مذنباً، بل الجناية تتعلق بالمعتدي، فهو الذي يؤخذ منه الحق دون غيره، وهذا هو حكم الله تعالى.

  • فائدة: من الشروط أيضاً التي لابد من تحققها في قتل العمد: أن يقع القتل وأن يحصل، فلو أنه نوى وقصد المعصوم ولم يحصل القتل، فلا يجب القصاص.
    فمثلاً: لو جاء رجل وهجم على شخص يريد أن يقتله عمداً عدواناً، وكان يعلم أن هذا الشخص معصوم الدم ومحرم النفس، فرماه بسلاحه فكسر رجله، فهو قاصد لقتل المعصوم، ولكن لم يقع القتل، فلا قصاص بالقتل، وإنما يقتص منه بمثل ما آذاه، والجروح قصاص، وينظر في الجرح هل مثله يمكن القصاص به أو لا؟ كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب القصاص.
    إذاً: يشترط لقتل العمد وجود القصد، وأن يكون المقصود آدمياً معصوم الدم، وأن يقع القتل.

(1)

قوله «وَإِنْ صَالَحَ القَاتِلُ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَّةِ جَازَ»:

أي أنه إذا اختار القصاص، ثم إن القاتل وأهله قالوا لولي المقتول: لا تقتله، ونحن نعطيك بدل الدية ديتين، أو ثلاث ديات، أو أربعاً، أو عشراً، أو ما أردت، فهذا جائز.
وذهب بعض الفقهاء ومنهم ابن القيم -رحمه الله- أنه ليس له إلاّ الدية فقط، =

..................................  =واحتجوا لقولهم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٌ - وَالْخَبْلُ عَرَجُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلاثٍ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ فَإِنْ قَبِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا» (1)، فقوله «فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ»، أي: لا توافقوه، ولأن الشرع ما جعل له إلاّ هذا، أو هذا، فإمّا أن تقتص أو الدية.
قلت: والصواب ما ذهب إليه المؤلف لقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَهِىَ ثَلاثُونَ حِقَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» (2)، وذلك لتشديد القتل.
ولأنه عوض عن غير مال، فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه، كالصداق، وعوض الخلع.

  • فائدة: قتل العمد فيه ثلاثة حقوق:

الأول: حق الله

، وهذا يسقط بالتوبة.

الثاني: حق أولياء المقتول

، ويسقط بتسليم نفسه لهم.12

الثَّانِيْ: شِبْهُ العَمْدِ، وَهُوَ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِمَا لا يَقْتُلُهُ غَالِبًا (1)،

الثالث: حق المقتول

، وهذا لا يسقط؛ لأن المقتول قد قُتل وذهب، ولكن هل يؤخذ من حسنات القاتل، أو أن الله تعالى بفضله يتحمَّل عنه؟ الصواب: أن الله بفضله يتحمل عنه إذا علم صدق توبة هذا القاتل.
(1)

قوله «الثَّانِيْ: شِبْهُ العَمْدِ، وَهُوَ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِمَا لا يَقْتُلُهُ غَالِبًا»:

هذا هو النوع الثاني من أنواع الجناية، وسمي شبه العمد لأنه قصد الضرب وأخطأ في القتل، ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ، فهو ليس عمداً محضاً، ولا خطأً محضاً، لكنه بينهما، وذلك لأن الجاني قصد الجناية لكن بشيء لا يقتل غالباً، فشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالباً، مثل ما لو ضرب إنساناً بالسوط، والعصا الصغيرة، فيؤدي إلى موته، وذلك لأن المعنى غير موجود في مثل هذه الأفعال؛ لأنها لا تقتل عادة، ويقصد به غير القتل، كالتأديب ونحوه، فكان شبه العمد، والجمهور 1 على ثبوت هذا النوع من أقسام القتل، وأنكر مالك 2 في رواية شبه العمد، وقال: القتل إما عمد وإما خطأ لأنه ليس في كتاب الله تعالى إلا العمد والخطأ، وجعل شبه العمد في حكم العمد، وروي عنه أنه قال بشبه العمد.
قلت: والسُنَّة حجَّة على خلاف ما ذهب إليه الإمام مالك إذا ثبت ذلك عنه، فقد ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ قَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا =

فَلا قَوَدَ فِيْهِ (1)،  = فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» (1)، فإن هذا القتل ليس بخطأ، ومع ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قضى بأن دية المرأة على العاقلة، وقتل العمد الديةُ على القاتل نفسه اتفاقاً لا على العاقلة، فكان قسماً ثالثاً لأنه ليس بخطأ ولا عمدٍ.
ويدل عليه أيضاً، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» (2). والشاهد قوله -صلى الله عليه وسلم- «أَلا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ»، وكذلك قوله بعد ذلك «مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» وهي الدية المغلظة، والدية المغلّظة تكون لشبه العمد، وأما الخطأ فديته، مخففة كما سيأتي، فالصحيح ما ذهب إليه الجمهور.

(1)

قوله «فَلا قَوَدَ فِيْهِ»:

القود هو القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وقطع العضو بدل العضو، وسمي بذلك لأن القاتل يقاد برُمَّته إلى أولياء المقتول بحبل ويقتل، وقوله «فَلا قَوَدَ فِيْهِ»: أي أن قتل شبه العمد لا =12

وَالدِّيَّةُ عَلى العَاقِلَةِ (1)،  = قصاص فيه، إنما القصاص في العمد.

(1)

قوله «وَالدِّيَّةُ عَلى العَاقِلَةِ»:

العاقلة: جمع عاقل، وهو دافع الدية، وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر، لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية وإن لم تكن من الإبل.
وقيل: إنما سميت عقلا لأنها تعقل لسان ولي المقتول، أو من العقل وهو المنع؛ لأن العشيرة كانت تمنع القاتل بالسيف في الجاهلية، ثم منعت عنه في الإسلام بالمال.
وعاقلة الإنسان عصبته، وهم الأقرباء من جهة الأب كالأعمام وبنيهم، والإخوة وبنيهم.
وقد اتفق الفقهاء على أن العاقلة تتحمل دية الخطأ، ودية شبه العمد عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة 1، والشافعي 2، وأحمد 3. أما مالك 4 فلا يثبت شبه العمد في القتل أصلاً.
واستدلوا لذلك بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتقدم: أن امرأتين اقتتلتا، فحذفت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، «فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى =

..................................  =عَاقِلَتِهَا» 1. وقالوا بأن النفس محترمة فلا وجه لإهدارها، وأن الخطأ يعذر فيه الإنسان، وإيجاب الدية في ماله ضرر كبير عليه من غير ذنب تعمده، فلا بد من إيجاب بدله، فكان من محاسن الشريعة الإسلامية وقيامها بمصالح العباد أن أوجبت بدله على من عليه نصرة القاتل، فأوجبت عليهم إعانته على ذلك كإيجاب النفقات على الأقارب.
وهل يتحمل الجاني مع العاقلة شيئاً من الدية؟ قولان للفقهاء: الأول: لا يؤدي الجاني من الدية شيئا مع العاقلة لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قضى بالدية على العاقلة ولم يكن الجاني من ضمنها، وهذا ما ذهب إليه الشافعية 2، والحنابلة 3. الثاني: وهو ما ذهب إليه الحنفية 4، والمالكية 5: إن الجاني يلزمه من الدية مثل ما يلزم أحد العاقلة؛ لأن الوجوب عليهم باعتبار النصرة، ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره، وأن العاقلة تتحمل جناية وجدت منه وضمانا وجب عليه، فكان هو أحق بالتحمل.
قلت: والصواب أن العاقلة متى كانت قادرة على دفعها كلها فلا يحمَّل=

الثَّالِثُ: الخَطَأُ (1) وَهُوَ نَوْعَانِ (2). أَحَدُهَمَا: أَنْ يَفْعَلَ فِعْلاً لا يُرِيْدُ بِهِ الْمَقْتُوْلَ، فَيُفْضِيْ إِلى قَتْلِهِ (3)،  =القاتل شيئاً، لكن إن لم تستطع العاقلة دفعها كاملة فيدفع القاتل باقيها.

  • فائدة: لا خلاف بين الفقهاء على أن الدية مؤجلة في ثلاث سنين في آخر كل سنة ثلثها: قال ابن قدامة -رحمه الله-: «لا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافاً بين أهل العلم، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم» (1).

(1)

قوله «الثَّالِثُ: الخَطَأُ»:

أي النوع الثالث من أنواع القتل هو قتل الخطأْ، والخطأ: ضد الصواب، وأخطأ في الشيء إذا لم يصبه، والمراد هنا: أنه لا يقصد القتل ولا يريده، وهو يقع على صور منها: أن يرمي شيئاً يظنه صيداً فيصيب آدمياً ويقتله، وهو معصوم الدم، أو - مثلاًـ يأتي بقصد الإحسان، كالطبيب يريد أن يعالج، فيهمل في بعض الأشياء بدون قصد للقتل، فيحصل به إزهاق النفس وموت المريض ونحو ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه.

(2)

قوله «وَهُوَ نَوْعَانِ»:

أي والقتل الخطأ نوعان (3)

قوله «أَحَدُهَمَا: أَنْ يَفْعَلَ فِعْلاً لا يُرِيْدُ بِهِ الْمَقْتُوْلَ، فَيُفْضِيْ إِلى قَتْلِهِ»:

هذا هو النوع الأول من أنواع قتل الخطأْ: وهو الخطأ في الفعل: فهو أن يقصد رمي شاخص أو رمي صيد فيخطئ لا يريد به المجني عليه «المقتول»، فيصيب آدمياً فيقتله.
وحكم هذا النوع من القتل أنه تجب به الدية على العاقلة والكفارة في =1

أَوْ يَتَسَبَّبُ إِلى قَتْلِهِ بِحَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ (1). وَقَتْلُ النَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ (2)،  = مال القاتل بغير خلاف بدليل قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (1).

(1)

قوله «أَوْ يَتَسَبَّبُ إِلى قَتْلِهِ بِحَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ»:

أي ومن أوجه قتل الخطأْ بالفعل هو أن يحفر شخص بئراً في طريق فيقع فيها آخر فيهلك، فهذا لا يعتبر عمدًا، لأنه لم يقصد الفعل إطلاقاً، لكنه ضامن ما لم يقم بعمل الاحتياطات اللازمة كأن يضع أمام الحفرة علامات أو أنواراً تميزها في الطريق عن غيرها، فإن عمل الاحتياطات فسيكون التفريط من الساقط، فحينئذٍ لا ضمان عليه.
(2)

قوله «وَقَتْلُ النَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ»:

أي وكذلك من أوجه قتل الخطأْ بالفعل قتل فاقد العقل كالنائم والصبي والمجنون، فإذا تعمد هؤلاء القتل فهو خطأ، أما المجنون فظاهر، لأن من شروط العمد القصد، والمجنون لا قصد له.
وأما الصبي والمراد به هنا من دون البلوغ فعمده خطأ، لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» 2، وكذلك النائم فعمده خطأ.
=1

فَحُكْمُهُ حُكْمُ شِبْهِ العَمْدِ (1)،  =وهل يمكن للنائم أن يقتل؟ نعم فبعضهم يمشي وهو نائم، وقد ذكر شيخنا (1) -رحمه الله- أن بعض الناس وهو نائم يخرج إلى الوادي شمال البلد، وهو واضع رأسه على كتفه، وبعضهم يقوم يشرب ثم يرجع وهو لا يعلم، فعمد النائم - أيضاً - يعتبر من الخطأ؛ لأنه لم يقصد، ومن شروط العمد القصد.

مسألة في عمد السكران

: قال شيخنا -رحمه الله-: «عمد السكران على المذهب عمد، لأنه لا يعذر به، وكل أقوال السكران وأفعاله معتبرة، ولهذا يقع طلاقه، ويصح إقراره، وعتقه، وإيقافه، لكن الصحيح أن السكران لا يؤاخذ بأقواله فلا يقع عتقه، ولا طلاقه، ولا وقفه، ولا إقراره.
كذلك أفعال السكران موضع خلاف، لكن الصحيح أنه لا يؤاخذ بفعله أيضاً، إلاّ إذا قال: إنه سيسكر لأجل أن يقتل، يعني أنه عرف أنه لو ذهب إلى فلان وقتله وهو صاحٍ أنه سيقتل به، فأراد أن يسكر لأجل أن يقتل هذا الرجل، فهذا لا شك أنه عمد؛ لأنه قصد الجناية قبل أن يسكر» (2).

(1)

قوله «فَحُكْمُهُ حُكْمُ شِبْهِ العَمْدِ»:

أي فحكم الخطأْ هو حكم شبه العمد.
قلت: لكن يشترك الخطأ وشبه العمد في أمور، ويفترقان في أمور، =12

النَّوْعُ الثَّانِيْ: أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا فِيْ دَارِ الحَرْبِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، أَوْ يَقْصِدَ رَمْيَ صَفِّ الكُفَّارِ، فَيُصِيْبُ سَهْمُهُ مُسْلِمًا (1)،  =فيشتركان فيما يلي: 1 - أنه لا قصاص فيهما.
2 - أن فيهما الدية.
3 - أن الدية على العاقلة.
ويختلفان فيما يلي: 1 - أن شبه العمد قصد، والخطأ ليس بقصد.
2 - أن دية شبه العمد مغلظة، ودية الخطأ غير مغلظة.
3 - أن شبه العمد فيه إثم، والخطأ لا إثم فيه.

  • فائدة: يفارق الخطأ العمد فيما يلي: 1 - أن العمد فيه قصاص، والخطأ لا قصاص فيه.
    2 - العمد ديته مغلظة، والخطأ مخففة.
    3 - العمد ديته على القاتل، والخطأ على العاقلة.
    4 - العمد لا كفارة فيه، والخطأ فيه كفارة.
    5 - العمد فيه إثم عظيم، والخطأ لا إثم فيه.

(1)

قوله «النَّوْعُ الثَّانِيْ: أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا فِيْ دَارِ الحَرْبِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، أَوْ يَقْصِدَ رَمْيَ صَفِّ الكُفَّارِ، فَيُصِيْبُ سَهْمُهُ مُسْلِمًا»:

هذا هو النوع الثاني من قتل الخطأْ وهو الخطأْ في القصد أو الاعتقاد وذلك بأن يرمى من يظنه مباح الدم فيتبين آدمياً معصوماً مثل ما ذكره المؤلف وهو أن يقتل في =

فَفِيْهِ كَفَّارَةٌ بِلا دِيَةٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (1)،  = دار الحرب أو في صف الكفار من يظنه حربياً فيتبين مسلماً، أو يتترس الكفار بمسلم ويخاف على المسلمين إن لم يرموا فيرميهم قصداً لهم فيصيب المسلم.

(1)

قوله «فَفِيْهِ كَفَّارَةٌ بِلا دِيَةٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾»

..................................  = السَّوْطِ وَالْعَصَا مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» 1، ولأنه قتل مسلما خطأ فوجبت ديته كما لو كان في دار الإسلام.

بابُ شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ وَاسْتِيْفَائِهِ

(1) وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوْبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوْطٍ (2): أَحَدُهَا: كَوْنُ القَاتِلِ مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُوْنُ فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا (3)،  (1)

قوله «بابُ شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ وَاسْتِيْفَائِهِ»:

أي القود، فإذا فقد شرط من شروطه سقط القصاص.
(2)

قوله «وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوْبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوْطٍ: »:

أي يشترط لوجوب القصاص على الجاني شروط أربعة، وهذه الشروط على سبيل الاستقراء والتتبع.
(3)

قوله «أَحَدُهَا: كَوْنُ القَاتِلِ مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُوْنُ فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا»:

التكليف يقوم على أساسين: البلوغ والعقل.
فإذا كان القاتل غير مكلف، كصبي قتل رجلاً أو قتل صبياً، فإنه لا يقتص من هذا الصبي؛ لأنه مرفوع عنه القلم وغير مكلف وغير مؤاخذ.
وكذلك أيضاً إذا قتل مجنون رجلاً أو قتل جماعة، فإنه لا يقتص منه؛ لأنه غير مؤاخذ، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله.
وفي الصبي خلاف إذا كان مميزاً، والصواب أن التفريق بين الصبي المميز وغير المميز قول ضعيف.
فالحاصل أن عمد الصبي والمجنون خطأ، فالصبي إذا قتل فلا يجب القصاص ولكن تجب الدية.
وهكذا لو أن الصبي قطع عضواً أو ضرب شخصاً فأتلف له عضواً أو نحو ذلك، فإنه يجب ضمان هذه الجناية، ولا يجب القصاص والقود.

الثَّانِيْ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مَعْصُوْمًا (1)،  (1)

قوله «الثَّانِيْ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مَعْصُوْمًا»:

هذا هو الشرط الثاني فيما يشترط لوجوب القصاص.
والمراد بهذا الشرط أننا لا نحكم بوجوب القصاص إلا إذا كان المقتول معصوم الدم، وهذه العصمة يحكم بها الشرع، بمعنى: أن الشريعة حرمت قتل هذا المقتول، فإذا ثبتت العصمة للمقتول؛ فإن من قتله بدون حق يجب عليه القصاص.
والأصل في هذا: أن الله حرم قتل المعصوم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ 1، فبين أن الإيمان عصمة للإنسان، وأنه لا يجوز قتل المؤمن إلا على وجه الحق.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ 2، قيل في تفسيرها أي: لا تقتلوا إخوانكم، فدل هذا على أن الإيمان عصمة.
ودلت السنة أيضاً على هذا، كما في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ» 3، فقوله: «لا يَحِلُّ» عبر بهذه الصيغة المقتضية للتحريم.
=

فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا (1)، أَوْ مُرْتَدًّا (2)، أَوْ قَاتِلاً فِيْ الُمَحَارَبَةِ (3)، أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا (4)،  =فإن كان المقتول غير معصوم الدم أو مباح الدم، مثل الحربي، فإنه لا يقتص من المسلم في قتل الحربي؛ لأن الحربي لا عصمة له في الشرع، وليس بمعصوم الدم.

(1)

قوله «فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا»:

الحربي هو الكافر الذي بيننا وبينه حرب، وليس بيننا وبينه عهد، مثل اليهود الذين احتلوا فلسطين، فهؤلاء ليس بيننا وبينهم عهد.
وما ذكره المؤلف هو تمثيل على الدم المهدر وهو دم الحربي، فإذا قتله المسلم لم يضمنه بقصاص ولا دية.
(2)

قوله «أَوْ مُرْتَدًّا»:

أي وكذلك لا يقتل الجاني بقتله للمرتد ولم يضمنه، لأنه غير معصوم الدم، لكنه يعاقب على قتله، فيعزره الإمام، لأنه ليس لأحد أن يفتات على الإمام، أو نائبه.
والردة تكون بالأقوال أو بالأفعال الموجبة للخروج من الإسلام، مثل أن يستهزئ بالله، أو برسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو يجحد فريضة معلومة من فرائض الإسلام، أو يترك الصلاة تركاً مطلقاً على القول الصحيح، أو ما أشبه ذلك.

(3)

قوله «أَوْ قَاتِلاً فِيْ الُمَحَارَبَةِ»:

كأن تقوم حرب بين طائفتين من المسلمين فيقتل فيها، فيسقط عن القاتل القصاص ولا يضمن.
(4)

قوله «أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا»:

أي وكذلك مما يسقط به القصاص والضمان، أن يكون المجني عليه زانياً محصناً «يعني متزوجاً» لأن الزاني المحصن غير معصوم الدم.
=

أَوْ قَتْلُهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ (1)،  =وقد اختلف العلماء فيمن قتله، فبعض العلماء يرى أن المحصن مهدر الدم، وأنه إذا قتله القاتل فلا قصاص عليه، قالوا: لأن دمه مستحق بالشرع، فإذا قتل فإنه لا عصمة له حتى نقتل من قتله، فأسقطوا القصاص لعدم وجود العصمة.
ومن أهل العلم من قال: إن قتل الزاني المحصن أمر إلى ولي الأمر والقاضي، فهو مستحق بحكم الشرع، وليس لأحد أن يأتي ويقتله، لأن هذا لا يستند إلى ولاية بالقتل، وقد جعل الله عز وجل ولاية قتله للسلطان ومن يقوم مقامه، ولأنه في بعض الأحيان يكون قتله حميةً، كما لو جاء ووجده مع زوجته وهو محصن فقتله، أو شهد الشهود الأربعة على أنه زنى بزوجته فقتله، قالوا في هذه الحالة: يكون قتله أشبه بالغيرة، وليس قياماً بحق الشرع، لأنه ليس على الصفة المعتبرة شرعاً، وهذا هو الصواب.

(1)

قوله «أَوْ قَتْلُهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ»:

هذه المسألة تسمى بدفع الصائل، والصائل هو: الشخص الذي يهجم على الإنسان؛ إما من أجل أن يضره في نفسه كأن يريد قتله، أو يضره في عرضه أو يصول على ماله، ولكن هناك ضوابط لابد من مراعاتها قبل دفع الصائل بالقتل منها: أولاً: أن الأصل العام يقتضي أن دم المسلم حرام ولا يجوز للمسلم أن يقتل غيره أو يتلف شيئاً من جسده إلا إذا أذن الشرع بذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- =

..................................  =: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» 1، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ» 2. هذه الأصول الشرعية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يقتل المسلم إلا إذا دلَّ الشرع على جواز ذلك القتل وحله.
فلو أن شخصاً مسالماً هجم عليه شخص في البيت ومعه سلاح ويريد قتله أو يريد أن يعتدي على عرضه، ففي هذه الحالة ينبغي علينا أن نبقي على الأصل ونقول: لا يجوز أن تتعرض لهذا الذي هجم فتقتله إذا كنت تستطيع دفع ضرره بالأخف.
فلو أمكن الشخص أن يستغيث - بعد الله - بأشخاص يأتون من أجل أن ينقذوه دون أن يحصل قتل لم يجز له أن يقتله.
ولو أمكن أن يستخدم وسيلة تحول بينه وبين هجوم الشخص عليه كقفل الباب، فحينئذ يجب عليه قفل بابه أو ركوب سيارته والهروب إذا أمكن أن يهرب، فإذا تلافى هذا الضرر دون أن يحدث ضرر عليه فعل.
أما إذا أصبح أمام الموت بحيث هجم عليه هجوماً لا يمكن معه أن يدفع ضرره إلا بالقتل، فحينئذ يحل له شرعاً قتله، لقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ قُتِلَ دُونَ=

..................................  =مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (1)، أما إذا أمكنه إذا هجم عليه هجوماً أن يدفع الضرر بضرر في نفس هذا الصائل دون قتله كأن يصيبه في بدنه فلا يجوز أن يقتله.

ثانياً: أن يكون صائلاً بظلم لا صائلاً بشبهة،

بمعنى: لو أن اثنين اختلفا في أرض فجاء أحدهما ودخلها بحكم أنه يعتقد أن الأرض أرضه، فلا نقول: إن هذا صائل لأن الأرض ما ثبت أن فلاناً يملكها.

ثالثاً: أن يكون الشخص الذي صال يخشى منه الضرر على النفس أو على المال أو على العرض،

ويكون ضرراً مؤثراً، فإذا كان المال شيئاً تافهاً، كما لو جاء يريد أن يأخذ قلماً أو كتاباً، فلا نقول: إنه يباح قتله؛ لأن هذا شيء تافه في مقابلة حرمة الدم، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن زوال الدنيا أهون عند الله من إراقة دم امرئٍ مسلم، فليست دماء المسلمين رخيصة بهذا الشكل فتستباح بشيء تافه حقير.

رابعاً: أن يذكره بالله عز وجل، وينصحه إذا أمكن ذلك،

فيعذر إليه ويحذره ويمنعه إذا أمكنه ذلك، فيقول له: إذا هجمت أو دخلت دون إذني سأقتلك، أو إذا اعتديت علي سأقتلك، فيعذر إليه وينبهه لاحتمال أن يكون مخطئاً، ودخل الدار خطأً ويظن صاحب المنزل أنه صائل وهو ليس بصائل.1

فَلا ضَمَانَ فِيْهِ (1). الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مُكَافِئًا لِلْقَاتِل، فَيُقْتَلُ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالحُرِّ المُسْلِمِ (2)،

خامساً: ألا يتمكن من دفع ضرره إلا بالقتل كما سبق،

فإذا لم يمكنه دفع ضرره إلا بالقتل وكان الضرر على النفس أو على العرض أو على المال، فإنه يجوز له أن يدفع ذلك الضرر ولو بإزهاق روحه؛ لثبوت النص عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسقوط حرمته.
(1)

قوله «فَلا ضَمَانَ فِيْهِ»:

أي فإن كان المقتول حربياً أو مرتداً أو قاتلاً في المحاربة أو زانياً محصناً أو قتله دفعاً عن نفسه أو ماله أو حرمته فلا ضمان فيه، لأنه غير معصوم.
(2)

قوله: «الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ فَيُقْتَلُ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالحُرِّ»:

ذهب جمهور 1 الفقهاء إلى أن من شروط وجوب القصاص في القتل المكافأة بين القاتل والقتيل في الدين والحرية أو الرق، فلا يقتل الأعلى بالأدنى، ولكن يقتل الأدنى بالأعلى وبالمساوي مع اختلافهم في الأوصاف التي تعتبر للمكافأة.
واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ 2. وخالف الحنفية 3 فقالوا لا يشترط في القصاص في النفس المساواة بين القاتل والقتيل إلا أنه لا يقتل عندهم المسلم ولا الذمي بالحربي، لا =

ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثى (1)،  = لعدم المساواة بل لعدم العصمة.
قوله: «فَيُقْتَلُ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالحُرِّ المُسْلِمِ»: أي فإذا كان القاتل حراً مسلماً اشترط كون المقتول حراً مسلماً لتحقق الكفاءة بينهما لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ (1)، وقد أجمع أهل العلم على أن الحر المسلم يقاد به قاتله وإن كان مجدع الأطراف معدوم الحواس والقاتل صحيحاً سوي الخلق أو كان بالعكس، وكذلك إن تفاوتا في العلم والشرف، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، والكبر والصغر، والسلطان والسوقة، ونحو هذا من الصفات لم يمنع القصاص بالاتفاق وقد دلت عليه الآية السابقة، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» (2)، ولأن اعتبار التساوي في الصفات والفضائل يفضي إلى إسقاط القصاص بالكلية وفوات حكمة الردع والزجر فوجب أن يسقط اعتباره كالطول والقصر والسواد والبياض.

(1)

قوله «ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثى»:

أي يستوي في ذلك الذكر والأُنثى فيقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر، وفي رواية عن الإمام أحمد 3: أن الرجل لا=12

وَلا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ (1)، وَلا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» (2)،  =يقتل بالمرأة وإنما يدفع إليه نصف ديته لأن ديتها نصف ديته، فإذا قتل بها بقي له بقية فاستوفيت ممن قتله.
والصحيح هو القول الأول لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ مع عموم سائر النصوص، وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قتل يهودياً رض رأس جارية من الأنصار» (1)، ولأنهما شخصان يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه فقتل كل واحد منهما بالآخر كالرجلين، ولا يجب مع القصاص شيء لأنه قصاص واجب فلم يجب معه شيء على المقتص كسائر القصاص.

(1)

قوله «وَلا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ»:

سواء كان عبده أو عبداً لغيره، لقول الله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (2)، فيدل على أنه لا يقتل به الحر، وعن علي -رضي الله عنه- أنه قال: «من السنة ألا يقتل حر بعبد» (3). (2)

قوله «وَلا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ»

..................................  =وخالف في ذلك الحنفية 1 فقالوا: يقتل المسلم بالذمي، واحتجوا بعموم قوله تعالى ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وقوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾، ولأنه معصوم عصمة مؤبدة فيقتل به قاتله كالمسلم.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور، أي لا يقاد مسلم بكافر لحديث أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم كتاب قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة قال: قلت فما في هذه الصحيفة قال «الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الأَسِيرِ وَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»، وفي رواية عن قيس بن عباد قال انطلقت أنا والأشتر إلى على -رضي الله عنه- فقلنا هل عهد إليك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال لا إلا ما في كتابي هذا - قال مسدد قال - فأخرج كتاباً فإذا فيه: «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلا لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» 2. وعن علي -رضي الله عنه- أنه قال «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا حُرٌّ بِعَبْدٍ» 3، ولأن الكافر منقوص بالكفر فلا يقتل به المسلم كالمستأمن.
وأما أدلة الحنفية فهي أدلة عامة مخصوصة بهذه الأدلة التي ذكرناها، =

وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بالذِّمِّيِّ وَالمُسْلِمِ (1)، وَيُقْتَلُ العَبْدُ بِالعَبْدِ (2)، وَالحُرِّ بِالحُرِّ (3)،  =وأما حديثهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقاد مسلماً بذمي وقال «أنا أحق من وفي بذمته»، فهو حديث ضعيف، بل ليس له إسناد.

(1)

قوله «وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بالذِّمِّيِّ وَالمُسْلِمِ»:

الذمِّي هو الذي بيننا وبينه عهد وذمة أن يبقى في دارنا آمناً، تحفظ له حقوقُه، ولا يعتدى عليه لكن عليه الجزية.
فلو قتل هذا الذمِّي ذمياً مثله فإنه يقاد به، سواء اتفقت أديانهم أو اختلفت فيقتل النصراني باليهودي والمجوسي.
وكذلك إن تعدى ذمِّي على مسلم بالقتل فإنه يقتل به لا العكس كما سبق، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قتل اليهودي الذي رض رأس جارية من الأنصار على أوضاح لها» (1)، ولأنه إذا قتل بمثله فبمن فوقه أولى.

(2)

قوله «وَيُقْتَلُ العَبْدُ بِالعَبْدِ»:

لعموم قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ (2)، ولأن الكل عبيد ويقتل العبد بالعبد مطلقاً.
وفي رواية أُخرى (3) إن كان القاتل أغلى قيمة لا يقتل.

(3)

قوله «وَالحُرِّ بِالحُرِّ»:

للآية السابقة، وقد سبق بيان ذلك.123

الرَّابِعُ: أَنْ لا يَكُوْنَ أَباًّ لِلْمَقْتُوْلِ، فَلا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأَبَوَانِ فِيْ هَذَا سَوَاءٌ (1)، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَلَدًا، أَوْ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ (2)،  (1)

قوله «الرَّابِعُ: أَنْ لا يَكُوْنَ أَباًّ لِلْمَقْتُوْلِ، فَلا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأَبَوَانِ فِيْ هَذَا سَوَاءٌ»:

هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء (1) أي أنه لا يقتص منه، فالوالد لا يقاد بولده ذكراً أو أنثى، والجد لا يقاد بولد ولده وإن نزلت درجته، وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات.
وفصَّل المالكية (2) فقالوا: لا يقاد الأب بالابن إلا أن يضجعه فيذبحه أو يبقر بطنه، فأما إذا حذفه بالسيف أو بالعصا فقتله لم يقتل به، وكذلك الجد مع حفيده.
وقال بعض العلماء في بيان العلة في عدم قتل الوالد بولده: أن الوالد يؤدب ولده، والغالب ألا يقتل والد ولده عمداً عدواناً، لكن هناك شبهة التربية والتأديب، وأنه لا يقدم على ضربه حتى يموت، لما جبل عليه الوالد من الرحمة والعطف عليه، فالشبهة قائمة، والشبهة تسقط القصاص.

(2)

قوله «وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَلَدًا، أَوْ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ»:

فلو كان رجل له زوجة وله منها ابن فقتل أحد الزوجين الآخر لم يجب القصاص لأنه لو ثبت لثبت للابن والابن لا يجب له القصاص على=12

..................................  =والده لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلأنه لا يجب عليه بجناية على غيره أولى.

فائدة: هل هناك قصاص باليد، والعصا، والسوط؟

قال بعض أهل العلم فيه قصاص، وقال بعضهم: بل فيه التعزير، ورجح شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما أن فيه القصاص، وقالوا: بأن هذا هو المأثور عن الصحابة، وقد قص الرسول -صلى الله عليه وسلم- من نفسه، وهذا ما صرح به عمر وفعله، والله يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ... ﴾ (1).

فائدة: لا يجمع في عضو واحد بين دية وقصاص

: بل إن اقتص سقطت الدية، وإن أخذ الدية فلا قصاص.1

فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ

(1) وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ ثَلاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لِمُكَلَّفٍ (1)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ»:

أي شروط تنفيذه واستيفائه، المعتبرة في ورثة المقتول، والمعنى أي: في هذا الموضع سأذكر لك الأمور المعتبرة للحكم باستيفاء أولياء المقتول حقهم من القاتل، وذلك بالقصاص والقود.
(2)

قوله «وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ ثَلاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لِمُكَلَّفٍ»:

هذا هو الشرط الأول: أي أن يكون مستحق القصاص مكلفاً؛ أي: بالغاً عاقلاً، وذلك لأن استيفاء القصاص ولاية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِى الْقَتْلِ﴾ 1، والصبي والمجنون لا ولاية لهما، فإن كان مستحق القصاص أو بعض مستحقيه صبياً أو مجنوناً، لم يستوفه لهما وليهما، لأن القصاص لما فيه من التشفي والانتقام ولا يحصل ذلك لمستحقه باستيفاء غيره، فيجب الانتظار في تنفيذ القصاص، ويحبس الجاني إلى حين بلوغ الصغير وإفاقة المجنون، لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص، حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة، ولم ينكر، فكان إجماعاً من الصحابة الذين في عصر معاوية -رضي الله عنه-.
وفي قول آخر اختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي 2، أن لوليهما=

فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَهُ فِيْه حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ (1)،  =العفو إلى الدية وكذا الوصي والحاكم، وذلك: لأنه يقوم مقامه في تصرفاته كلها، فكذلك هنا؛ ولأن ترك ذلك يترتب عليه فوات الحق أو تفويته، فقد يموت الجاني قبل أن يقتل، وقد يهرب، أو يحصل ما يمنع من إقامة الحد عليه بفعل ظالم ونحو ذلك، فلكي لا يفوت الحق فإنا نقيم الولي مقامه، ولأن المصلحة هنا وهي مصلحة عدم تفويت الحق وفواته أرجح من مصلحة التشفي، ولا شك أنه يحصل له تشفي عندما يختار وليه القتل، ويحصل له انتفاع بالدية إذا اختار الدية والولي يختار ما فيه مصلحة.

  • فائدة: قال شيخنا -رحمه الله-: «استثنى بعض العلماء من هذه المسألة ما إذا كان القتل غيلة»: أي: أن يقتله على غِرَّة - فإنه يقتل القاتل بكل حال، سواء اختار أولياء المقتول القتل أم الدية، وبناءً على هذا القول فإنه لا يحبس الجاني حتى يبلغ أولياء المقتول، لأن قتل الغيلة فيه مفسدة عظيمة، ولأنه لا يمكن التحرز منه، إلاّ أن يكون مَلِكاً أو أميراً له جنود وحاشية يحرسونه فيمكنه التحرز منه، لكن عامة الناس لا يمكنهم التحرز منه» (1).

(1)

قوله «فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَهُ فِيْه حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ»:

أي فإن كان حق استيفاء القصاص لغير مكلف، كأن يكون صغير قتل أباه ولا وارث له غيره، أو كان هذا الصغير له فيه حق وإن قل، لم يجز استيفاء=1

..................................  =القصاص من قبل ولي الصغير أو غيره، كما لو قتل رجل، وورثه أبوه وابنه الصغير، فليس للأب أن يستوفي القصاص، لأن أحد مستحقيه صغير لم يبلغ، وذلك لأن القصاص فيه من التشفي والانتقام ولا يحصل ذلك إلا إذا استوفاه الوارث بنفسه، فيجب الانتظار في تنفيذ القصاص، ويحبس الجاني إلى حين بلوغ الصغير وإفاقة المجنون الذي يرجى إفاقته من جنونه.
وفي رواية أخرى أنه يجوز للمكلف استيفاؤه لأن الحسن بن علي -رضي الله عنه- قتل ابن ملجم قصاصاً وفي الورثة صغار فلم ينكر ذلك، ولأن ولاية القصاص عبارة عن استحقاق استيفائه وليس للصغير هذه الولاية.
والصواب القول الأول وذلك لأنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة غير معينين فلم يجز لأحدهم استيفاؤه استقلالاً كما لو كان بين حاضر وغائب أو أحد بدلي النفس فلم ينفرد به بعضهم كالدية.
فأما ابن ملجم فقد قيل: إنه قتله لكفره لأنه قتل علياً مستبيحاً دمه، معتقداً كفره، وقيل لسعيه في الأرض بالفساد وإظهاره السلاح فيكون قتله متحتماً إلى الإمام, وكان الحسن -رضي الله عنه- الإمام.
فإذا كان من له حق استيفاء القصاص غير المكلف مجنوناً أو معتوهاً أو شيخاً هرماً، فهؤلاء إذا كانوا لا يرجى برؤهم، فالأقرب أن ولي كل واحد منهم يقوم مقامه، فيختار ما فيه مصلحة لهذا الوارث من القصاص أو الدية، وذلك لأن تأخير القصاص في مثل هذه الحالة فيه=

وَإِنِ اسْتَوْفَى غَيْرُ الْمُكَلَّفِ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ، أَجْزَأَ ذلِكَ (1). الثَّانِيْ: اتِّفَاقُ جَمِيْعِ الْمُسْتَحِقِّيْنَ عَلى اسْتِيْفَائِهِ (2)،  = مفاسد منها إضاعة حق بقية الورثة في القصاص، ومنها تضرر هذا الوارث غير المكلف، لأنه قد يكون محتاجاً إلى حقه من الدية، فيحرم منها.

(1)

قوله «وَإِنِ اسْتَوْفَى غَيْرُ الْمُكَلَّفِ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ، أَجْزَأَ ذلِكَ»:

أي إذا قام الصغير أو المجنون فاستوفى حقه من القاتل فقام بقتله، أجزأه ذلك وذلك لتحقق ما شرع من أجله القصاص.
(2)

قوله «الثَّانِيْ: اتِّفَاقُ جَمِيْعِ الْمُسْتَحِقِّيْنَ عَلى اسْتِيْفَائِهِ»:

هذا هو الشرط الثاني لاستيفاء القصاص وهو اتفاق الأولياء على طلب القتل، فلو أن للمقتول عشرة من الأولياء، وهم قرابته الذين لهم حق القصاص، فسامح واحد منهم، أو عفا واحد منهم، سواءٌ عفا إلى دية أم عفا بدون دية، فإنه يسقط القصاص ويُعدل إلى الدية لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ 1 ولأنه إذا عفي عن القاتل جزء من دمه فإن القتل لا يتبعض، فإذا كان الورثة ستة، وعفا واحد منهم، فلا يمكن أن نقتل القاتل خمسة من ستة من القتل، ونبقي واحداً من ستة، فلمَّا كان جزء من القاتل لا بد أن يبقى حيًّا، وكان لا يمكن حياة هذا الجزء إلاّ بحياة الباقي، كان عفو بعض الورثة مانعاً من القتل.

فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيْهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ كَانَ فِيْهِمْ غَائِبٌ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ (1)، فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ بَعْضُهُمْ، فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ دِيَتِهِ لَهُ (2)، وَلِشُرَكَائِهِ حَقُّهُمْ فِيْ تَرِكَةِ الْجَانِيْ (3)، وَيَسْتَحِقُّ القِصَاصَ كُلُّ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ عَلى قَدْرِ مَوَارِيْثِهِمْ (4)،  (1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيْهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ كَانَ فِيْهِمْ غَائِبٌ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ»:

أي فإن لم يأذن في القصاص بعضهم لكونه صغيراً، أو غائباً فإنه لا يجوز لبعض ورثة المقتول استيفاء القصاص لأنه حق لجميع الورثة، فلم يكن لبعضهم الاستقلال به.
(2)

قوله «فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ بَعْضُهُمْ، فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ دِيَتِهِ لَهُ»:

أي فإن قام بعض الورثة بقتل الجاني بغير إذن شريكه، كأن يكون المستحقون للقصاص ثلاثة إخوة، فقام بعضهم بقتل القاتل، فهذا لا يجوز، ويجب أن يعزر، لكن لا قصاص عليه لأنه مشارك في استحقاق القصاص.
(3)

قوله «وَلِشُرَكَائِهِ حَقُّهُمْ فِيْ تَرِكَةِ الْجَانِيْ»:

أي فإن قال أولياء المقتول الأول نريد الدية، فلهم ذلك، ويرجعون على تركة الجاني بالدية، وورثة الجاني يرجعون على الأخ القاتل بما أُخذ منهم، لأنه هو الذي فوَّته عليهم.
(4)

قوله «وَيَسْتَحِقُّ القِصَاصَ كُلُّ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ عَلى قَدْرِ مَوَارِيْثِهِمْ»:

الذي يستحق القصاص هم ورثة المقتول، كما سبق سواء كانوا يرثونه بالسبب كالزوجية والولاء، أو بالنسب وهم القرابة، أو بالرحم =

الثَّالِثُ: الأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ فِيْ الاِسْتِيْفَاءِ،، فَلَوْ كَانَ الجَانِيْ حَامِلاً، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْهَا فِيْ نَفْسٍ وَلا جُرْحٍ، وَلا اسْتِيْفَاءُ حَدٍّ مِنْهَا، حَتَّى تَضَعَ وَلَدَهَا، وَيَسْتَغْنِيَ عَنْهَا 1،  =بالفرض، أو بالتعصيب.
دليل ما ذكره المؤلف هو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ» (1).

(1)

قوله «الثَّالِثُ: الأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ فِيْ الاِسْتِيْفَاءِ، فَلَوْ كَانَ الجَانِيْ حَامِلاً، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْهَا فِيْ نَفْسٍ وَلا جُرْحٍ، وَلا اسْتِيْفَاءُ حَدٍّ مِنْهَا، حَتَّى تَضَعَ وَلَدَهَا، وَيَسْتَغْنِيَ عَنْهَا»:

أي الشرط الثالث لاستيفاء القصاص هو أن يؤمن الاستيفاء من أن يتعدى الجاني، فالأصل أن القاتل يُقتل، ولا يُقتل معه غيره، فلا يؤخذ بجريمته من لا جريمة له.
مثال ذلك: ما ذكره المؤلف في المرأة الحامل، ففي بطنها جنين لا ذنب له، وحينئذٍ لو قتلناها قتلنا نفسين بنفس واحدة، والله عز وجل يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ 2، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ 3. وبناءً على ذلك: لا يقتل هذا الجنين؛ لأنه لا ذنب له، فينتظر إلى وضعها، فذكر العلماء هذا الشرط تنبيهاً على هذه المسألة: أنه لا تقتل المرأة الحامل حتى تضع ما في بطنها، والأصل في ذلك في الحدود: قصة كل من =

جارٍ التحميل