وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 236-275

..................................  - فائدة: هذا في حق الاستمتاع، أما في حق خدمتها لزوجها فهل يجب عليها ذلك؟ نقول لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية خدمة الزوجة لزوجها في بيت الزوجية، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك، لكن اختلف الفقهاء هل يجب ذلك عليها أم لا على قولين: القول الأول: أن خدمة الزوجة لزوجها ليست بواجبة عليها، لكن الأولى لها خدمته بما جرت به العادة به، وهذا هو قول الجمهور 1، وحجتهم في ذلك أن المعقود عليه هو الاستمتاع بها فلا يلزمها ما سواه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ 2. القول الثاني: أن المرأة يجب عليها خدمة زوجها، وهذا هو قول الحنفية 3، وجمهور المالكية 4، وبعض الحنابلة 5، لكن اختلفوا فيما تكون الخدمة: فالحنفية على أن الخدمة واجبة ديانة ولا يجوز لها أن تأخذ من زوجها أجراً على خدمتها له، ويستدلون على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قسم الخدمة بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، فجعل عمل الداخل على فاطمة، =

مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ (1)،  = وعمل الخارج على علي -رضي الله عنه-.
أما جمهور المالكية فيقيدون ذلك بخدمة المثل في الأعمال الباطنة التي جرت العادة بقيام الزوجة بمثلها كالعجين والكنس والفرش، واستقاء الماء ونحو ذلك.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (1)، وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم على ذلك.
والراجح من الأقوال: هو ما ذهب إليه المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (2)، أي يجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال.
وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة (3) حيث نصت على أن الواجب في ذلك يختلف باختلاف طبقات الناس، وما جرى به من عرفهم وعاداتهم.

(1)

قوله «مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ»:

أي ما لم يكن لها عذر يمنعها من الحق الواجب عليها من الاستمتاع وغيره مثل الحيض والنفاس, والصيام الواجب وأداء الصلاة المفروضة, والاحترام بالحج, والمرض ونحو ذلك, والخلاصة أن الرجل له الاستمتاع بالمرأة ما لم يكن هناك عذر=123

وَإِذَا فَعَلَتْ ذلِكَ (1)، فَلَهَا عَلَيْهِ قَدْرُ كِفَايَتِهَا مِنَ النَّفَقَةِ (2)،  =شرعي يمنعه من ذلك أو كان يلحقها ضرر حال الاستمتاع بها, وكذا يسقط عنها حق خدمته إذا كان فيه مانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك فهنا يسقط الواجب عنها لهذه الأعذار.

(1)

قوله «وَإِذَا فَعَلَتْ ذلِكَ»:

أي سلمت نفسها له ومكنت زوجها من الاستمتاع بها وكذالك قامت بأداء الحق الواجب عليها من الخدمة فلا بد لها من المكافأة على ذلك، ولذا قال المؤلف.
(2)

قوله «فَلَهَا عَلَيْهِ قَدْرُ كِفَايَتِهَا مِنَ النَّفَقَةِ»:

أي متى فعلت المرأة من تسليمها نفسها له ومكنته من الاستمتاع بها فإنه يجب عليه النفقة, والمعتبر في هذه النفقة الكفاية بالمعروف لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (1)، وكما سيأتي في حديث امرأة أبي سفيان، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (2)، أي مما يقره الشرع والعرف من غير إسراف ولا تقتير.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرحه لهذا الحديث: «المراد بالمعروف: القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية» (3).

و

هل المعتبر في النفقة حال الزوج أو حال الزوجة؟

نقول اختلف في ذلك الفقهاء على ثلاثة أقوال:123

..................................  =القول الأول: أن الاعتبار في ذلك بحال الزوجة, وهذا مذهب المالكية 1 وقول عند الشافعية 2، جمهور الحنفية 3 في الرواية المعتمدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 4، وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى سوى بين النفقة والكسوة قدر حالها فكذلك النفقة، ولحديث هند بنت عتبة رضي الله عنها المتقدم، فاعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- كفايتها دون حال زوجها, ولأن نفقتها حاجتها فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها دون حال من وجبت عليه كنفقة المماليك, ولأنه واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر فكان معتبراً بها كمهرها وكسوتها.
القول الثاني: أن الاعتبار في تقدير النفقة بحال الزوج في اليسار والإعسار، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية 5، وظاهر الرواية عند الحنفية 6، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ 7.

وَالكِسْوَةِ وَالمَسْكَنِ، بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا (1)،  =فهذه الآية نص صريح في اعتبار النفقة بحال الزوجين فيجب العمل به.
القول الثالث: أن الاعتبار بحالهما معاً, أي بحال الزوجية أي كل على حسب حاله، فإن كان أحدهما معسراً والآخر غنياً فإن النفقة تكون ما بين ذلك حسب العرف، وهذا هو قول الحنابلة (1)، قال ابن قدامة في المغني: «وفيه جمع بين الأدلة وعمل بها ورعاية لكلا الجانبين».
قلت: والصواب من هذه الأقوال أن المعتبر في النفقة عند التنازع حال الزوج, لقوة الأدلة فالآية صريحة في ذلك أعنى قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾، فهي دالة دلالة واضحة على أن المعتبر في النفقة هو حال الزوج لأنه هو المخاطب بالآية, فإن كان الزوج غنياً أُلزم بنفقة غني, وإن كان فقيراً أُلزم بنفقة فقير, ولم يلزم بنفقة غني ولا نفقة متوسط حتى لو كانت هي غنية، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).

فائدة: في وقت وجوب النفقة

: يجب على الزوج دفع نفقة الزوجة إليها في صدر نهار كل يوم إذا طلعت الشمس, لأنه أول وقت الحاجة فإن اتفقا على تأخيرها أو تعجيل نفقة عام أو شهر أو لأقل من ذلك جاز لأن الحق لا يعدوهما كالدين.
(1)

قوله «وَالكِسْوَةِ وَالمَسْكَنِ، بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا»:

أي ويجب عليه كذلك الكسوة والمسكن للزوجة وذلك لعموم قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو=12

..................................  =سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}، والكسوة تدخل في عموم الإنفاق المأمور به في الآية, وجاء أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في خطبته يوم عرفة: «اتَّقُوا اللَّهَ فِى النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (1).

لكن ما هو

حد الكسوة التي يؤمر بها الزوج

؟ نقول: بأن الكسوة تكون على قدر ما يطيقه المأمور به, أي على قدر يساره وإعساره, وعلى قدر الكفاية لها وعلى قدر حالها وما يكسى مثلها في مثل ذلك البلد، فالحاصل أن الكسوة التى تكفيها تكون بما يتناسب مع حال الزوج من جهة الفقر والغنى من الثياب، والأحذية، والخمار، وغيرها من الألبسة الداخلية والخارجية.
فإن كان الزوج موسراً أنفق عليها في الكسوة مثل ما ينفقه على امرأة موسرة, وإن كان فقيراً فإنه ينفق عليها في الكسوة ما ينفق على امرأة فقيرة، وهكذا كما قلنا في النفقة في الإطعام، ويكون ذلك كله بما جرت به عادة أمثالها.
وما قاله العلماء بأن يكون ثياب البلد من الكتان، والحرير، والإبريسم، وأقله قميص، وسراويل، وغير ذلك نقول هذا بناء على لباسهم.1

وَالمَسْكَنِ (1)، بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا (2)، فَإِنْ مَنَعَهَا ذلِكَ أَوْ بَعْضَهُ (3)، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلى مَالٍ، أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ كِفَايَتِهَا وَوَلَدِهَا بِالْمَعْرُوْفِ (4)،  - فائدة: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الكسوة تكون أول السنة: فإذا دخل العام كساها، والمراد بالعام في قولهم أي أول عام حصل فيه الزواج, وذلك لأنه أول وقت الحاجة, فيعطيها كسوة سنة.
والصواب في هذه المسألة: أن الكسوة تابعة للحاجة، أي تابعة لحاجتها لها والعرف, فمتى كانت الكسوة باقية لا يلزمه شيء ولو بعد عام, ومتى بليت وجبت ولو قبل أن ينقضي العام.

(1)

قوله «وَالمَسْكَنِ»:

أي وكذلك يجب عليه المسكن، وحكمه حكم النفقة والكسوة كما سبق.
(2)

قوله «بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا»:

أي بما جرت به عادة أمثالها في بلدها على قدر الميسرة من غير إسراف ولا إقتار, وهذا هو أحد القولين في المسألة, والصواب كما سبق أن المسكن للزوجة يكون بقدر كفايتها وبحسب حال الزوج كما سبق الإشارة إلى ذلك.
(3)

قوله «فَإِنْ مَنَعَهَا ذلِكَ أَوْ بَعْضَهُ»:

أي إذا منعها ما تم ذكره من النفقة والكسوة والمسكن ولم يعطها حقها من ذلك كله أو أنقصها شيئاً من ذلك.
(4) قوله «وَقَدَرَتْ لَهُ عَلى مَالٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ قَدْرَ كِفَايَتِهَا وَوَلَدِهَا بِالْمَعْرُوْفِ»: أي إن المرأة إن كان زوجها موسراً وماطل في النفقة لها أن تأخذ نفقتها ونفقة أولادها بل ونفقة خادمها إن كان لها خادم، لكن تأخذ ذلك بالمعروف من غير إذنه ولا علمه، كما سيأتي في حديث هند بنت عتبة رضي الله عنها.

لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِهِنْدٍ حِيْنَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ وَلَيْسَ يُعْطِيْنِيْ مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيْنِيْ وَوَلَدِيْ، فَقَالَ: «خُذِيْ مَا يَكْفِيْكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوْفِ» 1،  (1)

قوله «لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِهِنْدٍ حِيْنَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ وَلَيْسَ يُعْطِيْنِيْ مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيْنِيْ وَوَلَدِيْ، فَقَالَ: «خُذِيْ مَا يَكْفِيْكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوْفِ» (1)»: هذا الحديث عمدة في باب النفقات، وفيه فوائد منها: 1 - أن الأمر في الحديث للإباحة بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- في الرواية الأخرى: «لا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ».
2 - المراد بالمعروف في الحديث القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية.
3 - جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك، وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة.
4 - فيه جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر.
5 - فيه أن من نسب إلى نفسه أمراً عليه فيه غصاصة فليقرنه بما يقيم عذره في ذلك.
6 - فيه جواز سماع الأجنبية عند الحكم والإفتاء عند من يقول إن صوتها عورة، ويقول جاز هنا للضرورة.
7 - فيه وجوب نفقة الزوجة وإنها مقدرة بالكفاية وهو قول أكثر العلماء.

..................................  8 - فيه وجوب النفقة على الأولاد.
9 - فيه وجوب نفقة خادم المرأة على الرجل لأنه من تمام النفقة فيها عليها 10 - وفيه أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه من غير إذنه، وهو قول الشافعي 1، وجماعة وتسمى مسألة الظفر، والراجح عندهم أنه لا يأخذ من غير جنس حقه إلا بقدر جنس حقه.
وعن أبي حنيفة 2 المنع, وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر.
وعن مالك 3 ثلاث روايات كهذه الآراء.
وعن الإمام أحمد 4 المنع مطلقاً, وهو الصواب لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» 5. 11 - فيه اعتماد العرف في الأمور التى لا تحديد فيها من قبل الشرع.

وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الأَخْذِ لِعُسْرَتِهِ، أَوْ مَنَعَهَا، فاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيْرًا أَوْ صَغِيْرًا (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الأَخْذِ لِعُسْرَتِهِ، أَوْ مَنَعَهَا، فاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيْرًا أَوْ صَغِيْرًا»:

أي فإن لم تقدر المرأة على أخذ النفقة وذلك إما لعسرته أي صار معسراً لا يستطيع النفقة عليها تريد أن تأخذ وليس عنده شيء, أو حبس المال عنها فلا تستطيع أن تأخذ ذلك أو منعها، فهنا يجوز له أن تطلب الفراق لقوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (1) والفرقة هنا فسخ, لأن الزوج منعها من حقها فعليها أن تطلب الفسخ ف

لو امتنع الزوج من طلاقها فهل يطلقها الحاكم؟

الجواب: نقول لا بل يقوم الحاكم بفسخ العقد ولا يكون طلاقاً بل يكون فسخاً، والفرق بينهما واضح، فإن الحاكم لو طلقها لكان لها عدة المطلقة على الخلاف كما سيأتي، وحسبت عليه طلقة، ويبقى لها طلقتان بخلاف ما لو فسخ الحاكم هذا العقد فلها أن ترجع إليه بما شاءت لأنه فسخ وليس بطلاق.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: الأخذ من مال الغير حيث كان له فيه حق, لا يخلو هذا الحق إما أن يكون ظاهراً أو خفياً, فإذا كان الحق ظاهراً فله أن يأخذه=1

..................................  =وإن لم يعلمه، وإن كان خفياً فليس له أن يأخذه إلا بإذنه وعلمه, فلو أن رجلاً له دين عند آخر ثم وضع المدين عند الدائن أمانة وكان قد كتم دينه أو ماطل فيه, فليس له أن يأخذ من المال الذي ائتمنه، أي ليس له أن يأخذ حقه منه وذلك لأن السبب خفي وليس بظاهر، وكذلك ما يفعله بعض الناس من الأخذ من بيت المال، فيأخذ على سبيل الخفية فهذا لا يجوز, وهذه المسألة يسميها الفقهاء الظفر بالحق، وقد سبق ذكرها والخلاف فيها.

- الفائدة الثانية: إذا مضى زمن على الزوج ولم ينفق على المرأة، فهل تسقط النفقة أم لا؟

الصحيح أنها لا تسقط بمضى الزمان، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.

- الفائدة الثالثة: إذا اختلف الزوج والزوجة في النفقة

, فقال الزوج أنا أعطيتها النفقة، وقالت لم يعطيني شيئاً، ولا بينة لأحدهما, نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة.
والراجح: أن القول قول الزوج إذا شهد له العرف, لأن دلالة الظاهر أعني ظاهر المال أقوى من دلالة الأصل وذلك لشهادة العرف لها, فدلالة الظاهر أنه حين شكت المرأة زوجها بأنه لا ينفق عليها فما تطعمه وأجرة مسكنها وغير ذلك من الزوج وهذا ظاهر فتعارض الظاهر مع الأصل فقدم الظاهر عليه.
وقول المؤلف «فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا»: وذلك لأن كل موضع وجب لها=

وَإِنْ كَانَتْ صَغِيْرَةً لا يُمْكِنُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، أَوْ لَمْ تُسَلِّمْ إِلَيْهِ، أَوْ لَمْ تُطِعْهُ فِيْمَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ فِيْ حَاجَتِهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ (1)،  =الفسخ لأجل النفقة لم يجر إلا بحكم حاكم لأنه فسخ مختلف فيه فافتقر إلى الحاكم كالفسخ بالعنة, ولا يجوز له الفسخ إلا إذا طلبت المرأة ذلك لأنه لحقها, فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة.
وهل هو فسخ أو طلاق؟ ذكرنا الخلاف في ذلك قريباً، وقلنا بأن الصواب أنه فسخ وليس بطلاق.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ صَغِيْرَةً لا يُمْكِنُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، أَوْ لَمْ تُسَلِّمْ إِلَيْهِ، أَوْ لَمْ تُطِعْهُ فِيْمَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ فِيْ حَاجَتِهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ»:

ذكر المؤلف هنا بعض الأمور التي تسقط فيها النفقة على المرأة ومنها: 1 - أن تكون الزوجة صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها, لأن النفقة إنما تكون من أجل الاستمتاع ولم يوجد هنا لصغر المرأة.
2 - إذا لم تُسلَّم المرأة إليه، أي لم يسلم أولياء الزوجة الزوجة إلى الزوج, أو هي نفسها امتنعت من تسليم نفسها إليه, فلا نفقة لها خلال هذه المدة التي لم يتمكن من الاستمتاع بها فيها, لأن النفقة إنما تجب بالاستمتاع ولم يوجد.
3 - إذا لم تطعه فيما يجب عليها, فهنا أيضاً لا نفقة لها عليه, فمتى=

..................................  =امتنعت الزوجة عن أداء الحق الواجب عليها كأن ترفض الانتقال إلى منزله, أو ترفض السفر معه, وهي لم تشترط البقاء في منزلها, أو منعته من حق الاستمتاع بها, أو غير ذلك من الحقوق التي سبق ذكرها فلا نفقة لها عليه.
4 - أن تسافر بغير إذنه, فليس لها حق النفقة, لأن النفقة كما سبق في مقابل الاستمتاع وقد حالت بسفرها بينها وبينه بسفرها المحرم, ولمعصيتها له بذلك.
5 - أن يسافر لحاجتها هي بإذنه, وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة هل تسقط النفقة بذلك أم لا تسقط؟ وذلك لأن الزوج هو الذي أسقط حقه في الاستمتاع، وهو الأظهر عندي أن لها النفقة إذا سافرت بإذنه.

فائدة: النفقة تجب لأجل ثلاثة أشياء

: 1 - لأجل النكاح.
2 - لأجل القرابة.
3 - لأجل الملك.
وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك مفصلاً.

فَصْلٌ: حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْمَبِيْتِ وَحُكْمُ اِلإِيْلاءِ

(1) وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَبِيْتُ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ: حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْمَبِيْتِ وَحُكْمُ اِلإِيْلاءِ»:

أي هذا فصل في بيان حق الزوجة من البيتوتة، وكذا حكم الإيلاء، وسيأتي تعريف الإيلاء إن شاء الله تعالى.
(2)

قوله «وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَبِيْتُ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً»:

وجه ذلك أن الزوج لا يجوز له أن يتزوج أكثر من أربع نساء ويجب عليه أن يعدل بينهن, وإن عدل بينهن فسوف يكون لها ليلة من أربع ليال, وهذا هو قضاء كعب بن سوار فقد روى عبد الرزاق وغيره «أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ رَجُلاً قَطُّ أَفْضَل مِنْ زَوْجِي، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا وَيَظَل نَهَارَهُ صَائِمًا، فَاسْتَغْفَرَ لَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَاسْتَحْيَتِ الْمَرْأَةُ وَقَامَتْ رَاجِعَةً فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلاَّ أَعْدَيْتَ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا؟ فَقَال: مَا ذَاكَ؟ فَقَال: إِنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ إِذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ فِي الْعِبَادَةِ مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا؟ فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى زَوْجِهَا وَقَال لِكَعْبٍ اقْضِ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّكَ فَهِمْتَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْهُ، قَال: فَإِنِّي أَرَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلاثُ نِسْوَةٍ وَهِيَ رَابِعَتُهُنَّ فَاقْضِ لَهُ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» 1. ووجه الدلالة منه أن أمير المؤمنين أقر كعب بن سوار على قضائه للمرأة=

..................................  =وهذا أحد الأقوال في المسألة.
وذهب شيخ الإسلام 1 إلى أن حال الإنفراد ليس كحال الاجتماع, فمن معه امرأة واحدة يلزمه أن يبيت عندها إلا إذا تراضيا، أو كان معذوراً، وهذا هو الأقرب والأولى في المعاشرة.
وقال بعض أهل العلم: أن الواجب على الزوج أن يبيت عندها بالمعروف, فيجب عليه أن يبيت عندها بما جرت به العادة, قال شيخنا -رحمه الله- 2: «والظاهر أن ما جرت به العادة يكون مقارباً لما قضى به كعب ابن سوار عند التشاح والتنازع, أما في المشورة والإرشاد والنصح فإنه يشار على الزوج فيقال إن هذه زوجتك ولا ينبغي أن تهجرها لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ 3، أما مع عدم خوف النشوز فلا ينبغي أن تهجر ولا ليلة إلا إذا جرى العرف بذلك، وهذا هو الصواب» 4. قلت: هذا إذا كانت المرأة منفردة، أما لو كان معها ضرة, فإنه يجب عليه أن يعدل بينهن لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 5، وسيأتي=

وَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ إِنْ كَانَتْ أَمَةً، إَذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر (1)، وَإِصَابَتُهَا مَرَّةً فِيْ كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ (2)،  = إن شاء الله تعالى بيان ذلك.
وقول المؤلف «إِنْ كَانَتْ حُرَّةً» سواء كانت هذه الحرة كتابية أو مسلمة فيجب عليه العدل بينهن في المبيت لأن العدل لحق الزواج لا لحق الديانة.

- فائدة: إذا كان للزوج عذر كسفر وعمل ونحوه

فيسقط عنه هذا الحكم لكونه معذوراً.

- فائدة: إذا كان الزوج يعمل ليلاً ولا يتمكن من العمل نهاراً

كالحارس أو الجندي فإنه يلزمه المبيت معها نهاراً.
(1)

قوله «وَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ إِنْ كَانَتْ أَمَةً، إَذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر»:

ويتوجه ذلك إذا كان له ثلاث حرائر وواحدة أمة، فإنه يعطي لكل واحدة من الحرائر ليلتين، فيصبح مجموع ليالي الحرائر ست ليال يتفرغ فيها للعبادة أو العمل، وليلة للأمة لأنها على النصف من الحرائر، وقد روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: «إِذَا تَزَوَّج الْحُرَّةَ عَلَى الأَمَةِ قَسَمَ لِلأَمَةِ الثُّلُثَ وَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَيْنِ» (1). (2)

قوله «وَإِصَابَتُهَا مَرَّةً فِيْ كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ»:

أي وجب عليه أن يجامعها في كل أربعة أشهر مرة على الأقل إذا لم يكن المانع من ذلك عذر كمرضه، أو سجنه، أو سفره، أو نحو ذلك، =1

فَإِنْ آلىَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ 1،  =واستدل على ذلك بأن الله تعالى قدّر الإيلاء بأربعة أشهر، فكذلك يجب الجماع في هذه الفترة على غير المولى.
وذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- (1) إلى أن وجوب الوطء بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه، أو يشغله عن معيشة من غير تقدير بمدة، قال شيخنا -رحمه الله- 2 «والصواب: أن يطأها بالمعروف, ويفرق بين الشابة والعجوز، فتوطأ كل منهما بما يشبع رغبتها».
قلت: وهذا هو الصواب عندي.
(1) قوله «فَإِنْ آلىَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ»: شرع المؤلف في حكم الإيلاء, والإيلاء في اللغة: معناه الحلف مطلقاً سواء كان على ترك قربان الزوجة أو على شيء آخر.
وفي الشرع: هو حلف زوج بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر.
فقولهم «حلف زوج» خرج به غير الزوج، فإنه لا يكون يمينه إيلاءً ولا يصح منه، فلو قال: والله لا أجامع هذه المرأة «التي ليست بزوجة له» مدة سنة ثم عقد عليها فلا يكون يمينه إيلاء, لأنه حين قال ذلك لم تكن زوجة له.
وقولهم أيضاً «زوجاً» فإنه لا يكون زوجاً حتى يكون العقد صحيحاً، =

..................................  =وقد سبق متى يكون العقد صحيحاً.
وقولهم «بالله تعالى» سواء باسم الجلالة «الله»، أو بغيره، كالعزيز، أو الحكيم، ونحو ذلك من أسمائه تعالى, وكذلك إذا حلف بصفة من صفاته تعالى كأن يقول «وعزة الله»، «وقدرة الله» لا أجامع زوجتي لمدة سنة.

وهل يحصل الإيلاء بما كان له حكم اليمين،

كأن يقول لله عليّ نذر أن لا أطأ زوجتي, أو قال حرام عليّ أن أطأ زوجتي؟ نقول: هذا محل خلاف، والصواب أن كل ما كان له حكم اليمين فإنه يحصل به الإيلاء, فإذا قال: لله عليّ نذر ألا أجامع زوجتي، فهو إيلاء لأن الله تعالى سمى التحريم يميناً كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ 1، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- 2. وقولهم «على ترك وطء زوجته» خرج بذلك المباشرة بغير الوطء, فلو حلف فقال: والله لا أباشر زوجتي لمدة ستة أشهر ونيته المباشرة دون الفرج فليس بإيلاء، فلابد أن يحلف على ترك الوطء.
وقولهم «أكثر من أربعة أشهر» ظاهر كلامهم أنه لا يسمى إيلاءً إلا إذا كان أكثر من أربعة أشهر, فإذا كان ثلاثة أشهر فليس بإيلاء، وقال=

فَتَرَبَّصَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُر (1)،  =شيخنا -رحمه الله- إنه إيلاء لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (1)، فأثبت الله تعالى الإيلاء, لكن جعل له مدة, فإذا تجاوز هذه المدة فإنه يؤمر بالوطء أو الطلاق، فإن قال: والله لا أجامع زوجتي ثلاثة أشهر, فإنه مول لأنه حلف أنه لا يجامعها, فإذا تمت المدة انحلت اليمين.

(1)

قوله «فَتَرَبَّصَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُر»:

أي انتظرت هذه الفترة التى قال فيها وهي الأربعة أشهر، فما كان دونها فهذا جائز إذا كان فيه مصلحة, كتأديب الزوجة ونحو ذلك.

  • فائدة: كان الرجل في الجاهلية إذا غضب من زوجته حلف أن لا يطأها السنة والسنتين, أو لا يطأها أبداً، ويمضي في يمينه من غير لوم ولا حرج, وقد تقضي المرأة عمرها كالمعلقة, فلا هي زوجته تتمتع بحقوق الزوجة، ولا هي مطلقة تستطيع أن تتزوج برجل آخر, فيغنيها الله من سعته, فلما جاء الإسلام أنصف المرأة، ووضع للإيلاء أحكاماً خففت من أضراره, وحدد للمولى أربعة أشهر, وألزمه إما بالرجوع إلى معاشرة زوجته, وإما بالطلاق عليه.
  • فائدة: يترتب على ما ذكرناه سابقاً أن شروط الإيلاء خمسة: الأول: أن يكون الحلف باسم من أسماء الله، أو صفه من صفاته.
    الثاني: أن يكون الزوج مكلفاً, فلا يصح الإيلاء من زوج مجنون, أو=1

ثُمَّ رَافَعَتْهُ إِلى الحَاكِمِ، فَأَنْكَرَ الإِيْلاء (1)، أَوْ مُضِيَّ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (2)، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا وَكَانَتْ ثَيِّباً (3)،  =مغمى عليه لعدم القصد.
الثالث: أن يكون المحلوف عليها زوجته, سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (1). الرابع: أن يحلف على ترك الوطء في الفرج, فإن حلف على غير الفرج كأن يحلف على الدبر مثلاً فإنه لا يكون إيلاء.
الخامس: أن لا يكون أكثر من أربعة أشهر، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.

(1)

قوله «ثُمَّ رَافَعَتْهُ إِلى الحَاكِمِ، فَأَنْكَرَ الإِيْلاء»:

أي إن ادعت الزوجة الإيلاء وأنكر ذلك الزوج ورفعت أمرها إلى القاضي فإنه يقدم قول الزوج كما سيأتي لأن الأصل عدم الإيلاء.
(2)

قوله «أَوْ مُضِيَّ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ»:

أي أو أنكر الزوج مضى مدة الإيلاء وهي الأربعة أشهر والمرأة تدعي انقضاءها فإنه يقدم قول الرجل لأن الأصل بقاء النكاح, والمرأة تدعي رفعه, فدعواه توافق الأصل.
(3)

قوله «أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا وَكَانَتْ ثَيِّباً»:

هذه هي آخر الأحوال التي ترفع فيها أمرها إلى الحاكم: فالأولى: أن ينكر الإيلاء.
الثانية: أن ينكر أنه مضى عليه أربعة أشهر.1

فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ (1)، وَإِنْ أَقَرَّ بِذلِكَ (2)،  الثالثة: أن يدعى أنه أصابها أي وطأها وكانت ثيباً, فالقول قوله لأن الوطء في هذه الحال أمر خفي لا يعلم إلا من جهته إلا إن وجدت قرينة تدل على كذبه, مثل أن تكون المرأة عند أهلها طول مدة الإيلاء.

(1)

قوله «فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ»:

أي فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح كما سبق، لكن لابد من اليمين لاحتمال أن يكون قول المرأة صحيحاً، وهذا هو الصواب.
وفي رواية أخرى في المذهب (1) أنه يقدم قوله بلا يمين لأنه لا يقضى فيه بالنكول, والأول هو الراجح أي عند التنازع، القول قول الرجل مع يمينه, فإن أبي أن يحلف قضى عليه بالنكول فيحكم عليه بالطلاق, فإن أبي أن يطلق طلق القاضي.
لكن يستثنى من ذلك إذا كانت هناك قرينة تدل على كذبه كما سبق مثل أن تكون المرأة عند أهلها ويدعي عليها ذلك لأن القرينة تكذبه.

- فائدة: إذا كانت المرأة بكراً أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل بأن بكارتها لم تزل،

فالقول قولها لأن الظاهر معها، فالبكارة لا تبقى مع الجماع.
(2)

قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بِذلِكَ»:

أي إن أقر بما ادعت عليه المرأة من الإيلاء، وأنه مضى على إيلائه أربعة أشهر وأنه كذلك لم يجامعها خلال هذه الفترة إذا أقر بذلك فما الحكم؟ قال المؤلف.1

أُمِرَ بِالفَيْئَةِ، وَهِيَ الجِمَاعُ، فَإِنْ فَاءَ، فَإِنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ (1)،  (1)

قوله «أُمِرَ بِالفَيْئَةِ، وَهِيَ الجِمَاعُ، فَإِنْ فَاءَ، فَإِنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ»:

أي إن أقر بما سبق ذكره فإنه يلزم بواحد من اثنين: الأول: هو ما ذكره المؤلف هنا أن يؤمر بالجماع، ومعنى «فاء» في الآية أي رجعوا إليهن بالجماع، فإن كان الزوج معذوراً كأن يكون مريضاً، أو مسافراً، أو سجيناً فيكفي في ذلك أن يفيء بلسانه أو قلبه، دليل ذلك ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 1، فإن قَبَّلها أو وطأ دون الفرج فإنه لا يعد رجوعاً ولا فيئاً، فالواجب عليه أن يطأ لأن هذا هو المقصود بالفيئة.

  • فائدة: ختم الله تعالى آية الفيئة بقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 2، وختم آية الطلاق بقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ 3، فيه إشارة إلى أن الفيئة أحب إليه من الطلاق وذلك ترغيباً منه سبحانه وتعالى على أن تعود الأسرة إلى ما كانت عليه قبل، وأن يعفوا بعضهم عن بعض، وهذا هو السر في ختمه سبحانه وتعالى الآية بهذين الاسمين: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أما في الطلاق فقد ختمها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، لما فيها من نوع تهديد وذلك إذا كان في نيته عضل المرأة والإضرار بها.

وَإِنْ لَمْ يَفِئْ، أُمِرَ بِالطَّلاقِ (1)، فَإِنْ طَلَّقَ، وَإِلاَّ طَلَّقَ الحَاكِمُ عَلَيْهِ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَفِئْ، أُمِرَ بِالطَّلاقِ»:

أي وإن لم يراجعها بالجماع وانقضت المدة التي ضربها الشارع له وهي أربعة أشهر ألزم الزوج بالطلاق كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (1)، ومعنى: ﴿عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾، نفذوا الطلاق فإن الله سميع بقولهم عليم بما تُكنه صدورهم من الإضرار أو عضل المرأة.
(2)

قوله «فَإِنْ طَلَّقَ، وَإِلاَّ طَلَّقَ الحَاكِمُ عَلَيْهِ»:

أي فإن أبى أن يفيء وأن يطلق طلق الحاكم عليه, و

هل بانتهاء المدة ينقضي عقد الزوجية؟

الصواب: أن مضي المدة فيه إقرار على بقاء الزوجية فمضي المدة ليس طلاق كما ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء.
وهل إذا طلق الحاكم يكون طلاقه بائناً أم رجعياً؟ نقول اختلف في ذلك الفقهاء: القول الأول: إذا فرّق الحاكم بينهما فإنه يكون طلاقاً رجعياً، وهذا عليه جمهور أهل العلم 2. القول الثاني: أنه إذا طلق الحاكم أو القاضي عليه فإن الطلاق يكون بائناً لأنه طلاق شرع لرفع الضرر عن المرأة فأشبهت فرقة العُنَّة، فالعنين يكون الفسخ في حقه بينونة فكذلك الطلاق هنا يكون في حكم البينونة.
والأول هو الأظهر عندي، أي إنما يكون طلاقاً رجعياً، وهذا إحدى=1

ثُمَّ إِنْ رَاجَعَهَا (1)، أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا (2)، وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّةِ الإِيْلاءَ (3)، وُقِفَ لَهَا كَمَا وَصَفَتْ (4)،  =الروايتين في المذهب (1)، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).

(1)

قوله «ثُمَّ إِنْ رَاجَعَهَا»:

أي إن طلقها الحاكم ثم راجعها الزوج لكون الطلاق طلاقاً رجعياً.
(2)

قوله «أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا»:

هذه هي الحال الثانية، وهي أن يطلقها ولم يراجعها حتى أمضت ثلاثة قروء ثم جاز له ولها أن تتزوج زوجاً غيره فعقد عليها بمهر جديد وتزوجها.
(3)

قوله «وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّةِ الإِيْلاءَ»:

أي وقد بقى من مدة يمين هذا الزوج أكثر من مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر وعشرا.
مثاله: حلف على زوجته أن لا يطأها سنة كاملة، فأمهل أربعة أشهر، فأمر بالإيفاء فأبى، ثم أمر بالطلاق فطلق، أو طلق الحاكم عليه ثم راجعها، فيكون ما بقي من مدة إيلائه السابقة ثمانية أشهر، وهي أكثر من مدة الإيلاء التي هي أربعة أشهر.

(4)

قوله «وُقِفَ لَهَا كَمَا وَصَفَتْ»:

أي حبس لها كما سبق أربعة أشهر، فإن فاء وإلا أمر بالطلاق، أو يطلق عليه الحاكم لأنه ممتنع من جماع زوجته بيمين في حال نكاحها فثبت له حكم الإيلاء كما لو لم يطلق.
=12

وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الفَيْئَةِ عِنْدَ طَلَبِهَا (1)، فَلْيَقُلْ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُهَا (2)،  =فالحاصل أنه إذا طلق الحاكم عليه فإن راجعها في نفس المدة ووطئها فلا إشكال لأنه فاء في هذه الحالة، وإن تركها حتى بانت ثم عقد عليها وتزوجها ولكن بقي من مدة الإيلاء فهنا يوقف الأمر كما سبق ويؤمر بالفيئة.
فإن فاء وإلا طلق عليه مرة ثانية كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (1).

(1)

قوله «وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الفَيْئَةِ عِنْدَ طَلَبِهَا»:

أي ومن عجز عن الفيئة وهي الجماع عند طلبها منه كأن يكون العجز شرعياً مثل أن يكون مريضاً، أو أن تكون المرأة حائضاً، أو كانت نفساء، فإنه يقول عند عجزه عن الفيئة ما ذكره المؤلف.
(2)

قوله «فَلْيَقُلْ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُهَا»:

أي إن عجز عن القيام بفعل الجماع فإنه يجزئه الإتيان لذلك بلسانه ويؤخر حتى يقدر عليها، لأن القصد من الفيئة ترك ما قصده من الإضرار بالإيلاء، واعتذاره يدل على ترك الإضرار.

  • فائدة: متى حلف الرجل على زوجته بالإيلاء فإنه ينبني على الفيء بالفعل انحلال الإيلاء، ولزوم مقتضى اليمين لأنه بالجماع يتحقق الحنث، واليمين لا يبقى بعد الحنث، إذ الحنث يقتضي نقض اليمين، والنهي لا يبقى مع وجود ما يناقضه.1

وَيُؤَخَّرُ حَتَّى يَقْدِرُ عَلَيْهَا (1)،  مثال ذلك: إذا قال لزوجته والله، أو قال لها: وعزة الله لا أطأك خمسة أشهر، فإنه بنهاية الأربع يؤمر على الإيفاء, فإن حصلت الفيئة لزمه معها كفارة اليمين لحصول الحنث بالفيئة.

(1)

قوله «وَيُؤَخَّرُ حَتَّى يَقْدِرُ عَلَيْهَا»:

أي يؤخر لحين زوال عجزه الذي حصل له عند طلب الفيئة من الزوجة.

  • فائدة: شروط مطالبة الزوجة لزوجها بالحضور: أولاً: أن يزيد السفر عن ستة أشهر، فإن كان نصف سنة فأقل فليس لها حق المطالبة.
    ثانياً: أن تطلب قدومه، فإن لم تطلب قدومه فلا يلزمه حتى لو بقى سنتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً, بشرط أن يكون آمناً عليها.
    ثالثاً: أن يقدر على الرجوع إليها, فإن عجز فلا يلزمه.
    رابعاً: أن لا يكون لطلب رزق يحتاجه, أو في أمر واجب كحجٍ وغزوٍ.
  • فائدة: ذكرنا فيما سبق أنه إذا سافر الزوج فوق نصف سنة وطلبت الزوجة قدومه لزمه ذلك إلا في سفر حج واجب، أو غزو واجب، أو كان لا يقدر على القدوم, فإن أبى القدوم من غير عذر يمنعه وطلبت الزوجة التفريق بينهما فرق بينهما الحاكم بعد مراسلته لأنه ترك حقاً عليه تتضرر الزوجة بتركه، وهذا يقتضي الفسخ.
    وهنا ننبه على أمر يخص الوافدين من المغتربين للعمل وطلب الرزق، =

..................................  =فمن كانت زوجته راضية ووافقت على المدة لا يسوغ أن تضطره للعودة وترك العمل, لكن من حقها ألا يجدد العقد إلا برضاها، ووصيتي لمن حصل له ذلك أن يسترضي زوجته ويطيب خاطرها حتى ترضى لأن الأمر يعنيها.

بَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوْزِ

(1) وَعَلى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِيْ القَسْمِ (2)،  (1)

قوله «بابُ القَسْمِ وَالنُّشُوْزِ»:

القَسْم: بفتح القاف وسكون السين، ولغة الفرز والتفريق.
يقال: قسمت الشيء قسماً فرزته أجزاءً.
والقِسْم: بكسر القاف وسكون السين، الاسم ثم أطلق على الحصة والنصيب.
أما في الاصطلاح: قال البهوتي: «هو توزيع الزمان على زوجاته إن كن ثنتين فأكثر» (1). أما النشوز ففي اللغة: مأخوذ من النشز، وهو المكان المرتفع كالنشاز والنشز.
يقال: نشزت المرأة أي عصت زوجها وامتنعت عليه أو خرجت عليه وأبغضته.
والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهية كل واحد منهما لصاحبه، يقال نشز عليها زوجها إذا ضربها وجفاها.
أما في الاصطلاح: فهو خروج المرأة عن الطاعة الواجبة للزوج، وسيأتي إن شاء الله بيان الأحكام المتعلقة به.

(2)

قوله «وَعَلى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِيْ القَسْمِ»:

أي يجب على الرجل إن كان له أكثر من زوجة أن يساوى بينهن في القسم وهو المبيت لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف التى أمر الله بها بقوله تعالى: =1

..................................  = ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (1)، وليس مع عدم التسوية في القسم بين الزوجات معاشرة لهن بالمعروف.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (2).

فائدة: هل يجب على الزوج العدل بين زوجاته في النفقة والكسوة؟

الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمالكية 3، والشافعية 4، والحنابلة 5 إلى أنه لا يجب عليه التسوية بينهن في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن, لكن الأولى له أن يساوي بينهن في ذلك لأنه أبلغ في العدل، هذا ما قاله الشافعية، والحنابلة، وذلك لأن التسوية بينهن في النفقة والكسوة يشق.
وذهب الحنفية 6، واختاره شيخ الإسلام 7 إلى وجوب التسوية بينهن في النفقة لقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ =12

وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ (1)،  = وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} (1)، فندب الله تعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة عليها.
وإنما يخاف من ترك الواجب فدل على أن العدل بين الزوجات في القسم والنفقة واجب ولعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (2). قال شيخنا -رحمه الله-: «والصواب أنه يجب أن يعدل بين زوجاته في كل شيء لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» (3)».
قلت: وهذا هو الصواب؛ فيجب على الزوج أن يسوى بين زوجاته في النفقة والكسوة بل في كل شيء قدر استطاعته.
لكن لو اشترى لإحداهن شيئاً موجوداً عند الأخرى فلا يلزمه أن يشتري لها كأختها لوجوده عندها لأن ذلك يشق وفي إيجاب القيام به حرج.

(1)

قوله «وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ»:

أي عماد القسم الأصل فيه الليل لأن الإنسان يأوي إلى منزله ليلاً ويسكن فيه مع أهله وينام على فراشه مع زوجته عادة في الليل، وهكذا كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا=123

فَيَقْسِمُ لِلأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ (1)، وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً (2)،  =النَّهَارَ مَعَاشاً} (1)، لكن لو قيد ذلك بأن قال: «وعماده الليل لمن كان معاشه بالنهار والعكس بالعكس»، لكان أولى, لكن المؤلف مشى مع الغالب، فإن غالب الناس معاشهم نهاراً وسكونهم ليلاً, أما من كان معاشه في الليل دون النهار، فعماد القسم في حقه النهار، كالحارس الذي يحرس ليلاً، وفي النهار يتفرغ لبيته.

(1)

قوله «فَيَقْسِمُ لِلأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ»:

أي إن كان من زوجاته حرائر وإماء فإنه يقسم لزوجاته الحرة ليلتين, والأمة ليلة, وبهذا قال على ابن أبي طالب، وسعيد بن المسيب، ومسروق، والشافعي، والحنفية (2). وذهب مالك (3)، واختاره شيخنا -رحمه الله- (4) أنه يجب أن يسوي بين الحرة والأمة في القسم لأنهما سواء في حقوق النكاح من النفقة والسكني وقسم الابتداء فكذلك هنا.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً»:

أي يجب على الزوج العدل في القسم بين نسائه, ولو كانت أحدى نسائه كتابية, لأن هذا العدل حق للزوجية وليس حقاً للديانة قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء» 5.1234

وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُنَّ فِيْ الوَطْءِ (1)،  - فائدة: الأصل في المساواة أن يقسم بين نسائه ليلة ليلة, لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما قسم ليلة ليلة, ولأن التسوية واجبة, فإذا بات عند واحدة ليلة, تعينت الليلة الثانية للأخرى، فإن أحب الزيادة على ذلك لم يجز إلا برضاهن.

  • فائدة: يجوز للزوج أن يأتي إلى نسائه في بيوتهن أو غرفهن في غير نوبتهن إذا كان لحاجة يريدها.

(1)

قوله «وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُنَّ فِيْ الوَطْءِ»:

أي لا يجب عليه المساواة بينهن في الوطء وذلك لأن العدل الواجب في القسم يكون فيما يملكه الزوج ويقدر عليه من البيتوتة والتأنيس ونحو ذلك, أما ما لا يملكه الزوج ولا يقدر عليه كالوطء ودواعيه, وكالميل القلبي والمحبة فإنه لا يجب على الزوج العدل بين الزوجات في ذلك, لأنه بنى على النشاط أو دواعيه والشهوة وهو ما لا يملك توجيهه ولا يقدر عليه، قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ 1، يعني في الحب والجماع، وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقسم ويعدل بين نسائه ثم يقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلا تَلُمْنِى فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ» 2.

..................................  =لكن يستحب للزوج أن يسوي بين الزوجات في جميع الاستمتاعات من الوطء, والقبلة ونحوها لأنه أكمل في العدل بينهن، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء 1. وذهب مالك 2 إلى أن الزوج يترك في الوطء لطبيعته في كل حال إلا لقصد الإضرار لإحدى الزوجات بعدم الوطء سواء تضررت بالفعل أو لا ككفه عن وطئها مع ميل طبعه إليه وهو عندها لتتوفر لذته لزوجته الأخرى فيجب عليه ترك الكف لأنه إضرار لا يحل، قال شيخنا -رحمه الله- 3 «وقال بعض العلماء: بل يجب عليه أن يساوي بينهن في الوطء إذا قدر, وهذا هو الصحيح والعلة تقتضيه لأننا ما دمنا عللنا بأنه لا يجب العدل في الوطء بأن ذلك أمر لا يمكنه العدل فيه, فإذا أمكنه زالت العلة, وبقي الحكم على العدل».
قلت: والأظهر عندي هو ما ذهب إليه الجمهور، أي أنه لا يجب عليه أن يسوى بين زوجاته في الوطء, قال في المبدع: «وليس عليه التسوية بينهن في الوطء بل يستحب، لا نعلم خلافاً أنه لا يجب التسوية بينهن في الجماع لأن طريقه الشهوة والميل، وإن قلبه قد يميل إلى إحداهن قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ 4، =

..................................  =وكالتسوية بين دوابه وكالنفقة والكسوة والسكنى إذا قام بالواجب عليه نصاً، قال الشيخ تقي الدين يقسم في النفقة والكسوة ونصه لا بأس، وقال في الجماع: لا ينبغي أن يدعه عمداً يبقى لنفسه لتلك ليلة وليلة، وقال القاضي وغيره: أو ثلاثاً ثلاثاً» 1. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، وقد سبق تفسير ابن عباس لها، قال: «الحب والجماع»، ولأن الجماع موقوف على المحبة والميل القلبي, ولا سبيل إلى التسوية في ذلك لكن تستحب التسوية ما أمكن, لأنه أبلغ في العدل، قال ابن القيم -رحمه الله- «إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور, وإن وجد الداعي إليه ولكنه إلى الضُّرة أقرب فليس بمعذور وعليه أن يعدل» 2.

  • فائدة: إذا قام الزوج بالواجب من النفقة والكسوة لكل واحدة منهن من زوجاته, فهل يجوز له بعد ذلك أن يفضل إحداهن على الأخرى في غير ذلك كالهبة, والعطية والهدية وغير ذلك أم يجب عليه أن يسوى بينهن فيما زاد على غير الواجب؟ نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور 3 إلى أنه لا حرج على الزوج في ذلك إن أقام لكل=

..................................  =واحدة منهن ما يجب لها, فلا حرج أن يوسَّع على من شاء منهن بما شاء, قيل للإمام أحمد 1 الرجل له امرأتان قال: «له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والكسوة إذا كانت الأخرى كفاية ويشتري لهذه أرفع ثياب من هذه وتكون تلك في الكفاية لأن التسوية في هذا يشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج فسقط وجوبه»، لكن قالوا الأولى أن يسوى بين زوجاته في ذلك، وعللوا لذلك بالخروج من الخلاف فيمن أوجبه.
وذهب الحنفية 2 إلى وجوب التسوية في النفقة بين الزوجات.
قال شيخنا -رحمه الله- 3: «والصواب أنه يجب أن يعدل بين زوجاته في كل شيء يقدر عليه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» 4، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما يلي: «يجب على الزوج العدل بين زوجاته، والنفقة، والكسوة، والمسكن، والقسم، والهدايا، وغير ذلك من الأمور الظاهرة, ولا يجوز أن يعطي واحدة ويمنع الأخرى إلا برضاها وعفوها عن حقها» 5.

..................................

- فائدة: هل يلزم أن يساوى بينهن في الحيض والنفاس وغير ذلك مما يكون مانعاً للوطء؟

الجواب: أنه يلزمه العدل في ذلك كله, لأن الأصل كما سبق أن الواجب عليه العدل في المبيت، والنفقة، والكسوة، ولا يلزم من المبيت حصول الوطء كما سبق, لكن يحصل الإيناس والاجتماع, والمرأة لا تحب أن ترى الزوجة الأخرى متفوقة عليها.
ثم إن بعض النساء يطول بها الحيض حتى يصل إلى ثلاثة عشر يوماً وإحداهن قد تحيض يومين أو ثلاثة، ومبيتة عند من لا يطول عليها الحيض يمنع الأخرى من الإيناس والاجتماع بزوجها.
قلت: لكن مع القول بذلك فإن اتفقت الزوجات على أن لا يقسم للحائض هل يجوز؟ نقول: إما إن ضرب مدة معلومة يتساوى فيها الجميع فيقول سأقسم للحائض ما لم يجاوز خمسة أيام مثلاً فهذا يجوز, أما أن يتفقا على أنه في الحيض لا يأتي لإحداهن فهذا قد يحصل فيه شيء في النفوس لأن بعض النساء تحيض أقل من الأخرى, وحتى على اعتبار أنهم رضوا في أول الأمر لكن سوف لا يرضوا في النهاية, ولذا نقول لا ينبغي للزوج أن يفعل ذلك، لكن لو ضرب مدة قريبة تتناسب مع حيضهن جميعهن فلا يأس.

وَلَيْسَ لَهُ البَدَاءَةُ فِيْ القَسْمِ بِإِحْدَاهُنَّ، وَلا السَّفَرُ بِهَا إِلاَّ بِقُرْعَةٍ (1)، فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ (2)،  (1)

قوله «وَلَيْسَ لَهُ البَدَاءَةُ فِيْ القَسْمِ بِإِحْدَاهُنَّ، وَلا السَّفَرُ بِهَا إِلاَّ بِقُرْعَةٍ»:

أي ليس له البداءة بإحدى الزوجات في القسم, وكذا إذا أراد سفراً فإنه لا يجوز له البداءة بإحداهن إلا بالقرعة, لأن البداءة بها تفضيل لها والتسوية واجبة لهن جميعاً لأنهن متساويات في الحق ولا يمكن الجمع بينهن فوجب المصير إلى القرعة, ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله كما في حديث عائشة الذي سيذكره المؤلف.
(2)

قوله «فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ»

وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهِبَ حَقَّهَا مِنَ القَسْمِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا (1)،  =إحدى الروايات لهذا الحديث عن عائشة أنها قالت: «كان إذا خرج سهم غيري عرف فيه الكراهة» (1). 3 - احتج بعض الفقهاء على عدم اعتبار القرعة بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى.
قال القرطبي: «ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحاً بغير مرجح» (2). قلت: والراجح أنه يقرع بين نسائه كلهن لا يخص إحداهن بالقرعة دون الأخرى, وذلك لحديث عائشة المتقدم فإنه يدل على عموم القرعة بينهن ولم تخص إحداهن بها دون الأخرى, ومن وقعت عليها القرعة لا تجبر على السفر مع الزوج بل هي بالخيار.

(1)

قوله «وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهِبَ حَقَّهَا مِنَ القَسْمِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»:

المرأة أحياناً ترى زهداً وعدم رغبة من الزوج فيها، فتخاف بأن يطلقها فتهب نوبتها إلى زوجها ليرى فيمن يجعلها في نسائه، أو هي تهديها لمن شاءت منهن, ولا شك أنها ستهبها لمن تعلم أن زوجها يميل إليها كما=12

..................................  =فعلت سودة رضي الله عنها حيث وهبت نوبتها لعائشة لعلمها بفضلها عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكن هذا لا يكون إلا بشرطين: الأول: أن يكون هذا برغبة من الزوجة فلا يكرهها الزوج عليه.
الثاني: أن يكون برضا الزوج لأن هذا حق لهما جميعاً فلابد من رضاه, فإن قالت: «وهبت نوبتي لفلانة»، وهو لا يريدها فلا يلزم الزوج قبول ذلك وله أن يقول: «إما أن تجعليها لي وأنا أحدد من أجعلها له أو تجعليها في فلانة», فإن كانت الزوجة لا تريده أن يصرفه إلى إحداهن فلا يجوز له أن يصرفه إليها إلا برغبة من الزوجة، وهذا معنى ما ذكرناه من الشرطين، فالحاصل أن للمرأة في هبتها قسمها طريقين: الأول: أن تهبه إلى إحدى نسائه وتعينها له كما فعلت أُم المؤمنين سودة رضي الله عنها.
الطريق الثاني: أن تجعلها لزوجها فتقول له: «يومي لك أصرفه كما تشاء»، فله أن يصرفه كما شاء.

  • فائدة: متى رجعت الزوجة في الهبة عاد حقها إليها في المستقبل, لأن ذلك هبة لم تقبض, أما الماضي فليس لها الرجوع فيه, لأنها هبة اتصل بها القبض.
    وعلى هذا إذا رجعت في أثناء ليلتها لزم الزوج الانتقال, وإن لم يعلم حتى أتم الليلة لم يقض لها شيئاً لأن التفريط منها.

وَإِذَا عَرَّسَ عَلى بِكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ (1)، وَإِنْ عَرَّسَ عَلى ثَيِّبٍ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً (2)،  (1)

قوله «وَإِذَا عَرَّسَ عَلى بِكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ»:

الرجل إما أن يتزوج بكراً أو ثيباً, فإن تزوج بكراً وكان تحته نسوة أخرى غيرها فإنه يقيم عند البكر سبع ليال عند دخوله بها ثم يقسم بينهن جميعاً, فيكون الليلة الثامنة عند الزوجة الأولى, دليل ذلك حديث أنس -رضي الله عنه- «السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» (1)، وهذا دليل أثري، أما من جهة التعليل فلما يأتي: أولاً: أن رغبة الرجل في البكر أكثر من الثيب فأعطاه الشارع مهلة حتى تطيب نفسه.
ثانياً: أن البكر أشد حياءً من الثيب, فجعلت هذه المدة لأجل أن تطمئن وتزول وحشتها وتألف الزوج، وهذا من حكمة الشرع (2).

  • فائدة: هل يلحق بالبكر من زالت بكارتها بغير الجماع كسقوط ونحوه؟ الجواب: نعم تلحق بالبكر (3).

(2)

قوله «وَإِنْ عَرَّسَ عَلى ثَيِّبٍ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً»:

أي كانت المدخول بها ثيباً فإنه يكون عندها ثلاث ليال وهذا حقّها، دليل ذلك حديث أنس=123

جارٍ التحميل