وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 227-266

الثَّانِيْ: أَنْ يَبْعَثَ الأَمِيْرُ فِيْ البَدَاءَةِ سَرِيَّةً، وَيَجْعَلَ لَهَا الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ أُخْراى، وَيَجْعَلَ لَهَا الثُّلُثَ، فَمَا جَاءَتْ بِهِ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا، وَقَسَّمَ البَاقِيَ فِيْ الجَيْشِ وَالسَّرِيَّةَ مَعًا (1)،  (1)

قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَبْعَثَ الأَمِيْرُ فِيْ البَدَاءَةِ سَرِيَّةً، وَيَجْعَلَ لَهَا الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ أُخْراى، وَيَجْعَلَ لَهَا الثُّلُثَ، فَمَا جَاءَتْ بِهِ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا، وَقَسَّمَ البَاقِيَ فِيْ الجَيْشِ وَالسَّرِيَّةَ مَعًا»:

هذا هو النوع الثاني من الضرب الثالث.
ومعناه أن الأمير إذا دخل دار الحرب غازياً بعث سرية بين يديه تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فإذا قفل بعث سرية تغير ويجعل لهم الثلث بعد الخمس، فما قدمت به السرية خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لها ثم قسم الباقي في الجيش والسرية معه.
وهل تجوز الزيادة على الثلث؟ نقول: لا تجوز الزيادة على الثلث لأن نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- انتهى إليه ويجوز النقص منه لأنه إذا جاز أن لا ينفل شيئاً فلأن يجوز تنفيل القليل أولى ولا يستحق هذا النفل إلا بالشرط لأن استحقاقه بغير شرط إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع باستحقاقه على الإطلاق.

فَصْلٌ فِيْ الرَّضْخِ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ

(1) وَيَرْضَخُ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالعَبِيْدِ، وَالكُفَّارِ، فَيُعْطِيْهِمْ عَلى قَدْرِ غِنَائِهِمْ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الرَّضْخِ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ»:

الرضخ: بفتح أوله وسكون ثانيه، مصدر رَضَخَ، ومعناه هنا: هو أن يعطى من لا سهم له وهم العبيد والنساء والصبيان شيئاً من الغنيمة دون السهم ولا تقدير لما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى التسوية بينهم سوى، وإن رأى التفضيل فضل، وهذا قول أكثر العلماء.

هل يخرج الرضخ قبل الخمس أم بعده؟

قولان لأهل العلم: القول الأول: أن الرضخ يخرج قبل أن تخمس الغنيمة قياساً على أجرة الحامل والحافظ للغنيمة.
القول الثاني: أن الرضخ يخرج بعد الخمس، لأنه أخذ بسبب حضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين، وهذا هو الأظهر.

(2)

قوله «وَيَرْضَخُ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالعَبِيْدِ، وَالكُفَّارِ، فَيُعْطِيْهِمْ عَلى قَدْرِ غِنَائِهِمْ»:

أي فيعطى هؤلاء ممن شهدن المعركة من الغنائم، دليل ذلك أما النساء فلقول ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيدَاوِينَ الجَرْحَى، وَيُحْذَينَ مِنْ الغَنِيمَة، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِب لَهُنَّ» 1. وقوله: «يحذين» أي: يعطين.
=

..................................  =وأما الصبيان فلقول سعيد بن المسيب: «كان الصبيان يُحْذَونَ من الغنيمة إذا حضروا الغزو» 1، ولأنه ليس من أهل القتال فلم يسهم له.
وأما العبيدُ، فلما جاء عن عمير مولى أبي اللحم 2، قال: «شَهِدْتُ خَيبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ بِي فَقُلِّدْتُ سَيفاً فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ، فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيءٍ مِنْ خُرْثِيِّ المَتَاعِ» 3، والخُرثي - بضم الخاء المعجمة -: سَقَطُ المتاع، وما لا قيمة له كبيرة، كالقدر ونحوه.
وعن نجدة بن عامر الحروري حين سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما؟ قال «ليس لهما شيء إلا أن يحذيا من غنائم القوم»، أي إلا أن يُعطَى ويُمنَح من الغنائم.
وأما الكافر إذا غزا مع الإمام بإذنه ففيه روايتان: الأولى: أنه يرضخ له، ولا يسهم له، لأنه من غير أهل الجهاد، فَرُضِخَ له، كالعبد، وهذا قول الأئمة الثلاثة أيضاً.
الثانية: أنه يسهم له، كالمسلم، وهذا هو المذهب 4، لأن صفوان بن أمية خرج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين وهو على شِركه، فأسهم له، قال الزبير: أعطاه من الغنائم فأكثر، فقال: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبِي، فأسلم 5. =

وَلا يَبْلُغُ بِالرَّاجِلِ مِنْهُمْ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلا بِالفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ (1)،  =ولأن الكفر نقص في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق، وبهذا فارق العبد، فإن نقصه في دنياه وأحكامه، قال ابن مُنَجَّا: «وهذه الرواية أصح» (1).

(1)

قوله «وَلا يَبْلُغُ بِالرَّاجِلِ مِنْهُمْ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلا بِالفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ»:

أي ولا يبلغ العطاء لهؤلاء المذكورين سهم غيرهم من الرجال والفرسان الأحرار.
ومعنى الراجل: هو الماشي على رجليه، لكونه لا مركوب له، والفارس: راكب الفرس.
وذهب بعض الفقهاء إلى التسوية بين الراجل من هؤلاء بالراجل من هؤلاء، وكذا الفارس بالفارس وبخاصة إذا كان فيهم نفع بالمسلمين لأنهم تساووا فأشبهوا الرجال الأحرار لما جاء عن سفيان بن وهب الخولاني قال: «قسم عمر بين الناس غنائمهم، فأعطى كل إنسان ديناراً وجعل سهم المرأة والرجل سواء، فإذا كان الرجل مع امرأته أعطاه ديناراً, وإذا كان وحده أعطاه نصف دينار» 2، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى بظبية «الظبية جراب صغير من جلد ظبي» فيها خرز فقسمها للحرة والأمة.
قالت عائشة كان أبي -رضي الله عنه- يقسم للحر والعبد» 3، تعني: أنه كان يسوي بين الأحرار والعبيد، وأنه يعطي هؤلاء ويعطي هؤلاء.1

وَإِنْ غَزَا العَبْدُ عَلى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِسَيِّدِهِ سَهْمُ الفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ غَزَا العَبْدُ عَلى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِسَيِّدِهِ سَهْمُ الفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ»:

أما الرضخ للعبد فلما تقدم من الأدلة، وأما الفرس الذي تحته فيستحق مالكها سهمها.
وقال أبو حنيفة 1، والشافعي 2 لا يسهم للفرس لأنه تحت من لا يسهم له، فلم يسهم له كما لو كان تحت مخذل.
والصواب الأول لأنه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السيد راكبه.

بابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا

(1) وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الأَرْضُ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِيْ يَدِهِ كُلَّ عَامٍ أَجْرًا لَهَا (2)،  (1)

قوله «بابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا»:

الغنائم: جمع غنيمة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، أي: مغنومة، واشتقاقها من الغُنْم، وهو الربح والفضل.
والمراد بها: ما أُخِذَ من مال حربي قهراً بقتال، وما ألحق به، كالمأخوذ فدية، وما أهداه حربي لأمير الجيش، فخرج بقولنا «من مال حربي»: ما يؤخذ من أموال أهل الذمة من جزية وخراج، ونحو ذلك.
وبقولنا «قهراً بقتال»: أي ما رحلوا عنه وتركوه فزعاً، خرج منه ما يؤخذ من العشر، من تجار أهل الحرب وأهل الذمة إذا اتجروا إلينا.

(2)

قوله «وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الأَرْضُ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِيْ يَدِهِ كُلَّ عَامٍ أَجْرًا لَهَا»:

أي الغنيمة نوعان: فإن كانت الغنيمة أرضاً فإن الإمام يخُيِّر بين أمرين: الأول: قَسْمُها بين الغانمين، كالأشياء المنقولة، ودليل ذلك قول عمر -رضي الله عنه-: «لَولا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلا قَسَمْتُهَا بَينَ أَهْلِهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- خَيبَرَ»، وفي رواية: «وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» 1. وعن سهل ابن حثمة -رضي الله عنه- قال: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَيبَرَ نِصْفَينِ: نِصْفاً لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفاً بَينَ المُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَينَهُمْ، عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ=

وَمَا وَقَفَهُ الأَئِمَّةُ مِنْ ذلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَغْيِيْرُهُ وَلا بَيْعُهُ (1). الثَّانِيْ: سَائِرُ الأَمْوَالِ (2)، فَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ، مِمَّنْ يُمْكِنُهُ القِتَالُ، وَيَسْتَعِدُّ لَهُ (3)،  =سَهْماً» (1). والأمر الثانِي: أن يقفها على المسلمين، فيقرها بحالها، ويضرب عليها خراجاً مستمراً، يؤخذ ممن هي بيده، يكون أجرة لها كل عام، كما فعل عمر -رضي الله عنه- فيما فتحه من أرض الشام ومصر والعراق، ودليل ذلك ما تقدم من قول عمر -رضي الله عنه- فإنه رأى أن توقف الأرض المغنومة عنوة، ويضرب عليها خراجاً يدوم نفعه للمسلمين، ولهذا قال: «وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» أي: يقتسمون خراجها.

(1)

قوله «وَمَا وَقَفَهُ الأَئِمَّةُ مِنْ ذلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَغْيِيْرُهُ وَلا بَيْعُهُ»:

أي ليس لأحد نقضه ولا تغييره, ولا بيعه لأن الوقف لا يجوز بيعه.
(2)

قوله «الثَّانِيْ: سَائِرُ الأَمْوَالِ»:

ما يناله المسلمون من الأعداء: إما أن يكون أرضاً ودوراً ونحوها، فهذه تسمى: العقارات كالأراضي، والدور، والمزارع، وغيرها، وهذه سبق الحديث عنها آنفاً.
وإما أن يكون من الأموال كالذهب، والفضة، والدواب، والسلاح، والكراع، ونحوها مما يُغْنَم، فشرع المؤلف -رحمه الله- في بيانه هنا.

(3)

قوله «فَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ، مِمَّنْ يُمْكِنُهُ القِتَالُ، وَيَسْتَعِدُّ لَهُ»:

هذا شرط في إعطاء من حضر من الغنيمة، وهو أن يكون قادراً على القتال، ومستعداً=1

مِنَ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ (1)، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِيْ شَهِدَ الوَقْعَةَ فِيْهَا، مِنْ كَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا (2)،  =له، قاتل أو لم يقاتل، لعموم ما تقدم عن عمر -رضي الله عنه-، ولأنه رِدْءٌ للمقاتل، ومستعد له، أشبه المقاتل.
أما العاجز عن القتال من مريض ونحوه فلا حق له في الغنيمة، لأنه ليس من أهل الجهاد، أشبه العبد.

(1)

قوله «مِنَ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ»:

كالصانع، والخياط، والخباز، والبيطار، ونحوهم.
(2)

قوله «سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِيْ شَهِدَ الوَقْعَةَ فِيْهَا، مِنْ كَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا»:

أي يسهم لهم إذا حضروا قاتلوا أو لم يقاتلوا.
وقال مالك 1، وأبو حنيفة 2 لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا.
والصواب القول الأول لما جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ» 3. ولأن غير المقاتل ردء له معين ومستعد للقتال، فأشبه المقاتلين فشاركه كردء المحارب.

وَلا يُعْتَبَرُ مَا قَبْلَ ذلِكَ وَلا بَعْدَهُ (1)، وَلا حَقَّ فِيْهَا لِعَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (2)، وَلا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ مَا تَنْقَضِيْ الحَرْبُ مِنْ مَدَدٍ، أَوْ غَيْرِهِ (3)،  (1)

قوله «وَلا يُعْتَبَرُ مَا قَبْلَ ذلِكَ وَلا بَعْدَهُ»:

أي والاعتبار في كونه عبداً، أَو فارِساً، أو راجلاً، أَو كافراً، أَو مسلماً حال الحرب ونشوب المعركة، فلو دخل دار الحرب فارساً، ثم حضر الوقعة راجلاً حتى فرغت الحرب لموت فرسه أو شروده أو مرضه فله سهم راجل ولو صار فارساً بعد الوقعة، اعتباراً بحال شهودها، ولو دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً أو استعاره وشهد به الوقعة فله سهم فارس ولو صار بعد الوقعة راجلاً، لأن الفرس حيوان يُسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال، فيسهم له مع الوجود، ولا يسهم مع العدم، كالآدمي.
(2)

قوله «وَلا حَقَّ فِيْهَا لِعَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ»:

أي أما العاجز عن القتال من مريض ونحوه فلا حق له في الغنيمة، لأنه ليس من أهل الجهاد، أشبه العبد.
وقيل في ذلك تفصيل: فإن كان مرضه يسير لا يخرجه عن كونه من أهل القتال كالصداع والحمى لم يسقط سهمه، وإن خرج عن كونه من أهل القتال كالزمن والأشل سقط سهمه؛ لأنه ليس من أهل القتال والجهاد أشبه العبد.

(3)

قوله «وَلا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ مَا تَنْقَضِيْ الحَرْبُ مِنْ مَدَدٍ، أَوْ غَيْرِهِ»:

أي فإذا جاء بعدها فلم يشهدها فلا سهم له، ولأنه قد جاء وقد ملكت وصارت للغانمين الذين حضروها فلم يبق له فيها نصيب, وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- =

وَمَنْ بَعَثَهُ الأَمِيْرُ لِمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أَسْهَمَ لَهُ (1). وَيُشَارِكُ الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيْمَا غَنِمَتْ، وَتُشَارِكُهُ فِيْمَا غَنِمَ (2)،  =أن أبان بن سعيد وأصحابه قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخيبر بعد أن فتحها فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، فقال أَبُو هريرة: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال أَبان: أَنْت بِها يا وبْر، تحدَّر من رأْس ضال، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اجْلِسْ يَا أَبَانُ» (1)، ولم يقسم لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وعن طارق بن شهاب -رضي الله عنه-: إن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فكتب في ذلك إلى عمر -رضي الله عنه- فكتب عمر: «الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ» (2).

(1)

قوله «وَمَنْ بَعَثَهُ الأَمِيْرُ لِمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أَسْهَمَ لَهُ»:

أي ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش مثل الرسول والدليل والجاسوس وأشباههم فانه يسهم له وان لم يحضر لأنه في مصلحة الجيش أشبه السرية ولأنه إذا أسهم للمتخلف عن الجيش فهؤلاء أولى.
(2)

قوله «وَيُشَارِكُ الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيْمَا غَنِمَتْ، وَتُشَارِكُهُ فِيْمَا غَنِمَ»:

وجملة ذلك أن الجيش إذا فصل غازياً فخرجت منه سرية أو أكثر فأيهما غنم شاركه الآخر في قول عامة العلماء لأن الجيش واحد، والمراد سراياه التي يبثها إذا دخل دار الحرب، وما غنمته السرايا يضم إلى غنيمة الجيش، وكذلك غنائم الجيش تضم إلى غنائم السرايا.
=12

وَيَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ مُؤْنَةِ الغَنِيْمَةِ؛ لِحِفْظِهَا وَنَقْلِهَا، وَسَائِرِ حَاجَاتِهَا (1)، ثُمَّ يَدْفَعُ الأَسْلابَ إِلى أَهْلِهَا (2)، وَالأَجْعَالَ لأَصْحَابِهَا (3)،  = لكن سبق أن للإمام أن ينفل الثلث في الرجعة والربع في البدأة.
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: لما دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة عام الفتح، قام في الناس خطيباً، فقال «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ الإِسْلامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلاَّ شِدَّةً، وَلا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، تُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدِهِمْ، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.. » (1).

(1)

قوله «وَيَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ مُؤْنَةِ الغَنِيْمَةِ؛ لِحِفْظِهَا وَنَقْلِهَا، وَسَائِرِ حَاجَاتِهَا»:

لأن أجرتهم منها والفاضل للغانمين كما يبدأ بأجرة العامل على الزكاة.
(2)

قوله «ثُمَّ يَدْفَعُ الأَسْلابَ إِلى أَهْلِهَا»:

أي ثم يدفع سلب المقتول لقاتله.
(3)

قوله «وَالأَجْعَالَ لأَصْحَابِهَا»:

وهم من جعل لهم الأمير جعلاً، فيقوم الإمام بإعطائهم ما وعدهم به من الجعل، كأن يقول: من فعل كذا أعطيه كذا، أو يعطيه أيضاً من باب التشجيع، ويعطي أيضاً تنفيل السرايا، وقد سبق ذلك.1

ثُمَّ يُخَمِّسُ بَاقِيَهَا، فَيَقْسِمُ خُمْسَهَا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ للهِ تَعَالى وَلِرَسُوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-، يُصْرَفُ فِي السَّلامِ وَالكُرَاعِ، وَمَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ (1)،  (1)

قوله «ثُمَّ يُخَمِّسُ بَاقِيَهَا، فَيَقْسِمُ خُمْسَهَا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ للهِ تَعَالى وَلِرَسُوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-، يُصْرَفُ فِي السَّلامِ وَالكُرَاعِ، وَمَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»:

أي ثم يقسم الغنيمة إلى خمسة أقسام، أو خمسة أجزاء متساوية، وهذا ما يسمى «بالتخميس»، والخمس هو الواحد من الخمسة، ويصرف لمن ذكرهم الله في القرآن في قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ 1، فهؤلاء خمسة، والجمهور أنه لا يتعدى الخُمس هذه الأصناف المنصوص عليها، وقد نسب القرطبي لجمهور العلماء أن هذه الآية ناسخة لما في أول السورة من أن حكم الأنفال، وهي الغنائم مختص بالله ورسوله، فيقسمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- حسب أمر الله فيها، وأن ذلك كان في أول الإسلام، وقد قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - غنائم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمِّسها 2، ثم نزلت آية الخمس، فنسخت الآية الأولى 3. والقول الثانِي: أن آية ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ 4، محكمة وليست بمنسوخة، وهذا اختيار ابن جرير 5، =

..................................  =وابن الجوزي 1 وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: إن المراد بالأنفال: الزيادة التي ينفلها الإمام لبعض السرايا من الأسلاب فوق نصيبهم من الغنيمة، ومنهم من قال: إن الأنفال هي الغنائم وتكون الآية عامة، ثم نزلت آية الخمس وبيَّنت مصرف الخمس من الغنائم 2. والراجح من الأقوال أن سهم الله تعالى وسهم رسوله -صلى الله عليه وسلم- واحد، وكونه سبحانه وتعالى استفتح بذِكْرُ اسمه تعالى فإنه من باب التعظيم، قال بذلك ابن عباس -رضي الله عنه- وجماعة من السلف 3. ويؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين قال: أتَيتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وَهوَ بِوَادِي القُرَى وَهوَ يَعرِضُ فَرَسَاً، فَقُلتُ: يا رسول الله، مَا تَقُولُ فِي الغَنِيمَة؟ فَقَالَ: «للَّهِ خُمُسهَا، وَأربَعةُ أخْمَاسٍ لِلجَيشِ» 4. فما لله ولرسوله يدخل في بيت المال، ويصرف في مصالح المسلمين 5، لحديث عبد الله بن عمرو بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيسَ لِي مِنْ هَذَا الفَيءِ شَيءٌ، وَلا هَذَا - وَرَفَعَ أُصْبُعَيهِ - إِلا الخُمُسَ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» 6.

وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وَهُمْ بَنُوْ هَاشِمٍ وَبَنُوْ المُطَّلِبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيْرُهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (1)، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الفُقُرَاءِ (2)،  (1)

قوله «وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وَهُمْ بَنُوْ هَاشِمٍ وَبَنُوْ المُطَّلِبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيْرُهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»:

هذا هو السهم الثانِي من أسهم الخمس، وهو لذوي قربى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب أبناء عبد مناف دون غيرهم من بني نوفل وبني عبد شمس، لقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وقد أعطاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ﴿إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ﴾ (1)، وكيف يقسم بينهم؟ قيل: يقسم بينهم بحسب الحاجة، وقيل: بل للذكر مثل حظ الأنثيين، وقيل: بل الذكر والأنثى سواء.
والأقرب الأول وهو أننا نراعي الحاجة، فإن كانوا كلهم سواء في الغنى أو في الحاجة أعطيناهم بالتساوي.

(2)

قوله «وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الفُقُرَاءِ»:

هذا هو السهم الثالث من أسهم الخُمس، وهو لليتامى - جمع يتيم -، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، وسواء كان ذكراً أو أنثى، وهل يختص بالفقراء منهم أو لا يختص؟ اشترط المصنف فقرهم، وهذا هو المذهب، لأن اسم اليتيم يطلق في العرف للرحمة، ومن أُعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة.1

وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ (1)، وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ (2)، ثُمَّ يُخْرِجُ بَاقِيَ الأَنْفَالِ، وَالرَّضْخِ (3)،  والقول الثانِي: أنه لا يختص بالفقير، بل يعطي اليتيم الغني، وبه قال بعض الحنابلة (1)، واختاره شيخنا (2) -رحمه الله-، وهو الصحيح أي أنه لا يختص، لأننا لو جعلناه خاصاً بالفقراء لم يكن لعطف المساكين عليهم فائدة.
فالصواب أن اليتيم يستحق خمس الخمس من الغنيمة ولو كان غنيّاً؛ جبراً للنقص الذي حصل له بفقد أبيه، ولا سيما إذا كان اليتيم مترعرعاً في الشباب، أي يعرف قدر وجود أبيه، ويعرف ما يفوته بفقد أبيه، لكن لا شك أن من كان أحوج فهو أحق.

(1)

قوله «وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ»:

هذا هو السهم الرابع، لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، والمراد بهم: أهل الحاجة، فيدخل الفقراء في عمومهم.
(2)

قوله «وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ»:

وهم المسافرون الذين انقطع بهم السفر، فيعطون ما يوصلهم إلى سفرهم، يعطون تذكرة، أو متاعاً، أو ما أشبه ذلك مما يحتاجون إليه، لقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
(3)

قوله «ثُمَّ يُخْرِجُ بَاقِيَ الأَنْفَالِ، وَالرَّضْخِ»:

أي بعد الخُمس يُخرج الإمام الأنفال، والرضخ التي ينفرد بها بعض الغانمين لمصلحةٍ، كما سبق نحو قول الأمير: من طلع حصناً أو نَقَبَهُ فله كذا، أو من جاء بأسير فله كذا، أو دل على قلعة أو ماء فله كذا.
=12

ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ، لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا (1)،  =وإنما كانت الأنفال بعد الخُمس أي: من أربعة أخماسها لقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا نَفَلَ إِلا بَعْدَ الخُمُسِ» (1)، ولأنه مال يستحق بالتحريض على القتال، فكان من أربعة أخماس الغنيمة، كسهم الفارس والرَّاجل، وهذا هو الراجح.

(1)

قوله «ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ، لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا»:

أي ثم يقسم باقي الغنيمة وهو الأربعة أخماس، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك في خيبر، جعل للراجل - الذي على رِجْله - سهماً واحداً، وللفارس ثلاثة أسهم.
و

هل يقاس على الخيل ما في حروب اليوم من الدبابات والطائرات؟

نقول نعم؛ يقاس كل شيء بما يشبهه، فالراجل الذي ليس فرس وله سهم واحد يقاس عليه القناص فيكون له سهم واحد، والطيارة والدبابة تقاس على الخيل، فهما يشبهان الخيل بسرعتهما وتزيدان في الخطر على العدو، فيكون للطيار وسائق الدبابة سهم، وللطائرة والدبابة سهمان، ويرجع سهما الطائرة والدبابة إلى بيت مال المسلمين لأنهما غير =1

وَإِنْ كَانَ الفَرَسُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَلَهُ سَهْمٌ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ (1)، وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسَانِ، أُسهِمَ لَهُمَا، وَلا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ (2)،  = مملوكتين لسائقيهما، وإذا رأى ولي الأمر أن يعطي السهمين لقائد الطائرة أو الدبابة فلا بأس لأن في ذلك تشجيعا لهما.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَ الفَرَسُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَلَهُ سَهْمٌ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ»:

وغير العربي هو البرذون، وهو الهجين أي الذي أبوه عربي وأمه برذونة أو العكس.
وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد (1) فيما يستحقه هذا النوع من الخيول، وقد حكي عنه أنه سهم واحد، وعنه أسهم مثل سهم العربي أي سهمين لأن الله سبحانه قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (2), وهذا من الخيل، ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى فيه العربي وغيره كالآدمي, وفي رواية أخرى عنه أنه لا يسهم له، وعنه رواية رابعة أنه إذا أدركت أسهم لها مثل الفرس لأنها عملت عمل العراب فأعطيت سهمها، وهذا هو الأظهر عندي، وبه قضى عمر -رضي الله عنه-.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسَانِ، أُسهِمَ لَهُمَا، وَلا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ»:

أي إذا كان مع الرجل أكثر من فرسين أسهم لفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهما ولم يزد على ذلك.
وذهب الجمهور 3 أنه لا يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه لا يمكن أن=12

وَلا يُسْهَمُ لِدَابَّةٍ غَيْرِ الخَيْلِ (1)،  =يقاتل على أكثر منها فلم يسهم لما زاد عليها كالزائد على الفرسين.
وهذا هو الأقرب لحديث ابن عمر -رضي الله عنه- السابق: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا».

(1)

قوله «وَلا يُسْهَمُ لِدَابَّةٍ غَيْرِ الخَيْلِ»:

أي لا شيء لغير الخيل من البهائم، كفيلٍ، وبغلٍ، وبعيرٍ، ونحوها، ولو عَظُمَ غِناؤها وقامت مقام الخيل لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يسهم لها، وكذا أصحابه، ولا خلاف في ذلك، مع أنه لم تخل غزوة منها، وذلك لأن صاحبها لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة، ولأن غير الخيل لا يلحق بها في التأثير في الحرب، ولا يصلح للكر والفر، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسهم لغير الخيل» 1، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد 2 أنه إذا غزا على بعير وهو لا يقدر على غيره أسهم له ولبعيره سهمان, وعنه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره لقوله سبحانه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ 3، والركاب الإبل؛ ولأنه حيوان يجوز المسابقة عليه فيسهم له كالفرس، واختار أبو الخطاب أنه لا يسهم له، وهو قول أكثرهم.
قلت: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قياس الأصول أن يُرضخ لها، كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان 4.

فَصْلٌ فِيْ الفَيْءِ

(1)  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الفَيْءِ»:

الفيء في اللغة: مصدر فاء يفيء فيئاً: إذا رجع، وفي الاصطلاح: كما سيأتي في كلام المؤلف هو ما أخذ من كافر بلا قتال، كالجزية، والخراج، والعشر، وما تركه الكفار فزعاً منا، يعني حينما علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، فهذه الأموال أخذت بغير قتال فتكون فيئاً، وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها فلا تقسم بينهم، بل تكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، كرَزْقِ القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين كما سيأتي ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
وسمي فيئاً لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقين له إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه، وهذا كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- ومكنوه من أنفسهم وأموالهم.

وبذلك يتبين لنا أن

الفيء ضربان

: أحدهما: ما انجلوا عنه: أي هربوا عنه خوفاً من المسلمين، أو بذلوه للكف عنهم.

و

الثاني: ما أخذ من غير خوف

: كالجزية، والخراج الصلحي، والعشور.
فبين الفيء والجزية عموم وخصوص.
فالفيء أعم من الجزية على ما سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى في الفرق بين الفيء والغنيمة.

..................................

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: موارد الفيء متعددة منها: 1 - ما جلا عنه الكفار خوفاً من المسلمين من الأراضي والعقارات.
    2 - ما تركه الكفار وجلوا عنه من المنقولات.
    3 - ما أخذ من الكفار من خراج، أو أجرة عن الأراضي التي ملكها المسلمون، ودفعت بالإجارة لمسلم أو ذمي، أو عن الأراضي التي أقرت بأيدي أصحابها من أهل الذمة صلحاً أو عنوة على أنها لهم، ولنا عليها الخراج.
    4 - الجزية.
    5 - عُشور أهل الذمة.
    6 - ما صولح عليه الحربيون من مال يؤدونه إلى المسلمين.
    7 - مال المرتد إن قتل أو مات.
    8 - مال الذمي إن مات ولا وارث له وما فضل من ماله عن وارثه فهو فيء.
    9 - الأراضي المغنومة بالقتال وهي الأراضي الزراعية عند من يرى عدم تقسيمها بين الغانمين.

- الفائدة الثانية: الفرق بين الغنيمة والفيء:

الغنيمة والفيء بينهما عموم وخصوص، فالفيء أحياناً يدخل تحت الغنيمة وأحياناً ينفرد عنها، فالفيء يكون من غير قتال، كأن يأتي المسلمون إلى موضع فيه كفار فيسمع الكفار بالمسلمين فيفرون، =

..................................  =ويتركون أموالهم وديارهم، فهذا يعتبر من الفيء، كما وقع في جلاء بني النضير وغيرهم، بخلاف الغنيمة، فإنها لا تكون إلا من وقعة، والغالب أنها تكون بالجهاد ومقابلة العدو وقتاله، فالغنيمة هي نتاج الغزوة، والخلاصة في الفرق بين الغنيمة والفيء: أن الغنيمة ما أخذ من أهل الحرب عنوة والحرب قائمة، والفيء ما أخذ من أهل الحرب بغير قتال ولا إيجاف خيل.
ومن الفروق أيضاً: أن الفيء لا يخمس كما تخمس الغنيمة، فللمجاهدين أربعة أخماس، والخمس الأخير هو الذي يصرف في مصارف الفيء فقط، فمن هنا يقول بعض العلماء: إن بينهما عموماً وخصوصاً من هذا الوجه.

الفائدة الثالثة: هل الفيء كالزكاة؟

بمعنى أنه يجوز الاقتصار على واحد من هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ 1، أو يجب التعميم؟ المشهور من المذهب أنه يجب التعميم بحسب القدرة والطاقة، فلا يجزئ أن نعطي ثلاثة منهم ونقول بأن هذا أقل الجمع، بل لابد من إعطاء كل يتيم في البلد من هذا الذي هو خمس الخمس، أما مستحق الزكاة فقد=

وَمَا تَرَكَهُ الكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوْا، لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وأُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ (1)، فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ (2)،  =سبق أنه يجوز الاقتصار على واحد.
(1) قوله «وَمَا تَرَكَهُ الكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوْا، لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وأُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ»: هذا هو معنى الفيء الذي سبق بيانه مفصلاً.
وقوله «لَمْ يُوْجَفْ» أصل الإيجاف التحريك، والمراد هنا الحركة في السير فمعنى ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما أجلبتموه وحشدتموه، ولم تتعبوا بتحصيله، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعب، فهذا هو الفيء الذي سيأتي بيان أحكامه.

(2)

قوله «فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»:

ذهب جمهور الفقهاء 1 إلى أن الفيء لا يخمس، بل يصرف في مصالح المسلمين، وأن الإمام يعطي منه للمقاتلين، والولاة، والقضاة، والعمال، والأئمة، والمؤذنين، والفقهاء، وكل من يحتاج إليه المسلمون، ويصرف على بناء القناطر، والمساجد، وشق الطرق وغير ذلك، ويبدأ الإمام بالأهم فالمهم، فإن بقي بعد ذلك منه شيء قسمه بين المسلمين، ولا فرق بين الأغنياء والفقراء.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ=

وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ (1)،  =وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1). وذهب الشافعية (2) وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (3) إلى تخميس الفيء وصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة لقول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (4)، فذكر الأصناف في هذه الآية من باب التعديد للأصناف الذين يستحقون هذا المال ومن ثم فلا يتعدى به هؤلاء.
وقال القاضي من الحنابلة (5): إن الفيء لأهل الجهاد خاصة دون غيرهم من الأعراب ومن لا يعد نفسه للجهاد؛ لأن ذلك كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- لحصول النصرة به، فلما مات أعطي لمن يقوم مقامه في ذلك، وهم المقاتلة دون غيرهم.

(1)

قوله «وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ»:

وذلك لأنه وجده في دار الإسلام، فأشبه المباحات، والصيد، واللقطة، وفي رواية أنه يكون فيئاً، لأنه لم يوجف عليه وهو من مال الكفار، فأشبه ما لو أخذ من دراهم.12345

وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ»:

في هذه المسألة ثلاث روايات: الأولى: أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسها الإمام ويقسم الباقي بينهم لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 1, وبالقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام، وهذا هو الأظهر، وهو قول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-.
الثانية: أن ما أخذوه فهو لهم من غير أن يخمس لأنه اكتساب مباح من غير جهاد أشبه الاحتطاب، فإن الجهاد إنما يكون بإذن الإمام أو من طائفة لهم منعة, فأما هذا فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب.
الثالثة: أنه فيء لا حق لهم فيه لأنهم عصاة بفعلهم فلم يكن لهم فيه حق والأولى أولى 2.

بابُ الأَمانِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الأَمانِ»:

الأمان في اللغة: عدم توقع مكروه في الزمن الآتي، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، وعرفه الفقهاء بأنه: رفع استباحة دم الحربي، ورقه، وماله حين قتاله، أو الغرم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام.
والعقود التي تفيد الكفار بالأمان ثلاثة: الأمان، والهدنة، والجزية، لأنه إن تعلق بمحصور فالأمان، أو بغير محصور، فإن كان إلى غاية فالهدنة، وإلا فالجزية، وهما مختصان بالإمام، بخلاف الأمان فعام، كما سيأتي.
والمراد بالأمان هنا: العهد للمحارب بعدم الاعتداء على نفسه، وماله، وعرضه، ودينه.
فَيُؤَمَّنُ الكافر مدة محدودة حتى يبيع تجارته ويرجع، أو حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ 1، ومعنى ﴿اسْتَجَارَكَ﴾: طلب منك الجوار وهو الأمان، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ» 2، وهو من مكايد الحرب ومصالحه.

وَمَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ: قَدْ أَجَرْتُكَ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَنَحْوَ هَذَا، فَقَدْ أَمَّنَهُ (1)، وَيَصِحُّ الأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، مُخْتَارٍ (2)،  (1)

قوله «وَمَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ: قَدْ أَجَرْتُكَ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَنَحْوَ هَذَا، فَقَدْ أَمَّنَهُ»:

هذه هي الألفاظ التي يحصل بها الأمان.
فمتى تلفظ المسلم بشيءٍ منها لأهل الحرب حرم قتلهم، ومالهم، والتعرض لهم.

(2)

قوله «وَيَصِحُّ الأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، مُخْتَارٍ»:

هذه هي

الشروط التي يجب أن تتحقق فيمن يعطي الأمان

:

الأول: أن يكون مسلما

ً، فلا يصح الأمان من كافر ليهودي، أو نصراني أو مشرك، لأنه متهم في الدين، فلا يؤمن على ذلك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ» (1)، فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم، فقد يكون تأمينه لغيره مصدر ضرر للمسلمين.

الثانِي: أن يكون عاقلاً،

فلا يصح الأمان من مجنون، لأن المجنون لا عقل له ولا قصد له فلا يعتد بأمانه.

الثالث: أن يكون مختارا

ً، فلا يصح أمان المكره، لأن قول المكره لا يترتب عليه حكم شرعي، فلو دخل كافر مسلح، ووجد رجلاً من المسلمين وقال له: أمّنِّي وإلا قتلتك، فأمَّنه مكرهاً، فهذا الأمان لا يصح.1

حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُوْنَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» (1)،  (1)

قوله «حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُوْنَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»

وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ اليَسِيْرَةِ (1)، وَأَمَانُ الأَمِيْرِ لِلْبَلَدِ الَّذِيْ أُقِيْمَ بِإِزَائِهِ (2)، وَأَمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيْعِ الكُفَّارِ (3)، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ، فَقَدْ أَمَّنَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ (4)،  (1)

قوله «وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ اليَسِيْرَةِ»:

أي ويصح الأمان من واحد من الرعية، يعني عامة المسلمين للجماعة القليلة كعشرة رجال أو أكثر، وذلك لعموم حديث: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (1). و

هل لذلك عدد معين؟

نقول اختلفت الرواية (2) في ذلك فقيل: لقافلة صغيرة وحصن صغير، وأطلق في الروضة لحصن أو بلد، وأنه يستحب استحباباً أن لا يجار على الأمير إلا بإذنه، وقيل لمائة.
والأظهر عندي أنه لا يصح أمانه لأهل بلدة كبيرة، لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.

(2)

قوله «وَأَمَانُ الأَمِيْرِ لِلْبَلَدِ الَّذِيْ أُقِيْمَ بِإِزَائِهِ»:

أي ويصح الأمان من الأمير لأهل بلدة جُعل بإزائهم، أي: بحذائهم، لأن له الولاية على من بإزائه دون غيره، فاختص به.
(3)

قوله «وَأَمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيْعِ الكُفَّارِ»:

أي ويصح أمان الإمام لجميع الكفار، لأن له الولاية على جميع المسلمين، فجاز أن يكون تأمينه عاماً.
(4)

قوله «وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ، فَقَدْ أَمَّنَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ»:

أي متى أعطوه الأمان فلا يجوز لهم أن يتعرضوا له بسوءٍ، لأنهم إنما أعطوه الأمان=12

وَإِنْ خَلَّوْا أَسِيْرًا مِنَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَعْلُوْمًا، لَزِمَهُ الوَفَاءُ لَهُمْ (1)، فَإِنْ شَرَطُوْا عَلَيْهِ أَنْ يَعُوْدَ إِلَيْهِمْ، إِنْ عَجِزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ العَوْدُ (2)،  =مشروطاً بأمنه إياهم من نفسه وترك خيانتهم حتى وإن لم يكن ذلك مذكوراً حال إعطاءهم الأمان، فهو معلوم في المعنى ولا يصلح في ديننا الغدر.

(1)

قوله «وَإِنْ خَلَّوْا أَسِيْرًا مِنَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَعْلُوْمًا، لَزِمَهُ الوَفَاءُ لَهُمْ»:

لأن الله سبحانه قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (1)، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح أهل الحديبية على رد من جاءه فوفى لهم، ولأنه لا يصلح في ديننا الغدر، ولأن في الوفاء مصلحة للأسرى وفي منعه مفسدة في حقهم لأنهم لا يأمنون بعده أسيراً، والحاجة داعية إلى ذلك فلزم الوفاء به كما يلزم الوفاء بعقد الهدنة.
(2)

قوله «فَإِنْ شَرَطُوْا عَلَيْهِ أَنْ يَعُوْدَ إِلَيْهِمْ، إِنْ عَجِزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ العَوْدُ»:

هذا في إحدى الروايتين في المذهب 2، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاهد أهل الحديبية على رد من جاء مسلماً فرد أبا جندل وأبا بصير، ولأنه لا يصلح في ديننا الغدر.
والرواية الأخرى: لا يرجع لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة، وكما لو شرط شرب الخمر أو قتل مسلم.1

إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً فَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ (1)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً، فَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ»:

أي فإن كان الأسير امرأة لم ترجع إليهم ولم يحل لها ذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ 1، ولأن في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً، وقد منع الله رسوله رد النساء إلى الكفار.

فَصْلٌ فِيْ الهُدْنَةِ

(1) وَتَجُوْزُ مُهَادَنَةُ الكُفَّارِ (2)، إِذا رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِيْهَا (3)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الهُدْنَةِ»:

الهدنة: مشتقة من هَدَنْتُ الصبي إذا سكنته، والمراد بها هنا: الاتفاق على وقف القتال بين المتحاربين مدة معينة، بعوض أو غيره، مع استمرار حالة الحرب.
(2)

قوله «وَتَجُوْزُ مُهَادَنَةُ الكُفَّارِ»:

لا خلاف بين الفقهاء في ذلك دليل ذلك قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (1)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (2). أما من السنة فمن ذلك: مهادنته -صلى الله عليه وسلم- قريشاً عام الحديبية عشر سنين.
وقد أجمعت الأمة على مشروعية الهدنة مع غير المسلمين في الجملة.
وهي جائزة لا واجبة كما ذكر المؤلف.
وقد تجب لضرورة كأن يترتب على تركها إلحاق ضرر بالمسلمين لا يتدارك.

(3)

قوله «إِذا رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِيْهَا»:

هذا شرط في الهدنة، وهو أن يكون فيها مصلحة للمسلمين لأن ما لا مصلحة للمسلمين فيه لا يجوز للإمام فعله.12

وَلا يَجُوْزُ عَقْدُهَا إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (1)، وَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ (2)، دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ (3)،  (1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ عَقْدُهَا إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ»:

هذا هو قول جمهور الفقهاء، أي أنه يلزم أن يكون العاقد للهدنة هو الإمام أو نائبه، فلا يصح أن يعقدها غير الإمام أو نائبه، لما فيه من الخطر، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هادن بني قريظة بنفسه، وهادن قريشاً بالحديبية بنفسه، وأمَّن صفوان بن أمية عام الفتح بنفسه، ولأن إشراف الإمام على جميع الأمور العامة فهو أعرف بمصالحها من أشتات الناس، ولأن تجويزه لغيره يتضمن تعطيل الجهاد، وفيه افتيات على الإمام.
وذهب الحنفية (1) إلى أنه لا يشترط إذن الإمام، فيجوز عقد الهدنة لفريق من المسلمين كما يجوز للإمام ونائبه ولو بغير إذن الإمام؛ لأن المعول عليه وجود المصلحة في عقدها؛ فحيث وجدت جازت.
والصحيح هو قول الجمهور.

(2)

قوله «وَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ»:

أي وعلى الإمام حماية من هادنهم من المسلمين، لأنه أمَّنَهم ممن هو في قبضته وتحت يده، وليس عليه حمايتهم من غير المسلمين، لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.
(3)

قوله «دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ»:

أي لا يلزم الإمام حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعض لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.1

وَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ (1)، وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارُ آخَرُوْنَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ»:

أي متى خاف الإمام ممن عاهدهم أن ينقضوا العهد لوجود قرائن فإنه يَنْبِذُ إليهم عهدهم، أي يطرحه ويلغيه، ويخبرهم بذلك قبل الهجوم عليهم، لئلا يقع في الخيانة، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (1). ومعنى ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: أي أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن أمارة تدل عليه.

(2)

قوله «وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارُ آخَرُوْنَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ»:

أي فان أغار عليهم قوم آخرون فسبوهم لم يلزمه استنقاذهم وليس للمسلمين شراؤهم لأنهم في عهدهم، ولا يجوز لهم شراؤهم ولا استرقاقهم، ويحتمل جواز ذلك، لأنه لا يجب عليه أن يدافع عنهم فلم يحرم.

ذكر بعض المسائل المتعلقة بالهدنة

:

المسألة الأولى: هل تجوز الهدنة مع الكفار بعوض؟

لا إشكال أنه يجوز أن يكون العوض من الكفار فإنه من جنس الجزية.
لكن: هل يجوز أن يكون العوض من المسلمين؟ نقول اختلف الفقهاء في ذلك، والصحيح من أقوالهم: أن ذلك لا يجوز=1

..................................  = لما في فيه من ذلة وصغار، ولأنه من جنس الجزية، ولا يجوز للمسلمين أن يرضوا بالصغار والذلة وقد أظهرهم الله، لكن يستثنى من ذلك ما لو اضُطر المسلمون إلى ذلك فإن الضرورات تبيح المحرمات، فإذا خشي المسلمون على أنفسهم، وأموالهم، وذراريهم، وبلادهم وكان للكفار سطوة، وقوة، والمسلمون على ضعف فيجوز إقامة الهدنة بعوض من المسلمين من باب الوقوع في المفسدة الصغرى دفعاً للمفسدة الكبرى.

المسألة الثانية: في مدة الهدنة

: اختلف الفقهاء في اشتراط تحديد مدة معينة لصحة الهدنة: فذهب جمهور الفقهاء إلى أنها لا تنعقد مطلقة، لأن إطلاقها بلا تحديد مدتها يؤدي إلى ترك الجهاد، واختلفوا في المدة المذكورة: فقال المالكية 1 لا حد واجب لمدة الهدنة، بل هي على حسب اجتهاد الإمام ورأيه.
وذهب الشافعية 2 إلى أنها أربعة أشهر إن كان المسلمون بقوة وكانت المصلحة في عقدها رجاء إسلامهم أو بذلهم الجزية أو غير ذلك من المصالح، غير ضعف المسلمين وهي عشر سنين وما دونها إن كان بالمسلمين ضعف؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح رجاء إسلامه وكان المسلمون في قوة، وهادن قريشاً عام الحديبية=

..................................  =عشر سنين وكان بالمسلمين ضعف، فإن زاد في الحالة الأولى على أربعة أشهر، وعلى العشر في الحالة الثانية لم يصح العقد.
وذهب الحنابلة 1 إلى أنه متى رأى الإمام أو نائبه المصلحة في عقدها لضعف في المسلمين عن القتال، أو لمشقة الغزو أو لطمعه في إسلامهم، أو في أدائهم الجزية، أو غير ذلك من المصالح جاز له عقدها مدة معلومة.
وإن هادنهم مطلقاً بأن لم يقيد بمدة لم يصح، لأن الإطلاق يقتضي التأييد وذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وهو غير جائز.
وذهب الحنفية 2 إلى أن عقد الهدنة يصح أن يكون مطلقاً عن المدة، ويصح أن يكون مؤقتاً بمدة معينة، فإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقاً منهم وكان في ذلك الصلح مصلحة للمسلمين فلا بأس به، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ﴾ 3، والآية وإن كانت مطلقة لكن أجمع الفقهاء على تقييدها برؤية مصلحة للمسلمين في ذلك بآية أخرى هي قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ 4، ووادع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ولا يقتصر جواز الهدنة على المدة المذكورة في الحديث لتعدي المعنى - وهو حاجة المسلمين - =

..................................  =أو ثبوت مصلحتهم ودفع الشر عنهم إلى ما زاد عليها، لأن مدة الهدنة تدور مع المصلحة، وهي قد تزيد وتنقص.
وهذا هو الأقرب عندي، وهو اختيار شيخنا (1)، فيجوز أن تكون الهدنة مطلقةً بدون تحديد للمصلحة، ولكن تكون عقداً جائزاً، بمعنى أن المسلمين إذا رأوا من أنفسهم القوة نبذوا العهد، ولكن لا بد أن يُعلموا عدوهم بأننا عقدنا معكم هذه الهدنة للحاجة، والآن لا نحتاجها، فإما أن تسلموا، وإما أن نقاتلكم، فالمرجع في ذلك إلى المصلحة، ولو زاد على عشر سنين.

المسألة الثالثة: إذا كان في الهدنة شرط يخالف كتاب الله أو يخالف مقتضى العقد

: فإن الهدنة لا تصح.
فلا يجوز للإمام أن يعقد الهدنة على شروط محظورة قد منع الشرع منها، كأن يهادنهم على خراج يضربونه على بلاد المسلمين، أو على مال يحمله الإمام إليهم، أو على رد ما غنم من سبي ذراريهم؛ لأنها أموال مغنومة، أو على دخول الحرم، أو استيطان الحجاز، أو على ترك القتال أبداً، أو على ألا يستنقذ أسرانا منهم، فهذه وما شاكلها شروط محظورة قد منع الشرع منها، فلا يجوز اشتراطها في عقد الهدنة، فإن شرط بطلت الشروط وعلى الإمام نقضها، لقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ 2.1

وَتَجِبُ الهَجْرَةُ عَلى مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إِظْهَارِ دِيْنِهِ فِيْ دَارِ الحَرْبِ (1)،  (1)

قوله «وَتَجِبُ الهَجْرَةُ عَلى مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إِظْهَارِ دِيْنِهِ فِيْ دَارِ الحَرْبِ»:

الهجرة لغة: مفارقة بلد إلى غيره، وهي اسم من هاجر مهاجرة.
وفي الاصطلاح: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية.
وقد قسم الفقهاء الناس في شأن الهجرة من دار الحرب إلى ثلاثة أضرب:

الأول: من تجب عليه الهجرة

: وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه مع المقام في دار الحرب، وإن كانت أنثى لا تجد محرماً، إن كانت تأمن على نفسها في الطريق، أو كان خوف الطريق أقل من خوف المقام في دار الحرب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ 1، ففي الآية وعيد شديد، والوعيد الشديد لا يكون إلا في ارتكاب المحرم وترك الواجب، ولحديث: «أَنَا بَرِاءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» قالوا يا رسول الله لم: قال «لا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» 2. أما حديث: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» 3، فمعناه لا هجرة من مكة بعد=

وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدِرَ عَلى ذلِكَ (1)،  = فتحها، لصيرورة مكة دار إسلام إلى يوم القيامة.

الثاني: من لا هجرة عليه

وهو من يعجز عنها، إما لمرض، أو إكراه على الإقامة في دار الكفر، أو ضعف كالنساء، والولدان لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (1).

الثالث: من تستحب له الهجرة، ولا تجب عليه

، وهو: من يقدر على الهجرة ويتمكن من إظهار دينه في دار الحرب، فهذا يستحب له الهجرة ليتمكن من الجهاد، وتكثير المسلمين.
وقال الحنفية (2): لا تجب الهجرة من دار الحرب لخبر: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (3)، أما حديث: «ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ» (4) فمنسوخ بحديث: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ».
والصواب عندي قول جمهور الفقهاء، وهو قول المؤلف كما نرى.

(1)

قوله «وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدِرَ عَلى ذلِكَ»:

أي وتستحب الهجرة لمن قدر عليها، وقد سبق بيان ذلك قريباً في أقسام الناس مع الهجرة.1234

وَلا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الكُفَّارُ، إِلاَّ مِنْ بَلَدٍ بَعْدَ فَتْحِهِ (1)،  (1)

قوله «وَلا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الكُفَّارُ، إِلاَّ مِنْ بَلَدٍ بَعْدَ فَتْحِهِ»:

أي وتستحب الهجرة، ولا تجب عليه، لمن قدر عليها ويتمكن من إظهار دينه في دار الحرب كما سبق بيانه.

بابُ الجِزْيَةِ (1)  (1)

قوله «بابُ الجِزْيَةِ»:

الجزية في اللغة: مشتقة من الجزاء والمجازاة، قال الجوهري: الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة، والجمع الجزى - بالكسر - مثل لحية ولحى.
وهي عبارة عن المال الذي يعقد الذمة عليه للكتابي، وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله.
والمراد بها هنا: ما يؤخذ من الكفار جزاء الكف عن قتالهم، أو إسكانهم دار الإسلام.
والأصل فيها: الكتاب والسُّنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 1، ومعنى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي ذليلون عند إعطائها، فلا يرسلون بها رسولاً، ولا يتعاظمون, ولا يُعظَّمون عند تسليمها.
وأما السُّنة فمنها: ما روى المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: «أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَو تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ» 2. =

باب الجزية

والموادعة مع أهل الذمة والحرب.. (3159).

جارٍ التحميل