وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 45-84

لأَهْلِ الْفَيْءِ (1)، وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ (2)  (1)

قوله (لأَهْلِ الْفَيْءِ)

الفيء ما أخذ من أموال الكفار بغير قتال، وقد اختلف الفقهاء في الخمس الواجب في الركاز: هل هو زكاة أم فيء؟ ذهب جمهور الفقهاء (1) إلى أن خمس الركاز يصرف مصارف الغنيمة وليس مصارف الزكاة، وهذا هو ما رجحه شيخنا (2) رحمه الله.
وفي رواية عن الإمام أحمد (3) وهو المذهب عند الشافعية (4) أن مصرف خمس الزكاة مصرف الزكاة.
والصحيح هو قول الجمهور أي أنه يصرف مصرف الفيء، والدليل على ذلك أنه مال كفار فحكمه حكم أموالهم الأخرى المشابهة له وهو الفيء، ولأنه أيضًا إن جعلناه زكاة فقد خالف المعهود في باب الزكاة.
ومصرف الفيء هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (5).

(2)

قوله (وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ)

أي ما بقي من الركاز بعد الخمس وهو أربعة أخماس تكون لواجده.12345

بَابُ زَكَاةِ الأَثْمَانِ

(1). وَهِيَ نَوْعَانِ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ (2)، وَلا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (3)،  الشرح:

(1)

قوله (بَابُ زَكَاةِ الأَثْمَانِ)

ويسميه بعض الفقهاء زكاة النقدين، والأثمان هي ما يجعل ثمناً للأشياء وهي الذهب والفضة وما ناب عنهما من الريالات والدولارات، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّيْ مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِيْ نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيْدَتْ لَهُ فِيْ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيْلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) (2). (2)

قوله (وَهِيَ نَوْعَانِ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ)

وهكذا ما يقوم مقامهما من الأثمان الأخرى - كما ذكرنا ذلك آنفًا - كالأوراق النقدية من الريالات والدولارات والجنيهات والدنانير وغيرها.
(3)

قوله (وَلا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ)

هذا بإجماع أهل العلم، دليل ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ) 3، والرقة هي الفضة أو الدراهم المضروبة منها، وقال أيضًا: «وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ) 4.12

فَيَجِبُ فِيْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (1)، وَلا فِيْ الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالاً (2)،  =والدراهم هذه في السابق، أما معرفة كم تساوي من الجرامات في العصر الحاضر فقد بحثت هذه المسألة وتبين لي أن مائتي درهم تساوي أربعمائة وستين جرامًا من الفضة.
أما كيفية إخراجه فهو كالتالي: زنة الدرهم (إحدى وخمسون حبة شعير مقطوعة الطرفين) (2.3 جرام، وعلى ذلك يكون نصاب الفضة بالجرامات: (3 و 2 رحمه الله 200 درهم) (460 جرامًا.
والواجب فيها خمسة دراهم من مائتي درهم أي ربع العشر وهي تساوي أحد عشر جرامًا ونصف الجرام (11.5 جرامًا).

(1)

قوله (فَيَجِبُ فِيْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)

أي ربع العشر وهي تساوي أحد عشر جرامًا ونصف الجرام كما ذكرنا.
(2)

قوله (وَلا فِيْ الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالاً)

أي لا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً، وهل المثقال والدينار واحد؟ نقول: نقل النووي 1 الاتفاق على ذلك.
إذًا كيف نحسب نصاب الذهب؟ نقول: وزن الدينار (اثنتان وسبعون حبة شعير مقطوعة الطرفين) وهي تساوي (ثلاثة جرامات ونصف الجرام)، فنضرب زنة الدينار من الجرامات في عشرين (3.5 رحمه الله 20 (70 جرامًا).
فيكون هذا هو نصاب الذهب يعني سبعين جرامًا، والواجب فيه ربع العشر وهو (1.75) جرام، هذا في الذهب الخالص.

فَيَجِبُ فِيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ (1)،  =وذهب شيخنا محمد بن صالح العثيمين (1) رحمه الله إلى أن نصاب الذهب خمسة وثمانون جرامًا (85 جرامًا)، ونصاب الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جرامًا (595 جرامًا).
ويرى سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (2) رحمه الله أن نصاب الذهب اثنان وتسعون جرامًا (92 جرامًا).
وبهذا يظهر أنني رجحت الأقل وذلك لأمور منها: أولاً: أنني قمت بنفسي - ولله الحمد - بوزن حبات الشعير المحددة مفردة ومجموعة في أكثر من مناسبة وفي أكثر من ميزان من موازين الصاغة وظهرت لي هذه التقديرات المذكورة في كل مرة قمت بها.
ثانيًا: أنني رجحت الأقل احتياطًا وأبرأ لذمة المسلم وأحفظ لحقوق الفقراء.

(1)

قوله (فَيَجِبُ فِيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ)

أي إذا بلغ نصاب الذهب سبعين جرامًا فيجب فيها نصف المثقال وهو بالجرامات (1.75) جرام، هذا في الذهب الخالص.
أما العملات المتداولة الآن فكيف يخرج المسلم نصابها؟ نقول: النصاب بالعملات المتداولة الآن مثل الريالات والدولارات وغيرها: من كان عنده من هذه العملات ما يساوي سبعين جرامًا (70 جرامًا) من الذهب أو أربعمائة وستين جرامًا (460 جرامًا) من الفضة فقد وجبت عليه الزكاة، فيزكي ما عنده بنسبة ربع العشر (2.5%).12

فَإِنْ كَانَ فِيْهِمَا غِشٌّ (1)، فَلا زَكَاةَ فِيْهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا (2).  =وطريقة ذلك: إذا حال الحول على ما عند الإنسان من المال ما عليه إلا أن يأتي بائع الذهب ويسأله عن قيمة (سبعين جرامًا من الذهب) أو (أربعمائة وستين جرامًا من الفضة)، فإن أعلمه بها فهل هذا المبلغ الذي ذكر له عنده أولاً، فإن وجد عنده علم أن الزكاة وجبت عليه زكى ما عنده، وإن كان ما عنده أقل مما أخبره به بائع الذهب علم أن ماله لم يبلغ نصابًا وأنه لا زكاة عليه.
وطريقة إخراج ما بلغ النصاب تقوم بقسمة ما عندك على أربعين ويكون الناتج هو الواجب عليك إخراجه.

(1)

قوله (فَإِنْ كَانَ فِيْهِمَا غِشٌّ)

أي الذهب والفضة، ويحصل الغش بإضافة بعض المعادن الأخرى إليهما، إما لتقويتها حتى لا تنكسر أو لأمر آخر قد تحتاج إليه.
والذهب الخالص هو ما يسمى في عرف الصاغة اليوم بعيار (24)، أما ما دونه من عيار (21) أو (18) أو (14) فهذه كلها قد خلط بها غيرها من نحاس أو غيره، فهذه كيف تخرج زكاتها؟ أجاب عن ذلك المؤلف:

(2)

قوله (فَلا زَكَاةَ فِيْهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا)

وهذا هو قول الشافعية 1 أيضًا، أي لا زكاة فيهما حتى يبلغ خالصه نصابًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَلَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ) 2.

..................................  =وله أيضًا أن يخرج من المغشوش ما يعلم اشتماله على خالص بقدر الواجب مع مراعاة درجة الجودة.
أما الحنفية 1 فعملوا بالغالب، فقالوا: إن كانت الفضة المضروبة الغالب فيها الفضة فتجب فيها الزكاة كأنه كله فضة، والغلبة عندهم بزيادة الفضة عن النصف ولم يلتفتوا إلى المغشوش فيها، وقالوا بأن الدراهم لا تخلو من قليل الغش لأنها لا تنطبع إلا به، أما إذا كان الغالب فيها المغشوش فلا تجب فيها الزكاة عندهم إلا أن ينويها للتجارة فتخرج كعروض التجارة.
أما المالكية 2 فوافقوا الشافعية 3، والحنابلة 4 لكن بشرط أن لا يكون المغشوش رائجًا، فإن كانت الدراهم أو الدنانير المغشوشة رائجة كرواج غير المغشوشة فإنها تعامل مثل الكاملة سواء.
والصحيح من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.
وعلى ذلك إذا كان الذهب أو الفضة مغشوشة أو مختلطة بغيرها فلا زكاة فيها حتى يبلغ الخالص نصابًا، ويكون إخراج الخالص إما بسبكه فيستبعد المغشوش ويزكى الخالص إن بلغ نصابًا أو يكون بالاستظهار أي بالاحتياط فيخرج زيادة عن الفرض ليبرأ بيقين.

فَإِنْ شَكَّ فِيْ ذلِكَ (1)، خُيِّرَ بَيْنَ الإِخْرَاجِ وَبَيْنَ سَبْكِهِمَا؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ ذلِكَ (2). وَلا زَكَاةَ فِي الْحُلِّيِّ الْمُبَاحِ، الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، وَالْعَارِيَةِ (3).  (1)

قوله (فَإِنْ شَكَّ فِيْ ذلِكَ)

أي إن شك في الذهب المغشوش والفضة المغشوشة.
(2)

قوله (خُيِّرَ بَيْنَ الإِخْرَاجِ وَبَيْنَ سَبْكِهِمَا؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ ذلِكَ)

وقد مر ذلك آنفًا.
(3)

قوله (وَلا زَكَاةَ فِي الْحُلِّيِّ الْمُبَاحِ، الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، وَالْعَارِيَةِ)

هذه من المسائل التي اختلف فيها السلف قديمًا وحديثًا، وما رجّحه المؤلف من عدم وجوب الزكاة فيه هو قول مالك 1، والشافعي 2 بل قول أكثر أهل العلم من السلف والخلف، وهو اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم 3، والشيخ الشنقيطي 4، والشيخ ابن حميد 5، وهو الراجح عندي.
وذهب أبو حنيفة 6، وأيضًا كثير من السلف والخلف إلى القول بوجوب الزكاة، وهذا اختيار سماحة شيخنا ابن باز 7، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين 8، والعلامة الألباني 9 - رحمهم الله - 10.

وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (1). وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ: الْخَاتَمُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَنَحْوُهَا (2).  -

تنبيهان

:

أولاً: إذا خرج الذهب عن المألوف كتفصيل ثوب ذهب ونحوه

ففيه الزكاة، ومن اشتراه لا لأجل الاستعمال وإنما ينتظر غلاء القيمة ففيه الزكاة.

ثانيًا: إذا لم تستعمل المرأة ذهب الحلي خلال العام فتجب فيه الزكاة؛

لأنه يصير بهذه الحالة مكنوزًا، أما إذا استعملته خلال العام ولو مرة واحدة فلا تجب فيه الزكاة.
(1)

قوله (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)

ولو كثر ما دام أنه عادة، ويباح لهن أيضًا الذهب المحلق بخلاف من ذهب إلى حرمة لبسه للنساء لعموم قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (1) حيث ذكر الله سبحانه وتعالى أن الحلية من صفات النساء وهي عامة في الذهب وغيره، وأيضًا عموم قوله صلى الله عليه وسلمفي الذهب والحرير (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ) (2)، وفي رواية: «حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ) (3). (2)

قوله (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ: الْخَاتَمُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَنَحْوُهَا)

حلية السيف أي المقبض.
والمنطقة هي ما يشد به الرجل الوسط=123

فَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلْكِرَاءِ وَالاِدِّخَارِ، أَوِ الْمُحَرَّمُ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ (1).  = (ليقوي على العمل.
دليل ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ... ) (1)، فيجوز لبس الرجال للفضة إذا لم يكن في ذلك تشبه بالنساء ولا الكفار.

(1)

قوله (فَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلْكِرَاءِ وَالاِدِّخَارِ، أَوِ الْمُحَرَّمُ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ)

أما الحلي والفضة التي أعدها صاحبها لتأجيرها والاتجار بها أو لكنزها فتجب فيها الزكاة.
وكذا المحرم الذي صنع على هيئة محرمة كأن يكون صنع على هيئة إنسان أو حيوان أو طائر ونحوه، أو استعمل في حرام كأن يلبس الرجل ما صنع من ذهب كخاتم مثلا، وكذا الفضة الكثيرة وما فيه نوع تشبه بالكفار، فكل هذا تجب فيه الزكاة، والقاعدة في ذلك: كل ما حرم استعماله من الذهب أو الفضة وجب إخراج زكاته؛ لأنه صار مكنوزًا والأصل وجوب الزكاة في المكنوز.1

بَابُ حُكْمِ الدَّيْنِ  الشرح:

(1) قوله

(بَابُ حُكْمِ الدَّيْنِ)

الدَّين هو ما ثبت في الذمة كقرض أو مبيع أو أجرة ونحو ذلك لكنه مملوك للدائن.
اختلف الفقهاء في حكم زكاته، وذلك نظرًا لأنه مع كونه ملك للدائن إلا أنه ليس تحت يد صاحبه، فجمهور الفقهاء على أن الدين لا يسقط وجوب الزكاة.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ألف ريال وعليه مائة ألف، فالصواب أنه يجب عليه إخراج الزكاة وأن الدين لا يؤثر على الزكاة، فإن كان الدين حالاً نقول: سدده ولا يكون عندك نصاب، وإن كان مؤجلاً فزكِّ ولا أثر له في الزكاة.
أما الدائن فلا يخلو دينه من أمرين: الأول: دين حال مرجو الأداء.
الثاني: دين حال غير مرجو الأداء.
ولبيان حكمهما نقول: أما الدين الحال المرجو أداؤه فهو ما كان مرجو الأداء: كمن كان على مقرٍ به باذلٍ له، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.
وقد اختلف الفقهاء في زكاة هذا النوع من الدين: فالحنفية 1، والحنابلة 2 على أنه لا تجب عليه الزكاة ما لم يقبضه فإذا قبضه زكاه لكل=

..................................  =ما مضى من السنين.
وعللوا لعدم وجوب الزكاة قبل قبضه بأنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، ولأنه لا ينتفع به في الحال وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به.
أما وجوبها فيما مضى من السنوات فعللوا لذلك بأن صاحبه قادر على أخذه والانتفاع به فوجبت فيه الزكاة لما مضى.
والقول الثاني في هذا النوع من الدين قول الشافعية 1 أن الزكاة تجب فيه نهاية كل حول؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه، فهو مال في حكم الموجود عند مالكه.
وهذا هو الراجح.
والقول الأول هو رأي شيخنا 2 رحمه الله، أي أنها تجب زكاته عن كل سنة إذا قبضه قالوا وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله، وهذا أفضل وأسرع في إبراء الذمة.
النوع الثاني من الدين هو ما كان غير مرجو الأداء، كأن يكون على معسر أو جاحد أو مماطل، وقد اختلف الفقهاء في حكم زكاته: فالحنفية 3، ورواية عن أحمد 4، واختارها ابن سعدي 5 رحمه الله أنه لا تجب فيه الزكاة لعدم تمام الملك، ولأنه غير مقدور على الانتفاع به بل يستقبل به حولاً جديدًا.

وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيْءٍ (1)، أَوْ مَالٌ يُمْكِنُ خَلاصُهُ، كَالْمَجْحُوْدِ الَّذِيْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَغْصُوْبِ الَّذِيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى (2). وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ عَلَى جَاحِدٍ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَالْمَغْصُوْبِ، وَالضَّالِّ الَّذِيْ لا يُرْجَى وُجُوْدُهُ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ (3).  =القول الثاني: أنه تجب فيه الزكاة إذا قبض لما مضى من السنين كالدين المرجو أداؤه، وهذا رواية عن الإمام أحمد (1). القول الثالث: أنه يزكيه لعام واحد إذا قبضه إن كان مما تجب فيه الزكاة، وهو قول المالكية (2)، واختاره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (3)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (4) - رحمهما الله -، وهذا هو الراجح.

(1)

قوله (وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيْءٍ)

أي غنى.
(2)

قوله (أَوْ مَالٌ يُمْكِنُ خَلاصُهُ، كَالْمَجْحُوْدِ الَّذِيْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَغْصُوْبِ الَّذِيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى)

هذا قول جمهور الفقهاء.
لكن اختلفوا - كما ذكرنا - هل يؤديه عند قبضه أم في نهاية كل حول له؟ والصواب إن أدى زكاته مع زكاة ماله فهذا أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء الذمة، وإن أخّره لحين قبضة زكّاه لما مضى، وهذه رخصة لا بأس بها عند بعض أهل العلم.
(3)

قوله (وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ عَلَى جَاحِدٍ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَالْمَغْصُوْبِ، وَالضَّالِّ الَّذِيْ لا يُرْجَى وُجُوْدُهُ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ)

وهذه=1234

وَحُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الدَّيْنِ (1)، وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ الَّذِيْ مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُهُ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْهِ (2).  =رواية في المذهب (1)، وهو قول الحنفية (2) - كما ذكرنا - واختار هذا القول ابن سعدي (3) رحمه الله.
والصواب: أنه متى قبضه زكَّاه مرة واحدة كما ذكرنا ذلك آنفاً، وهذه رواية في المذهب، ومذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين - رحمهما الله -.

(1)

قوله (وَحُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الدَّيْنِ)

أي إذا كانت المرأة لها صداق عند زوجها وزوجها مليء أي قادر على إعطائها صداقها وغير مماطل فهنا تزكيه عن كل سنة إذا قبضته، أما إذا كان زوجها معسرًا أو مماطلاً ففيه الخلاف المذكور آنفًا، وأصح الأقوال وجوب الزكاة فيه عن عام واحد إذا قبضته.
(2)

قوله (وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ الَّذِيْ مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُهُ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْهِ)

ذكرنا طرفًا من هذه المسألة في أول أحكام الدين وقلنا هذا محل خلاف بين الفقهاء:

القول الأول

: أن الدَّين الذي يستغرق النصاب أو ينقصه يمنع وجوب الزكاة؛ لأن الزكاة إنما شرعت للمواساة، ومن عليه دين ينقص النصاب أو يستغرقه لا يوصف بالغني بل هو أهل لدفع الزكاة إليه، وهذا قول مالك 4، وهي=123

..................................  =إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (1)، واختارها ابن سعدي رحمه الله، هذا في الأموال الباطنة.
أما الأموال الظاهرة كالمواشي والثمار وغيرها فتجب فيها الزكاة؛ لأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه - رضي الله عنهم - أنهم حينما كانوا يرسلون السعاة لأخذ الزكاة منها لا يؤثر عنهم أنهم كانوا يستفسرون عن أهلها، هل عليهم ديون أم لا؟ والحكم هنا يختلف عن الأموال الباطنة كالنقدين وعروض التجارة.

القول الثاني

: أن الأموال الظاهرة والباطنة لا تجب فيها الزكاة إذا كان على صاحبها ديون تستغرقها أو تنقص نصابها.

القول الثالث

: أن الزكاة تجب في الجميع - أي الأموال الظاهرة والباطنة - إذا كان على صاحبها دين؛ لأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة ليس فيها دليل على مراعاة الدين فوجب التعميم.
وهذا ما رجحه الشيخان 2 - رحمهما الله - وهو الراجح.1

بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوْضِ

(1).  الشرح:

(1)

قوله (بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوْضِ)

وهي كل ما أُعِدَّ للتجارة من أي نوع ومن أي صنف كان، وهي أشمل الأموال التي تجب فيها الزكاة، إذ أنه يدخل فيها العقارات والأقمشة والأواني وجميع أنواع الحيوانات كالإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وغير ذلك مما أعد للاتجار به.
أما عن حكم الزكاة في عروض التجارة فالجمهور 1 على وجوب الزكاة فيها، وهو قول شيخ الإسلام 2، وتلميذه ابن القيم 3، والشيخين 4 - رحمهم الله -، وبه أفتت اللجنة الدائمة 5. قلت: وقال داود الظاهري 6، وهو قول الألباني 7 أن عروض التجارة لا تجب فيها الزكاة وإنما الزكاة تجب من قيمته إذا بيع، وهذا أيضًا قول لبعض السلف 8. لكن القول الأول هو الراجح لعموم قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ=

وَلا زَكَاةَ فِيْها حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا التِّجَارَةَ (1)،  =صَدَقَةً} (1) وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (2).

  • تنبيه: شروط الزكاة في عروض التجارة: أ - أن تكون هذه العروض مملوكة للشخص ملكًا تامًا.
    بـ - أن ينوي بها التجارة كما سيذكره المؤلف.
    جـ - أن تبلغ قيمتها أقل النصابين من الذهب والفضة؛ لأنه أحظ للفقراء والمساكين.
    د - حولان الحول على هذه العروض.

(1)

قوله (وَلا زَكَاةَ فِيْها حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا التِّجَارَةَ)

هذا هو الشرط الأول لوجوب الزكاة في عروض التجارة، أي يشترط عند شرائه أو تملكه لشيء أن ينوي به التجارة، فإن اشتراه لقنية ولم يكن للتجارة ثم بدا له أن يتاجر فيه فهل تجب فيه الزكاة؟ المذهب أنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأن النية المعتبرة لوجوب الزكاة فيه أن تكون مقارنة لدخوله في ملكه، ولأن التجارة عمل فيحتاج إلى النية مع العمل.
والصحيح أنه متى اشتراه للقنية أو لغيرها أو ملكها بغير فعله ثم بدا له أن يتاجر به فهنا تجب فيها الزكاة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) 3، وهذا الرجل نوى التجارة فلزمته الزكاة، أما إذا كان لا ينوي التجارة بها أو تردد في بيعها فلم يجزم بشيء فلا زكاة فيها.12

وَهِيَ نِصَابٌ (1) حَوْلاً كَامِلاً (2)، ثُمَّ يُقَوِّمُهَا (3)،  (1)

قوله (وَهِيَ نِصَابٌ)

أي يشترط في العروض بلوغ النصاب، ونصابها يقَوَّم بقيمة الذهب أو الفضة، فلا زكاة في العروض إذا كانت قيمتها أقل من نصاب الذهب والفضة ما لم يكن عنده ذهب أو فضة يكمل به النصاب، لكن الأفضل أن تقوَّم بأقل النصابين من الذهب والفضة؛ لأنه أحظ للفقراء والمساكين، فإن كان التاجر إذا قوَّمها بأحدهما لا يبلغ نصابًا وبالآخر يبلغ نصابًا تعين عليه التقويم بما يبلغ نصابًا.
(2)

قوله (حَوْلاً كَامِلاً)

أي يشترط لعروض التجارة أن يحول عليها حول كامل، لكن هل المعتبر كل الحول كما في النقدين بمعنى أنها لو نقصت القيمة في أثناء الحول لم تجب الزكاة؟ المذهب يشترط كل الحول فمتى نقصت قيمة العروض في أثناء الحول لم تجب الزكاة.

(3)

قوله (ثُمَّ يُقَوِّمُهَا)

الذي يقوَّم من العروض ما يراد بيعه دون ما لا يعد للبيع، وكذا المعد للاستعمال فإنه ليس فيه زكاة كالرفوف التي توضع عليها السلع لا زكاة فيها، ومواد التنظيف كالصابون ونحوه التي أعدها الصانع ليستهلكها في صناعته لا لبيعها فلا زكاة فيها، وكذا الأدوات التي يستخدمها الحداد والنجار مثل القدوم والمنشار وجميع الأدوات لا زكاة فيها، إنما الزكاة فيما أعد للبيع.

تنبيهات

: أولاً: المواد الخام التي اشتراها صاحب المصنع ليقوم بتصنيعها نص المالكية 1 =

فَإِذَا بَلَغَتْ أَقَلَّ نِصَابٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (1)،  =على أنها تقوم على الحال التي اشتراها عليها صاحبها أي قبل تصنيعها.
ثانيًا: إذا قوّم سلعة لأجل الزكاة وأخرجها على أساس ذلك فلما باعها زاد ثمنها عن القيمة فلا زكاة في هذه الزيادة لاحتمال ارتفاع الأسعار في السوق.

ثالثًا: السعر الذي تقوم به السلعة

هو سعر البلد الذي فيها المال وليس الذي فيه المالك أو غيره ممن له بالمال علاقة.
رابعًا: هل المعتبر في التقويم بقيمة السلعة يوم الوجوب أم المعتبر القيمة يوم الأداء؟ على خلاف بين الفقهاء: والصحيح أنها تُقوّم بقيمة السلعة عند تمام الحول ولا يحق له أن يؤخرها بزمن يتغير فيه السعر.
خامسًا: إذا كانت هناك سلع لم يدفع التاجر ثمنها هل يقوّمها؟ نقول إذا كانت السلعة حال عليها الحول وأصبحت في ملكه زكاها وإن لم يدفع ثمنها؛ لأن الدَّين - كما قلنا - لا يسقط وجوب الزكاة.
سادسًا: لا يعتبر في تقويم السلعة عند تمام الحول ما اشتريت به وذلك لأن القيمة تختلف ارتفاعًا ونزولاً، بل المعتبر في تقويمها عند حلول الحول.

(1)

قوله (فَإِذَا بَلَغَتْ أَقَلَّ نِصَابٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ)

اختلف الفقهاء فيما تُقوّم به زكاة عروض التجارة، هل تُقوّم بالذهب أم بالفضة؟ فالمذهب 1، ورواية عند الأحناف 2 أنها تقوّم بالأحظ للفقراء، فإن كان إذا قوَّمها بأحدهما لا يبلغ نصابًا وبالآخر يبلغ نصابًا تعين عليه أن يخرجها بما يبلغ نصابًا، وهذا هو الصحيح.

أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ قِيْمَتِهَا (1).  (1)

قوله (أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ قِيْمَتِهَا)

أي يكون إخراج زكاة عروض التجارة من قيمة السلع لا من عينها، وهذا هو قول أحمد 1، والشافعي 2 في الجديد، وعليه الفتوى، وهو ظاهر كلام المالكية 3. وقال أبو حنيفة 4 أن التاجر مخير بين إخراج الزكاة من قيمة السلعة وبين الإخراج من عينها، فإن كان تاجر ملابس مثلاً أو أحذية أو ما شابه ذلك فله أن يخرج زكاته من الملابس أو الأحذية وغيرها مما يتاجر فيه، وعللوا لذلك بأن السلعة وجبت فيها الزكاة فجاز إخراجها من عينها كسائر الأموال.
والراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وهو أنه لا يخرج من عروض التجارة إلا قيمتها؛ لأن ذلك هو الأنفع للفقير فإنه يستطيع أن يشتري بالقيمة ما يسد حاجته، أما عين السلعة فقد لا تنفعه، اللهم إلا إذا كان يعلم جيّدًا أن هذا الفقير يحتاج إلى هذه السلعة بعينها فهنا يجوز للحاجة أو المصلحة الراجحة.
وأيضًا إذا حال الحول والتاجر ليس عنده مال، أي ليس عنده إلا سلع فهنا يخرج من عين السلعة لعموم قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ 5، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ 6، ولقوله صلى الله عليه وسلم (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) 7.

وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، ضَمَّهُمَا إِلَى قِيْمَةِ الْعُرُوْضِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ (1). وَإِذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ (2)، ثُمَّ إِنْ نَوَى بِهِ بَعْدَ ذلِكَ التِّجَارَةَ، اسْتَأْنَفَ لَهُ حَوْلاً (3).  (1)

قوله (وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، ضَمَّهُمَا إِلَى قِيْمَةِ الْعُرُوْضِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ)

بغير خلاف عند الفقهاء، فلو كان عنده مائة درهم وعنده عروض قيمتها مائة درهم ضم هذا إلى هذا لتكميل النصاب؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمة العروض وهي تُقوّم بكل من الذهب أو الفضة فتكون مع الضم جنسًا واحدًا.
(2) قوله (ثم وَإِذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ) القنية هي ما اتخذه الإنسان لنفسه للانتفاع به لا للتجارة، من طعام أو شراب أو سيارة أو سكن أو حيوان ونحو ذلك، فإذا اشتراها للتجارة ثم بان له أن يجعلها لنفسه فلا زكاة فيها؛ لأن القنية هي الأصل ويكفي في الرد إلى الأصل حصول النية.

(3)

قوله (ثُمَّ إِنْ نَوَى بِهِ بَعْدَ ذلِكَ التِّجَارَةَ، اسْتَأْنَفَ لَهُ حَوْلاً)

أي إذا نوى التجارة بما صار للقنية فإنه يستأنف به حولاً جديدًا يبدأ من تاريخ نية التجارة؛ لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء فلابد من حول جديد لنية التجارة.
وهناك قول آخر: أنه لم يصر للتجارة بمجرد النية.
والصحيح الأول؛ لأن المعتبر هو كون هذا الشيء عرضًا أم لا هو نية مالكه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) 1.

بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ (1). وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (2)،  الشرح:

(1)

قوله (بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ)

يقال لها زكاة الفطر أو صدقة الفطر، ويقال للمخرَج فِطرة - بكسر الفاء - مأخوذ من الفطرة التي هي الخلقة أي زكاة الخلقة، وهي المقصودة في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (1)، وأضيفت الزكاة هنا إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان، وهي صدقة عن البدن لذلك يسميها بعض الفقهاء زكاة الرؤوس أو الرقاب أو الأبدان.
أما التعريف الاصطلاحي لها فهي: صدقة تجب بالفطر من رمضان قبل صلاة عيد الفطر شكرًا لله تعالى على نعمة التوفيق للصيام والقيام.
والحكمة في مشروعيتها مركبة من أمرين: الأول: يتعلق بالصائمين في شهر رمضان وما عسى أن يكون قد شاب صيامهم من لغو القول ورفث الكلام وطعمة للمساكين.
الثاني: يتعلق بالمجتمع فيه عنوان على إشاعة المحبة في المجتمع والمسرة في جميع أنحائه وخاصة المساكين وأهل الحاجة فيه.

(1)

قوله (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)

ذكرًا كان أو أنثى، كبيرًا كان أو صغيرًا، حرًّا كان أو عبدًا.
ودليل فرضيتها حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيْرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيْرِ وَالْكَبِيْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوْجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ) 2.1

باب زكاة الفطر

على المسلمين من التمر والشعير (1636) وللفظ للبخاري.

مَلَكَ فَضْلاً عَنْ قُوْتِهِ وَقُوْتِ عِيَالِهِ (1)،  =لكن هل يخرجها عن الجنين؟ الصواب أنه يستحب إخراجها عنه إذا نفخ فيه الروح أي إذا كان الحمل مدته أربعة أشهر فأكثر، وهذه هي المدة التي ينفخ فيها الروح، ودليل إخراجها عنه ما جاء عن عثمان رضي الله عنهأنه أخرج عن الجنين (1). وقوله «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) هذا هو الشرط الأول لوجوبها، فخرج به غير المسلم.
وجاء عند الشافعية (2) وهو الأصح عندهم أنه يجب على الكافر أن يؤدي عن أقاربه المسلمين.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ أي أنه لا يجب عليه إخراجها لأنها قربة من القرب، وطهرة للصائم من الرفث، واللغو، والكافر ليس من أهلها، إنما يعاقب على تركها في الآخرة.

(1)

قوله (مَلَكَ فَضْلاً عَنْ قُوْتِهِ وَقُوْتِ عِيَالِهِ)

هذا هو الشرط الثاني، وهو قول الشافعية 3، أي لا يشترط له ملك النصاب، وذهب الحنفية 4 إلى اشتراط ملك النصاب الذي تجب فيه الزكاة من أي مال كان من الذهب أو الفضة أو السوائم من الإبل والبقر والغنم.
والصحيح: القول الأول وهو قول جمهور أهل العلم.12

لَيْلَةَ الْعِيْدِ وَيَوْمَهُ، صَاعًا (1). وَقَدْرُ الْفِطْرَةِ: صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ، أَوْ دَقِيْقِهِمَا أَوْ سَوِيْقِهِمَِا (2)،  =وقوله (عَنْ قُوْتِهِ) أي مأكله ومشربه، وقوله «وَقُوْتِ عِيَالِهِ) أي أولاده الذين تجب عليه نفقتهم.

(1)

قوله (لَيْلَةَ الْعِيْدِ وَيَوْمَهُ، صَاعًا)

أي إذا كان عنده ما يقتات به وأولاده ليلة العيد ويومه فتجب عليه زكاة الفطر، أما إذا كان الذي عنده لا يكفيه لهذه المدة فلا تجب عليه، فإن كان الذي عنده يكفيه لهذه المدة وبقي عنده شيء قليل فالواجب عليه إخراج هذا القليل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (1)، ولقوله صلى الله عليه وسلم (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (2). (2)

قوله (وَقَدْرُ الْفِطْرَةِ: صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ، أَوْ دَقِيْقِهِمَا أَوْ سَوِيْقِهِمَِا)

هذا هو القدر الواجب في زكاة الفطر ونوع ما تخرج منه.
فالقدر فيها صاع، وقد سبق تحقيق قدر الصاع بالكيلو جرام، وقررنا أنه يعادل كيلوين وربع كيلو وذكر شيخنا 3 أن الصاع يعادل كيلوين وأربعين جرامًا.
وما رجحنا أن الصاع يعادل كيلوين وربع الكيلو هو الذي توصلت إليه بعد بحث طويل ومناقشة لأهل العلم.
وقد بسطت ذلك في كتابي الزكاة فليراجع.
أما النوع الذي تخرج منه زكاة الفطر فقد ذكره المؤلف وهو صاع من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما.12

أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ (1)،  (1)

قوله (أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ)

فهو مخير في إخراج زكاة الفطر في هذه المذكورات، لكن هنا

تنبيهان

: أولاً: إذا لم تكن هذه المذكورات (البر والشعير والتمر والأقط والزبيب) قوتًا في بلد ما فهل تجزئ؟ الجواب: لا تجزئ لأن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، فينبغي على الإنسان حين إخراجه زكاة الفطر أن يراعي قوت البلد الذي هو فيها، ولذا ورد عن الإمام أحمد 1 أن الأقط لا يجزئ إلا إذا كان قوتًا.
ثانيًا: اختلف الفقهاء في إخراج القيمة عن زكاة الفطر: فالمالكية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4 يرون أنه لا يجوز إخراج القيمة لعدم ورود النص في ذلك مع أن النقود كانت في عهده صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أنه جوَّز لأحد من أصحابه إخراجها قيمة، وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن إخراجها يكون قوتًا كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه المتقدم، وهذه كلها مطعومات فدل ذلك على أن غير المطعومات لا يجوز.
وذهب الحنفية 5 إلى أنه يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر، بل هو أولى ليتيسر للفقير أن يشتري أي شيء يريده في يوم العيد؛ لأنه قد لا يكون محتاجًا للحبوب بل هو محتاج إلى ملابس أو لحم أو غير ذلك.

فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا (1).  =والراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أنه لا يجوز إخراج القيمة، وهذا هو قول الشيخين (1) - رحمهما الله -.

(1)

قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا)

أي إن لم يجد هذه المذكورات - البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو التمر أو الزبيب - أخرج من قوته، أي كل ما يقتات ويطعم من الحب والتمر كالأرز والذرة بدلاً عن البر أو الشعير، أو أخرج أي أنواع الثمار الأخرى بدلاً عن الزبيب.
والصحيح كما قلنا أن كل ما كان قوتًا من حب وثمر ونحوها فهو مجزئ سواء عدم الخمسة أو لم يعدمها لحديث أبي سعيد وفيه: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيْرُ وَالزَّبِيْبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ) 2.

  • تنبيه: هل يجزئ إخراج الخبز في صدقة الفطر؟ الجواب: لا يجزئ إخراجه في المذهب 3؛ لأنه لا يكال ولا يقتات، ومن العلل أيضًا في عدم إجزائه أن النار أثرت عليه وغيرته.
    ويرى شيخنا 4 رحمه الله أن الصحيح في الخبز أنه إذا كان قوتًا بأن ييبس وينتفع الناس به فلا بأس بإخراجه، وكذا يرى شيخنا جواز إخراج المكرونة ما دامت قوتًا للناس وتعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز وبالوزن إذا كانت كبيرة.
    كبيرة.1

وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ (1)، إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ (2)  =ثانياً: يجوز إعطاء زكاة الفطر لفقير واحد سواء كان المعطي واحداً أو جماعة، مثاله: إنسان عنده عشر فطرات فإنه يجوز أن يعطي هذه العشر إلى فقير واحد، وكذلك يجوز أن يعطى إنسان فطرة واحدة لعشرة فقراء.

(1)

قوله (وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ)

أي أن زكاة الفطر يخرجها الإنسان عن نفسه وكل من تجب عليه نفقته من المسلمين، وهذا هو المذهب (1)، وهو قول المالكية (2)، والشافعية (3). وذهب الحنفية (4) إلى أنه لا يجب عليه أن يخرجها عن غيره، وهو قول شيخنا (5) رحمه الله فتجب على الزوجة بنفسها وعلى الأب بنفسه، وعلى البنت بنفسها، وهكذا.
والصواب: أنه يجب إخراجها عن نفسه وعن من تلزمه مؤونته من زوجة أو أبناء أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم لأنهم المخاطبون بها أصلاً.

(2)

قوله (إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ)

أي إذا ملك مالاً يؤدي به الزكاة عمن تلزمه مؤونته فالواجب عليه أن يؤديها عنه وهذا محل خلاف كما ذكرنا وبيَّنا الراجح.12345

فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ (1)، وَالْمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ (2)، فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ (3).  (1)

قوله (فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ)

وهو المملوك بين اثنين وأكثر، فيلزمهم إخراج فطرته حسب نفقته عليهم.
(2)

قوله (وَالْمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ)

كالعم أو أبناء العم أو إخوانه عموماً، فهؤلاء قال فيهم المؤلف (فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ) فيلزمهم إخراجها عنه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون) (1). والصحيح أنه لا يلزم المسلم إخراج صدقة الفطر عن القريب المسلم، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) (2). والأصل في الفرض أنه يجب على كل إنسان بعينه دون غيره، أما الحديث الذي احتج به فهو ضعيف ومنقطع فلا يصح الاحتجاج به.
والفرض الأصل فيه أنه يجب على كل واحد بعينه دون غيره لقوله سبحانه ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (3).

(3)

قوله (فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ)

أي توزع عليهم على حسب نفقتهم عليه لأن زكاة الفطر تابعة للنفقة، فيبدأ أولاً بنفسه لأنه هو المخاطب بذلك عيناً، ثم زوجته وهي مقدمة على أمه وأبيه، ثم رقيقه، ثم أمه ثم أبيه، =123

فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ (1). وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيْدِ (2)، وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ (3)،  =وهكذا.

(1)

وقوله (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ)

فتكون فطرة العبد على قدر ما فيه من الحرية، وغير الحر يكون على سيده فطرته، وقد ذكر هنا أن العبد إن كان قد جمع بين الحرية والرق فإن السيد يلزمه إخراج نصيبه.
(2)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيْدِ)

أي من بعد صلاة الفجر إلى قبيل صلاة العيد وهو الوقت المستحب لإخراجها، ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم وفيه: «وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة).
(3)

قوله (وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ)

لقوله صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، ويفهم من كلامه رحمه الله أنه يجوز تأخير صدقة الفطر إلى غروب شمس يوم العيد، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: إخراجها يوم العيد جائز من غير كراهة لقوله صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، واليوم يكون بطلوع الفجر إلى غروب الشمس - فيجوز إخراجها يوم العيد -. القول الثاني: أنه جائز مع الكراهة على الصحيح، وهذا قول للشافعية 1، ورواية في مذهب أحمد 2 وذلك لأن إخراجها في بقية يوم العيد يفوت المقصود من إغناء الفقراء في هذا اليوم.

وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَيْهِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ (1).  =القول الثالث: أنه يجوز تأخيرها عن يوم العيد، فمن أداها بعد يوم العيد بدون عذر كان آثماً، وهذا هو قول المالكية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة (3). القول الرابع: لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد واختار هذا القول ابن القيم (4) رحمه الله، وهذا هو الصواب لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ) (5)، وكذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ) (6).

  • تنبيه: اتفق الفقهاء على أن زكاة الفطر لا تسقط بخروج وقتها لأنها وجبت في ذمته لمستحقيها، فهي دين لهم لا يسقط إلا بالأداء، أما حق الله في التأخير عن وقتها فلا يجبر إلا بالاستغفار والندم.

(1)

قوله (وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَيْهِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ)

فقط.
وهذا هو قول المالكية 7 أيضاً، ودليل ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «كانوا يعطون صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين، فإن أخرجها أول الشهر أو قبل العيد بأكثر من ثلاثة أيام لا يصح، لكن هل تجزئه؟ قولان لأهل العلم: =123456

وَيَجُوْزُ أَنْ يُعْطَى الْوَاحِدُ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، وَالْجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ (1).  =والذي اختاره شيخنا (1) رحمه الله أنه لا يجزيء، فهو كمن صلى قبل الوقت ظاناً أن الوقت قد دخل.

(1)

قوله (وَيَجُوْزُ أَنْ يُعْطَى الْوَاحِدُ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، وَالْجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ)

فلو كان عند إنسان خمس فطر، فيجوز أن يعطيها لفقير واحد، وكذلك إذا كان عنده فطرة واحدة فيجوز أن يعطيها خمسة فقراء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر المعطى ولم يقدر الأخذ.
وقال بعض أهل العلم: بل لو فرق فطرة رجل واحد على جماعة لم يجزئه، والصحيح الأول، لكن إذا أعطى الفطرة لجماعة فيسن ألا ينقص عن مد.1

بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ

(1) لا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوْبِهَا (2)،  (1)

قوله (بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ)

أي دفعها إلى مستحقيها، والمراد بها زكاة السائمة من بهيمة الأنعام، وزكاة الأثمان، وكذا عروض التجارة، والخارج من الأرض، أما زكاة الفطر فقد سبق بيان كيفية إخراجها.
(2)

قوله (لا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوْبِهَا)

فمتى حال الحول وجب المبادرة بإخراجها وذلك لأن الله تعالى أمر بإيتاء الزكاة، والأمر يقتضي الفور، وأيضاً فإن حاجة الفقراء ناجزة، وحقهم في الزكاة ثابت فيكون تأخيرها عنهم منعاً لحقهم في وقته.
وقال الحنفية (1) في أحد القولين عندهم، وعليه عامة مشايخهم: إن افتراض الزكاة عمري أي على التراخي، ففي أي وقت أدى يكون مؤدياً للواجب، ويتعين ذلك الوقت للوجوب.
والصحيح: هو قول جمهور الفقهاء، أي متى حال الحول وجب إخراجها على الفور مع القدرة على ذلك، وعدم الخشية من الضرر.

  • تنبيه: هناك حالات يجوز فيها تأخير الزكاة عن وقت وجوبها، وهذه الحالات هي:

الحالة الأولى: إذا كان في تأخير إخراجها مصلحة للفقير

، مثال ذلك: أكثر الناس يخرجون زكاتهم في شهر رمضان رغبة في حصول الأجر، لكن في بعض الأيام الأخرى كأيام الشتاء التي لا توافق رمضان قد يكون الفقراء=1

إِذَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهَا (1)، فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ الْمَالُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكاةُ (2)،  =أشد حاجة، فلو أخرها المزكي إلى هذا الوقت جاز ذلك لأن في ذلك مصلحة لمستحقيها.

الحالة الثانية: أن لا يتمكن من إخراجها عند حلول الحول

، مثال ذلك: أن يكون له مال غائب لا يمكن تحصيله، كأن يكون هذا المال في ذمة موسر، أو ذمة معسر ولا يتمكن من الحصول عليه إلا بعد وقت الوجوب بفترة، فهنا يجوز تأخيرها لعدم تمكنه من الإخراج.

الحالة الثالثة: إذا كان يتضرر بإخراجها في وقتها

، كأن يخشى أن يرجع عليه الساعي مرة أخرى، أو يكون المزكي بين قوم لصوص ويخشى على نفسه وماله وعياله إن أخرجها نظروا إليه فيعلمون أن معه مالاً فيسطون عليه، فهنا يجوز له تأخيرها إلى حين زوال الضرر، ومن صور الضرر أيضاً أن يحول الحول على عروض التجارة وليس عند التاجر سيولة مالية، فهنا ينتظر لحين بيع العروض أو بعضها للحصول على المال.
(1)

قوله (إِذَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهَا)

كما ذكرنا ذلك آنفاً، أما الجمعيات الخيرية وكذا المراكز الإسلامية التي يجتمع عندها أموال زكوية فيجوز لها أن تجزاء الزكاة على الفقراء، وتوزعها عليهم على فترات بشرط أن لا تزيد هذه المدة عن سنة وهذه هي أقصى مدة يجوز فيها تأخير الزكاة.
(2)

قوله (فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ الْمَالُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكاةُ)

أي إن أخر الزكاة عن وقت الوجوب ثم تلف المال لم تسقط عنه الزكاة في المال التالف لأنها وجبت في ذمته.
والصواب أن يقال في ذلك تفصيل:

وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، سَقَطَتْ (1). وَيَجُوْزُ تَعْجِيْلُهَا إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ (2)،  =إن أخرها ثم تلف المال بسبب تفريطه أو بتعدٍ منه على المال فهنا لا تسقط.
وإن أخرها ثم تلف المال من غير تعد ولا تفريط منه فإنها تسقط عنه، وهذا هو قول المالكية (1)، والشافعية (2).

(1)

قوله (وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، سَقَطَتْ)

أي إن تلف المال قبل وقت الوجوب، وهو حلول الحول سقطت عنه الزكاة.
(2)

قوله (وَيَجُوْزُ تَعْجِيْلُهَا إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ)

وهذا هو قول الجمهور 3، أي يجوز تعجيل الزكاة إذا كمل النصاب، وقال المالكية 4: لا يجوز تعجيل الزكاة لأنها عبادة موقوتة بالحول.
والصحيح هو قول الجمهور، ودليل ذلك ما جاء عن علي رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقته سنتين) 5. وقال الفقهاء أيضاً: الحول شرطها، وبلوغ النصاب سبب لوجوبها، والقاعدة في ذلك أنه لا يقدم الواجب قبل سببه، ويجوز تقديمه قبل شرطه، فبلوغ النصاب سبب لوجوب الزكاة، فإن قال: أزكي عن مال لم يبلغ النصاب فلا يصح، وإن ملك النصاب وقدم الزكاة قبل حلول الحول جاز لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط.
وأيضاً: تعجيل الزكاة فيه مصلحة لأهلها، وتأخيرها إلى حلول الحول من=12

وَلا يَجُوْزُ قَبْلَ ذلِكَ (1). وَإِنْ عَجَّلَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تُجْزِئْهُ (2)،  =باب الرفق بالمالك، فإن أداها قبل تمام الحول عن رضا منه فلا مانع، ومع قولنا بالجواز إلا أنه لا ينبغي تعجيل الزكاة قبل وقتها إلا لحاجة كجهاد، وحصول مجاعة، ونحو ذلك لأن الإنسان قد يعتري ماله تلف أو خسارة وغيره.

لكن

هل يكون التعجيل لحول أو حولين أو أكثر،

أم هو مقيد؟ هذا محل خلاف بين الفقهاء؛ فالشافعية (1) قالوا: يجوز تعجيل الزكاة لعام واحد، ولا يجوز لعامين في الصحيح لأن زكاة العام الثاني لم ينعقد حولها.
والمذهب (2) قالوا: تقديمها يكون لحولين فأقل.
والذي نراه أن تعجيل الزكاة لأكثر من سنة الصحيح جوازه لمدة سنتين فقط ولا يجوز لأكثر من ذلك.

  • تنبيه: لو عجل الإنسان زكاته ثم لما جاء الحول زاد عما هو عليه حال التعجيل، فهذه الزيادة التي نمى فيها ماله يجب عليه دفع زكاتها.

(1)

قوله (وَلا يَجُوْزُ قَبْلَ ذلِكَ)

أي لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك نصابها لأن ملك النصاب سبب لوجوبها، فإذا عدم السبب سقط الواجب، والقاعدة هنا: «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب) فبلوغ النصاب سبب لوجوب الزكاة، فإذا عدم هذا السبب سقط الوجوب.
(2)

قوله (وَإِنْ عَجَّلَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تُجْزِئْهُ)

أي إن عجل إخراج زكاته فأعطاها لغير مستحقيها لم يجزئه تعجيله، بل عليه أن يعيد إخراجها عند تمام الحول.12

وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْوُجُوْبِ مِنْ أَهْلِهَا (1). وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوِ ارْتَدَّ، أَجْزَأَتْ (2)،  (1)

قوله (وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْوُجُوْبِ مِنْ أَهْلِهَا)

في هذه المسألة تفصيل: أولاً: أن يعجل زكاته فيعطيها لغير مستحقيها وهو يعلم، كأن يعطيها لغني ثم افتقر عند الوجوب لم يجزئه بلا نزاع.
ثانياً: أن يعجل زكاته إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم، فهنا فيه تفصيل: فتارة يكون عدم استحقاقه لغناه، وتارة يكون لغيره كأن يكون كافراً، أو عبداً، أو هاشمياً، أو يكون قريباً للمعطي ممن لا يجوز دفع الزكاة إليه، فإن كان غنياً ففيه روايتان في المذهب (1): قيل يجزئه، وقيل لا يجزئه.
والصحيح: أنها تجزئه لأن الغنى يتعذر الإطلاع عليه والمعرفة بحقيقته، أما إن كان غير غني فرواية واحدة في المذهب أنها لا تجزئه لأن غير الغني لا يخفى حاله غالباً فلم يجزئه الدفع إليه.

(2)

قوله (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوِ ارْتَدَّ، أَجْزَأَتْ)

لأن العبرة كما أسلفنا تكون بحال الإعطاء، أي إن تعجل بإخراج الزكاة فأعطاها إلى مستحقيها ممن يجزيء إخراج الزكاة إليهم فمات أو استغنى، أي صار غنياً، أو ارتد عن الإسلام قبل وجوبها أجزأت، لأن العبرة كما أسلفنا تكون بحال الإعطاء.
وما ذكره المؤلف هنا: أي إذا أخرج الزكاة معجلة لا يخلوا من أربعة أحوال:

الأول: أن لا يتغير حال من أخرجها إليه

، فهذا القسم يجزيء المزكي ولا يلزمه بدله، وليس له استرجاعه كما لو قبلها بعد وجوبها.1

وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآخِذِ (1).  =الثاني: أن يتغير حال الأخذ كما ذكره المؤلف هنا، فهذا كما ذكر المؤلف يأخذ حكم القسم الأول، أي يجزيء عنه، وهذا قول أبي حنيفة (1). وقال الشافعي (2)، وهو أيضاً قول في المذهب (3) لا يجزيء، لأن ما كان شرطاً للزكاة إذا عدم قبل الحول لم يجزيء كما لو تلف المال، أو مات صاحبه.
والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف، لأن العبرة تكون بحال الإعطاء، فمتى أداها إلى مستحقيها لم يمنع الإجزاء تغير حال المعطى.

الثالث: أن يتغير حال رب المال بموت أو ردة

، أو بيع النصاب، فهل إذا عجل زكاته يرجع بها على من أداها إليه، بمعنى هل يجوز له استرجاعها على قولين: الأول: وهو المذهب (4) أنه لا يرجع بها على الفقير لأنها زكاة دفعت إلى مستحقيها فلم يجز ارتجاعها.
والقول الثاني: أنه إذا أعلم المستحق أنها زكاة معجلة أو كان الدافع لها الساعي فله أن يرجع بها، والصحيح القول الأول.
القسم الرابع: أن يتغير حالهما، أي رب المال والمستحق للزكاة، فهذا كالقسم الذي قبله.

(1)

قوله (وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآخِذِ)

سبق بيان ذلك آنفاً، وقلنا أنه إذا تعجل دفع الزكاة ثم تغير حال رب المال فتلف ماله أو ارتد فإنه لا=1234

وَلا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلاةُ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهَا فِيْ بَلَدِهَا (1)  =يرجع على الفقير لأنها زكاة دفعت إلى مستحقيها، فلم يجز له الرجوع فيها، وهذا هو الراجح كما ذكرنا ذلك سابقاً.

(1)

قوله (وَلا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلاةُ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهَا فِيْ بَلَدِهَا)

اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور 1 إلى أنه لا يجوز نقل الزكاة إلى ما يزيد عن مسافة القصر لحديث معاذ رضي الله عنه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) 2. واحتجوا أيضاً بما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه أنكر على معاذ، وقال: لم أبعثك جابياً، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم.
فقال معاذ: ما بعثت إليك شيئاً وأنا أجد من يأخذ مني).
وقال أيضاً الجمهور: أن المعتبر أيضاً بلد المال.
وذهب أبو حنيفة 3 إلى أنه يكره تنزيهاً نقل الزكاة من بلد إلى آخر، واستثنوا من الكراهة أن ينقلها المزكي إلى قرابته لما في الإيصال إليهم من صلة الرحم، وله أن ينقلها إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده وكذا ينقلها لأصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم.
والذي نرجحه من هذه الأقوال: أنه يجوز أن ينقلها إلى البلد البعيد والقريب=

..................................  للحاجة والمصلحة، فالحاجة مثل أن يكون البلد البعيد الفقراء فيه أشد فقراً من بلده، والمصلحة مثل أن يكون لصاحب الزكاة أقارب في بلد بعيد يساوون فقراء بلده في الحاجة فهنا تكون الزكاة صدقة وصلة.
وهذا ما رجحه شيخنا 1 رحمه الله.

بَابُ مَنْ يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ (1) وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ (2): الْفُقَرَاءُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ لا يَجِدُوْنَ مَا يَقَعَ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ بِكَسْبٍ وَلا غَيْرِهِ (3). وَالثَّانِيْ: الْمَسَاكِيْنُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ يَجِدُوْنَ ذلِكَ، وَلا يَجِدُوْنَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ (4).  (1)

قوله (بَابُ مَنْ يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ)

بدأ المؤلف هنا ببيان مصارف الزكاة التي جاءت نصوص الكتاب والسنة ببيانها، وهم الأصناف الثمانية الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (1). وقوله (من يجوز) دليل على أن هناك أصنافاً لا يجوز دفع الزكاة إليهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله بعد هذا الباب.

(2)

قوله (وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ)

لا يجوز إخراج الزكاة لغيرهم، وهم: (3)

قوله (الْفُقَرَاءُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ لا يَجِدُوْنَ مَا يَقَعَ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ بِكَسْبٍ وَلا غَيْرِهِ)

بدأ المؤلف رحمه الله بأصحاب السهم الأول وهم الفقراء، وعرفهم المؤلف بأنهم من ليس عندهم مال قليل ولا كثير، وليس عندهم مهنة تعوض النقص الحاصل في كفايتهم.
(4)

قوله (وَالثَّانِيْ: الْمَسَاكِيْنُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ يَجِدُوْنَ ذلِكَ، وَلا يَجِدُوْنَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ)

هذا هو الصنف الثاني وهم المساكين، ووصفوا بذلك لأن الفقر أسكنهم، أي أذلهم، وعرفهم المؤلف بأنهم يجدون مالاً أو كسباً لكن لا=1

الثَّالِثُ الْعَامِلُوْنَ عَلَيْهَا، وَهُمُ: السُّعَاةُ عَلَيْهَا، وَمَنْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيْهَا (1).  =يكفيهم هذا المال، ولا هذا الكسب إلى قيام الكفاية، فالمسكين أحسن حالاً من الفقير، فالفقير هو الذي لا يجد شيئاً أصلاً، أو يجد البعض، والمسكين هو الذي يجد بعض كفايته، وإذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر، فإذا قيل الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا قيل المساكين دخل فيهم الفقراء.
لكن ما هو حد الكفاية للفقير والمسكين؟ نقول: سيأتي بيان ذلك في كلام المؤلف قريباً إن شاء الله.

(1)

قوله (الثَّالِثُ الْعَامِلُوْنَ عَلَيْهَا، وَهُمُ: السُّعَاةُ عَلَيْهَا، وَمَنْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيْهَا)

هذا هو الصنف الثالث ممن تدفع إليه الزكاة، وهؤلاء هم الذين ترسلهم الحكومة لجمع الزكاة والقيام بتوزيعها، فهم ولاة وليسوا أجراء، وبهذا نعلم بأن الذي يعطى الزكاة ليوزعها ليس من العاملين عليها، بل هو وكيل عليها أو بأجرة.

  • فائدة: هل يشترط أن يكون العاملون عليها فقراء؟ الجواب: لا يشترط ذلك، بل يعطون ولو كانوا أغنياء، لأن عملهم إنما هو لمصلحة الزكاة، وللحاجة إليهم لا لحاجتهم، فإذا انضم إلى ذلك بأن كانوا فقراء ونصيبهم من العمل لا يكفي لمؤونتهم ومؤنة عيالهم فإنهم يأخذون بالسببين، أي سبب العمالة، وسبب الفقر.
    لكن ما القدر الذي يعطاه العاملون عليها؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الحنفية 1 إلى أنه يدفع إلى العامل بقدر عمله، فيعطيه ما يسعه ويسع أعوانه غير مقدر بثمن، ولا يزاد على نصف=
جارٍ التحميل