وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 151-190

..................................  وقوله: (الذي يتضرر به): هذا قيد في المرض المبيح للفطر، فلابد أن يتضرر به كأن يكون بسبب الصوم يزداد ألماً ومشقة، أو يكون الصيام سبباً في زيادة المرض أو بسببه يتأخر شفاء المريض منه.
فمتى حصل للمريض الضرر بذلك أبيح له الفطر، لكن ما هو الطريق الذي يتعرف به على ذلك؟ نقول: هناك طريقان لمعرفة الضرر: الأول: إما عن طريق التجربة، وذلك عن طريق المريض نفسه كأن يجرب الصوم يوماً أو أكثر ثم يشق عليه أو يزيد وجعه، أو عن طريق رجل آخر عنده نفس المرض فيخبره بمدى الضرر الذي قد يلحقه به إذا صام.
الثاني: أن يخبر الطبيب بما قد يلحقه من ضرر إذا صام، فهنا يجوز له الفطر ولكن ينبغي له أن يسأل الطبيب المتخصص الذي يثق به في طبه، وهل يلزم أن يكون الطبيب مسلماً؟ المذهب (1) يشترط فيه الإسلام، والثقة.
والصحيح: عدم اشتراط الإسلام في الطبيب، بل يكفي كونه ثقة في مهنته، وهذا هو اختيار شيخنا (2) رحمه الله.

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة 1: إذا كان الصوم يضر المريض فيحرم عليه الصوم لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ.. ﴾ 3. وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى نهى عن قتل النفس، والنهي عام في=2

..................................  =قتل النفس بكل ما كان فيه ضرر عليها، لكن إن صام أجزأه صومه.
وقوله: (الذي يتضرر به): فيه أيضاً أنه إذا كان لا يتضرر بالمرض فيجب عليه الصوم.
وقيل: بل يباح الفطر بكل مرض حتى من وجع الأصبع، والضرس، ولا يشترط كونه يضر الصائم لأن الآية عامة في المرض، ولأن المسافر يباح له الفطر من غير حاجة إليه فكذلك المرض.
والذي يظهر لي أنه لابد من اعتبار الضرر والمشقة في المرض الذي يجوز فيه الفطر، فالمرض لا ضابط له، والأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه ومنها ما لا يضر، ولا أثر للصوم عليه، كجرح في الأصبع، ودمل، وزكام يسير، وصداع يسير، وأشباه ذلك، ولا يصلح للمرض ضابط دقيق وعليه فلابد من اعتبار الحكمة هنا وهي ما يخاف منه الضرر.
وخلاصة ما ذكرناه في هذه المسألة: أن للمريض حالات مع الصوم: الحالة الأولى: أن لا يتأثر بالصوم كيسير المرض مثل الزكام والصداع اليسير، ووجع الأصبع، والضرس، فهؤلاء لا يجوز لهم الفطر، ويجب عليهم الصوم إلا أن يكون الفطر أرفق بهم فهنا يفطرون.
الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم لكن لا يضره فهنا يسن له الفطر ويكره له الصوم.
الحالة الثالثة: أن يشق عليه الصوم ويضره كمرضى الكلى، والسكر، وأشباه ذلك، فهنا يحرم عليه الصوم وإن صام أجزأه.
الحالة الرابعة: أن يستوي عنده الصوم والفطر، فالأفضل له أن يصوم لأمور=

..................................  =أربعة هي: 1 لأنه بصومه يدرك فضيلة الزمن.
2 ولأن ذلك أسرع في إبراء الذمة.
3 لأن حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم في السفر أكثر مما يفطر فيه، وما قيل في السفر يقال في المرض.
(4) ولأن الصيام مع الناس أيسر.

  • فائدة (2): إذا خاف الصحيح شدة، أو التعب بسبب الصوم هل له أن يفطر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقال الحنفية (1): إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر، فإن خافه بمجرد الوهم فليس له الفطر.
    وقال المالكية (2): إذا خاف حصول أصل المرض بصومه فإنه لا يجوز له الفطر على المشهور، إذ لعله لا ينزل به المرض إذا صام، وقيل: يجوز له الفطر.
    وقال الحنابلة (3): والصحيح أن الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادة المرض أنه يباح له الفطر.
    قلت: وهذا هو الصحيح، لكن لا يكون ذلك إلا باستشارة طبيب ثقة يخبره بأنه لو صام فإن الصوم يضره، أو بالتجربة كما ذكرنا ذلك في المريض الذي يضره الصوم.

وَالْمُسَافِرُ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ (1)،  (1)

قوله: (وَالْمُسَافِرُ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ):

أي وكذلك المسافر الذي يشرع له قصر الصلاة فيباح له الفطر في رمضان، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 1. وروى مسلم عن حمزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال: (هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) 2. وروى مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ قَالَ فَنَزَلْنَا مَنْزِلا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَكَانَتْ رُخْصَةً فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلا آخَرَ فَقَالَ إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ) 3. وعن أبي سعيد رضي الله عنه أيضاً قال: (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ) 4. فهذه نصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على إباحة الفطر للمسافر،

..................................  لكن أيهما أفضل في حقه الصوم أم الفطر؟ نقول: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الحنفية 1، والمالكية 2، والشافعية 3 إلى أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، والفطر أفضل لمن لم يقوى عليه.
دليلهم في ذلك الأدلة السابقة، وأيضاً بما رواه البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَابْنِ رَوَاحَةَ) 4. وعللوا أيضاً لذلك بتعليلات منها: أن الصوم في السفر إذا كان لا يتضرر به الإنسان أفضل لأنه أسرع في إبراء الذمة، ولأن الصوم عزيمة والفطر رخصة، ولاشك أن العزيمة الأخذ بها أفضل كما تقرر في أصول الفقه.
فهذا ملخص ما ذهب إليه الجمهور.
وذهب الحنابلة 5 إلى أن الفطر للمسافر أفضل، بل قال الخرقي: (والمسافر يستحب له الفطر)، قال الماوردي: (وهذا هو المذهب).
قال صاحب الإقناع: (المسافر يسنُّ له الفطر ويكره له الصوم ولو لم يجد مشقة).

..................................  واستدل الحنابلة على ذلك بما رواه البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) (1)، وزاد في رواية: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ) (2). وعن جابر رضي الله عنه رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) (3). قلت: وبعد عرض أدلة الفريقين فالذي يترجح لي أن المسافر الأفضل في حقه فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر، فإن تساويا فالصوم أفضل لما يأتي: (1) لأنه أسرع في إبراء الذمة.
(2) أنه أنشط له إذا صام مع الناس.
(3) أنه يدرك بصومه فضيلة الزمن.
(4) ولأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه المتقدم (4). أما إذا كان الصوم يشق على المسافر فإنه يفطر ولا يصوم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم

ذكر بعض الفوائد

المتعلقة بهذه المسألة:

  • الفائدة الأولى: يشترط في السفر المبيح للفطر شروط وهي:1234

..................................  1 أن يكون السفر طويلاً مما تقصر فيه الصلاة، والسفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة هو ما كانت مسافته (80) كيلو متراً فأكثر.
2 أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره أكثر من أربعة أيام.
3 أن لا يكون سفراً في معصية، بل في غرض صحيح، وهذا ما ذهب إليه الجمهور (1)، وذلك لأن الفطر رخصة وتخفيف فلا يستحقها عاص بسفره عند جمع من أهل العلم.
وذهب الحنفية (2) إلى جواز فطر المسافر ولو كان سفر معصية عملاً بإطلاق النصوص المرخصة، ولأن نفس السفر ليس بمعصية وإنما المعصية ما يكون بعده أو بجواره.
والصحيح في ذلك ما ذهب إليه الجمهور.
4 أن يجاوز مدينته وما يتصل بها من البناءات والأقنية، وسيأتي بيان هذا الشرط مستوفى إن شاء الله.

  • الفائدة الثانية: في وقت جواز الفطر للمسافر: للمسافر في هذه المسألة ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يبدأ السفر قبل الفجر، أو يطلع عليه الفجر وهو مسافر وينوي الفطر فيجوز له الفطر إجماعاً.
    الحالة الثانية: أن يبدأ السفر بعد الفجر، بأن يطلع عليه وهو مقيم ثم سافر، فهذا محل خلاف بين الفقهاء، فذهب الحنفية (3)، والمالكية (4)، وهو الصحيح=

..................................  =في مذهب الشافعية 1 إلى أنه لا يحل له الفطر بعدما أصبح صائماً تغليباً لحكم الحضر.
وذهب الحنابلة 2 وهو رواية عند الشافعية 3 وذهب إليه المزني وغيره من الشافعية أن من نوى الصوم في الحضر ثم سافر في أثناء اليوم فله الفطر بعد خروجه ومفارقته بيوت قريته العامرة.
وهذا هو الصحيح.
دليل ذلك ظاهر الآية في قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ 4، ولحديث جابر 5، وابن عباس 6 المتقدمين.
وإن كان الأفضل عندي لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه إتمام صوم ذلك اليوم خروجاً من الخلاف، وهو قول أكثر العلماء، لكنه لا يجب في حقه أن يتم ذلك اليوم.
الحالة الثالثة: أن يفطر قبل مغادرة بلده، وهذا كما قلنا لا يجوز له، لأن رخصة السفر لا تتحقق بدونه كما لا تبقى بدونه، ولأنه في الحقيقة مقيم، وشاهد للشهر، ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، فمتى كان فيها فله أحكام المقيمين، ولذلك لا يقصر الصلاة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور 7. وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه=

..................................  =من الموضع الذي أراد السفر منه، وهذا قول الحسن، حيث قال: (يفطر إن شاء وهو في بيته يوم يريد أن يخرج).
وقال به إسحاق بن راهوية، واختار هذا القول الشوكاني، واحتج أصحاب هذا القول بحديث أنس الذي رواه الترمذي عن محمد بن كعب قال: (أتيت في رمضان أنس بن مالك وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له سنة؟ فقال سنة ثم ركب) 1. واحتجوا أيضاً لذلك بما رواه أبو داود عن عبيد بن جبير قال: (رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَدَفَعَ ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ اقْتَرِبْ فَقُلْتُ أَلَسْنَا نَرَى الْبُيُوتَ فَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ صلى الله عليه وسلم) 2. قال الشوكاني 3 تعليقاً على هذه الآثار: (والحديثان يدلان على أن المسافر له أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه).
وقال ابن العربي 4: (وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر وهذا هو الحق).
قلت: والصحيح في ذلك المذهب 5، وهو اختيار شيخنا 6 رحمه الله فلا يجوز له الفطر حتى يغادر عامر قريته شأنه في ذلك كشأن الصلاة، فكما لا يجوز أن=

فَالْفِطْرُ لَهُمَا أَفْضَلُ (1)، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ (2)،  =يقصرها حتى يخرج من البلد، فكذلك الصوم.
الثاني: أن ينوي المسافر الإقامة مطلقاً، أو يتيقن أن حاجته لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام فأكثر، كأن يكون مرافقاً لمريض في سفر، أو له معاملة يدري أنها ستنتهي بعد أربعة أيام، أو له غرض تجاري في بلد ما يدري أنه لا يفرغ منه إلا بعد المدة المحددة لجواز الفطر فهنا يلزمه الصوم.
أما إذا كان لم ينو الإقامة لكنه أقام لقضاء حاجة له بلا نية إقامة ولا يدري متى تنقضي كأن يكون كما ذكرنا مرافقاً لمريض أو له معاملة، أو له غرض تجاري لا يدري متى تنقضي معاملته، ولم ينو الإقامة، فهنا يجوز له الفطر كما يقصر الصلاة ولو بقي على ذلك سنين.

(1)

قوله: (فَالْفِطْرُ لَهُمَا أَفْضَلُ):

ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وقلنا أن الراجح في حقهما فعل الأيسر إلا إذا استوى عندهما الأمران فالصوم لهما أفضل، وهذا هو اختيار شيخنا (1) رحمه الله.
(2)

قوله: (وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ):

أي قضاء الأيام التي أفطروها لقوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 2. وهنا فائدة: لو سافر من لا يستطيع الصوم لكبر سنه، أو مرض لا يرجى زواله، فماذا يصنع؟ نقول: المذهب 3 أنه لا صوم ولا فدية عليه لأنه مسافر والفدية بدل عن الصوم، والصوم يسقط في السفر ولا صوم عليه لأنه عاجز.1

وَإِنْ صَامَا، أَجْزَأَهُمَا (1). الثَّانِيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ (2)،  والصحيح: أنه يلزمه الفدية لأن الصوم لم يكن واجباً في حقه أصلاً، وإنما الواجب عليه الفدية، والفدية لا فرق فيها بين السفر والحضر، وهذا هو اختيار شيخنا (1) رحمه الله.

(1)

قوله: (وَإِنْ صَامَا، أَجْزَأَهُمَا):

وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجماهير الصحابة والتابعين، فالصوم في السفر جائز صحيح منعقد.
وجاء عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهم أن الصوم غير صحيح (2) ويجب القضاء، واختار هذا القول ابن حزم (3) رحمه الله كما في المحلى، والقاعدة عنده في ذلك أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئاً.
فالصوم عنده في السفر محرم، ومقتضى القول بالتحريم أنه إذا صام لم يجزئه لأنه صام ما نهى عنه، كالصوم في أيام التشريق وأيام العيدين فإنه لا يحل ولا يصح.
قلت: والصحيح كما ذكرنا ما ذهب إليه المؤلف وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة.

(2)

قوله: (الثَّانِيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ):

أي الثاني ممن يفطر في رمضان الحائض والنفساء، وقد ذكرنا آنفاً أن المؤلف رحمه الله أدرج هذا القسم فيمن يباح له الفطر في رمضان، وهذا فيه إشكال.
والصواب: أن هذا القسم ممن يجب عليه الفطر فإنا صاما أثما ويلزمهما=123

..................................  =القضاء.
أما دليل عدم صومهما فما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه وفيه: (.. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) (1). فمتى رأت المرأة الدم ساعة من نهار وكذلك إذا نفست في أي ساعة من نهار فسد صومها.
أما القضاء فهو لازم في حقهما إذا طهرتا لقول عائشة رضي الله عنها: (.. كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ) (2).

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة 1: لا خلاف بين الفقهاء أن المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض بعد الفجر فإنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم، لكن هل يلزمها الإمساك باقي اليوم إذا طهرت؟ ذهب الحنفية 3، والحنابلة 4 إلى أنه يلزمها الإمساك.
    وذهب المالكية 5 إلى أنه لا يستحب لها الإمساك.
    وقال الشافعية 6 لا يلزمها الإمساك.
    والصحيح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد 7، واختارها شيخنا 8 رحمه الله، أنه لا يلزمها الإمساك لأنها أفطرت=2

وَإِنْ صَامَتَا، لَمْ يُجْزِئْهُمَا (1). الثَّالِثُ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ (2)،  =بعذر شرعي وهو الحيض، ولأنه لا فائدة من إمساكها، والقاعدة في ذلك أن من أفطر في رمضان بعذر يبيح الفطر ثم زال العذر أثناء النهار لم يلزمه الإمساك بقية اليوم.

  • فائدة (2): اتفق الفقهاء أنه إذا طهرت المرأة قبل الفجر فإنه يجب عليها صوم ذلك اليوم، لكن اختلفوا في الفترة التي إذا انقطع عنها الدم فإنه يجزيها صوم ذلك اليوم: فذهب الحنفية (1) إلى أنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم إذا لم يبق من الوقت قدر الاغتسال والتحريمة لأنه لا يحكم بطهارتها إلا بهذا.
    وقال المالكية (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4) بل متى انقطع دم الحيض وجب عليها الصوم ولو بلحظة، وإن لم تغتسل إلا بعد الفجر، بل إن لم تغتسل أصلاً لأن الطهارة ليست شرطاً في الصوم.
    وهذا هو الراجح.

(1)

قوله: (وَإِنْ صَامَتَا، لَمْ يُجْزِئْهُمَا):

وذلك للأدلة السابقة فالحائض والنفساء لا تصومان ولا يجوز لهما أن تنويا الصوم والكف عن الأكل، ولعل هذا من باب الرحمة بهما، فإن صامتا أثمتا ولم يجزئهما الصوم.
(2)

قوله: (الثَّالِثُ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ):

أي القسم الثالث ممن يباح له الفطر في رمضان هما الحامل والمرضع، وذلك لأن الحمل والرضاعة فيهما مشقة، فالحمل يشق على المرأة من أجل كونه حملاً لاسيما في الأشهر الأخيرة عند=1234

إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا (1)، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنِ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا (2)  =المرأة، وأيضاً يؤثر على الجنين من جهة نموه إذا لم يكن في جسمها غذاء فربما يضعف ويتضرر.
وأيضاً في الرضاعة إذا صامت يقل لبنها فيتضرر بذلك الطفل، ولهذا رخص لهما الشارع بالفطر رحمة بهما.
ولمَّا كان الفطر قد يكون مراعاة لحالهما وقد يكون مراعاة لحال الولد، وقد يكون لحالهما جميعاً ذكر المؤلف هنا الأحكام الخاصة بكل حالة.

(1)

قوله: (إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا):

هذه هي الحالة الأولى، فمتى خافت الحامل والمرضع على نفسيهما فأفطرتا فالواجب عليهما الفطر والقضاء فقط، وهذا بغير خلاف لأنها بمنزلة المريض، أو بمنزلة من يخاف حدوث مرض، وهذا هو الراجح.
وفي رواية عن الإمام أحمد (1) يطعمان ويقضيان، لكن الراجح عندي جواز الفطر لهما وعليهما القضاء فقط ولا يلزمهما الإطعام.
عليهما من غير إطعام لأنهما بمنزلة المريض والخائف على نفسه.

(2)

قوله: (وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنِ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا):

هذه هي الحالة الثانية، وهي أن الحامل والمرضع إذا خافتا من الصوم على الولد، إما لأن الجوع يضر به، أو لاحتياجه إلى دواء تشربه، فإنه يجوز لها أن تفطر لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر، وبعض المرضى، ويجب عليها القضاء والفدية وهي أن تطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا هو=1

..................................  =المذهب، وهو المشهور من مذهب الشافعي (1). وفي رواية عند الإمام مالك (2) الكفارة على المرضع دون الحامل لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل، ولأن الحمل متصل بالحامل والخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها.
وقال أبو حنيفة (3) لا كفارة عليهما بل تستحب، وعليهما القضاء فقط.
والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول: إن ثبتت الرواية في الإطعام عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (4)، قال ابن عباس رضي الله عنهما (كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا) قَالَ أَبُو دَاوُد يَعْنِي عَلَى أَوْلادِهِمَا (أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا) (5). وجاء أيضاً عن ابن عمر (6) مثل ذلك ولا مخالف لهما من الصحابة.

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة 1: بقيت حالة أخرى لم يذكرها المؤلف وهي إذا خافت المرأة على ولدها وعلى نفسها، والصحيح في هذه المسألة تغليب جانب الأم أي يجب=23456

وَإِنْ صَامَتَا، أَجْزَأَهُمَا (1) الرَّابِعُ (2): الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ، لِكِبَرٍ (3)، أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ (4)،  =عليها القضاء فقط.

  • فائدة (2): متى عجزت الحامل والمرضع عن الإطعام سقط عنهما بالعجز ككفارة الوطء وهي رواية في المذهب (1). والصحيح في المذهب عدم الإسقاط، لكن الرواية الأولى هي الراجحة عندي لوجود العذر، وهو العجز، هذا إذا قلنا بوجوب الإطعام عليهما.
  • فائدة (3): ظاهر المذهب أن الإطعام واجب على من تلزمه النفقة، وقال بعض الفقهاء بل الإطعام واجب على الحامل والمرضع، والأظهر عندي أن الإطعام مستحب في حق الحامل والمرضع إلا إن صح الحديث فهو واجب عليهما.
  • فائدة (4): الواجب في الإطعام مد بر، أو نصف صاع شعير، والخلاف فيه كالخلاف في كفارة الجماع على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

(1)

قوله: (وَإِنْ صَامَتَا، أَجْزَأَهُمَا):

أي متى صامتا الحامل والمرضع أجزئهما الصوم لأن الفطر لهما مباح ورخصة.
(2)

قوله: (الرَّابِعُ):

أي القسم الرابع ممن يباح له الفطر في رمضان.
(3)

قوله: (الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ، لِكِبَرٍ):

كالشيخ الفاني، وهو الذي فنيت قوته أو أشرف على الفناء، وكذا المرأة المسنة (العجوز).
(4)

قوله: (أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ):

أي المرض الذي تحقق اليأس من صحته، كسرطان وغسيل كلى، وغيره مما يقر الأطباء أنه لا يرجى برؤه، فَحُكمُ هؤلاء بيَّنه المؤلف بقوله:1

فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ (1)، وَعَلَى سَائِرِ مَنْ أَفْطَرَ الْقَضَاءُ لا غَيْرُ (2)  (1) (فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ): أي لا يلزمه الصوم في رمضان، ولا يلزمه كذلك القضاء، وهذا بإجماع أهل العلم إذا كان الصوم يجهدهم ويشق عليهم.
والأصل في مشروعية فطر هؤلاء قوله تعالى: ﴿.. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) (1).

(2)

قوله: (وَعَلَى سَائِرِ مَنْ أَفْطَرَ الْقَضَاءُ لا غَيْرُ):

نقول المفطرون في نهار رمضان على قسمين: أحدهما: من يباح له الفطر، وهم من ذ كرهم المؤلف: كالمريض، والمسافر، والمرضع، والحامل، والعاجز عن الصوم، وهؤلاء تقدم حكمهم.

الثاني: من أفطر بغير عذر من الأعذار

التي سيأتي بيانها، فهؤلاء يجب عليهم القضاء عن كل يوم يوماً.
إلا في حالتين: الأولى: الجماع: وسيأتي بيانه في كلام المؤلف.
الثانية: العاصي بفطره: فإنه يلزمه مع القضاء التوبة إلى الله تعالى.
وهل هناك عقوبة على من أفطر عمداً من غير عذر؟ نقول: للفقهاء في هذه المسألة خلاف، وتفصيل، والأظهر عندي أنه يؤدب=1

إِلاَّ مَنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ (1)،  =بما يراه الإمام من ضرب أو سجن أو بهما معاً.

(1)

قوله (إِلاَّ مَنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ):

يعد الجماع من أعظم المفطرات تحريماً وأشدها تكفيراً، لكن يشترط لذلك شروط: الأول: أن يكون ممن يلزمه الصوم، فإن كان ممن لا يلزمه الصوم كالصغير، فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة.
الثاني: أن لا يكون هناك مسقط للصوم كأن يكون مسافراً وهو صائم فجامع زوجته، فإنه لا إثم عليه ولا كفارة وإنما عليه القضاء فقط.
الثالث: أن يكون الجماع في الفرج، فإن كان قد جامع دون الفرج فأنزل فسد صومه بغير خلاف، لكن اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على من جامع دون الفرج.
فعن أحمد روايتان (1)، أحدهما: تجب الكفارة، اختارها الخرقي والقاضي، وهو قول الإمام مالك (2). الثانية: لا كفارة عليه، وهو مذهب أبي حنيفة (3)، والشافعي (4)، ورواية عن الإمام أحمد (5) اختارها شيخنا (6) رحمه الله، وهذا هو الراجح.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: إذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلاً كان أو دبراً فعليه=123456

..................................  =القضاء والكفارة.
وقال الشافعي في أحد قوليه 1 لا يجب القضاء على من لزمته الكفارة.
والصحيح: الأول وهو المذهب عند الشافعية 2، واختيار سماحة شيخنا بن باز 3 رحمه الله أي يلزمه القضاء والكفارة لقوله صلى الله عليه وسلم للمجامع في نهار رمضان (وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) 4 ولأنه أفسد يوماً من نهار رمضان فلزمه قضاؤه.

  • الفائدة الثانية: أن من جامع في نهار رمضان وجب عليه القضاء والكفارة سواء أنزل أو لم ينزل، بخلاف ما ذهب إليه الشعبي والنخعي 5 أنه لا كفارة عليه إلا بالإنزال.
  • الفائدة الثالثة: أن الكفارة إنما تجب على من جامع في نهار رمضان ذاكراً متعمداً، فإن كان مكرهاً، أو ناسياً، فلا تجب عليه الكفارة على الصحيح من أقوال أهل العلم.
  • الفائدة الرابعة: إذا جامع في غير صوم رمضان عامداً أفسده، ويجب عليه القضاء إن كان واجباً بغير خلاف، أما إن كان نفلاً ففيه خلاف، والصحيح أنه لا يجب عليه القضاء.
  • الفائدة الخامسة: إذا كانت المرأة معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه فإن عليها القضاء دون الكفارة، أما لو كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة.

فَإِنَّهُ يَقْضِيْ، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ 1،  (1)

قوله (فَإِنَّهُ يَقْضِيْ، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ):

أجمع العلماء على وجوب الكفارة في حق من جامع عامداً مختاراً في نهار رمضان، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) (1). لكن اختلف الفقهاء في وجوب قضاء هذا اليوم الذي أفطره بالجماع، فالجمهور 2 يوجبون القضاء والكفارة، وفي قول ثان للشافعية 3 لا يجب القضاء لأن الخلل انجبر بالكفارة، وفي قول ثالث أيضاً للشافعية 4 إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء وإلا فلا يدخل فيجب القضاء.

فَإِنَّهُ يَقْضِي (1)، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً (2)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ (3)،  والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول سماحة شيخنا بن باز (1) رحمه الله، فيجب عليه القضاء والكفارة.

(1)

قوله (فَإِنَّهُ يَقْضِي):

أي يقضي مكان اليوم الذي أفسده بالجماع، فيصوم يوماً مكانه، وهذا هو الصحيح كما ذكرنا ذلك آنفاً بخلاف ما نقل عن الشافعي بأنه لا يلزمه القضاء وإلا فالمذهب عند الشافعية (2) وجوب القضاء.
(2)

قوله (وَيُعْتِقُ رَقَبَةً):

أي فكها من الرق، قال شيخنا (3) ووجه المناسبة هو أن هذا الرجل لما جامع في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه استحق أن يعاقب ففدى نفسه بعتق الرقبة.
(3)

قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ):

أي إن لم يجد الرقبة أو ثمنها فيلزمه صيام شهرين متتابعين، أي يتبع بعضهم بعضاً، فلا يفطر فيها يوماً واحداً إلا لعذر شرعي كالحيض والنفاس للمرأة، وكالعيدين، وأيام التشريق، أو عذر حسي كالمرض والسفر للرجل والمرأة بشرط ألا يسافر لأجل أن يفطر فإن سافر ليفطر انقطع التتابع.
والقاعدة في ذلك أن الصيام الواجب والفطر الواجب لا يقطع التتابع.
ذكر بعض الفوائد:

  • فائدة 1: الصيام المتتابع يكفي فيه النية من أول الصيام كرمضان وصيام الكفارة.
  • فائدة 2: من عليه صيام كفارة لم يجز لأكثر من شخص أن يصوم عنه.3

فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا (1)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ (2)،  (1)

قوله (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا):

أي إن عجز عن الصيام لزمه أن يطعم ستين مسكيناً عن كل يوم مسكين، يعطى نصف صاع من البر وغيره، وإن قال سأقوم بجمعهم في مكان واحد وأعشيهم أو أغديهم أجزأ ذلك، لكن لابد من اعتبار العدد في الإطعام.
(2)

قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ):

وذلك لعجزه، وهذا هو المذهب (1)، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (2) أنها لا تسقط بالعجز.
والصحيح القول الأول، وهو اختيار شيخنا (3) رحمه الله.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة 1: إذا أغنى الله هذا الرجل الذي لم يكفر لعجزه - في المستقبل - هل يلزمه أن يكفر أم لا؟ نقول: هذه المسألة على روايتين في المذهب 4، والصحيح عندي أنه لا يلزمه لأنها سقطت عنه، وكما أن الفقير لو أغناه الله لم يلزمه أن يؤدي الزكاة عما مضى من سنواته لأنه فقير، فكذلك هذا الذي لم يجد الكفارة إذا أغناه الله تعالى لم يجب عليه قضاؤها.
    قيل للإمام أحمد 5 فإن كان المجامع محتاجاً فأطعمه عياله.
    قال: يجزيء عنه.
    قيل: ولا يكفر إذا وجد؟ قال: لا؛ إلا أنه خاص في الجماع وحده.23

..................................  - الفائدة (2): الكفارة في الوطء في نهار رمضان على الترتيب لا التخيير، وفي رواية عن الإمام أحمد (1) أنها على التخيير، والصحيح القول الأول، وهي كما جاء في الحديث: (عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً)، والكفارة هنا هي نفس كفارة الظهار، مع أن كفارة الظهار ثابتة بالكتاب، وهذه ثابتة بالسنة، فلا يتحول من عتق الرقبة إلى الصيام إلا عند العجز عن العتق، ولا يتحول من الصيام إلى الإطعام إلا إذا لم يقدر على الصيام لمانع صحيح، كأن يكون به مرض، أو يخشى حدوث المرض بالصوم، أما من تلحقه المشقة المحتملة بالصوم فليس ذلك مسوغاً له للانتقال إلى الإطعام.

  • الفائدة (3): لابد أن يكون الصيام متتابعاً كما قال المؤلف ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، فلا يفطر فيها إلا بعذر شرعي كأيام العيدين، والتشريق، وأيام الحيض والنفاس للمرأة، أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر، فإن أفطر بغير عذر ولو يوماً واحداً لزمه استئناف الصوم من جديد ليحصل التتابع.

  • ال

فائدة (4): إذا شرع في الكفارة بالصيام، ثم قدر على العتق

في أثناء الصيام هل يلزمه أن يعدل إلى العتق؟ نقول: لا يلزمه الانتقال.

  • الفائدة (5): من كفَّر بالصيام يباح له الوطء قبل التكفير بخلاف كفارة الظهار، فإنه يحرم عليه الوطء قبل التكفير.1

فَإِنْ جَامَعَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (1).  (1)

قوله: (فَإِنْ جَامَعَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.):

هذه المسألة لها حالتان: الأولى: أن يجامع في يوم واحد مرتين، فهذا لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يجامع ثم يكفر، ثم يجامع في نفس اليوم، فالمذهب 1 أنه يلزمه كفارة ثانية.
والجمهور 2 على عدم الإلزام، لأن الجماع لم يرد على صوم صحيح، وإنما ورد على إمساك فقط، وهذا هو الصحيح.
الأمر الثاني: أن يجامع في يوم واحد مرتين، ولم يكفر عن الجماع الأول، أجزأته كفارة واحدة بغير خلاف في المذهب 3. الحالة الثانية: أن يجامع في يومين، فهو أيضاً لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يجامع في يوم، ويكفر عنه، فهنا يلزمه الكفارة عن الثاني.
الأمر الثاني: أن يجامع في يوم ولم يكفر، ثم يجامع في آخر، فهل تلزمه كفارتان، عن كل يوم كفارة؟ على روايتين في المذهب 4. إحداهما: تجزئه كفارة واحدة، وهو مذهب أبي حنيفة 5، وذلك لأنها كفارات من جنس واحد، فاكتفى فيها بكفارة واحدة، كما لو حلف على أيمان متعددة ولم يكفر.

وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ (1). وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ فِيْ رَمَضَانَ، فَجَامَعَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (2).  الثانية: أنه يلزمه عن كل يوم كفارة، وهو قول المالكية (1)، والشافعية (2)، فإن جامع في يومين فإنه يلزمه كفارتان، وإن جامع في ثلاثة أيام فثلاث كفارات، وهكذا.
قلت: ولو راعى المفتي أحوال المستفتي وظروف وقوعه في المحظور لكان ذلك أرفق.

(1)

قوله (وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.):

سبق بيان هذه المسألة آنفاً.
(2)

قوله (وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ فِيْ رَمَضَانَ، فَجَامَعَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.):

ذكرنا فيما سبق أن من أفطر بعذر شرعي لا يلزمه إمساك بقية اليوم لأنه لا فائدة في الإمساك، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أكل أول النهار فليأكل آخره) (3) وعلى ذلك ما ذهب إليه المؤلف في هذه المسألة الراجح خلافه.
فالمسافر المفطر الذي قدم إلى بلده نهاراً، وكذا الحائض والنفساء تطهران نهاراً، والمريض الذي يفطر لمرضه ثم يشفى أثناء النهار، ونحو هؤلاء ممن أفطروا لعذر شرعي لا يلزمهم الإمساك، ومتى جامع هؤلاء في نهار رمضان لا يجب عليهم الكفارة، بل يلزمهم القضاء فقط.

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة 1: من رأى هلال رمضان وحده، ولم تقبل شهادته ثم جامع في نهار رمضان فهل يجب عليه القضاء والكفارة؟23

..................................  نقول على الخلاف المذكور سابقاً، فالمذهب 1 يوجب القضاء والكفارة، والصحيح أنه لا يلزمه القضاء ولا الكفارة لأن الصوم في حقه غير ملزم به، لأن الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 2 رحمه الله.

  • فائدة (2): هل تجب الكفارة على من أفطر متعمداً في نهار رمضان؟ نقول: قال بعض الفقهاء: الكفارة إذا وجبت بالوطء مع قلة الداعي إليه في الصوم، فلأن تجب بالأكل أولى وأحرى، لأن الكفارة تجب زاجرة عن المعاودة، وماحية للسيئة، وجابرة لما دخل من النقص على العبادة، وهذا يستوي فيه الأكل والوطء، ولأن الأكل مما تدعو إليه الطباع، وتشتهيه النفوس كالجماع، وما كان من المحرمات تشتهيه الطباع كالزنا، وشرب الخمر فلابد من زاجر شرعي، والزواجر إما حدود، أو كفارات، فلما لم يكن في الأكل حد فكان لابد فيه من الكفارة.
    قلت: والصحيح أن الكفارة إنما تجب بالجماع فقط، ولا يجوز أن تلحق سائر المفطرات بالجماع وذلك لأمور: الأول: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع، فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس في ذلك ليس بالبين كما ذكر ذلك شيخ الإسلام.
    الثاني: أن الجماع يفارق غيره بقوة داعيه وشدة باعثه، فإنه إذا هاجت=

وَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ؛ لِعُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ، أَطْعَمَ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا (1)،  =شهوته، لم يكد يزعها وازع العقل، ولم يمنعها حارس الدين.
الثالث: أنه لو وجب لأجل الإفطار لاستوى فيه جميع المفطرات، فإن تخصيص بعضها دون بعض نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع.
الرابع: أن هذه الكفارة العظمى لا تجب إلا في نوع النكاح المحرم لعارض، ولهذا وجبت على المظاهر لما حرم عليه فرج امرأته بالظهار، كما حرم على الصائم فرج امرأته بالصيام، ووجب نحوها على المحرم لما حرم عليه فرج امرأته بالإحرام.
الخامس: أن هذه الكفارة لو كانت واجبة بالفطر لكان من أبيح له الفطر من غير قضاء تجب عليه هذه الكفارة، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة.
فهذه جملة من الفروق بين وجوب الكفارة بالجماع، وبين وجوب الكفارة بغيره، ذكرها شيخ الإسلام (1) في شرحه للعمدة.
ومن هنا نقول: بأن وجوب الكفارة إنما تكون على من جامع في نهار رمضان وفق الشروط المذكورة سابقاً، وما عداه لا تجب عليه الكفارة.

(1)

قوله (وَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ؛ لِعُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ، أَطْعَمَ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا):

ذهب جمهور الفقهاء 2 إلى أن قضاء رمضان على التراخي لكن قيدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه كأن يهل رمضان آخر وهو لم يقض.1

..................................  فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) 1. فإن أخر القضاء لغير عذر حتى دخل عليه رمضان آخر أثم بذلك، وهل يلزمه الفدية مع القضاء؟ نقول: ذهب إلى لزوم الفدية أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم حيث قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان آخر: عليه القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم، وهذه الفدية للتأخير.
وذهب الحنفية 2 بإطلاق التراخي بلا قيد، فلو جاء رمضان آخر ولم يقض الفائت جاز له أن يقدم صوم الأداء على القضاء ولا فدية عليه بالتأخير.
واحتجوا لذلك بأن الله تعالى لم يوجب إلا عدة من أيام أخر، ولم يوجب أكثر من ذلك، وكون الصحابة أفتوا بذلك فقولهم حجة ما لم يخالف النص، وهنا خالف ظاهر النص فلا يعتد به.
وذهب شيخنا 3 رحمه الله إلى أن من أخر القضاء حتى أدركه رمضان آخر فإنه يأثم بذلك ولا يجب عليه إلا القضاء فقط لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 4، ولم يذكر إطعاماً.
وذهب بعض الفقهاء 5 إلى أن من أخر القضاء بلا عذر وجب عليه الإطعام=

وَإِنْ تَرَكَ الْقَضَاءَ حَتَّى مَاتَ لِعُذْرٍ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ (1)، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ (2)،  =فقط، ولا يصح منه الصيام بقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (1). فهذا عمل عملاً ليس عليه أمر الله ولا رسوله فيكون عملاً باطلاً.
قلت: والراجح عندي القول الأول، فمتى أخر القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر فعليه القضاء والكفارة لاسيما أن هذا فتوى بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار سماحة شيخنا بن باز (2) رحمه الله.
هذا إذا كان قادراً على الإطعام، أما إذا عجز عن الإطعام فلا تلزمه الفدية.

(1)

قوله: (وَإِنْ تَرَكَ الْقَضَاءَ حَتَّى مَاتَ لِعُذْرٍ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ):

أي إن لم يتمكن من قضاء رمضان فلا شيء عليه لعدم تقصيره ولا إثم لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حكمه كالحج.
(2)

قوله (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ):

أي إن ترك القضاء لغير عذر مع تمكنه منه ولم يقضي حتى مات فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: ذهب جمهور الفقهاء 3 إلى أنه لا يصام عنه لأن الصوم الواجب بأصل الشرع لا يقضى عنه، ولأن الصوم لا تدخله النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت.=12

..................................  =وذهب النووي وأبو الخطاب من الحنابلة 1 إلى أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، ويجزئه عن الإطعام، وتبرأ به ذمة الميت، ولا يلزم الولي الصوم بل هو إحسان منه للميت.
واحتج هؤلاء بحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) 2. والراجح أنه يستحب لولي الميت أن يقضي عنه للحديث المتقدم، فإن لم يفعل أطعم عن كل يوم مسكيناً.
قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 3 (حديث من مات وعليه صوم صام عنه وليه) الصواب أنه عام وليس خاصاً بالنذر، وقد روي عن بعض الأئمة كأحمد وجماعة أنهم قالوا: إنه خاص بالنذر، ولكنه قول مرجوح، ولا دليل عليه، والصواب أنه عام.
والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، ولم يقل صوم النذر، ولا يجوز تخصيص كلام النبي صلى الله عليه وسلم إلا بدليل والحديث عام يعم صوم النذر وصوم الكفارات، فمن ترك ذلك صام عنه وليه، والولي هو القريب من أقاربه، وإن صام غيره أجزأ عنه، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم.... ) إلى أن قال رحمه الله: (والأحاديث كثيرة دالة على قضاء رمضان وغيره، وأنه لا وجه لتخصيص النذر، بل هو قول مرجوح ضعيف، والصواب العموم).

إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الصَّوْمُ مَنْذُوْرًا، فَإِنَّهُ يُصَامُ عَنْهُ (1)، وَكَذلِكَ كُلُّ نَذْرِ طَاعَةٍ (2).  (1)

قوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الصَّوْمُ مَنْذُوْرًا، فَإِنَّهُ يُصَامُ عَنْهُ):

المذهب (1) يفرقون بين ما هو واجب بأصل الشرع، وبين ما أوجبه الإنسان على نفسه كالنذر، ففي الأول الواجب في حقه الإطعام عنه، أما الثاني فيستحب لوليه قضاؤه عنه ولا يجب وإنما يستحب، وذلك لحديث المرأة التي أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ) (2). والصحيح عندي أنه لا فرق بين ما كان بأصل الشرع وما أوجبه الإنسان على نفسه، فيجوز لوليه أن يصوم عنه كما مرَّ آنفاً، فإن صام أجزأه عن الفدية كما سنذكر ذلك قريبا.

  • فائدة: من أخر القضاء بغير عذر ثم مات قبل رمضان أخر أو بعده هل يلزم الولي إخراج الفدية عنه؟ نقول: إذا لم يخلف الميت تركة لأداء الفدية عنه فيستحب لوليه أخراجها عنه عن كل يوم مد لمسكين.
    أما إذا كان للميت تركة فيجب على الولي إخراجها عنه من تركته قبل تقسيم التركة.

(2)

قوله (وَكَذلِكَ كُلُّ نَذْرِ طَاعَةٍ):

أي يستحب لولي الميت أن يقضي عن الميت كل نذر طاعة، كأن يكون نذر أن يحج أو أن يصوم يومين أو ثلاثة أو أن يصلي ركعتين أو أن يعتكف، وهكذا كل طاعة نذر أن يفعلها ولم يفعلها حتى مات.12

بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ

(1)  (1)

قوله: (بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ):

أي ما يبطله، والصوم هنا يشمل صوم الفرض وصوم النفل، و

مبطلات الصوم أصولها ثلاثة

ذكرها الله تعالى في قوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 1. فذكر الله تعالى في هذه الآية ثلاثة مفسدات للصوم وهي: الجماع: حيث أباحه الله تعالى في الليل، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.. ﴾ فدل على أنه أثناء النهار يحرم على الصائم فعله، وقد سبق بيان هذا النوع من مفسدات الصوم.
الأكل، والشرب: في نهار رمضان، حيث قيده سبحانه وتعالى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ.. ﴾ فدل ذلك على أنه بعد تبين الخيطين لا يحل للصائم أن يأكل أو يشرب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
فهذه هي المفسدات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وما عداها إما ثابت بالسنة أو ثابت بالاجتهاد.
وسنقوم بذكر ذلك إن شاء الله مع بيان الراجح.

وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ (1)،  (1)

قوله: (وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ):

أي من أكل أو شرب فسد صومه لقوله تعالى: ﴿.. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.. ﴾. لكن يشترط لفساد الصوم بالأكل والشرب ما يلي:

(1) أن يكون ذاكرا

ً، فإن كان ناسياً فلا يفطر بذلك، وهذا هو قول الجمهور (1). دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) (2). ولعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.. ﴾ (3)، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ) (4). وذهب المالكية (5)، إلى أن من نسي في رمضان فأكل أو شرب عليه القضاء، أما لو نسي فأكل أو شرب في غير رمضان فإنه يتم صومه.
والصحيح قول الجمهور كما ذكرنا.
لكن يجب تذكير الناسي إذا كان يأكل أمامك لقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.. ﴾ (6).

(2) أن يكون متعمدا

ً، فإن كان قد أدخل إلى جوفه أكلاً أو شرباً من غير تعمد منه فلا يفطر بذلك لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ123456

..................................  وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ.. } (1).

(3) أن يكون مختارا

ً، فإن كان مكرهاً على الفطر فإنه لا يفطر، وهذا هو قول الشافعية (2)، والحنابلة (3)، وذهب الحنفية (4)، والمالكية (5) إلى أن الإكراه على الإفطار يفسد الصوم ويوجب القضاء.
والصحيح القول الأول لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (6).

(4) أن يكون عالما

ً، فإن كان جاهلاً بالحكم أو بالحال فالصحيح من الأقوال أنه لا يفطر بذلك.
مثال: الجهل بالحكم الشرعي: حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه حيث ذكر فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ.. ) 7. والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالقضاء لأنه جاهل لم يقصد المخالفة.
مثال: الجهل بالحال: حديث أسماء بنت أبي بكر في صحيح البخاري وفيه قالت: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ... ) 8.123456

..................................  الشاهد من الحديث أنهم أفطروا في النهار بناء على أن الشمس قد غربت، فهم جاهلون بالحال ومع فطرهم لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء فلو كان القضاء واجباً لأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة (1): قول المؤلف (مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) هو عام يشمل كل مأكول أو مشروب ينفع ويضر وما لا ينفع ولا يضر، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
    فما ينفع كاللحم والخبز وما أشبه ذلك.
    وما يضر كالدخان والحشيش ونحو ذلك.
    وما لا ينفع ولا يضر كالخرزة والحصاة وما أشبههما وهذا ما ذهب إليه الجمهور (1)، وذهب بعض الفقهاء إلى أن ما لا يغذي لا يحصل به الفطر.
    والصحيح: أنه يحصل به الفطر وذلك لإطلاق الآية، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (2) وهذا يسمى أكلا.

  • ال

فائدة (2): هل الحقن تفطر

؟ نقول: نظراً لحاجة الناس إلى بيان هذا الحكم فسوف نتوسع في بيانه شيئاً ما، ثم نبين الراجح من أقوال أهل العلم في هذه الأشياء فنقول وبالله التوفيق: الحقن التي يستعملها المرضى لمعالجة العوارض الصحية التي تطرأ عليهم لها منفذان، إما عن طريق الوريد، وإما عن طريق الشرج.

أولاً: الحقن الشرجية:

12

..................................  هذا النوع من الحقن عرفه الإنسان من زمن بعيد، وهي حقن تعطى للإنسان لأغراض متعددة منها: أن الأمعاء قد يكون فيها بعض الفضلات التي تسبب مغصاً وألماً، فتعطى الحقنة الشرجية لتطهيرها من الفساد، كما أن الأمعاء قد تتعرض لحالة من الانقباض والجفاف فيدخل إليها السائل من خلال الحقنة الشرجية لتليينها، وقد تعطى هذه الحقنة للتغذية والتقوية كما لو كان في المعدة مرض يمنع من قبولها الطعام أو الشراب، فالمعطى هنا يقوم مقام الأطعمة في التغذية.
حكم هذا النوع من الحقن: نقول: ذهب جمهور الفقهاء 1 إلى أن الحقن الشرجية تفطر الصائم مطلقاً أيًّا كان غرض استعمالها، وقد استدلوا لذلك بأن هذه السوائل تدخل الأمعاء وما يدخل فيها اختياراً مفطر لحديث: (الفطر مما دخل) 2، وقالوا: بأن كل ما وصل إلى الجوف بفعل الصائم من حقنة وغيرها يفطر قياساً على أن كل ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان يفعله لقوله صلى الله عليه وسلم: (.. وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا.. ) 3. وعليه فكل ما وصل إلى موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه يفطر، وهذا يصدق على الحقنة الشرجية.
وقال بعض أهل العلم 4 إن الحقنة الشرجية لا تفطر الصائم مطلقاً، =

..................................  =واستدلوا لذلك بأن من محظورات الصوم الأكل والشرب، وحقيقتهما هو دخول شيء من الحلق إلى المعدة، والمعدة هي محل الطعام والشراب من الإنسان كالحويصلة من الطائر، والكرش من الحيوان، فالمبطل للصوم ما دخل فيها بخصوصها مغذياً أو غير مغذ من طريق المنفذ المعتاد، فما دخل الجوف، وما يصل إليها لا يفسد الصوم، فالحقنة الشرجية يدخل بها الماء إلى الجوف ولكن لا يصل إلى المعدة فلا تفطر ولأنها لا تدخل محل الطعام والشراب.
قال شيخنا 1 رحمه الله: (الحقن الشرجية التي يحقن بها المرضى في الدبر ضد الإمساك اختلف فيها أهل العلم: فذهب بعضهم إلى أنها مفطرة بناء على أن كل ما يصل إلى الجوف فهو مفطر.
وقال بعضهم: أنها ليست مفطرة، وممن قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعلل ذلك بأن هذا ليس أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب.
ثم قال شيخنا رحمه الله: (والذي أرى أن ينظر إلى رأي الأطباء في ذلك، فإذا قالوا: إن هذا كالأكل والشرب وجب إلحاقه به وصار مفطراً.
وإذا قالوا: إنه لا يعطي الجسم ما يعطيه الأكل والشرب فإنه لا يكون مفطراً.
قلت: وبعد الرجوع إلى الأطباء وسؤالهم عن الحقنة الشرجية هل تصل إلى الجوف أم لا أكدوا لنا أنها لاتصل إلى الجوف، وبناءًا على ذلك نقول بأن الحقن الشرجية لا تفطر وهو ما اختاره شيخنا 2 رحمه الله في الشرح الممتع، =

..................................  =حيث قال رحمه الله: (وإذا كانت الحقنة وهي التي تدخل عن طريق الدبر لا تفطر على القول الراجح فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى.

  • تنبيه: ما ينطبق على الحقنة الشرجية ينطبق على التحميلة التي تعطى في الشرج.

ثانياً: الحقن التي تعطى عن طريق الوريد والشرايين:

اختلف أهل العلم في هذا النوع من الحقن في مدى تأثيرها على الصيام.
فذهب بعض أهل العلم إلى جوازها مطلقاً، وأنها لا تؤثر على الصوم لأنها ليست مما ينفذ إلى الجوف بواسطة المنافذ المعتادة كالفم والأنف والعين والأذن والدبر، وأن هذه الإبر لا تدخل محل الطعام والشراب فلا تفطر، فالمفطر هو الداخل من المنافذ الطبيعية.
وقالوا أيضاً: إن ما تحدثه هذه الحقن من انتعاش في الجسم لا يضر لأنها لا تدفع عطشاً ولا جوعاً، فلا تأخذ حكم الأكل والشرب وإن أدت شيئاً من مهمته.
وقال بعض أهل العلم: إن الحقن بجميع أنواعها تفطر سواء كانت للدواء أو الغذاء وذلك للاحتياط للعبادة.
وقال بعض العلماء: أنها إذا كانت أي الحقن مما يؤخذ في العضل فلا بأس به للمريض المحتاج، أما إبرة العرق سواء كانت للتغذية أو غيرها فلا يأخذها المريض وهذا احتياط في الدين والاحتياط في الدين أمر شرعي حسن.
وبعد ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة التي يحتاج إليها الناس نقول وبالله التوفيق:

..................................  بأن الراجح عندي أن الحقن إذا كانت تعطى عن طريق الوريد وكانت مغذية كالمغذي الذي يعطى للمريض أو الإبر المغذية، فهذه تفطر لأنها تأخذ معنى الأكل والشرب.
أما إن كانت تؤخذ في العضل أو كانت في الوريد ولم تكن مغذية فلا تفطر، وهذا هو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز 1، وشيخنا ابن عثيمين 2 رحمهما الله.

  • الفائدة (3): في حكم استعمال بخاخات الربو والأكسجين ونحوهما: قد يصاب بعض الناس بمرض الربو، وهو مرض يضيق معه النفس، فيستعمل المريض له شيئاً يسمى بخاخاً يبخ به في فمه أو يعطى الأكسجين فتنفتح عروقه فيسهل التنفس.
    وهذا البخاخ أو الأكسجين وأمثالهما في الحقيقة لا يصل إلى المعدة وإنما يصل إلى القصبات الهوائية، فليس هو بمعنى الأكل والشرب، ولذا نقول: لا بأس باستعمال ذلك لمن احتاج له، اللهم إلا إذا كانت هذه الأشياء تضاف لها سوائل أخرى تصل من خلالها إلى المعدة، فهنا تفطر الصائم ويجب عليه القضاء.
  • الفائدة (4): في حكم استعمال قطرة العين والأذن والأنف: أما قطرة العين والأذن فإنهما لا تفطران وإن وجد طعمهما في الحلق لأنهما ليستا منفذاً للأكل والشرب.

أَوْ اسْتَعَطَ (1)،  أما قطرة الأنف فإذا وصلت المعدة فإنها تفطر لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط ابن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (1)، فلا يجوز للصائم أن يقطر في أنفه ما يصل إلى معدته، وأما ما لا يصل إلى المعدة من قطرة الأنف فإنها لا تفطر.

(1)

قوله: (أَوْ اسْتَعَطَ، ):

السعوط هو ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، وهو منفذ إلى المعدة، ولذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم لقيط بن صبرة عن المبالغة في الاستنشاق، فقال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) 2، فالمبالغة في الاستنشاق قد تكون سبباً في وصول الماء إلى المعدة، ولهذا نهاه النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى ذلك فكل ما وصل إلى المعدة عن طريق الفم أو الأنف فإنه مفطر لأنها منفذ واحد، ولذا نجد بعض المرضى توضع له قسطرة في أنفه ثم يوضع له الطعام، وإذا شرب من خلالها يتغذى به.
قوله: (أَوْ أَوْصَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا، مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ): كأنفه وبطنه وصدره، وغير ذلك لكن بشرط أن تجعل هذه المواضع بغرض دخول الطعام والشراب منها لانسداد المريء أو تقرحه ونحو ذلك، فيكون ما أدخل فيها مفطراً كما لو أدخل إلى الفم.

  • فائدة: المنظار نوع من الاستكشافات الحديثة يستخدمه الأطباء لمعرفة موضع المرض في الجسم ونوعيته، فيقومون بإدخاله عن طريق الفم إلى المعدة حتى يصل إلى موقع المرض، فهل هذا المنظار يكون مفطراً؟ نقول: على كلام=1
جارٍ التحميل