..................................
= المذهب 1 على التحريم مطلقًا؛ عللوا لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الأكل والشرب فيهما، لأن هذا هو الغالب في الأفعال، وفي استعمالها في غير الأكل والشرب فيه مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين، ولمظنة الخيلاء والكبر والفخر وكسر قلوب الفقراء.
وقيل 2: إن الاستعمال في غير الأكل والشرب يجوز، وبه قال شيخنا 3 -رحمه الله-، وهذا اختيار الشوكاني في نيل الأوطار 4، والصنعاني في سبل السلام 5. دليلهم على ذلك:
1 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشرب، ولو كان المحرم غيرهما لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل إن تخصيصه في الأكل والشرب منهما دليل على أن ما عداهما جائز.
2 - وبما جاء في صحيح البخاري من «أن أم سلمة كان لها جلجل من فضة جعلت فيه شعرات للنبي - صلى الله عليه وسلم - كان الناس يستشفون بها» 6 وهذا استعمال في غير الأكل والشرب.
والأحوط عندي عدم الاستعمال مطلقًا للذهب والفضة، ولو قيل بأن الذهب لا يتسامح فيه مطلقاً لورود التحريم فيه ولكون التحريم فيه أشد، =
.................................. = أما الفضة فيتسامح فيها لكان متجهًا، ولذا جاء في مسند أحمد «.. وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ الْعَبُوْا بِهَا لَعِبًا» 1. وكذلك لما جاء في البخاري من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد اتخذ خاتمًا من ذهب ثم رمى به وقال: «لا أَلْبَسُهُ أَبَدًا» ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ 2. وقد نقل أيضًا ابن حجر في فتح البارى 3 عن جماعة من العلماء استعمال الإناء الصغير من الفضة في غير الأكل والشرب، فلعل هذا هو الصواب والله أعلم.
- تنبيهان:
أولاً: في اتخاذ آنية الذهب والفضة بغرض الاقتناء فقط إما للزينة أو للبيع والشراء دون الاستعمال هل يجوز اتخاذها على هذه الصفة؟ قولان في المذهب 4: المشهور في المذهب حرمة الاتخاذ، وبه قال شيخ الإسلام 5 وسماحة الشيخ بن باز 6 -رحمه الله-.
وقول آخر في المذهب القول بعدم التحريم، وبه قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين 7 -رحمه الله- وهو الراجح عندي.
فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا تَشْرَبُوْا فِيْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوْا فِيْ صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ»
ثانيا: هل الاستعمال هو الاتخاذ أم هناك فرق بينهما؟
الجواب: هناك فرق بينهما، فالاتخاذ هو أن يقتنيه فقط إما للزينة أو للبيع والشراء فيه ونحوه.
أما الاستعمال فهو التلبس بالانتفاع به أي يستعمله فيما صنع له.
(1)
قوله «فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا»
أي يحرم استعمال آنية الذهب والفضة بغرض الوضوء أو الاغتسال منها وفيها وبها كل ذلك لا يجوز.
لكن إن استعملها في الطهارة هل تصح طهارته؟
وجهان في المذهب 1: الأول: أنها لا تصح الطهارة منها لأنه أتى بالعبادة على الوجه المحرم فأشبه الصلاة في الأرض المغصوبة، واختار هذه الرواية شيخ الإسلام 2 رحمه الله.
الثاني: وهو الصحيح عندي أن الطهارة تصح ويأثم باستعماله، وذلك لأن الإناء ليس شرطًا في الوضوء، ولأن التحريم لا يرجع إلى نفس العبادة ولا إلى شرط من شروط وجوبها، وهذا هو المذهب قطع به الخرقي 3 وبه قال شيخنا 4 رحمه الله.
أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة - باب الأكل في إناء مفضض- رقم (5110)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة - باب تحريم إستعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.. - رقم (2067).
وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا (1)، إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الْفِضَّةٍ (2) (1)
قوله «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا»
أي أن حكم الآنية المضببة بالذهب أو الفضة تأخذ حكم آنية الذهب والفضة في التحريم، وصورة هذا الإناء المضبب تكون بانكسار هذا الإناء فيلصق ويجبر بذهب أو فضة، والعلة في تحريم المضبب بهما (يعني الذهب أو الفضة) أنه إذا استعمل هذا الإناء فقد استعملهما.
(2)
قوله «إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الْفِضَّةٍ»
بشرط أن تكون هناك حاجة، فهذه أربعة شروط لجواز استعمال الفضة في الإناء:
1 - أن تكون ضبة.
2 - أن تكون هذه الضبة يسيرة.
3 - أن تكون الضبة من فضة.
4 - أن تكون لحاجة.
دليل ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» (1).
تنبيهات
: أولاً: معنى الحاجة هنا أن يتعلق بها غرض غير الزينة وإن كان غيره يقوم مقامه.
ثانيًا: الحاجة أدنى من الضرورة،
فالحاجة كما قال في الإنصاف 2 ما يتعلق بها غرض غير الزينة أي لا يتخذها زينة.
أما كونه لا يجد ما يجبر به المكسور غيرها فهنا تسمى ضرورة وليس بحاجة بل يجوز له أن يجبرها بالذهب إن =1
..................................
= كانت هناك ضرورة ففرق بين الضرورة والحاجة.
ثالثًا: إن كان هناك يسير لغير حاجة كحلقة الإناء مثلاً فالمنصوص عليه من المذهب أنها لا تباح على الصحيح، وقيل بإباحتها مطلقًا، وقيل تباح بشرط عدم المباشرة لها بالاستعمال 1، والأحوط عندي العمل بالمذهب.
رابعًا: حكم مباشرة الضبة لغير حاجة.
الذي ذهب إليه المؤلف -رحمه الله- القول بكراهية مباشرة موضع الضبة بالاستعمال لكيلا يكون مستعملاً لها.
قالوا: لو أن إنسانًا عنده إناء به ضبة وأراد أن يشرب من هذا الإناء فإنه لا يباشر هذه الضبة حال شربه بشفتيه وهذا هو المذهب 2، إلا إذا كانت هناك حاجة لاستعمالها فلا يكره.
والصحيح عدم الكراهة مطلقًا، وبه قال شيخنا 3 -رحمه الله-؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل على كراهية مباشرة الضبة حال الاستعمال ما دمنا قد قلنا بإباحتها، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حال استعماله لقدحه المضبب بالفضة لم يثبت عنه أنه كان يتوقى هذه الجهة المضببة.
خامسًا: الأواني والصنابير المنزلية المطلية بماء الذهب هل يجوز اتخاذها واستعمالها؟
الجواب: أما الاتخاذ فقد بيَّنا أن الصواب جواز اتخاذ آنية الذهب والفضة دون الاستعمال في الأكل والشرب ومن باب أولى جواز اتخاذ المموه والمطلى بهما دون استعمالها.
وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا (1)، وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ (2)،
= سادسًا: هل اليسير كالكثير في الذهب والفضة؟ يعني لو أن إنسانًا استعمل شيئًا يسيرًا من الذهب والفضة هل يجوز له ذلك؟
نقول: رخص بعض أهل العلم في اليسير التابع من الذهب والفضة كالذي يكون في النظارة مثلاً، أو ما يكون في الأقلام ونحو ذلك فقد رخص فيه بعض العلماء،، لكن لا بد أن يكون يسيرًا تابعًا.
وقال بعض الفقهاء بالتفريق بين الذهب والفضة، فقالوا بأن اليسير من الذهب لا يجوز، أما الفضة فيجوز استعمال اليسير التابع منها وهو قول شيخنا (1) -رحمه الله-.
وقال بعض أهل العلم: لا يجوز استعمالها مطلقًا (2).
(1)
قوله «وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا»
لأن النص إنما ورد في الذهب والفضة، فكل إناء سوى آنية الذهب والفضة يجوز استعماله، سواء كان ثمينًا أو غير ثمين، بخلاف من قال بحرمة أو بكراهة استعمال الثمين؛ لما فيه من الخيلاء والإسراف والفخر.
دليل ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «تَوَضَّأَ فِيْ تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ» (3)، والصفر هو النحاس الجيد تصنع منه الأواني.
(2)
قوله «وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ»
أي يجوز استعمال أواني أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وكذا ثيابهم بشرط عدم نجاستها.123
..................................
= وقد اختلفت الروايات في المذهب 1 في حكم استعمال أواني أهل الكتاب:
الرواية الأولى: إباحة استعمالها مطلقًا وهو المذهب وبه قال جمهور أهل العلم، دليل ذلك حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «كُنَّا نَغْزُوْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَنُصِيْبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِيْنَ وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلا يَعِيْبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ» 2.
ومن الأدلة أيضًا ما جاء في الصحيحين من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ من مزادة امرأة مشركة» 3.
وروى أحمد في مسنده عن أنس - رضي الله عنه - «أَنَّ يَهُوْدِيًّا دَعَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى خُبْزِ شَعِيْرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ فَأَجَابَهُ» 4. فكل هذه الأدلة تدل على إباحة استعمالها ما لم يعلم أنهم يستخدمونها في النجاسات كطبخ لحم الخنزير فيها ونحوه.
الرواية الثانية في المذهب: كراهية استعمالها؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، قَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوْا فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوْهَا وَكُلُوْا فِيْهَا» 5.
وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا (1)
###، وَصُوْفُ الْمَيْتَةِ وَشَعَرُهَا طَاهِرٌ
(2)،
=الرواية الثالثة في المذهب: أن النصارى الذين يكثرون استعمال النجاسات من الخمر والخنزير لا تباح أوانيهم وتباح آنية من سواهم.
والصحيح عندي هو المذهب أي لا يكره استعمال أواني أهل الكتاب إلا إذا علم أنهم يستحلون الميتات ويستعملونها في النجاسات كما جاء في رواية أبي داود من حديث أبي ثعلبة الخشني السابق وفيه قال: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ؟ قال: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوْا فِيْهَا وَاشْرَبُوْا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا غَيْرَهَا فَارْحَضُوْهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا» (1)، أما إذا لم يستعملوها فهي طاهرة وإن شك فيها لأن الأصل الطهارة.
(1)
قوله «وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا»
أي يباح استعمال ثياب أهل الكتاب ما لم تعلم نجاستها، وهذا قول واحد في المذهب 2، أما إذا استعملوا هذه الثياب ففي كراهيتها روايتان، والصحيح جواز استعمالها إلا إذا علمنا نجاستها.
(2) وقوله «وَصُوْفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ» هذا هو المذهب 3، وبه قال الحنفية 4 والمالكية 5.1
وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ = لكن اشترط الفقهاء لطهارته شرطا وهو أن يجز الصوف ونحوه جزا لا أن يقلع قلعًا لأنه إذا قلع فإن أصوله تحتقن شيئًا من الميتة وهذا ظاهر في الريش أو تكون أصوله مباشرة للنجاسة وهذا يظهر في الشعر ولذا اشترط أهل العلم ذلك، لكن إن قلعه وفيه شيء من الميتة أو يظهر في أسفله شيء مترطب من النجاسة هل يطهر بالغسل؟ على وجهين: أصحهما عندي طهارته بالغسل.
- تنبيه: هل هذا الحكم خاص بميتة دون ميتة
أم هو عام لجميع الميتات؟ الجواب: نقول هذا خاص بالميتة الطاهرة حال الحياة أي التى تؤكل.
(3) و
قوله «وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ»
هذه هي أشهر الروايات في المذهب 1، وهي إحدى الروايتين عن مالك 2، دليل هذه الرواية حديث عبد الله بن عُكيم قال: «كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لا تَنْتَفِعُوْا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلا عَصَبٍ» 3. الرواية الثانية في المذهب 4 طهارة جلد الميتة بالدبغ، وهو قول مالك في الرواية الثانية عنه 5، والشافعي 6، وأبي حنيفة 7، وهو اختيار شيخ =
..................................
=الإسلام 1، وشيخنا -رحمه الله- 2. وهذه الرواية قيل بأن الإمام أحمد -رحمه الله- رجع إليها وذلك للاضطراب الحاصل في حديث عبد الله بن عكيم.
دليل هذه الرواية حديث ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» 3، ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوْهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوْا إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» 4.
لكن كيف يجاب عن حديث عبد الله بن عكيم السابق؟
نقول بأنه يجاب عنه بعدة إجابات:
أولاً: أن الحديث ضعفه جمع من أهل العلم، فلا يقابل ما ذكرناه من أدلة جواز الانتفاع بجلود الميتة، فإنها صحيحة بلا شك.
ثانيًا: أنه على افتراض صحته، فإن الإهاب كما ذكره أهل العلم هو اسم للجلد قبل الدبغ، أما بعد الدبغ فلا يسمى إهابًا إنما يسمى شنًا أو قربة.
- تنبيهان: أولاً: جلد الميتة الذي يطهر بالدباغ يشترط في الميتة أن تكون مما تحله الذكاة كالإبل والبقر والغنم والضبع ونحو ذلك، أما ما كان طاهرًا حال الحياة كالهرة والفأرة مثلا ففيه قولان:
وَكَذلِكَ عِظَامُهَا (1).
= الأول: أن جلده يطهر بالدباغ وهذا قول في المذهب (1)، وقول لشيخ الإسلام ابن تيمية (2) -رحمه الله-.
الثاني: وهو الصحيح أنه لا يطهر بالدباغ، وهو قول ابن سعدي (3) واختيارشيخنا (4) -رحمه الله-؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» (5)، فعبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكاة، ومعلوم أن الذكاة لا تكون إلا لما يباح أكله.
ثانيًا: هل يلزم غسل الجلد بعد الدبغ؟
على وجهين: اختار صاحب الإنصاف اشتراط غسل المدبوغ وقال على الصحيح (6)، والراجح أنه لا يشترط.
(1) و
قوله «وَكَذلِكَ عِظَامُهَا»
عظم الميتة كذلك نجس وذلك لكونه من أجزائها، وقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ 7، هذا هو المشهور من المذهب 8، وهو مذهب مالك 9، والشافعي 10. وفي رواية في المذهب 11 طهارة عظم الميتة، وقال به أبو حنيفة 12، =123456
وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ (1)، = وهو اختيار شيخ الإسلام (1) -رحمه الله- حيث قال في الاختيارات: وقرن الميتة وعظمها وظفرها وما هو من جنسه كالحافر ونحوه طاهر قاله غير واحد من العلماء وهو الصحيح.
(1)
قوله «وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ»
وهو ظاهر المذهب 2، وظاهر مذهب الشافعي 3، وأصح القولين في مذهب مالك 4، وهو اختيار شيخ الإسلام 5 -رحمه الله-.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ 6، ومن جملة تكريمه جعله طاهرًا حيًّا وميتًا، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ» 7، وقال البخاري في صحيحه: قال ابن عباس: «الْمُسْلِمُ لا يَنْجُسُ حَيًّا وَلا مَيِّتًا» 8.
وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا 9 -رحمه الله-.
وفي رواية لأحمد 10: ينجس؛ لعموم الآية وهي قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا =1
وَحَيَوَانَ الْمَاءِ (1)،
= عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} (1) يعني نجس.
والرواية الأولى هي الأصح لما ذكرناه من الأدلة.
وقال بعض أهل العلم أن الكافر ينجس بالموت دون المسلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (2)، ولعموم حديث أبي هريرة المتقدم «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ»، فمفهوم المخالفة له أن غير المسلم ينجس.
والصحيح أنه سواء كان مؤمنًا أو كافرًا لا ينجس بالموت.
أما الآية فالمراد بالنجاسة فيها هي النجاسة المعنوية، بدليل أن الله أباح لنا التزوج بالكتابيات، وأن نأكل طعام أهل الكتاب، ولا شك أن أيديهم وأبدانهم لا بد من ملامستها، وبخاصة إذا كانت زوجة، ولم يرد ما يدل على الأمر بالتطهر منهن، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَحَيَوَانَ الْمَاءِ»
أي طاهر لكن
هل يتناول هذا الحكم جميع ما يكون في الماء
من السمك وغيره؟ المشهور من مذهب أحمد 4: إباحة حيوان البحر مطلقًا عدا الثلاثة وهي الضفدع والحية والتمساح، فالضفدع والحية لخبثهما، أما التمساح فذو ناب مفترس.
ومذهب أبي حنيفة 5 لا يحل من حيوان البحر إلا السمك.
ومذهب مالك 6 =123
الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» = والشافعي (1) إباحة جميع حيوان البحر بلا استثناء؛ لعموم الآية، وهي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (2). وهذا هو الراجح وهو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.
(1)
قوله «الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ»
أي الذي لا يعيش إلا في البحر، لكن
هل يباح غير ميتة السمك؟
فيه ثلاث روايات في المذهب 4:
الأولى: إباحة الجميع بلا ذكاة؛ لعموم الأدلة السابقة.
الثانية: أنه لا يباح غير ميتة السمك؛ لأنه هو المقصود بالميتة في قوله - صلى الله عليه وسلم - «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ... » 5 وذكر منها السمك.
الثالثة: أن ما كان مأواه البحر ويعيش في البر، ككلب البحر والسلحفاة ونحو ذلك مثلاً، فهذا لا يباح المقدور عليه إلا بالتذكية، وهذا هو المذهب وعليه الأكثرية.
والصحيح القول الأول.123
وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً (1) إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ (2). (1)
قوله «وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً»
أي لا دم له يسيل منه إذا خرج منه بجرح أو قتل.
(2) قوله «إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ».
فاشترط المؤلف في ميتة ما لا نفس له سائلة شرطين:
الأول: أن لا يكون له نفس سائلة.
الثاني: أن لا يكون متولدا من النجاسات كصراصير الكنيف والبالوعات مثلاً، فهذه نجسة حياةً وموتًا لأن الأصل فيها النجاسة.
أما إذا كان متولدًا من طاهر كالخنفساء، والعقرب، والبق، والبراغيث، والذباب، والقمل، والديدان، فكل هذه طاهرة حياةً وموتًا، فإذا سقطت في مائع فماتت فيه فإنها لا تنجسه.
دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً» 1.
فلو كان الذباب ينجس بموته لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغمسه في الشراب لأن الظاهر أنه يموت بذلك، وبذلك يتنجس الطعام، فلما كان لا ينجس بالموت أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغمسه فيه.
بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ
(1). يُسْتَحَبُّ (2) لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ الْخَلاءِ (3) أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللهِ (4)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ»
ومن العلماء من يسميه: باب دخول الخلاء، أو باب الاستطابة، أو باب الاستنجاء والاستجمار.
(2) قوله «يُسْتَحَبُّ» المستحب هو الأمر المرغب فيه الذي يمدح فاعله ولا يذم تاركه، لكن هل هو مرادف للمسنون بمعنى أنني أقول للمستحب أنه مسنون أم هناك فرق بينهما؟ نقول بأن الأكثرية على أن المستحب يقال عنه المسنون لا فرق بينهما، ولذا نجد بعض الفقهاء يعبّر بـ «يسن»، وبعضهم يعبّر بـ «يستحب»
وقال بعض العلماء ومنهم شيخنا محمد الصالح العثيمين -رحمه الله- بأن المستحب ما ثبت بدليل التعليل والنظر والاجتهاد، أما المسنون فما ثبت بدليل من السنة فلا يعبر عن الشيء الذي لم يثبت بالسنة يسن، ولكن يقال: يستحب 1.
(3) قوله «لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ الْخَلاءِ» وبعض الفقهاء يقول: «يستحب عند دخول الخلاء» والعندية في قولهم قبلية: أي قبل دخول الخلاء، فإن كان الإنسان في البر مثلاً، فهنا يشرع له الذكر عند جلوسه لقضاء حاجته، وذلك عند خلعه ملابسه أو رفعها.
(4) قوله «أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللهِ» دليل ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه عن علي
ابن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سَتْرُ مَابَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ =
أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (1)، وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (2). وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ (3)، = بَنِيْ آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْخَلاءَ أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللَّهِ» (1).
(1)
قوله «أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»
دليل ذلك ما جاء في المتفق عليه من حديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال: «اللهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالَخَبَائِثِ» (2). والمعنى أي أعتصم وألتجئ إلى الله تعالى من الخبث والخبائث، والخبُث بالضم: جمع خبيث، والمراد به ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة وهي إناث الشياطين.
والخبْث بالتسكين هو الشر، والخبائث النفوس الشريرة، لكن أي الروايات تقال، نقول: بأن أكثر الروايات هي رواية التسكين، ولأنها أعم من رواية الضم (الخُبث)، فهي تشمل كل نفس شريرة: من جن وشيطان وغيره، بخلاف رواية الضم، فهي مقصورة على ذكران الشياطين وإناثهم.
(2)
قوله «وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ»
الدليل الذي ورد في ذلك
ضعيف، لكن إن قاله من باب الدعاء فقط وليس على أنه سنة يتعبد بها جاز له ذلك.
(3)
قوله «وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ»
لما جاء عن عائشة - رضي الله عنها - =12
..................................
= حيث قالت: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» 1.
أما الحكمة من قوله - صلى الله عليه وسلم - «غُفْرَانَكَ» إذا خرج من الخلاء فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في ذلك: لأن الخلاء مظنة الغفلة والوسواس، فاستحب الاستغفار عقيبه 2.
وقيل: بأن مناسبة قوله «غُفْرَانَكَ» هنا أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم، فدعا الله أن يخفف عنه أذية الإثم كما منَّ عليه بتخفيف أذية الجسم، وهذا هو اختيار ابن القيم 3 -رحمه الله-، واختاره أيضًا شيخنا 4 -رحمه الله-.
أما قول بعض العلماء مناسبة ذلك؛ لأنه انحبس عن ذكر الله في هذا الوقت، فيسأل الله المغفرة له لعدم ذكره إياه حال قضاء حاجته، فهذا فيه نظر؛ لأنه انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإذا كان كذلك فلم يعرض نفسه للعقوبة؛ ولهذا الحائض لا تصلي ولا تصوم، ولا يسن لها أن تستغفر الله؛ لأنها تركت الصلاة والصوم أيام الحيض ولم يقله أحد ولم يأت فيه سنة، هذا ما أفاده شيخنا 5 -رحمه الله-.
وقيل: لأنه قد يحدث فيه ما لا ينبغي أثناء قضاء الحاجة.
والصحيح أن قول=
الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَذْهَبَ عَنِّيْ الأَذَى وَعَافَانِيْ (1). وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُسْرَى فِيْ الدُّخُوْلِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوْجِ (2)، وَلا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ (3)، = «غُفْرَانَكَ» مشروع بغض النظر عن السبب.
(1)
قوله «الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَذْهَبَ عَنِّيْ الأَذَى وَعَافَانِيْ»
الحديث الوارد في بيان هذا الذكر ضعيف (1)، لكن كما ذكرنا سابقًا إن قاله من باب الدعاء لا من جهة السنية والتعبد به فلا بأس، أما جعل ذلك سنة تقال عند الخروج فلا يشرع لضعف الدليل الوارد فيها.
(2)
قوله «وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُسْرَى فِيْ الدُّخُوْلِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوْجِ»
وذلك لأن الرجل اليمنى أحق بأن تقدم في الأماكن الطيبة وأحق بالتأخير عن الأذى ومحله، ولذا جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بالانتعال باليمنى قبل اليسرى، وعند الخلع يبدأ باليسرى قبل اليمنى وذلك تكريمًا لليمنى، لكن هل يقال عند الأكل: لي البداءة باليمنى ثم يجوز لي أن آكل باليسرى؟ نقول: لا، هذا خطأ لأن ما يشترك فيه العضوان كدخول الخلاء مثلاً فتقدم فيه اليمنى أولاً ثم تتبعها اليسرى، أما ما يختص به أحدهما كالأكل والشرب فلا ينبغي أن تبدأ باليمنى ثم اليسرى بل تقتصر فيه على اليمنى.
(3)
قوله «وَلا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ»
دليل ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَبِسَ خَاتَمًا، نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ، = (1). الحديث الذي ورد في ذلك أخرجه ابن ماجه (1/ 110) لكن ضعفه كثير من أهل العلم: قال البوصيري في الزوائد رقم (23) حديث ضعيف ولا يصح بهذا اللفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء وإسماعيل بن مسلم الكي متفق على تضعيفه، وقال النووي في المجموع (1/ 79) إسناده ضعيف، وضعفه الألباني في الإرواء - رقم (53).
.................................. = فَكَانَ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ وَضَعَهُ» (1). هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم وبعضهم صححه، لكن على اعتبار ضعف الحديث نقول: بأنه إذا دخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله، كره له ذلك؛ لأن ذكر الله تعالى يصان باللسان حال دخوله الخلاء، فمن باب أولى ما كتب عليه، بدليل أن المحدث يمنع من مس المصحف دون تلاوته، لكن يستثنى من ذلك إذا كانت هناك حاجة، كأن يخاف على هذا الشيء من سرقة ونحوها، فهنا يجوز له أن يدخل به نظرا للحاجة.
- تنبيهان:
أولاً: هل الشريط يأخذ هذا الحكم؟
الصحيح أنه لا يأخذ هذا الحكم بل يجوز له الدخول به.
ثانيًا: هل القول بالكراهة أيضًا يشمل المصحف؟
استثنى بعض العلماء المصحف، فقال: بأنه يحرم دخول الخلاء به، سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا، وذلك لأن المصحف أشرف الكلام ودخول الخلاء به، فيه نوع من الإهانة له.
لكن نقول: بأن الإنسان إذا أراد دخول الخلاء، ينبغي إذا كان معه مصحف أن لا يدخل به، فيضعه في مجتمع الناس، أو يعطيه أحدًا يمسكه حتى يخرج، لكن إن خاف أن يسرقه، فلا بأس أن يدخل به.1
وَيَعْتَمِدُ فِيْ جُلُوْسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى (1). وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ (2)، (1)
قوله «وَيَعْتَمِدُ فِيْ جُلُوْسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى»
الحديث الذي ورد في ذلك وهو حديث سراقة بن مالك قال: «عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذا أَتَيْنَا الْخَلاءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى وَأَنْ نَنْصِبَ الْيُمْنَى» (1) هذا الحديث ضعيف لا يحتج به.
لكن قيل: بأن الاعتماد على اليسرى أسهل لخروج الخارج، فإذا ثبت هذا طبّيًّا فيكون الاعتماد على اليسرى من باب مراعاة الصحة، لكن كون الاعتماد عليها سنة هذا فيه نظر؛ لأن الحديث الوارد فيها ضعيف.
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ»
دليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ فَقَالَ، يَا مُغِيرَةُ خُذْ الإِدَاوَةَ فَأَخَذْتُهَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى تَوَارَى عَنِّيْ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ» 2، وبما رواه أبو داود عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: «كَانَ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لا يَرَاهُ أَحَدٌ» 3. لكن إن كان في الفضاء وهناك شيء يمكنه الاستتار منه دون الحاجة إلى الإبعاد جاز له ذلك، كأن يكون هناك حائط أو كثيب رمل أو نخل ونحوه.1
وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا (1)، وَلا يَبُوْلُ فِيْ ثُقْبٍ وَلا شَقٍّ (2)، وَلا طَرِيْقٍ وَلا ظِلٍّ نَافِعٍ، وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ (3)، (2)
قوله «وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا»
الارتياد أي الطلب، أي أن يطلب موضعًا رخوًا، وهو المكان اللين الذي لا يخشى منه رشاش البول، فإن كان في مكان لا يوجد فيه شيء رخو، فهنا يدنى ذكره من الأرض حتى لا يحصل الرشاش.
(3)
قوله «وَلا يَبُوْلُ فِيْ ثُقْبٍ وَلا شَقٍّ»
ونحو ذلك مثل البلوعة التي هي مجمع الماء الوسخ، دليل ذلك حديث عبد الله بن سرجس «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ، قَالُوْا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ» (1). وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وبعضهم صححه، لكن على الإنسان حال بوله أن يتقي هذه الأماكن، فإنه يخشى عليه أن يخرج شيء يؤذيه.
(1)
قوله «وَلا طَرِيْقٍ وَلا ظِلٍّ نافِعٍ، وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ»
أي لا يقضي حاجته عند هذه الأشياء، والنهي هنا للتحريم، أما الشق والثقب فالنهي فيها للكراهة؛ دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوْا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيْقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» 2. وقول المؤلف «وَلا ظِلٍّ نافِعٍ» يؤخذ منه أن النهي إنما خصص في الظل الذي ينتفع به الناس، فلو قضى حاجته في مكان لا يجلس فيه الناس فلا يقال =1
وَلا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلا قَمَرًا (1)،
= بالتحريم، وهذا مفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أو ظلهم» يعني الظل الذي هو محل جلوسهم.
وقول المؤلف «وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ» أي ثمرة مقصودة أو محترمة، فقولنا مقصودة أي يقصدها الناس ولو كان ثمرها غير مطعوم، فما دام الناس يقصدون هذه الشجرة فلا يجوز البول أو التغوط عندها، وقولنا: أو ثمرة محترمة كثمرة النخل أو البرتقال ونحو ذلك مما يؤكل ثمره، فهذه لا يجوز التغوط عندها ولو كانت غير مقصودة لأن الثمر طعام محترم.
(1)
قوله «وَلا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلا قَمَرًا»
الصحيح من المذهب كراهية ذلك 1، لكن ليس هناك دليل على كراهية ذلك وإنما عللوا ذلك لما فيه من نور الله أو لأن معهما ملائكة.
والصحيح عندي عدم الكراهة لعدم الدليل بل ولثبوت الدليل الدال على جواز ذلك وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- «وَلَكِنْ شَرِّقُوْا أَوْ غَرِّبُوْا» 2.
ومعلوم أن من شرق أوغرب والشمس طالعة فإنه يستقبلها، وهذا ما ذهب إليه أكثر الحنابلة 3، وابن سعدي 4، وشيخنا 5 -رحمه الله-.
وَلا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرُهَا (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ وَلا تَسْتَدْبِرُوْهَا».
وَيَجُوْزُ ذلِكَ فِي الْبُنْيَانِ (2)
(1)
قوله «وَلا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرُهَا»
دليل ذلك ما ذكره المؤلف من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، واتفق الأئمة الأربعة (1) على ذلك إذا كان في غير البنيان.
(2)
قوله «وَيَجُوْزُ ذلِكَ فِي الْبُنْيَانِ»
وهو قول جمهور أهل العلم 2، وبه قال سماحة الشيخ ابن باز 3 -رحمه الله-، دليل ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - حيث قال: «رَقِيْتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِيْ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُوْلَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ» 4. وذهب شيخ الإسلام 5 وابن القيم 6 وهو قول أبي حنيفة 7 ورواية عن أحمد 8 إلى القول بالتحريم في البنيان، وحجتهم في ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري المتقدم، أما حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- فأجابوا عنه =1 أخرجه البخاري في أبواب القبلة - باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام - رقم (386)، ومسلم في كتاب الطهارة - باب الاستطابة - رقم (264) من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -.
..................................
= بعدة إجابات منها:
1 - أنه محمول على ما قبل النهي.
2 - أن حديث أبي أيوب قول وحديث ابن عمر فعل والقول مقدم على الفعل، والفعل لا يعارض القول لأن فعله - صلى الله عليه وسلم - يحتمل الخصوصية أو نسيانًا أو عذرًا آخر.
وهناك قول ثالث في هذه المسألة وهو إحدى الروايات في المذهب (1)، وهو قول شيخنا محمد بن صالح العثيمين (2) -رحمه الله-: وهو القول بجواز استدبار القبلة دون استقبالها في
البنيان، وذلك لأن النهي عن الاستقبال محفوظ ليس فيه التفصيل، والنهي عن الاستدبار مخصوص بالفعل، وأيضًا فإن الاستدبار أهون من الاستقبال، لكن الأفضل عنده -رحمه الله- أن لا يستدبرها إن أمكن.
تنبيهات
:
أولاً: هل يكفي الانحراف عن جهة القبلة؟ المذهب 3 على أنه يكفي انحرافه عن الجهة، وشيخ الإسلام 4 يرى أنه لا يكفي انحرافه عن الجهة، فالانحراف اليسير لا يكفي عنده، بل ينحرف كثيرًا.
ثانيًا: ما الحكم إذا استقبل القبلة حال الاستنجاء دون قضاء حاجته؟ الصحيح من المذهب الكراهة، وقال البعض: بأن لا يكره، وقال بعضهم: يتوجه التحريم 5.12
فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلاثًا (1)، وَلا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ (2)، ثالثًا: النهي عن استقبال القبلة جاء لأنها أشرف الجهات وأعظمها وذلك لأن فيها بيته - سبحانه وتعالى - فلا بد من تعظيمه قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (1). رابعًا: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتشريق أو التغريب خطاب لأهل المدينة ومن جرى مجراهم، أما من كان في جهة الشرق أو الغرب فإنه يتحول إلى الجنوب أو الشمال بحيث لا يكون مستقبلاً القبلة.
(1)
قوله «فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلاثًا»
ما ذكره المؤلف -رحمه الله- هنا الأدلة الواردة فيه ضعيفة، ولذا نقول: لا يسن مسح أصل الذكر، وهو ما عند حلقة الدبر؛ لأنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا لضرره بالإنسان من جهتين:
الأولى: إضراره بالذكر حيث يؤذي المجاري البولية.
الثانية: إضراره بالشخص نفسه حيث يصيبه بالوساوس التي تفسد عليه حياته، ولذا نقول بأنه لا يستحب فعل ذلك، أما النتر فهو أقرب إلى البدعة من السنة، ولذا قال شيخ الإسلام (2): «النتر بدعة وليس بسنة فلا ينبغي فعله».
(2)
قوله «وَلا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ»
أي يكره فعل هذا؛ لأن من إكرام اليمين أن=12
وَلا يَتَمَسَّحُ بِهَا (1)، ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا (2)، لا يمسكه بيده اليمنى حال قضاء حاجته لورود النهي الوارد في حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - حيث قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ وَهُوَ يَبُوْلُ... » (1). لكن هل هذا مقيد بحال البول أم هو مطلق؟ قولان (2): الأحوط عندي ما قاله شيخنا -رحمه الله- حيث قال: «الأحوط أن يتجنب مسه مطلقًا» (3).
(1)
قوله «وَلا يَتَمَسَّحُ بِهَا»
أي يكره فعل ذلك لنفس الدليل وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيه «... وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِيْنِهِ» (4) فإن مسح صح مع الكراهة.
- تنبيه: لم يذكر المؤلف الاستنجاء باليمين، ولكن حكمه أيضًا الكراهة؛ لحديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه - حيث قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ قَالَ فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِيْنِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيْعٍ أَوْ بِعَظْمٍ» (5).
(2)
قوله «ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا»
لأمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك ففي المتفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» 6، والأمر هنا =12345
ثُمَّ يَسْتَنْجِيْ بِالْمَاءِ (1)، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ (2)،
= للاستحباب والسنية لا للوجوب بدليل ما ورد في الرواية الأخرى «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوْتِرْ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» (1) وإن كان الحديث ضعفه بعض أهل العلم، لكن جمهور أهل العلم حملوا الأمر على الاستحباب لا الوجوب.
وقولنا بالاستحباب هنا ليس معناه أنه يجوز له أن يستجمر بأقل من ثلاث مسحات كما سيأتي بيانه وإنما المراد به أن يقطع الاستجمار على وتر فإن مسح ثلاثاً ثم احتاج إلى أكثر فإنه يجوز له أن يزيد رابعة لكن الأفضل أن يجعلهن خمسا أو سبعا لقطع الاستجمار على وتر.
(1)
قوله «ثُمَّ يَسْتَنْجِيْ بِالْمَاءِ»
أي إذا استجمر بالحجارة فإنه يستحب أن يستنجي بالماء وذلك لأنه أكمل في التطهر، فالأحجار تزيل عين النجاسة فلا تباشرها اليد والماء يزيل ما بقي من النجاسة.
(2)
قوله «فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ»
حتى مع وجود الماء وأجمع المسلمون على جوازه وإجزائه بالحجارة، دليل ذلك حديث سلمان السابق وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - وفيه: «أَتَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْغَائِطَ فَأَمَرَنِيْ أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» 2.1 = في الاستنثار والاستجمار - رقم (237)
وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ (1). وَلا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسَحَاتٍ مُنَقِّيَةٍ (2)، - تنبيه: الأفضل الاستنجاء بالماء لأنه أبلغ في النظافة ولأنه كان من فعله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما ذكر عن بعض السلف القول بكراهية الاستنجاء به معللا لذلك بأن يده ستلوث بالنجاسة، والصحيح أن الأفضل الاستنجاء بالماء.
(1)
قوله «وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ»
مثل أن ينتشر الخارج على شيء من الصفحة، أو يمتد على الحشفة امتدادًا غير معتاد فلا يجزئ فيه إلا الماء، وتعليل ذلك أن الخارج هنا خرج عن حده المعتاد، فخرج عن حد الرخصة، ولأن الأصل وجوب إزالة النجاسة بالماء.
وذهب شيخ الإسلام (1) إلى أنه يجزئ الاستجمار ولو تعدى خارج الصفحتين؛ لعموم الأدلة ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك تقدير.
(2)
قوله «وَلا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسْحَاتٍ مُنْقِيَةٍ»
هذا هو المذهب 2، وبه قال الشافعي 3 وأكثر أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية 4 -رحمه الله-.
وذهب مالك 5 وأبو حنيفة 6 إلى عدم اشتراط المسح ثلاثًا، وإنما المشترط الإنقاء فمتى حصل الإنقاء أجزأ لأن الحكم يدور مع العلة.
والصحيح القول بعدم الإجزاء؛ لحديث سلمان الفارسي وفيه قوله «نَهَانَا =1
وَيَجُوْزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلَّ طَاهِرٍ يُنْقِي الْمَحَلَّ، إِلاَّ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ (1)، = رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ» (1) والنهي يقتضي عدم الوقوع في المنهي عنه، ولأن الغالب أن الإنقاء لا يحصل إلا بثلاث مسحات.
- تنبيه: هل يجزئ المسح بحجر واحد ثلاث مسحات، أم لا بد من ثلاثة أحجار؟
هذا محل خلاف بين أهل العلم، والراجح في ذلك أنه إذا كان الحجر ذا شعب، وله ثلاث اتجاهات، أو أكثر، فإنه يجزئ المسح به ثلاثًا؛ لأن العلة معلومة، وبه قال شيخنا (2) -رحمه الله-.
وذهب سماحة شيخنا ابن باز (3) -رحمه الله- إلى القول بأنه لا يجزئ بأقل من ثلاثة أحجار أخذًا بظاهر حديث سلمان السابق.
(1)
قوله «وَيَجُوْزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلَّ طَاهِرٍ يُنْقِي الْمَحَلَّ، إِلاَّ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ»
أما الروث والعظم فلحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجى بعظم أو روث وقال: «فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» 4، ولحديث ابن مسعود أيضًا أنه جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجرين وروثة، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» 5، أي نجس لكن إن استخدمهما هل يجزئه الاستنجاء بهما؟123
وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ (2)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
روايتان لأحمد (1): إحداهما لا يجزئ، والأخرى يجزئ، واختارها شيخ الإسلام (2) -رحمه الله-، وعللوا ذلك لأن النهي عن استعمالهما لا لكونهما لا ينقيان بل لكونهما زاد إخواننا من الجن ولذا أدى إلى إفسادهما.
ولعل الرواية الأولى هي الأرجح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «إِنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ بِعَظْمٍ وَقَالَ: إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» (3).
(2)
قوله «وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ»
أي كل ما كان محترمًا، فإنه لا يجوز الاستنجاء به، وذلك كطعام بني آدم وطعام دوابهم، وكذا كتب العلم الشرعية، وبالجملة كل ما فيه نفع وله حرمة في الحياة لا يجوز الاستجمار به.123
بَابُ الْوُضُوْءِ
(1). لا يَصِحُّ الْوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ (2)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، الشرح
(1)
قوله «بَابُ الْوُضُوْءِ»
الوضوء في اللغة مشتق من الوضاءة وهي الحسن، أما في الاصطلاح فمعناه: "الغسل والمسح لأعضاء مخصوصة على صفة مخصوصة"، وأضاف شيخنا رحمه الله لفظة "التعبد لله عز وجل" (1) في تعريفه، ولعل هذا أوجه وأولى.
والوُضوء بضم الواو هو اسم للفعل وهو المصدر، أما بالفتح الوَضوء فيكون اسمًا للماء الذي يتوضأ به.
واختلف فيه؛ هل هو خاص بهذه الأمة أم كان مشروعًا من قبل؟ فالذي اختاره شيخ الإسلام خصوصيته لهذه الأمة (2)، والصحيح أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، بل الذي اختصت به هو الغرة والتحجيل وهو قول شيخنا (3) رحمه الله.
(2)
قوله «لا يَصِحُّ الْوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ»
وذلك لأن العبادات مأمور بها، فلابد من النية، فهي شرط في جميع العبادات، فعليها يترتب صحة العمل وإجزاؤه وقبوله.123 أخرجه البخاري في باب بدء الوحي - رقم (1)، ومسلم في كتاب الإمارة - باب قوله - صلى الله عليه وسلم - إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال - رقم (1907) من حديث عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -.
.................................. -
تنبيهات
:
أولًا: هل يشرع النطق بالنية؟ اختلف الفقهاء في حكم التلفظ بالنية: فالحنفية 1 في المختار عندهم، والشافعية 2، والحنابلة 3 على أن التلفظ بها سنة ليوافق اللسان القلب.
لكن هل النطق بها يكون سرًّا أم جهرًا؟
فالحنابلة 4 على أن النطق بها يكون سرًّا، والشافعية 5 على أن النطق بها يكون جهرًا، وقال المالكية 6 بأن التلفظ بها يجوز والأولى تركه إلا الموسوس فيستحب له التلفظ بها.
والصواب من هذه الأقوال أنه لا يشرع التلفظ بها لا سرًّا ولا جهرا بل يكره، وهذا قول لبعض الحنفية 7 والحنابلة 8؛ لأنه لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل يدل على النطق بها، ولم يحفظ عنه ذلك، ولم يكن صحابته - رضي الله عنهم - ينطقون بها لا سرًّا ولا جهرًا، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 9 وسماحة شيخنا ابن باز 10 وشيخنا محمد بن صالح العثيمين 11 - رحمهم الله -.
ثُمَّ يَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ (1).
ثانيًا: يستحب تقديم النية على غسل اليدين؛
لأنه أول المسنونات، ويجب تقديمها على الوجه والمضمضة والاستنشاق؛ لأنه أول الواجبات، ويجب استصحاب حكمها إلى آخر الوضوء.
ثالثًا: معنى قول المؤلف «لا يصح الوضوء إلا بنية» أي يقصد بغسل الأعضاء رفع الحدث الذي يمنعه من الصلاة ونحوها، فإن كان قصده غسل الأعضاء من أجل التنظيف، أو من أجل التبريد لهذه الأعضاء فقط، لا بقصد رفع الحدث لم يرتفع حدثه بذلك.
(1)
قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ»
اختلفت الرواية في المذهب 1 في حكم التسمية في الوضوء، فالمذهب القول بالوجوب؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا صَلاةَ لِمَنْ لا وُضُوءَ لَهُ وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ» 2. والرواية الأخرى أنها سنة، وليست بواجبة، وهي الذي اختارها ابن قدامة 3 -رحمه الله- وقال: «ظاهر مذهب أحمد أن التسمية مسنونة في طهارة الأحداث كلها»، وبهذا قال مالك 4، والشافعي 5، وأبوحنيفة 6. قال الإمام أحمد -رحمه الله- : «لا يثبت فيها حديث، ولا أعلم فيها حديثًا له إسناد جيد» 7. =
وَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلاثًا (1)، =قلت: فمن صحح حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فإنها تكون عنده واجبة ولا يصح الوضوء إلا بها ومن لم يصححه فإنها لا تكون واجبة عنده، لكن الأفضل عندي أن يقولها احتياطًا فإن تركها ولو عمدًا صح وضوؤه.
ذكر بعض التنبيهات في التسمية
:
أولاً: من توضأ داخل الحمام
هل يشرع له التسمية؟
ذكرنا فيما سبق أن العلماء لهم قولان في التسمية؛ منهم من قال: بالوجوب، ومنهم من قال: بالاستحباب، فعلى قول من قال بالوجوب، فإنه يأتي بها، وتزول الكراهة لذكرها في الحمام؛ لأن الكراهة تزول عند الحاجة إلى التسمية، وهي مأمور بها عند أول الوضوء، فيسمي ويكمل وضوءه.
وعند من قال بالاستحباب، فإنه لا يأتي بها داخل الحمام لكراهة ذكر الله فيه، بل يسمي في قلبه وليس بلسانه.
ثانيًا: من نسي أول الوضوء ثم ذكرها في أثنائه؟ المذهب (1) أنها تسقط سهوًا، وقيل بأنها لا تسقط سهوًا وهي إحدى الروايتين في المذهب (2)، وعلى ذلك فإنه يبدأ وضوءه من جديد.
والصحيح أنه متى ذكرها أتى بها ولا إعادة لما توضأه ولو تركها جاهلا أو ناسيًا لا إعادة عليه ولو قلنا بالوجوب لأنه معذور بالجهل والنسيان.
(1)
قوله «وَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلاثًا»
هذا من سنن الوضوء، يعنى غسل الكفين ثلاثًا؛ دليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عثمان - رضي الله عنه - في وصفه لوضوء =12
.................................. = رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه «فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ» 1. وإن تحقق طهارتهما هل يأتي بالسنة فيغسل يديه؟ نعم، يأتي بها تحقيقًا للسنة.
- تنبيهات:
أولاً: إن كان المتوضئ قائمًا من نوم ليل فالمذهب 2 على أنه يجب غسلهما لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا فَإِنَّهُ لا يَدْرِيْ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» 3، فالأمر مقتضاه الوجوب ولا قرينة هنا تصرفه عنه إلى الإباحة وهذا هو الصحيح، لكن هل النوم هنا مطلق النوم أم نوم مخصوص؟ الصحيح أنه مختص بنوم الليل دون النهار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنَّهُ لا يَدْرِيْ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» والبيتوتة لا تكون إلا في الليل.
ثانيًا: إن بات ويده في جراب مثلا هل يلزمه غسلها؟ الصحيح وهو المذهب 4 وجوب ذلك؛ لأن الأمر هنا تعبدي.
ثالثًا: هل يشترط حين غسلها نية؟ الصحيح أنه يشترط لها نية، لكن هل يشترط لها تسمية؟ نقول: يستحب الإتيان بها 5.
ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلاثًا (1) رابعًا: هل غسل اليدين لمن قام من نوم ليل يكفي عن غسل الكفين ثلاثًا لمن أراد الوضوء؟ قولان لأهل العلم، ولكن الذي يظهر أن غسل اليدين لمن قام من نوم ليل يجزئه عن غسلهما قبل الوضوء، لكنه لا يجزئه عن غسل الكفين مع اليدين أثناء غسل اليدين.
(1)
قوله «ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلاثًا»
المضمضة معناها إدارة الماء في الفم ثم مجه، والاستنشاق هو إدخال الماء في الأنف وجذبه بالنفس إزالة لما فيه.
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد 1 في حكم المضمضة والاستنشاق: فقال مرة أنهما واجبان في الطهارة الصغرى والكبرى؛ لأنهما من الوجه، والوجه مأمور بغسله بغير خلاف، ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا غسلهما فيه، بل لم يثبت عن أحد ممن وصفوا وضوء - صلى الله عليه وسلم - أنه تركهما.
والرواية الثانية عنه: أن الاستنشاق وحده واجب؛ لورود الأمر به كما قال - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» 2.
والرواية الثالثة: أن المضمضة والاستتنشاق واجبان في الطهارة الكبرى دون الصغرى لأن الكبرى واجب فيها غسل كل ما أمكن غسله من الجسد، وهذا مذهب أبي حنيفة 3.
يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ أَوْ ثَلاثٍ (1)،
= وذهب جمهور أهل العلم (1) إلى أنهما سنة وليسا بواجب، والصحيح وجوبهما في الطهارتين الصغرى والكبرى.
أما قوله «ثَلاثًا» وهذا سنة في غسل جميع الأعضاء، عدا الرأس؛ فإنها تمسح مرة واحدة، وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين، ورجليه مرة، كما جاء ذلك في صحيحي البخاري ومسلم (2)، ولذا كان الأفضل أن ينوع الإنسان في وضوئه، فيغسل أعضاء وضوئه مرة، أو مرتين، أو ثلاثًا، وكل ذلك سنة.
(1)
قوله «يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ أَوْ ثَلاثٍ»
هذا هو بيان كيفية المضمضة والاستنشاق، وقد وردت فيه ثلاث كيفيات:
الأولى: ما ذكرها المؤلف أن يجمع بينهما بغرفة واحدة أي ثلاث غرفات.
الثانية: ثلاث مرات من غرفة واحدة لكل من المضمضة والاستنشاق، وهذه الكيفية ضعيفة.
الثالثة: أن يجعل للمضمضة ثلاث غرفات وللاستنشاق ثلاث غرفات، فيكون المجموع ستًّا، وهذه مع القول بجوازها، إلا أنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح، وقولنا بجوازها لأن الكيفية ليست بواجبة.12
ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاثًا (1)، مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ (2)، (1)
قوله «ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاثًا»
وهذا من فروض الوضوء لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (1) والواجب في غسل الوجه مرة واحدة تعم جميع الوجه، والزيادة عليها مستحب، لكن لا يزيد عن الثلاث، وكما ذكرنا أن الإنسان الأفضل له أن ينوع في وضوئه، فيغسل تارة مرة، وتارة مرتين، وتارة ثلاثًا، وإن خالف بين الأعضاء فجعل أحد الأعضاء مرة، والآخر مرتين، والآخر ثلاثًا، جاز له ذلك، وكله سنة، والوجه هو ما تحصل به المواجهة، أما حده فقد حدده المؤلف بقوله: (2)
قوله «مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ»
هذا هو حد الوجه المأمور بغسله، فهو من منابت الشعر، وقد حده بعض العلماء بأنه منحنى الجبهة من الرأس، وهذا هو مكان إنبات الشعر المعتاد، أما الأقرع 2 فيغسل الشعر النابت على الوجه ويجب غسل ما تحته إن كان يصف البشرة.
أما الأجلح 3، فيغسل من منحنى الجبهة من الرأس.
أما اللحيان فهما العظمان اللذان في أسفل الوجه النابت عليهما الأسنان، والذقن مجمع اللحيين، فإن كان في الذقن شعر طويل هل يغسل؟
قولان في المذهب 4؛ أصحهما القول بوجوب غسل ما استرسل من اللحيين=1
وَإِلَى أُصُوْلِ الأُذُنَيْنِ (1). وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ إِنْ كَانَتْ كَثِيْفَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ لَزِمَهُ غَسْلُهَا (2)، = والذقن، وهذا هو الأحوط والأولى، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَإِلَى أُصُوْلِ الأُذُنَيْنِ»
يعني به وتد الأذن، وحدده البعض بأنه البياض بين العارض والأذن وهذا من الوجه.
(2)
قوله «وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ إِنْ كَانَتْ كَثِيْفَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ لَزِمَهُ غَسْلُهَا»
لما كانت اللحية تشارك الوجه في معنى المواجهة جعل لها المؤلف حكماً خاصا بها.
و
اللحية إما كثيفة وإما خفيفة
، فالكثيفة هي التي تستر البشرة أي لا ترى البشرة من كثافتها، فتخليلها سنة، وبه قال الأئمة الثلاثة (2)، لكن اختلفت الرواية في
حكم غسل المسترسل من اللحية
؛ فالمشهور من المذهب وجوب غسله، وقيل: لا يجب غسله.
والصحيح وجوب غسل المسترسل من اللحية؛ لأن اللحية وإن طالت تحصل بها المواجهة، فهي داخلة في حد الوجه، وهذا هو قول شيخنا 3 -رحمه الله-.
أما اللحية التي تصف البشرة قال المؤلف -رحمه الله- «لَزِمَهُ غَسْلُهَا» بل وغسل ما تحتها؛ لأنه تبع لها، وهذا قول واحد في المذهب.
فالحاصل أن البشرة تأخذ حكم الظاهر إذا بدت في اللحية مع وجوب غسل اللحية كما ذكرنا.
أما في الطهارة الكبرى فيجب وصول الماء إلى ما تحت اللحية كثيفة كانت =12