وَالرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوْبُهُمْ (1)،
=الزكاة التي يحملها وإن كان عمله أكثر.
وقال الشافعية (1): لا يعطى العامل من الزكاة أكثر من ثمن الزكاة.
والصحيح من الأقوال: أنه يعطى قدر الأجرة مطلقاً كما سيذكر ذلك المؤلف رحمه الله قريباً.
الشروط المعتبرة في العاملين عليها:
(1) أن يكون مسلماً، فلا يستعمل عليها كافرٌ لأنها ولاية وفيها تعظيم للوالي.
(2) أن يكون عدلاً، أي ثقة، مأموناً لا يجور ولا يحابي في الجمع، ولا يحابي في القسمة.
(3) أن يكون فقيها في أمور الزكاة.
(4) أن يكون قادراً على العمل وضبطه على الوجه المعتبر.
(1)
قوله (وَالرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوْبُهُمْ)
هذا هو الصنف الرابع ممن يجب دفع الزكاة إليه وهم المؤلفة قلوبهم، وقد اختلف الفقهاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفاراً.
فقال المالكية 2، والحنابلة 3 يعطون ترغيباً في الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة من المسلمين والكفار.
وقال الحنفية 4، والشافعية 5 لا يعطى الكافر من الزكاة لا لتأليف قلبه=1
.................................. =ولا لغيره، وقد كان إعطاؤهم في صدر الإسلام في حال قلة المسلمين وكثرة عددهم، وقد أعز الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تأليف قلوب الكفار على الإسلام ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول صلى الله عليه وسلم، فعن عبيدة قال: جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نزرعها ونحرثها، فذكر الحديث في الإقطاع وإشهاد عمر رضي الله عنه عليه ومحوه إياه، قال: فقال عمر رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل وأن الله قد أعز الإسلام فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى الله عليكما إن رعيتما.. ) 1. والراجح من القولين: ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم، وأن حكمهم باق، وقد رجح هذا القول صاحب المغني 2، وأجاب على ما قاله الحنفية والشافعية بقوله: (ولنا على جواز الدفع إليهم قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وهذه الآية في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من المشركين والمسلمين، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم، وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة، ثلاثين بعيراً، ومخالفة كتاب الله=
وَهُمُ: السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ فِيْ عَشَائِرِهِمْ، الَّذِيْنَ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِمْ إِسْلامُهُمْ، أَوْ دَفْعُ شَرِّهِمْ، أَوْ قُوَّةُ إِيْمَانِهِمْ، أَوْ دَفْعُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ، أَوْ مَعُوْنَتُهُمْ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِهَا (1). =تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واطراحهما بلا حجة لا يجوز) (1). قلت: وفي وقتنا الحاضر ظهرت الحاجة له في الذين يسلمون حديثاً وتنقطع عنهم المعونات التي كانت تصرف لهم من أهليهم.
(1)
قوله (وَهُمُ: السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ فِيْ عَشَائِرِهِمْ، الَّذِيْنَ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِمْ إِسْلامُهُمْ، أَوْ دَفْعُ شَرِّهِمْ، أَوْ قُوَّةُ إِيْمَانِهِمْ، أَوْ دَفْعُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ، أَوْ مَعُوْنَتُهُمْ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِهَا) المؤلفة قلوبهم ضربان: كفار ومسلمون، وهم جميعاً سادة مطاعون في قومهم وعشائرهم.
و
الكفار ضربان
:
الأول: من يرجى إسلامه
، فيعطى لتميل نفسه إليه فيسلم، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية وادياً فيه إبل محملة، فقال صفوان هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
قلت: ويعرف من يرجى إسلامه ببعض القرائن منها: أن نعرف أنه يميل للمسلمين، أو أنه يطلب كتاباً أو ما شابه ذلك، فيعطى من الزكاة ما يتحقق تأليفه به.
الثاني: من يخشى شره
، ويرجى بعطيته كف شره، وكف غيره معه، فهذا يعطى.
أما المسلمون: فهم على أربعة أضرب:
الضرب
الأول: قوم من المسلمين لهم أصدقاء من الكفار
، فإن أعطوا رجي=1
.................................. =إسلام أصدقائهم، أو إخوانهم من الكفار، وحسن نياتهم، فيجوز إعطاؤهم كما أعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع حسن نياتهما وإسلامهما.
الضرب
الثاني: قوم من المسلمين سادات مطاعون في قومهم
يرجى بإعطائهم قوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد، فيعطون كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والطلقاء من أهل مكة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ.. ) (1).
الضرب
الثالث: قوم في طرف بلاد المسلمين
، إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين.
الضرب الرابع: وهم من ذكرهم المؤلف ممن يعطى من أجل معونتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع.
فكل هؤلاء يجوز دفع الزكاة إليهم لأنهم من المؤلفة قلوبهم.
وقول المؤلف (هُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ) يفهم منه أنه إذا كان غير سيد مطاع فلا يجوز دفع الزكاة إليه، والصحيح أنه يعطى إذا كان ممن يرجى إسلامه، وذلك لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن.
- فائدة: هذا الصنف أعني المؤلفة قلوبهم منهم من يعطى للحاجة إليه، كمن يعطى لكف شره، ومنهم من يعطى لحاجة نفسه، كمن يعطى لقوة إيمانه=1
الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمُ: الْمُكَاتَبُوْنَ، وَإِعْتَاقُ الرَّقِيْقِ (1). =ورجاء إسلامه.
(1)
قوله (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمُ: الْمُكَاتَبُوْنَ، وَإِعْتَاقُ الرَّقِيْقِ)
هذا هو الصنف الخامس ممن تجب له الزكاة، وهم ثلاثة أنواع:
الأول: المكاتبون: وهم الذين اشتروا أنفسهم من أسيادهم، فهؤلاء يعطون من الزكاة ليكونوا أحراراً، لكن كم يعطى المكاتب من الزكاة؟
نقول: يعطى بقدر ما يحصل به الوفاء، فمثلاً إذا كان عبدٌ اشترى نفسه من سيده بعشرين ألفاً نصفها بعد ستة أشهر، والباقي بعد الستة الأخرى فهنا يعطى ما يحصل به الوفاء الأول وهو عشرة آلاف، ثم بعد الستة الأخرى يعطى الباقي.
فالمهم أنه يدفع إليه جميع ما يحتاج إليه لوفاء كتابته، فإن لم يكن معه شيء جاز أن يدفع إليه جميعها، وإن كان معه شيء تمم له ما يتخلص به.
الثاني: إعتاق الرقيق
: وقد اختلفت الرواية عند الإمام أحمد 1 في جواز الإعتاق من الزكاة، فالرواية الأولى أنه يجوز صرف الزكاة في اعتاق الرقيق المسلم، وهذا هو قول المالكية 2 أيضاً.
والرواية الثانية 3 أنه لا يجوز، وهو قول الحنفية 4، والشافعية 5، وعللوا لذلك بأن هذا كدفع الزكاة إلى القن، والقن لا تدفع إليه الزكاة، ولأنه دفع إلى السيد في الحقيقة.
السَّادِسُ: الْغَارِمُوْنَ، وَهُمُ: الْمَدِيْنُوْنَ لإِصْلاحِ نُفُوْسِهِمْ فِيْ مُبَاحٍ، أَوْ لإِصْلاحٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ (1). =والصحيح: أن صرف الزكاة في إعتاق الرقيق المسلم جائز لعموم قوله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فيشمل المكاتب وغيره، وهذا هو اختيار الشيخين (1) - رحمهما الله -.
الثالث: فكاك الأسير
المسلم: فيجوز إعطاء الأسير من الزكاة لفكاكه من الأسر لأن في ذلك فك رقبة من الأسر، فهو كفك رقبة من الرق، ولأن في فكه إعزازاً للدين.
(1)
قوله (السَّادِسُ: الْغَارِمُوْنَ، وَهُمُ: الْمَدِيْنُوْنَ لإِصْلاحِ نُفُوْسِهِمْ فِيْ مُبَاحٍ، أَوْ لإِصْلاحٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ)
هذا هو الصنف السادس ممن يجب دفع الزكاة إليه، وهم الغارمون، والغارم هو المدين الذي تحمل ديناً في غير معصية الله ورسوله وتعذر عليه تسديده، فيعطى من الزكاة ما يسد به دينه، وهم نوعان:
الأول: غارم لإصلاح نفسه
.
الثاني: غارم لإصلاح ذات البين.
أما الأول: فقد عرفه المؤلف بقوله (وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح، فهذا يعطى من الزكاة لعجزه عن سداد ديونه، وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله لمدة سنة أو أكثر.
مثال ذلك: شخص عليه خمسون ألف ريال وراتبه ثلاثة آلاف ريال في الشهر، ومؤونته ومؤنة أولاده ثلاثة آلاف ريال، فهذا يعطى من الزكاة لأنه=1
..................................
=فقير بالنسبة للدين، فلا نعطيه لفقره لأن راتبه يكفيه، وإنما نعطيه لسداد دينه لعجزه عن الوفاء.
واشترط المؤلف لذلك بأن يكون الدين بسبب أمر مباح، فلا يجوز إعطاؤه إذا كان بسبب محرم.
والصواب في ذلك إن كان غرمه بسبب محرم ثم تاب إلى الله وصلح حاله فإننا نعطيه، وإن لم يتب فإنه لا يعطى لأن في إعطاءه إعانة على المحرم.
الثاني: الغارم في إصلاح ذات البين.
مثاله: كانت هناك عداوة وفتنة بين جماعتين فدخل زيد للإصلاح بينهم، لكن لا يتمكن من الصلح بينهم إلا ببذل مال فيقول أنا ألتزم لكل واحد منكما بمبلغ وقدره كذا من أجل الصلح، فيوافقون على ذلك.
فهذا الرجل يعطى من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، فيعطى هذا المبلغ الذي اشترطه على نفسه.
-
فائدة: إذا وفى الرجل من ماله هل يعطى من الزكاة؟ نقول: إذا وفى الرجل من ماله بنية الرجوع على أهل الزكاة فإنه يعطى ما دفعه للإصلاح، أما إذا كان خرج منه على سبيل القربة لله تعالى، أو لم يكن بباله الرجوع على أهل الزكاة فإنه لا يعطى لأنه أخرجه لله، فلا يجوز الرجوع فيه.
فائدة: الغارم للإصلاح يعطى من الزكاة ولو كان غنيا
ً لأننا إنما نعطيه من أجل الحاجة إليه، ومن أعطي للحاجة إليه فإنه لا يشترط أن يكون فقيراً.
السَّابِعُ: فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَهُمُ: الْغُزَاةُ الَّذِيْنَ لا دِيْوَانَ لَهُمْ (1). (1)
قوله (السَّابِعُ: فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَهُمُ: الْغُزَاةُ الَّذِيْنَ لا دِيْوَانَ لَهُمْ)
هذا هو الصنف السابع، وهم الغزاة في سبيل الله الذين لا ديوان لهم، أي ليس لهم نصيب من بيت المال على غزوهم، بل هم متطوعون، فهؤلاء يعطون لدفع حاجتهم، وللحاجة إليهم، ما يكفيهم لجهادهم.
أما العساكر الذين لهم رواتب من الدولة فهؤلاء لا يعطون من الزكاة، اللهم إلا إذا كان الراتب لا يكفيهم، فإنهم يعطون لفقرهم وحاجتهم.
- فائدة: حدد المؤلف هنا (في سبيل الله) بقوله: وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم، ولكن هذا التحديد فيه نظر، والصواب أن الجهاد في سبيل الله يشمل كل ما يعين الغزاة، من أسلحة، وبناء أسوار لحماية البلاد من العدو، وآلات الحرب، وبناء المراكب الحربية، وبالجملة كل ما يعم الغزاة وما يحتاجون إليه من سلاح فهو داخل في سبيل الله.
- فائدة: هل يعطى من يريد الحج من الزكاة؟
الجواب: ذهب الجمهور 1 إلى عدم جواز إعطاء من يريد الحج أو العمرة من الزكاة، وذهب الإمام أحمد 2 في رواية عنه وهي المذهب، واختارها شيخ الإسلام 3 إلى أن الحج من سبيل الله، فيجوز صرف الزكاة فيه.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول ابن قدامة 4 في المغني.
لكن لو أعطي لفقره وحج منه فلا بأس بذلك.
الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيْلِ، وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فِيْ بَلَدِهِ (1). (1)
قوله (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيْلِ، وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فِيْ بَلَدِهِ)
هذا هو الصنف الثامن وهو الأخير ممن تجب له الزكاة، وهو ابن السبيل الذين ينتقلون من بلادهم إلى بلاد فينقطعون في الطريق، إما لذهاب نفقتهم في الطريق إذا طال السفر عليهم، أو لأن عدوًا من قطاع الطريق أخذهم وأخذ أموالهم، أو لأسباب أخرى، فهؤلاء يعطون من الزكاة ما يوصلهم إلى بلادهم ولو كانوا فيها أغنياء لأنهم ليس عندهم ما يقوم بحالهم.
وهناك شروط وضعها الفقهاء لإعطاء ابن السبيل من الزكاة وهي:
1 كونه مسلماً؛ فلا يعطى الكافر منها، وقد سبق بيان ذلك.
2 أن لا يكون من آل البيت، ولكن يعطى من صدقة التطوع.
(3) أن لا يكون بيده في الحال ما يتمكن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنياً فيها.
(4) أن لا يكون سفره لمعصية لأنه إعانة عليها.
- فائدة: هل يشترط عدم وجود من يقرضه؟ نقول: اشترط ذلك المالكية (1)، والصواب أنه لا يشترط ذلك لأن الآية عامة، وتخصيص ذلك بإيجاد المقرض يحتاج إلى دليل، وهذا هو قول سماحة شيخنا بن باز (2) رحمه الله.
فَهَؤُلاءِ أَهْلُ الزَّكَاةِ (1)، لا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ (2)، وَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (3). (1)
قوله (فَهَؤُلاءِ أَهْلُ الزَّكَاةِ)
الضمير يعود على الأصناف الثمانية التي ذكرها.
(2)
قوله (لا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ)
لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (1)، فهؤلاء ثمانية أصناف على سبيل الحصر لا يجوز أن تصرف إلى غيرهم لأن الحصر يقتضي إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمن سواه.
وعلى ذلك لا تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في بناء المدارس، ولا في إصلاح الطرق ولا غيرها، وما ذهب إليه بعض المتأخرين من جواز صرفها في المشاريع الخيرية هو قول مرجوح لأنه يخالف ما دلت عليه الآية، ويخالف ما عليه أكثر أهل العلم.
(3)
قوله (وَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ)
أي يجوز أن تصرف الزكاة إلى واحد من الأصناف الثمانية، وهذا هو قول الجمهور (2)، أي لا يجب أن تعمم الزكاة على الأصناف الثمانية سواء كان المال كثيراً أم قليلاً.
و
دليل ذلك
ما سيذكره المؤلف.
وذهب الشافعية 3، وهو رواية في مذهب أحمد 4 إلى أنه يجب التعميم، وإعطاء كل صنف من الأصناف الثمانية الثمن من الزكاة المجتمعة.12
لأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بَنِيْ زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ (1)
=واستدلوا لذلك بالآية نفسها ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قالوا بأن الله أضاف الزكاة إليهم بلام التمليك، وأشرك بينهم بواو التشريك، فدل على أنها مملوكة لهم، مشتركة بينهم.
وذهب المالكية (1) إلى أنه يندب أي التعميم خروجاً من الخلاف، وفي إحدى الروايات عن الإمام أحمد (2) أنه يستحب التعميم.
والصحيح من الأقوال هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم إيجاب التعميم للأدلة المذكورة عند المؤلف وغيرها.
أما قول من أوجب التعميم بأن (الواو) تدل على وجوب التعميم فهذا غير صواب، بل الواو هنا لبيان المستحقين لا لوجوب التعميم.
فائدة: إذا كانت الزكاة قليلة فصرفها في أسرة واحدة محتاجة فهذا أولى وأفضل من توزيعها على أسر كثيرة، لأن توزيعها على الأسر الكثيرة يقلل نفعها.
(1)
قوله (لأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بَنِيْ زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ)
هذا الحديث له قصة، وهي أن سلمة بن صخر، ويقال له أيضاً: سلمان بن صخر، وهو صحابي أنصاري قد ظاهر من امرأته ظهاراً مؤقتاً في شهر رمضان، أي قال لها أنتِ عليّ كظهر أمي حتى ينسلخ رمضان، فلم يلبث حتى جامعها فيه، قبل أن يمضي فلما أصبح غدا على قومه فأخبرهم بأمره، =12
وَقَالَ لِقَبِيْصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيْصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا (1)، =وطلب منهم أن يذهبوا معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بأمره، فقالوا: لا والله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها، وقالوا له: اذهب أنت فأخبره، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بأمره، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة، فقال: سلمان بن صخر: لا أجدها، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكيناً، فقال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشى ما لنا عشاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك، قال سلمة رضي الله عنه: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ، فدفعوها إليّ) (1).
(1)
وقوله (وَقَالَ لِقَبِيْصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيْصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا)
هذا أيضاً حديث احتج به المؤلف في جواز إعطاء الزكاة لفرد واحد، وقصة هذا الحديث أن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا قَالَ ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ=1
وَيُدْفَعُ إِلَى الْفَقِيْرِ، وَالْمِسْكِيْنِ مَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ، وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ، وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ، وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ، وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ، وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ (1). =لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) (1).
(1)
قوله (وَيُدْفَعُ إِلَى الْفَقِيْرِ، وَالْمِسْكِيْنِ مَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ... ) سيذكر المؤلف هنا القدر الذي يعطى للأصناف الثمانية الذين تجب لهم الزكاة، فذكر أولاً ما يدفع للفقير والمسكين، وقد اختلف الفقهاء في القدر الذي يدفع إلى الفقير والمسكين. فالجمهور 2 على أن الواحد من الفقراء والمساكين يعطى من الزكاة الكفاية أو إتمامها له ولمن يعوله عاماً كاملاً ولا يزاد عليه، وحددوها بالعام لأن الزكاة تتكرر كل عام، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر لأهله قوت سنة، وإن كان يملك أو يحصل له بعض الكفاية أعطي تمام الكفاية لعام.
وفي رواية للإمام أحمد 3، وهي أيضاً قول منصوص عليه عند الشافعية 4 إلى أن الفقير والمسكين يعطيان ما يخرجهما من الفاقة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام.
وذهب الحنفية 5 إلى أن من لا يملك نصاباً زكوياً كاملاً يجوز أن يدفع إليه أقل من مائتي درهم أو تمامها، ويكره أكثر من ذلك.1
وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ (1)، وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ (2)، =والصحيح ما ذهب إليه الجمهور فيعطى الفقير والمسكين قدر كفايته سنة كاملة، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز (1) رحمه الله.
(1)
قوله (وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ)
سبق بيان القدر الذي يعطاه العامل على الزكاة وقلنا: اختلف الفقهاء في القدر الذي يعطاه العامل على الزكاة، فالحنفية (2) على أنه يعطى بقدر عمله، فيعطى ما يسعه ويسع أعوانه غير مقدر بالثمن، ولا يزاد على نصف الزكاة التي يجمعها وإن كان عمله أكثر.
وقال الشافعية (3)، والحنابلة (4) الإمام مخير بين أن يستأجر العامل إجارة صحيحة، إما مدة معلومة أو على معلوم، وبين أن يجعل له جعلاً معلوماً على عمله.
والصواب: أنه يعطى على قدر عمله وتعبه على ما يراه ولي الأمر، وهذا ما ذكره سماحة شيخنا ابن باز (5) رحمه الله.
(2)
قوله (وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ)
أي ويعطى المؤلفة قلوبهم من الزكاة ما يحصل به تأليفهم.
وقد ذكرنا أقوال الفقهاء في المؤلفة قلوبهم، وبينا أن الراجح من أقوالهم أن حكمهم باق، وأنهم يعطون من الزكاة.12345
وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ (1)، وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ (2)، وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ (3)، وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ لا يَأْخُذُوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ، وَهُمُ: الْفَقِيْرُ، وَالْمِسْكِيْنُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ، وَابنُ سَبِيْلٍ (4). (1)
قوله (وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ)
أي ويعطى المكاتب والغارم من الزكاة ما يقضي به دينه، فيعطى المكاتب الذي اشترى نفسه من سيده ليكون حراً ما تحصل به الحرية، وقد ذكرنا ذلك سابقاً، وقلنا بأنه يعطى ما يحصل به الوفاء ليعتق، وكذلك الغارم وهو الذي تحمل ديناً تعذر عليه سداده فيعطى من الزكاة ما يسد به دينه، وقد سبق بيان ذلك أيضاً.
(2)
قوله (وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ)
أي ويعطى الغزاة في سبيل الله ما يحتاج إليه من متاع أو نقود أو سلاح وغير ذلك مما يعينه على غزوه، ويحصل به إعداد القوة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ... ﴾ (1). وقد سبق بيان ذلك مفصلاً عند ذكر الأصناف الثمانية التي تدفع لهم الزكاة.
(3)
قوله (وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ)
أي ويعطى ابن السبيل من الزكاة ما يحصل به اندفاع حاجته فيعطى منها القدر الذي يوصله إلى بلده لا يزاد على ذلك، وقد سبق بيان ذلك مع ذكر الشروط المعتبرة في ابن السبيل.
(4)
قوله (وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ لا يَأْخُذُوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ، وَهُمُ: الْفَقِيْرُ، وَالْمِسْكِيْنُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ، وَابنُ سَبِيْلٍ)
إنما أعطي هؤلاء الخمسة من=1
وَأَرْبَعَةٌ يَجُوْزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مَعَ الْغِنَى، وَهُمُ: الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَازِيْ، وَالْغَارِمُ لإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (1). =أجل الحاجة، أي من أجل حاجتهم هم لا من أجل الحاجة إليهم، فمع عدم الحاجة لا يعطون من الزكاة لأنهم حينئذٍ يكونون ليسوا من أهل الزكاة.
(1)
قوله (وَأَرْبَعَةٌ يَجُوْزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مَعَ الْغِنَى، وَهُمُ: الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَازِيْ، وَالْغَارِمُ لإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ)
نقول من تدفع لهم الزكاة على قسمين:
القسم الأول: من تدفع إليهم لحاجتهم، وهم المذكورون أولاً، وهم الفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل، فهؤلاء كما ذكرنا يعطون على قدر كفايتهم وإن أخذوها ملكوها.
القسم الثاني: ما ذكره المؤلف هنا، وهم العامل على الزكاة، والمؤلف، والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين، فهؤلاء يعطون من الزكاة وإن كانوا أغنياء تشجيعاً لهم، ويعطون منها ما يحصل به المقصود.
بَابُ مَنْ لا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ
(1). لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ (2)، وَلا تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ: بَنُوْ هَاشِمٍ وَمَوَالِيْهِمْ (3). (1)
قوله (بَابُ مَنْ لا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ)
هذا الباب في بيان الموانع التي تمنع من استحقاق الزكاة.
(2)
قوله (لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ)
دليل ذلك
ما رواه أحمد وغيره عن عبيد بن عدي (أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ وَرَأَىهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) (1). وهنا بعض الفوائد:
الأولى: في قوله صلى الله عليه وسلم (إن شئتما أعطيتكما) هذا ما ينبغي قوله لمن كان غنياً، أو قوياً مكتسباً عند طلبهما من الأخذ من الزكاة، أما نهرهما وإغلاظ القول لهما فهذا لا ينبغي بل أعظم زجر لهما هو ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم لهما.
الثانية: من كان قوياً مكتسباً ويريد أن يتفرغ لطلب العلم، فإنه يعطى منها لأنه نوع من الجهاد في سبيل الله.
الثالثة: الرجل قد يكون قوياً ولكنه أخرق لا كسب له فتحل له الزكاة.
(3)
قوله (وَلا تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ: بَنُوْ هَاشِمٍ وَمَوَالِيْهِمْ)
المراد ببني هاشم
(آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث)، فلا تحل لبني هاشم، قال ابن قدامة 2 لا نعلم خلافاً من أن بني هاشم لا تحل لهم=1
.................................. =الصدقة المفروضة.
دليل ذلك
ما رواه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي من أوساخ الناس) 1. وقوله صلى الله عليه وسلم للحسين بن علي رضي الله عنهما: «كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) 2. لكن ينبغي أن يكون ذلك إذا كان بنو هاشم يأخذون الخمس من بيت مال المسلمين، أما عند عدمه وكونهم فقراء فإنهم يأخذون منها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 3، واختاره شيخنا 4 رحمه الله.
- فائدة (1): اختلف الفقهاء في جواز دفع زكاة الهاشمي إلى هاشمي، والصحيح في ذلك التفصيل في هذه المسألة:
أولاً: إذا كان هناك بيت مال للمسلمين ويعطون من الخمس فلا يجوز دفع الزكاة إليهم لقوله صلى الله عليه وسلم (.. إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ.. ) 5، والهاشميون من الناس فلا تحل لهم.
ثانياً: أن يكون الهاشمي فقيراً محتاجاً وليس له نصيب من بيت مال المسلمين كما هو الشأن في وقتنا هذا في كثير من بلاد المسلمين، فلا يوجد من ينقذ هؤلاء من الجوع، فهنا تكون زكاة الهاشمي لهاشمي مثله أولى من زكاة غير الهاشمي.
..................................
- فائدة (2): هل يعطى الهاشمي من صدقة التطوع؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
قال ابن قدامة 1 رحمه الله: (فأما النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونفلها).
أما آل النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذهب جمهور الفقهاء، وهو اختيار الشيخين 2 رحمهما الله إلى جواز إعطائهم من صدقة التطوع، وهذا هو الصحيح.
- فائدة 3: هل بنو المطلب يأخذون حكم بني هاشم في منعهم من أخذ الزكاة؟ اختلف الفقهاء في إلحاق بني المطلب ببني هاشم في منعهم من الزكاة، فالشافعية (3)، وهو المذهب عند الحنابلة 4 أنه ليس لهم الأخذ من الزكاة مثل بني هاشم لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) 5. وذهب الحنفية 6 وهو رواية في مذهب أحمد 7، واختاره شيخنا 8 رحمه الله أنه يجوز دفع الزكاة لبني المطلب، وقالوا قوله صلى الله عليه وسلم (أن الصدقة لا تنبغي لآل محمد) يجب أن يختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم لأن بني هاشم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف، وهم آل النبي صلى الله عليه وسلم.
وَلا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا (1)، =والذي يظهر والله أعلم أنه لا يجوز دفع الزكاة لبني المطلب وذلك لصحة الخبر الوارد في ذلك، فهو حجة في محل النزاع.
قوله (وَمَوَالِيْهِمْ)
وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم، أي كذلك لا يعطون من الزكاة، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمولاه رافع (إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم من أنفسهم) (1). (1)
قوله (وَلا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا)
المراد بالوالدين الأب والأم.
قال ابن المنذر 2: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين، وعلل الفقهاء بمنع الزكاة لهم بأن الولد وماله ملك لأبيه، فالواجب عليه النفقة عليهما، فإذا دفع الزكاة إليهم فكأنه دفعها إلى نفسه.
وقالوا أيضاً لأن دفع زكاته إليهم يغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه فيعود نفعها إليه.
وقوله (وإن علوا) يعني آبائهما وأمهاتهما من يرث منهم ومن لا يرث، فالأصل والفرع تجب النفقة عليهم بكل حال وارثين أم غير وارثين.
قلت: وقد أجاز شيخ الإسلام 3 دفع الزكاة إلى الأبوين وإن علو، وإلى الولد وإن سَفَلَ إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، وهذا إحدى الروايتين في مذهب الإمام أحمد 4، وهو قول شيخنا 5 رحمه الله.1
وَلا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ (1)، وَلا إِلَى الزَّوْجَةِ (2)، =والذي أرجحه عدم جواز إعطاء الأبوين من الزكاة مطلقاً، وإنما يعطيهم من ماله إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
(1)
قوله (وَلا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ)
أي لا يجوز دفع الزكاة إلى الفرع وإن سفل، أي وإن نزلت درجته من أولاد البنين أو أولاد البنات لوارث وغيره.
(2)
قوله (وَلا إِلَى الزَّوْجَةِ)
أما الزوج فلا يجوز له أن يعطي الزوجة من زكاة ماله بالإجماع، لأن النفقة عليها واجبة عليه، ونقل الإجماع على ذلك صاحب المغني 1.
أما إعطاء الزوجة الزوج من زكاة مالها فقد اختلفت الرواية في المذهب 2 في ذلك؛ ففي الرواية الأولى: لا يجوز دفعها إليه، وهذا مذهب أبي حنيفة 3 وقول مالك 4 لأنه أحد الزوجين فلم يجز دفع الزكاة إليه كالآخر، ولأنها تنتفع بدفعها إليه لأنه إن كان عاجزاً عن الإنفاق عليها تمكن بأخذ الزكاة من الإنفاق، فإذا انفق عليها من هذا المال فكأنما عاد مالها إليها.
والرواية الثانية في المذهب 5 يجوز دفع المرأة من زكاتها إلى زوجها، وهو مذهب الشافعي 6، وهذا هو الصواب، ودليل ذلك حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إنك أمرت بالصدقة، =
وَلا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَلا إِلَى رَقِيْقٍ (1)، =وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) (1). ولأنه تجب نفقته فلم يمنع من دفع الزكاة إليه كالأجنبي، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا رحمه الله (2).
(1)
قوله (وَلا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَلا إِلَى رَقِيْقٍ)
أي لا يجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه مؤنته كأخيه وأخته، وابن أخيه، وخالته، وسائر أقاربه ممن لا يكون هناك من يرعاهم وينظر إلى حوائجهم، فهؤلاء تجب نفقته عليهم، وعلى ذلك لا يجوز صرف الزكاة إليهم.
واختلفت الرواية في المذهب 3 في هذه المسألة: أعني صرف الزكاة إلى من تلزمه مؤنته غير الأبوين والولد:
فالرواية الأولى عن الأمام أحمد، وهي ما عليها قول أكثر أهل العلم جواز دفع الزكاة إليهم لقوله صلى الله عليه وسلم (الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) 4. فلم يشترط نافلة ولا فريضة.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يجوز دفعها إلى الموروث منهم، لأن على الوارث مئونة الموروث، فإذا دفع إليه الزكاة أغناه عن مؤنته، فيعود=12
وَلا إِلَى كَافِرٍ (1).
فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى هَؤُلاِءِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ (2)،
=نفع الزكاة إليه، فلم يجز كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها.
أما الحديث فيحتمل أن يكون في صدقة التطوع.
قوله (وَلا إِلَى رَقِيْقٍ) أي لا يجوز دفع الزكاة إلى الرقيق لأنه لا يملك مالاً، فإذا دفع الزكاة إليه انتقلت إلى سيده، ونفقة الرقيق تجب على السيد.
- فائدة: هل يجوز صرف الزكاة للعاملين في المؤسسات إذا كانوا من أهل الحاجات وجنسياتهم من خارج المملكة؟.
الجواب: نعم يجوز دفع الزكاة للفقراء المسلمين منهم وإن كانوا غير سعوديين، ولا تعتبر من مكافأتهم وجوائزهم التي جرى العرف بإعطائهم، ولا يقصد منها تنشيطهم في العمل في المؤسسة لتستفيد من ورائهم زيادة في العمل والربح (1).
(1)
قوله (وَلا إِلَى كَافِرٍ)
الكفار على قسمين: مؤلف وغير مؤلف.
أما المؤلفة قلوبهم فقد سبق ذكرهم، وبيّنا جواز دفع الزكاة إليهم، أما غير المؤلفة قلوبهم فلا يجوز دفع الزكاة إليهم لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (2).
(2)
قوله (فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى هَؤُلاِءِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ)
الصدقة منها ما هو فريضة، ومنها ما هو تطوع، فالفريضة لا يجوز صرفها إلا لمن عينه الله تعالى في كتابه، وهم الأصناف الثمانية الذين سبق بيانهم، أما=12
وَلا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ (1)، إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَهَا الإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا (2). =صدقة التطوع فالأمر فيها واسع، فيجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع الزكاة إليه وإلى غيرهم، لكن الأقربين أولى بالمعروف، فالصدقة على ذوي الرحم ثنتان كما ذكرنا صدقة وصلة.
(1)
قوله (وَلا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ)
أي ويشترط عند دفع الزكاة النية، فيقصد المزكي أن ما يخرجه هو الزكاة الواجبة عليه، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.. ) (1). (2)
قوله (إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَهَا الإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا)
أي متى أخذ الإمام أو نوابه الزكاة ممن امتنع عن أدائها قهراً فإنه في هذه الحالة لا يشترط النية من المزكي، لكن هل تجزيء عنه؟
اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الشافعية 2، وهو قول عند الحنابلة 3 إلى أن أخذ الإمام أو نوابه الزكاة من الممتنع قهراً يكفي فيه نية الإمام عند التفريق أو الأخذ لأنه الإمام وله ولايه على المالك، أما المالكية فقالوا بإجزائها ظاهراً وباطناً.
وذهب بعض الحنابلة 4 إلى أن الإمام إن أخذها قهراً فقد أجزأت ظاهراً فلا يطالب بها ولا تجزيء باطناً لأنها عبادة لا تجزيء عمن وجبت عليه بغير نية كالصلاة، وأخذا الإمام لها يسقط المطالبة بها لا غير.
ولعل هذا هو الصواب والله أعلم.1
وَإِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تَجْزِهِ (1)، إِلاَّ الْغَنِيَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيْرًا (2). -
فائدة (1): لا تغني الضريبة عن الزكاة
ولو كانت تؤخذ منه قهراً.
- فائدة (2): إذا كان العمال الذين يرسلهم الحاكم لا يأخذون الزكاة كاملة مثلاً يأخذ خمسة آلاف، والواجب إخراجه عشرة آلاف، فلا يكفي ما أخذ العامل في إخراج الزكاة بل عليه أن يخرج الباقي عليه.
(1)
قوله (وَإِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تَجْزِهِ)
أي إذا دفع الزكاة إلى غير المستحقين الثمانية الذين ذكر الله تعالى فإنها لا تجزئه لأنه يعد بذلك متلاعباً بأحكام الشرع، اللهم إلا إذا دفعها إلى من يظن أنه أهل للزكاة بعد التحري، فبان أنه من غير أهلها فهذا الأقرب أنها تجزئه بخلاف ما ذكر المؤلف من عدم الإجزاء.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (1)، فهذا المزكي اتقى الله ما استطاع ولأن العبرة في العبادات بما في ظن المكلف بخلاف المعاملات فالعبرة بما في نفس الآمر.
فالصواب هنا أنه إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقيها بعد إفراغ الوسع والاجتهاد والتحري، وبنى على غلبة ظنه فإنها تجزئه بخلاف ما إذا دفعها من غير تحرٍّ ولا اجتهاد، ولا غلبة ظن فإنها لا تجزئه.
وهذا عام في الأصناف كلها، وهذا هو اختيار شيخنا رحمه الله (2).
(2)
قوله (إِلاَّ الْغَنِيَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيْرًا)
هذا مستثنى من الكلام السابق، أي إذا دفع الزكاة إلى من يظنه فقيراً ثم بان غنياً فهنا تجزئه، وعلل لذلك الفقهاء بقولهم=12
.................................. =بأن الفقر والغنى يعسر الاطلاع عليهما، والمعرفة بحقيقتهما، قال الله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ﴾ 1. فاكتفى بظهور الفقر ودعواه، بخلاف غيره.