وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 267-283

وَلا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَهُمُ اليَهُوْدُ وَمَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ، وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِالإِنْجِيْلِ، وَالْمَجُوْسُ إِذَا التَزَمُوْا أَدَاءَ الجِزْيَةِ وَأَحْكَامَ الْمِلَّةِ 1،  =وقد أجمع المسلمون في الجملة على جواز أخذ الجزية.
وأما المعقول فهو أن الذمي يتمتع بحماية الدولة من أيِّ عدوان خارجي أو داخلي، ويُعفى من الخدمة العسكرية، فلابد من دفع ضريبة مقابل تلك الحماية ومقابل استقراره في دار الإسلام وحقن دمه والكفِّ عن قتاله.

(1)

قوله «وَلا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَهُمُ اليَهُوْدُ وَمَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ، وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِالإِنْجِيْلِ، وَالْمَجُوْسُ إِذَا التَزَمُوْا أَدَاءَ الجِزْيَةِ وَأَحْكَامَ الْمِلَّةِ»:

أي إن الجزية لا تؤخذ إلا من كتابي أو مجوسي.
والمراد بالكتابي: اليهودي، والنصراني، والمراد بالكتاب: «التوراة» المنَزلة على موسى، و «الإنجيل» المنَزل على عيسى - عليهما الصلاة والسلام -. ودليل ذلك الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (1). فقوله: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية، بيان للذين في قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
وأما المجوس فهم عَبَدَة النيران، القائلون إن للعالم أصلين: نوراً وظلمة، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد.

..................................  والدليل على أخذ الجزية منهم، حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» 1، وهَجَرُ بالتحريك: اسم بلد معروف بالبحرين.
ويشهد له حديث عمرو بن عوف الأنصاري -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَينِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا» 2. وما ذكره المصنف من أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس هو المذهب 3، وهو قول الشافعية 4، وابن حزم الظاهري 5، فلا تؤخذ من غيرهم، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال، ودليل ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنه-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ» 6، فدلَّ على وجوب مقاتلة جميع الناس، وخصّ منهم أهل الكتاب بنص القرآن، والمجوس بالسنة، فيبقى سائر الكفار على عموم الحديث، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال.
القول الثانِي: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا عَبَدَة الأوثان من العرب، فلا تؤخذ منهم، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهو=

..................................  =قول الحنفية 1، ورواية عن أحمد 2، واستدلوا بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يأخذها منهم، ولأنهم أغلظ كفراً من غيرهم، لأنهم رهط النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونزل القرآن بلغتهم، فكانت المعجزة في حقهم أظهر.
القول الثالث: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وهذا قول المالكية 3، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية 4، وتلميذه ابن القيم 5، لحديث بريدة -رضي الله عنه- المتقدم وفيه: «وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ... فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَسَلهُمْ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ»، وهذا دليل على العموم.
ويدل لذلك أيضاً كون النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تقدم أخذها من مجوس هجر 6، مع أنهم ليسوا من أهل الكتاب فيدل على أنها تؤخذ من كل كافر، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنه إذا جاز أخذها من أهل الكتاب والمجوس، فغيرهم مثلهم، لأن المقصود إقرار الكافر على دينه على وجه معين أو مخصوص وهو حاصل لكل كافر، وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 7.

وَمَتَى طَلَبُوْا ذلِكَ، لَزِمَ إِجَابَتُهُمْ وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ (1). وَتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ فِيْ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ (2). مِنَ المُوْسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِمَّنْ دُوْنَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا (3)،  (1)

قوله «وَمَتَى طَلَبُوْا ذلِكَ، لَزِمَ إِجَابَتُهُمْ وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ»:

أي متى طلبوا منا أن يعطوا إلينا الجزية وأنهم ملتزمون بها، لزم إمام المسلمين قبول ذلك منهم وحرم عليه قتالهم لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾, فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتالهم.
(2)

قوله «وَتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ فِيْ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ»:

أي تؤخذ الجزية بداية كل عام، لأنه مال يتكرر بتكرر الحول فلا تجب إلا بأوله كالزكاة والدية.
(3)

قوله «مِنَ المُوْسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِمَّنْ دُوْنَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا»:

هذا هو القدر الواجب دفعه ممن تلزمه الجزية، وهو شيء زهيد مقابل ما يتمتع به الذمي من الحماية، فمقدارها ثمانية وأربعون درهماً على الغني، وأربعة وعشرون على المتوسط، واثنا عشر على الفقير، لأن عمر -رضي الله عنه- فعل هكذا بمحضر من الصحابة ولم يُنْكَر عليه، بل عمل به من بعده الخلفاء رضي الله عنهم، فصار إجماعاً.
وأما ما تقدم في حديث معاذ -رضي الله عنه- في بعثه إلى أهل اليمن: «خُذْ مِنْ كُلّ حَالِم دِينَاراً» فلأن الفقر كان في اليمن أغلب، فراعى النبي -صلى الله عليه وسلم- حالتهم.
والأظهر عندي، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- أن تقدير الجزية موكول إلى =

وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ، وَلا امْرَأَةٍ، وَلا شَيْخٍ فَانٍ، وَلا زَمِنٍ، وَلا أَعْمَى، وَلا عَبْدٍ (1)،  = رأي الإمام، واجتهاده، كما اجتهد عمر -رضي الله عنه-، وذلك لتغير الأحوال، بتغير الأزمان، فيرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة، وما يرضى به المعاهدون، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (1).

(1)

قوله «وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ، وَلا امْرَأَةٍ، وَلا شَيْخٍ فَانٍ، وَلا زَمِنٍ، وَلا أَعْمَى، وَلا عَبْدٍ»:

هؤلاء هم الأصناف الذين تسقط عنهم الجزية وهم الصبي، أو المرأة، أو زائل العقل، أو شيخٍ فانٍ - أي الضعيف -، أو الزمن - وهو من مرضه يدوم طويلاً -، أو أعمى، ونحوهم فلا جزية عليه، لأن الجزية تؤخذ لحقن الدم، وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها.
وعن نافع، عن أسلم مولى عمر أن عمر -رضي الله عنه- كتب إلى أمراء الأجناد: «أَنْ يَضْرِبُوا الجِزْيَةَ، ولا يَضْرِبُوها عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، ولا يَضْرِبُوها إِلا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيهِ المَوَاسِي» 2، يعني: من أنبت.
وعن معاذ -رضي الله عنه- قال: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى اليَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَاراً، أَو عِدْلَهُ مِنَ المَعَافِر ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» 3. =1

وَلا فَقِيْرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا (1). وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوْبِهَا، سَقَطَتْ عَنْهُ (2)، وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ (3)،  =فهذا دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكر دون الأنثى، لأن الحالم عبارة عن الرجل، كما أن فيه دليلاً على نوع التسامح الإسلامي في الجزية حيث أخذت قيمتها من صنائع أهل الذمة وأموالهم، كالثياب ونحوها.

(1)

قوله «وَلا فَقِيْرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا»:

أي لا تجب الجزية على فقير، لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (1)، ولأنه مال يجب بحول الحول، فلم يلزم الفقير، كالزكاة والعقل، واشترط المصنف في الفقير العجز عن الأداء، لأنه هو الذي يتعذر عليه، وتشمله الآية، فلو كان قادراً عليها ولو بصنعةٍ وجبت عليه، لأنه في حكم الأغنياء.
(2)

قوله «وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوْبِهَا، سَقَطَتْ عَنْهُ»:

أي إن من أسلم ممن لزمته الجزية بعد وجوبها عليه سقطت عنه الجزية، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (2)، ولأن الجزية صَغَارٌ فلا تجب عليه كالمسلم، ولأنها وجبت بسبب الكفر، فوجب أن يسقطها الإسلام، كالقتل.
(3)

قوله «وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ»:

أي فان مات من تلزمه الجزية بعد الحول لم تسقط عنه الجزية لأنه دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته كديون الآدميين، وقيل: أنها تسقط بالموت لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود، ولأنها تسقط بالإسلام فسقطت بالموت كما قبل الحول.12

وَمَنِ اتَّجَرَ مِنْهُمْ إِلى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ (1)،  (1)

قوله «وَمَنِ اتَّجَرَ مِنْهُمْ إِلى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ»:

أي ومن أتجر ممن يدفع الجزية إلى غير بلده بأن انتقل من بلد إلى آخر عندنا، أُخذ منه ضريبة تجارة بمقدار نصف العشر في المال الذي يتجرون به مرة في السنة، لما روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أمَرَنِي عُمَر آخُذُ مِنَ المُسلِمِينَ رُبعَ العُشرِ، وَمِن أهلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشرِ» 1. وقال الشافعي 2 ليس عليه إلا الجزية إلا أن يدخل أرض الحجاز فينظر في حاله، فإن كان لرسالة أو نقل ميرة أذن له بغير شيء، وإن كان لتجارة لا حاجة بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضاً بحسب ما يراه.
والصواب: هو ما ذهب إليه المؤلف لفعل عمر -رضي الله عنه-، وقد عمل الصحابة رضي الله عنهم بفعل عمر -رضي الله عنه- فيكون إجماعاً، قاله ابن قدامة 3، وإنما كان مرة في السنة، لأنه أشبه الزكاة والجزية، فلا يؤخذ إلا مرة في العام، وشرط ذلك بلوغ النصاب، وألا يكون على الذمي دين يستوعب هذا المال، فإن أثبته بالبينة لم يُعَشَّرْ.
وإنما أُخذ من الذمي نصف العشر، لأنه لا يؤخذ من أمواله شيء، سوى ما يؤخذ من أمواله التجارية التي ينتقل بها من بلد إلى بلد، أما أمواله في بلده=

وَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ، أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ (1)، وَمَنْ نَقَضَ العَهْدَ بِامْتِنَاعِهِ مِنِ التِزَامِ الجِزْيَةِ، أَوْ أَحْكامِ الْمِلَّةِ، أَوْ قِتَالِ المُسْلِمِيْنَ وَنَحْوِهِ، أَوِ الْهَرَبِ إِلى دَارِ الحَرْبِ، حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ (2)،  = وأمواله الباطنة كالذهب، والفضة، وزروعه، وسوائمه، فلا يؤخذ منها شيء، بخلاف المسلم فإنه يدفع زكاة جميع أمواله، وعلى هذا فما يؤخذ من الذمي أقل بكثير مما يؤخذ من المسلم.

(1)

قوله «وَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ، أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ»:

أي إن الحربي - وهو من يحمل جنسية الدولة الكافرة المحاربة للمسلمين - يؤخذ منه عشر المال الذي يتجر به إذا مر في بلدنا، وقال أبو حنيفة (1) لا يؤخذ منهم شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئاً فنأخذ منهم مثله.
والصواب: هو القول الأول لأن عمر -رضي الله عنه- أخذ من أهل الحرب العشر (2)، واشتهر فيما بين الصحابة والخلفاء بعده، فكان إجماعاً.

(2)

قوله «وَمَنْ نَقَضَ العَهْدَ بِامْتِنَاعِهِ مِنِ التِزَامِ الجِزْيَةِ، أَوْ أَحْكامِ الْمِلَّةِ، أَوْ قِتَالِ المُسْلِمِيْنَ وَنَحْوِهِ، أَوِ الْهَرَبِ إِلى دَارِ الحَرْبِ، حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ»:

لأنه عقد بشرط، فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد، كما لو امتنع من التزام الأحكام فإنه إذا امتنع منها وقد حكم بها حاكم أو من ترك الجزية انتقض عهده، وقد روي أن عمر -رضي الله عنه- رُفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال: «ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب=12

وَلا يَنْتَقِضْ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلادِهِ بِنَقْضِهِ (1)، إِلاَّ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إِلى دَارِ الحَرْبِ (2)،  =في بيت المقدس؛ ولأن فيه ضرراً على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية».

(1)

قوله «وَلا يَنْتَقِضْ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلادِهِ بِنَقْضِهِ» لان النقض وجد منه دونهم فاختص حكمه به

(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إِلى دَارِ الحَرْبِ»:

لأنهم صاروا بذلك حربيين مثله بانتقالهم إلى دار الحرب، وقيل: لا يباح سبي الذرية وإن ذهب بهم إلى دار الحرب لأن النقض إنما وجد منه دونهم.

فائدة: في ذكر بعض الأحكام المتعلقة بأهل الذمة

(1): هذه جملة من الأحكام المتعلقة بأهل الذمة والتي لم يذكرها المؤلف -رحمه الله- ذكرتها لأهميتها، فمن هذه الأحكام: 1 -

يلزم أهل الذمة أن يكونوا متميزين

عن المسلمين في الحياة وفي الممات.
أما في الممات فيلزم أن تكون قبورهم منفردة لا يقبرون مع المسلمين، حتى لو كان صبيّاً مات وأبواه كافران فإنه لا يجوز أن يدفن في مقابر المسلمين، بل يتميزون.
وكذلك في الحياة يجب أن يتميزوا عن المسلمين في المظهر والملبس والمركب؛ لئلا يغتر الناس بهم.
فمثلاً: في المظهر قال أهل العلم: يحلقون مقدم رؤوسهم، فتكون لهم قصة للشعر يتميزون بها عن غيرهم من المسلمين، وفي الملبس يشدون=1

..................................  = أوساطهم بالزِّنّار حتى يعرف أنهم من أهل الذمة.
وكذلك يجعل لهم علامة عند دخول الحمامات، فيجعل لهم جرس صغير أو طوق تطوق به أعناقهم، بشرط ألاّ يكون فيه الصليب، لأنهم يمنعون من إظهار الصليب، إذ إن الصليب شعار دينهم، فيمنعون من إظهاره.
وكذلك أيضاً في المراكب، لا يركبون الخيل أبداً، لأن الخيل هي مادة القتال والجهاد، وإنما يركبون الإبل والحمير، ولا يُسرجونها أي لا يجعلون عليها سَرْجاً، والسَّرج هو عبارة عن «الرحل المنمق المحسن»، بل يركبون بإكاف، وهو البردعة، وهي عبارة عن شيء كالمخدة مستطيل على طول ظهر الحمار، تربط عليه ثم يركب عليها لأنها لا تنبئ عن كبرياء أو شرف، أما السرج فمعروف أنه يكون له نقوش، ووشي، وأشياء تتدلى، ويكون حسناً.
ويجب أن يكون ركوبهم عرضاً ليس كركوب المسلمين، أي إذا ركب الإنسان الدابة يجعل إحدى رجليه عن اليمين والثانية عن اليسار، وهم يجعلون الأرجل إما على اليمين، وإما على اليسار جميعاً، ولا يجعل الرجل اليمنى على اليمين واليسرى على اليسار؛ بل يركبون عرضاً، هكذا جرت الشروط التي بينهم وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
وفي عهدنا الآن ليس هناك خيل، ولا حمير تركب وتستعمل؛ ولكن يوجد سيارات، فماذا يركبون من السيارات؟ =

..................................  =الجواب: 1 - أما الأشياء الفخمة فَيُمنعون منها؛ لأن هذا يدعو إلى شرفهم وسيادتهم وأن يشار إليهم بالأصابع.
ويحتمل أن يقال: إنهم منعوا من ركوب الخيل؛ لأنها مادة الحرب وآلة الحرب لا من أجل أن فيها الفخر وفيها الزينة، ولكن الأول أولى، أي أنهم يمنعون من ركوب الأشياء الفخمة قياساً على الخيل.

2 -

لا يجوز أن يكونوا في صدر المجلس بل في آخره،

هذا عند ابتداء الجلوس لا إشكال فيه، أي إذا دخل جماعة من المسلمين، ومعهم أحد من أهل الذمة، فإنه لا يمكن أن يتقدم أهل الذمة حتى يكونوا في صدر المجلس، لأن صدر المجلس إنما هو لأشراف القوم وأسيادهم، وهم ليسوا من أهل الشرف والسيادة.
لكن إذا كانوا في مجلس جالسين، ثم دخل جماعة من المسلمين هل يُقَامُون من صدر المجلس؟ الجواب: نعم إذا كان المجلس عاماً، أما إذا كان المجلس بيتاً لهم فهم في بيوتهم أحرار، وإن كان عامّاً فإنهم لا يصدرون في المجالس؛ لأن الإسلام هو الذي له الشرف، وهو الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

3 -

إذا أقبلوا فلا يقام لهم، لأن ذلك إكرام لهم،

ولو كان كبيراً، بأن كان وزيراً، أو كان رئيساً، لكن إذا لم يكن من أهل الذمة وقدم إلى بلد الإسلام فهل يقام له، لأنه من ذوي الشرف والجاه في قومه، ولأن ذلك مما جرت به العادة بين الناس ورؤساء الدول، أو لا يقام له؟ =

..................................  =الجواب: هذا محل نظر، وفرق بين هذه المسألة وبين مسألة أهل الذمة، لأن أهل الذمة تحت ولايتنا، ونحن لنا الولاية عليهم فلا يمكن أن نكرمهم بالقيام لهم.

4 -

لا يجوز أن نبدأهم بالسلام،

فإن سلموا وجب الرد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، فأمرنا أن نرد عليهم، أما البداءة فلا.
وهل يجوز أن نبدأهم بكيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ وما أشبه ذلك؟ الجواب: المذهب لا يجوز؛ لأن النهي عن بداءتهم بالسلام، لئلا نكرمهم بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»، فإذا قلنا: كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ كيف أنت؟ كيف حالك؟ فهذا نوع من الإكرام.
وقال شيخ الإسلام: يجوز أن نقول له كيف حالك؟ وكيف أصبحت؟ وكيف أنت؟؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما نهى عن بداءتهم بالسلام، والسلام يتضمن الإكرام والدعاء؛ لأنك إذا قلت: السلام عليك فأنت تدعو له، أما هذا فهو مجرد ترحيب وتحية.
وينبغي أن يقال: إذا كانوا يفعلون بنا مثل ذلك فلنفعله بهم، أو كان هذا لمصلحة كالتأليف لقلوبهم فلنفعله بهم، أو كان ذلك خوفاً من شرهم فلنفعله بهم.
فإذا قدر مثلاً أنك في شركة مديرها كافر، فإنك لو دخلت عليه لتراجعه=

..................................  =في شأن هذه الشركة ولم تسلم عليه، لكان في قلبه عليك شيء وربما يضرك، فإذا قلت: كيف أصبحت؟ كيف حالك؟ فهذا يزيل ما في قلبه من الضغينة وتَسلم من شره، ولا يدخل هذا في نهي الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن بداءتهم بالسلام.
وإذا سلموا فيجب علينا أن نرد عليهم بدلالة القرآن والسنة، ولكن هل نرد عليهم بقول: وعليكم؟ أو نرد عليهم بمثل ما سلموا؟ الجواب: نقول: لا يخلو السلام الذي ألقوه إلينا إما أن يكون صريحاً بقولهم: السلام عليكم، أو صريحاً بقولهم السام عليكم، أو غير صريح، لم يبيّنوا اللام ولم يحذفوها حذفاً واضحاً، فإن صرحوا بقولهم السلام عليكم كما يوجد الآن في الكفار الذين عندنا يقولون: السلام عليكم، صراحة؛ لأن ألسنتهم أعجمية فهم يتعلمون السلام تلقيناً فتجده يقول: السلام عليكم بصراحة، فهنا لنا أن نرد عليهم ونقول: عليكم السلام، ولنا أن نقول: وعليكم، وإن صرحوا بقولهم: السام عليكم فإننا نقول: عليكم السام، أو نقول وهو أولى: وعليكم، ودليل ذلك حديث عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ قَالَتْ عَائِشَةُ فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقُلْتُ =

..................................  = يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ» (1).

مسألة: هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيهم، أو نعود مرضاهم أو نشهد جنائزهم؟

الجواب: أما التهنئة بالأعياد فهذه حرام بلا شك، وربما لا يسلم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضا بها، والرضا بالكفر كفر، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى بعيد الكريسمس، أو عيد الفَصْح أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز إطلاقاً، حتى وإن كانوا يهنئونا بأعيادنا فإننا لا نهنئهم بأعيادهم.
والفرق أنّ تهنئتهم إيانا بأعيادنا تهنئة بحق، وأن تهنئتنا إياهم بأعيادهم تهنئة بباطل، فلا نقول: إننا نعاملهم بالمثل إذا هنئونا بأعيادنا فإننا نهنئهم بأعيادهم للفرق الذي سبق.
وأما تهنئتهم بأمور دنيوية كما لو ولد له مولود، أو وجد له مفقود فهنأناه، أو بنى بيتاً فهنأناه، أو ما أشبه ذلك فهذه ينظر، إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة فإنه نوع إكرام فلا يهنَّؤون، ومن المصلحة أن يكون ذلك على وجه المكافأة، مثل أن يكون من عادتهم أن يهنِّئونا بمثل ذلك فإننا نهنئهم.1

..................................  =وأما تعزية أهل الحرب فلا يجوز أن نعزيهم؛ لأن التعزية تسلية للمصاب وجبر لمصيبته، ونحن لا نود أن يَسلَموا من المصائب، بل نقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ (1)، وهذا لا شك في أهل الحرب، أما أهل الذمة، فقال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة، كمصلحة التأليف لقلوبهم، أو للمكافأة، إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعل بهم.
وأما عيادتهم فالصحيح جواز ذلك، لكن للمصلحة أيضاً، بأن يرجى إسلامه بعرض الإسلام عليه، كما زار النبي -صلى الله عليه وسلم- خادماً له يهودياً فعرض عليه الإسلام، فرد بصره إلى أبيه كأنه يشاوره، فقال له أبوه: أطع محمداً، فأسلم فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (2)، فإذا كان في عيادتهم مصلحة كالدعوة للإسلام فلا بأس، بل قد تكون مندوبة مستحبة.
5 - يمنع أهل الذمة كذلك من الأمور الآتية:

أولاً: يمنعون من بناء الكنيسة

لأن هذا إحداث شعائر كفرية في بلاد الإسلام.

ثانياً: يمنعون من إحداث بِيَع

وهي متعبد اليهود، كما يمنعون من =12

..................................  = إحداث الكنائس.
فإن قال قائل: إذا كانوا لا يمنعوننا من إحداث المساجد في بلادهم، فهل لنا أن نمنعهم من إحداث الكنائس في بلادنا؟ الجواب: نعم، وليس هذا من باب المكافأة أو المماثلة، لأن الكنائس دور الكفر والشرك، والمساجد دور الإيمان والإخلاص، فنحن إذا بنينا المسجد في أرض الله فقد بنيناها بحق، فالأرض لله، والمساجد لله، والعبادة التي تقام فيها كلها إخلاص لله، واتباع لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف الكنائس والبيع.
ثالثاً: لا يجوز بناء ما انهدم منها، كما لو كان هناك كنائس موجودة قبل فتحنا البلاد واستيلائنا عليها، وصار أهلها أهل ذمة بالنسبة لنا فإننا نمنعهم من بنائها؛ لأن البناء إحداث فنمنعهم منه.
رابعاً: إذا كانوا في حي من الأحياء، وأرادوا أن يبنوا عمارات رفيعة تعلو بناء المسلمين فإننا نمنعهم، ولا فرق بين أن يكونوا مجاورين ملاصقين أو غير ملاصقين، حتى لو كان بينهم وبين المسلم شارع، فإنه لا يجوز أن يمكنوا من تعلية البنيان على المسلم، لما في ذلك من إذلال المسلم واحتمال الأذى له لأن العالي يستطيع أن يطلع على النازل ولا عكس، ونحن لا نأمن هؤلاء الكفار فلذلك يمنعون من تعلية البنيان على المسلم.

خامساً: يمنعون من إظهار الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير؛

لأن ذلك عند المسلمين حرام، فيمنعون منه، أما لو شربوه في بيوتهم أو صنعوه في بيوتهم ولم يبيعوه علناً فإننا لا نمنعهم.

..................................  سادساً: يمنعون كذلك من إظهار صوت ناقوسهم، والجهر بكتابهم لأن ذلك شعار دينهم فمنعوا من ذلك لما في ذلك من الصد عن سبيل الله، ولأنهم في بلاد الإسلام.

وهل يمنعون من هذه الإذاعات التي تنشر الآن عبر المذياع؟

نقول هذه الإذاعات ليس لنا سلطة عليها؛ لأنها تبث من بلادهم، لكن يجب علينا أن نحول بين الناس وبين سماعها بقدر الإمكان، فإذا أمكن أن نشوش عليها بأجهزة التشويش المعروفة، فيجب على المسلمين أن يشوشوا عليها.
فإن قيل: يُخْشَى إذا شوشنا عليهم دعوتهم للنصرانية أن يشوشوا علينا دعوتنا للإسلام، وهذا وارد، فهل نتركهم ونحذر المسلمين من شرهم؟ أم ماذا؟ هذا محل بحث ونظر، وتتنازعه مصالح ومفاسد تقدر في وقتها حسب ما يراه من تعرض عليه، وكل يوم تجد مخترعات وتقنيات تَعْظُم آثارها وأضرارها، فإلى الله المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

جارٍ التحميل