وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 311-350
  • باب في المراجعة (2285)، قال الألباني: صحيح، «الإرواء» (2077)، صحيح أبي داود (1975).

..................................  =رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (1). أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على مشروعيته، فقد نقل غير واحد من أهل العلم ذلك منهم ابن حزم (2)، وابن عبد البر (3)، والموفق -رحمه الله- (4).

الفائدة الثانية: حكم الطلاق

: ذكرنا أن الفقهاء اتفقوا على مشروعية الطلاق لكن اختلفوا في الحكم الأصلي للطلاق: فذهب الجمهور إلى أن الأصل فيه الإباحة، وقد يخرج عنها في أحوال.
وذهب آخرون إلى أن الأصل فيه الحظر ويخرج عن الحظر في أحوال.
لكن اتفقوا جميعاً على أن الطلاق تعتريه الأحكام التكليفية تبعاً لاختلاف حالات وقوعه، فمن ذلك: أولاً التحريم: ويكون تحريم الطلاق إذا كان في الحيض أو في طهر جامع الرجل فيه امرأته, وقد أجمع العلماء على تحريمه لمخالفة أمر الله تعالى=1234

..................................  =وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو المسمى بالطلاق البدعي.
ثانياً: المكروه: ويكون إذا لم يكن ثمة داع إليه, أي إذا كانت الحياة مستقرة ولم تكن هناك حاجة إليه, وذلك لما فيه من الإضرار بالزوجة من غير داع إليه, ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها, وقيل يحرم في هذه الحال، وهو رواية عن الأمام أحمد 1, لأنه ضرر بنفسه وزوجته وأولاده وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه فكان حراماً كإتلاف المال لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضَرَر وَلا ضِرَارَ» 2. ثالثاً: الواجب: ويكون واجباً في حالة الإيلاء مع مضى المدة وإباء الزوج الفيئة, وكذلك طلاق الحكمين في الشقاق إذا تعذر عليهما التوفيق بين الزوجين ورأيا الطلاق.
رابعاً: المباح: ويكون عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة, أو سوء عشرتها وحصول الضرر بمعاشرتها.
خامساً: المندوب: ويكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، وكذا في حالة عدم عفة المرأة، وفي حال الشقاق, وطلب المرأة الخلع=

لا يَصِحُّ الطَّلاقُ إِلاَّ مِنْ زَوْجٍ (1)،  =لتزيل به الضرر عنها.

الفائدة الثالثة: الحكمة في مشروعية الطلاق

: شرع الله تعالى لعباده النكاح لما فيه من مصالح دينيه ودنيويه, واقتضت حكمته أن يشرع لهم الطلاق تكميلاً لهذه النعمة, إذ قد تفسد الحال بين الزوجين بحيث تتعذر إقامة حدود الله بينهما في العلاقة الزوجية فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة وضرراً مجرداً يلتزم فيه الزوج النفقة والسكن, وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة, فاقتضى ذلك أن شرع سبحانه ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه رحمة منه سبحانه وتعالى بعباده, ثم إنه سبحانه شرعه بعدد معين لحكمة لطيفه وذلك أن النفس البشرية ملولة وعجولة, وربما أظهرت عدم حاجته إلى المرأة حتى إذا وقع الطلاق حصل الندم وضاق الصدر وعيل الصبر, فالله تعالى جعله ثلاثاً ليجرب المرء نفسه في المرة الأولى, فإن استقرت نفسه أمكنه التدارك بالرجعة وأعطاه فرصة أخرى, حتى إذا طلق الثالثة حرَّمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره ويصيبها معاقبة له بما فيه غيظه بمقتضى جبلة الفحولة بحكمته ولطفه تعالى بعباده.
(1)

قوله «لا يَصِحُّ الطَّلاقُ إِلاَّ مِنْ زَوْجٍ»:

شرع المؤلف بذكر الشروط المعتبرة في الطلاق, فأول هذه الشروط: أن يكون الطلاق من زوج, فإذا طلق غير الزوج فلا يصح ولا يقع إلا من يقوم مقام الزوج كالوكيل مثلاً فلا بأس به، وقوله أيضاً «من زوج» فيه إشارة إلى أنه إذا طلق قبل الزواج فلا يصح, فلو قال لامرأة أنت =

..................................  = طالق ثم تزوجها لا يقع هذا الطلاق, وكذا لو قال إن تزوجتك فأنت طالق لا يقع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ 1، وثم للترتيب, ولأنه لا يتصور طلاق بلا عقد, وكذلك لو قال لامرأته أي امرأة تزوجتها عليك فهي طالق ثم تزوج عليها فإنها لا تطلق لأنه طلق مالا يملكه, والأدلة على ذلك الآية السابقة, وأما من السنة فمنها حديث ابن عباس قال: أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؟ ! إِنَّمَا الطَّلاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» 2. وأيضاً حديث: علي بن أبي طالب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا طَلاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» 3. وأيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلا طَلاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلا=

مُكَلَّفٍ (1)،  =عَتَاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» (1)، فالحاصل أن غير الزوج لا يملك الطلاق قبل العقد على المرأة.

(1)

قوله «مُكَلَّفٍ»:

هذا هو الشرط الثاني، وهو أن يكون الزوج مكلفاً، فإن كان غير مكلف فلا يصح منه الطلاق, والمكلف هو من اجتمع فيه وصفان: الأول: العقل.... الثاني: البلوغ.
فإذا طلَّق غير العاقل كالمجنون مثلاً فإنه لا يصح, وكذا لو طلق الصبي فإنه لا يقع.

لكن

هل يقع الطلاق من الصبي المميز؟

أقول: سبق تعريف التمييز في كتاب الصلاة, وقلنا بأن سن المميز اختلف في تحديده الفقهاء: فقال بعضهم: بأن المميز من بلغ سن سبع سنين, وقال بعضهم: المميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب.
ومن هنا اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق من المميز: فالمذهب عند الحنابلة 2 أن طلاق الصبي المميز - وهو الذي بلغ سبع سنين ودخل في الثامنة - يصح.
=1

مُخْتَارٍ (1)، وَلا يَصِحُّ طَلاقُ الْمُكْرَهِ (2)،  = وفي رواية أخرى في المذهب (1) أنه لا يصح منه حتى يبلغ, وفي رواية أخرى حتى يبلغ عشر سنين.
والأقرب عندي في هذه المسألة: أن الصبي المميز إن كان يعقل معنى الطلاق بأنه إذا سئل عن معنى الطلاق, فقال الطلاق معناه أنني أخلى عني زوجتي ولا تبقى معي، فهنا تطلق لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2)، ومن لا يعقل الشيء لا يتوب.

(1)

قوله «مُخْتَارٍ»:

هذا هو الشرط الثالث ممن يصح منه الطلاق، فلا بد أن يكون مختاراً, وهو أن يتلفظ بما يدل على الطلاق مختاراً غير مكره عليه, وذلك بأن يوجد الرضا والرغبة في حصول الطلاق، وسيأتي مزيد إيضاح فيما بعد لهذا.
(2)

قوله «وَلا يَصِحُّ طَلاقُ الْمُكْرَهِ»:

أي إذا أكره الإنسان على طلاق زوجته فإنه لا يصح ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» 3، والإغلاق: الغضب أو الإكراه.
وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق المكره، ولا يخلو الإكراه من أن =12

..................................  = يكون بحق أو بغير حق.
أولاً: إن كان بحق فإن الطلاق يقع بغير خلاف بين أهل العلم, وذلك نحو إكراه الحاكم المولِّى على الطلاق بعد التربص وعدم الفيئة وإكراهه الرجلين اللذين زوجهما وليان ولا يعلم السابق منهما على الطلاق ونحو ذلك, وكون وقوع الطلاق مع إكراهه عليه لأنه قول حمل عليه بحق فصح كإسلام المرتد إذا أُكره عليه, ولأنه إنما جاز إكراهه على الطلاق فلو لم يقع لم يحصل المقصود.
ثانياً: وإن كان الإكراه بغير حق، فقد اختلف فيه الفقهاء على قولين: القول الأول: وهو قول الجمهور من المالكية 1، والشافعية 2، والحنابلة 3 أن طلاق المكره لا يقع، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: 1 - قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 4. 2 - حديث عائشة رضي الله عنها، وقوله: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» 5، والإغلاق هو الإكراه لأن المكره مغلق عليه في أمره =

..................................  =ومضيق عليه في تصرفه كما يغلق الباب على الإنسان.
3 - وفي فتاوى اللجنة الدائمة ما يدل على ذلك، ومما جاء فيها «وأما قوله: بأنه أجبر على طلاقه زوجته من قبل أوليائها, فإن ثبت ذلك شرعاً وكان إجباره بطريقة يخشى على نفسه منها إن لم يجبهم إلى طلبهم فلا يقع طلاقه لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 1. القول الثاني: ما ذهب إليه الحنفية 2 وهو أن طلاق المكره يقع واستدلوا على ذلك: بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ 3، وجه الدلالة من الآية أنه لم يفرق بين طلاق المكره وغيره.
وأيضاً احتجوا بما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كُلُّ طَلاقٍ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» 4. وأيضاً لبقاء الأهلية والخطاب مع الإكراه, ولأنه قصد إيقاع الطلاق في محل يملكه وهو منكوحته في حال أهليته فنفذ كطلاق غير المكره.
=

..................................  =والراجح من الأقوال: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن طلاق المكره لا يقع لقوة الأدلة عندهم.
أما أدلة الحنفية فهي إما أدلة مجملة لها مخصص, أو أدلة ضعيفة لا يحتج بها.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: في الشروط المعتبرة في الإكراه

: 1 - أن يكون الإكراه من قادر كسلطان أو من تغلب كاللص ونحوه.
2 - أن يغلب على ظنه حصول ما هدده به إن لم يجبه إلى ما طلبه.
3 - أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيراً كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين، بخلاف الشتم والسب وأخذ المال اليسير ونحو ذلك, وهل يشترط أن ينال منه بعذاب أو عقاب ونحوه أم يكفي التهديد فقط؟ قولان: القول الأول: أنه لا يكون مكرهاً حتى ينال بشيء من العذاب كالضرب والخنق وعصر الساق ونحو ذلك.
القول الثاني: أنه لا يشترط ذلك بل يكفي التهديد من قادر على حصول ما هدد به.

الفائدة الثانية: في حكم طلاق الغضبان

: الطلاق في الغضب له أحوال ثلاث: الأولى: أن يكون الغضب يسيراً بحيث لا يؤثر على إرادة الشخص ولا اختياره فطلاقه صحيح واقع.

..................................  الثانية: أن يكون الغضب شديداً بحيث لا يدري ما يقول ولا يشعر به فهذا طلاقه لا يقع لأنه بمنزلة المجنون الذي لا يؤاخذ على أقواله.
الثالثة: الغضب الشديد الذي يؤثر على إرادة الرجل فيجعله يتكلم بالكلام وكأنه مدفوع إليه, ثم ما يلبث أن يندم عليه بمجرد زوال الغضب, ولكنه لم يصل الشخص فيه إلى حد زوال الشعور والإدراك, وعدم التحكم في الأقوال والانفعال.
فهذا النوع من الغضب اختلف العلماء في حكمه: فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقع لأن صاحبه له قصد صحيح, وهو يشعر بما يقول, ويعلم المرأة التي أوقع عليها الطلاق فلا عذر له.
القول الثاني: أن طلاقه لا يقع لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» 1، وهذا لا شك أنه مغلق عليه، فكأن أحداً أكرهه حتى طلق, وعلى هذا فيكون الطلاق غير واقع.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام 2، وابن القيم 3، والشيخين رحمهم الله 4.

وَلا زَائِلِ العَقْلِ، إِلاَّ السَّكْرَانَ (1)،  (1)

قوله «وَلا زَائِلِ العَقْلِ، إِلاَّ السَّكْرَانَ»:

زوال العقل يكون بأمور منها: النوم، والجنون، والإغماء، والسكر.
فالنائم طلاقه لا يقع إن صدر منه, وكذا المجنون والمغمى عليه.
أما السكران فقد ذكر المؤلف هنا أن طلاقه يقع.
وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق السكران هل ينفذ طلاقه أم لا؟ على قولين: الأول ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية 1، والمالكية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4 إلى أن طلاق السكران يقع واستدلوا على ذلك بأدلة منها: 1 - ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلُّ طَلاقٍ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» 5. 2 - أن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف.
3 - أنه إيقاع للطلاق من مكلف غير مكره صادف ملكه فوجب أن يقع كطلاق الصاحي، ويدل على تكليفه أنه يقتل بالقتل ويقطع بالسرقة، وبهذا فارق المجنون.

..................................  القول الثاني: أن طلاق السكران لا يقع، وقال به بعض الحنفية 1، وبعض الشافعية 2، وهو رواية عن الإمام أحمد 3، اختارها شيخ الإسلام 4، وابن القيم 5، وهو اختيار الشيخان 6 رحمهما الله، واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ 7، وجه الدلالة أن الله جعل قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقوله, ولأنه زائل العقل أشبه المجنون والنائم، فهو غير مكلف لانعقاد الإجماع على أن من شرط التكليف العقل ومن لا يعقل ما يقول فليس بمكلف, ولأنه مفقود الإرادة أشبه المكره، ولا فرق لزوال الشرط بمعصية ولا بغير معصية بدليل أن من كُسر ساقاه جاز له أن يصلي قاعداً, ولو ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة,ولو ضرب رأسه فجن سقط عنه التكليف.
قلت: وهذا هو الراجح؛ فمن زال عقله بسكر فطلق زوجته فإن الطلاق على الصحيح من أقوال أهل العلم لا يقع.

وَيَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ تَطْلِيْقَاتٍ، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ (1)،  (1)

قوله «وَيَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ تَطْلِيْقَاتٍ، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ»:

دليل ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ 1، فذكر الله تعالى ثلاث تطليقات.
والزوجان لا يخلوان من ثلاث حالات: إما أن يكونا حرين, أو رقيقين, أو يكون أحدهما حراً, والآخر رقيقاً.
أما الحران: فقد سبق ما يدل على أن الذي يملكه الزوج ثلاث تطليقات.
وأما العبيد: فالمشهور عند أهل العلم أن الرقيق لا يملك إلا طلقتين وذلك لأن الرقيق على النصف من الحر, فعدة الأمة نصف عدة الحرة, وجلد الزاني في الإماء والعبيد على النصف من جلد الأحرار وهكذا, ولما كان الطلاق لا يمكن أن يتبعض أي لا يمكن قسمتها إلا بكسر فكان لا بد من جبر الكسر ومنحه تطليقتين، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن العبد له ثلاث تطليقات كالحر لعدم الأدلة قال شيخنا -رحمه الله-: «وهذا مذهب أهل الظاهر, وكان ابن القيم 2 =

سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُمَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً (1)،  =يميل إليه في زاد المعاد لأن النصوص عامة ولم يستثن الله تعالى منها شيئاً، ولأن وقوع الطلاق من الحر والعبد على حد سواء, كل منهم يطلق راغباً أو راهباً, وكل منهم له تعلق بالمرأة, والآثار المرفوعة في ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة, والآثار الموقوفة عن الصحابة رضي الله عنهم متضاربة مختلفة, فتطرح وتبقى على العموم» (1).

(1)

قوله «سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُمَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً»:

نقول ذكرنا فيما سبق أن الزوجين لا يخلوان من ثلاث حالات: الأولى: أن يكونا حرين.
الثانية: أو أن يكونا رقيقين.
الثالثة: أو يكون أحدهما حراً والأخر رقيقاً.
ومراد المؤلف هنا هو النوع الأخير, أي سواءً كان تحتهما حرة أو أمة وهذا القسم الأخير إما أن يكون الزوج حراً والمرأة رقيقة, أو الزوجة حرة والزوج رقيق, وهل يمكن للعبد أن يتزوج حرة؟ نقول: نعم؛ ويكون كالحر تماماً، وبدون شروط.

و

هل المعتبر في عدد الطلاق بحسب الأزواج دون النظر إلى كونهم أحراراً أو أرقاء؟

نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: =1

..................................  =فذهب جمهور أهل العلم من المالكية 1، والشافعية 2، والحنابلة 3، وهو المروي عن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وإسحاق، وابن المنذر، وغيرهم 4 إلى أن عدد الطلاق معتبر بالزوج, فإن كان حراً فإنه يملك على زوجته ثلاث تطليقات ولو كانت أمة, وإن كان الزوج عبداً فإنه يملك تطليقتين لا غير ولو كانت زوجته حرة, فإن طلقها الثانية بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «طَلاقُ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ، وَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ وَتَزَوَّجُ الْحُرَّةُ عَلَى الأَمَةِ، وَلا تُزَوَّجُ الأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ» 5. وأيضاً ورد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الأَمَةُ حَيْضَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرًا وَنِصْفًا» 6, وأيضاً قالوا لأن الرجل هو المخاطب بالطلاق فهو المعتبر به، ولأن الطلاق خالص حق الزوج, وهو فيما يختلف بالحرية والرق اتفاقاً فكان الاختلاف به.
=

..................................  = وذهب الحنفية 1 إلى أن الطلاق معتبر بالنساء, فإن كانت الزوجة حرة فطلاقها ثلاث ولو كان زوجها عبداً, وإن كانت الزوجة أمة فطلاقها اثنتان وإن كان زوجها حراً, وهذا مروي عن علي وابن مسعود, والحسن، وابن سيرين وغيرهم 2، واحتجوا بحديث «طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان» 3, ولأن المرأة محل الطلاق فهو معتبر كالعدة.
ورجَّح بعض المحققين أن العبد كالحر في هذه المسألة، وهي رواية عن الإمام أحمد 4. قال في الإنصاف: «وهو قول قوي في النظر» 5، واختار هذه الرواية ابن القيم 6 في الزاد.
ومن أوجه الأدلة أن الآيات التي جاءت في ذلك عامة لم تخصص الحر عن العبد بشيء في هذا الباب، أعنى باب ما يختلف به عدد الطلاق بين الحر والعبد, فتحمل الآيات على الإطلاق, ثم الأحاديث التي جاءت=

فَمَنِ اسْتَوْفى عَدَدَ طَلاقِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (1)، نِكَاحًا صَحِيْحًا، وَيَطَأَهَا (2)،  =في هذا الباب ضعيفة لا يحتج بها أي لا تقوم بها حجة, والآثار الموقوفة عن الصحابة رضي الله عنهم متضاربة مختلفة فتطرح وتبقى على العموم.
قلت: ولعل هذا هو الذي يفهم ترجيحه من كلام شيخنا (1) -رحمه الله-، والله أعلم.

(1)

قوله «فَمَنِ اسْتَوْفى عَدَدَ طَلاقِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»:

أي متى استوفى الحر عدد طلاقه وهي الثلاث كما سبق, وكذلك العبد على قول الجمهور متى استوفى عدد طلاقه وهي اثنتان على رأيهم فإن المرأة لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.... ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.. ﴾ (2). (2)

قوله «نِكَاحًا صَحِيْحًا، وَيَطَأَهَا»:

هذا فيه احتراز من النكاح الفاسد.
وقوله «وَيَطَأَهَا»، هذا شرط لكي تحل لمطلقها الأول، فلا يكفي أن يعقد عليها فلابد من الوطء, وهذا فيه إشارة إلى أن نكاح المحلل لا يصح، وأنه لا يحصل به المقصود.
فلابد من توفر

الشروط التي تحصل بها الرجعة إلى مطلقها الأول

، وهى ثلاثة شروط:12

..................................  الأول: النكاح: دليل ذلك قوله: ﴿.. حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ 1، فقد نفى حل المرأة لمطلقها ثلاثاً, وحد النفي إلى غاية التزوج بزوج آخر, والحكم المحدد بغاية لا ينتهي قبل وجود الغاية, فلا تنتهي الحرمة قبل التزوج وعلى هذا لو وطئها إنسان بالزنا أو بشبهة فإنها لا تحل للزوج الأول لعدم النكاح.
الثاني: صحة النكاح كما قال المؤلف, فيشترط في النكاح من الثاني أن يكون النكاح صحيحاً, ولا تحل للأول إذا كان النكاح فاسداً حتى لو دخل بها, لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة فلا تحل للزوج الأول بهذا النكاح.
الثالث: الوطء في الفرج: وهذا ما قاله المؤلف، وهو مذهب جمهور الفقهاء 2، أي لا بد من أن يطأها الزوج الثاني في الفرج, فلو وطئها دونه أو وطئها في الدبر لم تحل للأول لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما سيأتي في حديث رفاعة علق الحل على ذوق العُسيلة منهما, ولا يحصل ذوق العُسيلة إلا بالوطء وفي الفرج، وهذا هو الصحيح.
وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج, لأن أحكام الوطء تتعلق به, وذلك بشرط الانتشار لأن الحكم يتعلق بذوق العُسيلة, ولا تحصل من=

..................................  =غير الانتشار، وهل يشترط الإنزال؟ الصواب: أنه لا يشترط الإنزال، ولم يشترطه إلا الحسن البصري (1), وهل إذا وقع الوطء في وقت غير مباح كحيض أو نفاس هل يحصل به التحليل؟ اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب أبو حنيفة (2)، والشافعي (3)، إلى أن الوطء في هذا يُحل المرأة لزوجها الأول, أي إن وقع في وقت غير مباح كالحيض والنفاس, وذهب المالكية (4)، والحنابلة (5) إلى أنه يشترط أن يكون الوطء في وقت مباح أي وقت حلال, لأن الوطء غير المباح حرام لحق الله تعالى, فلم يحصل به الإحلال كوطء المرتدة، وعلى ذلك لا تحل لزوجها الأول إذا جامعها الثاني في صوم، أو حج، أو حيض، أو نفاس، أو اعتكاف.

فائدة: في حكم الزواج بشرط التحليل

: يحصل كثيراً أن بعض الناس يطلق زوجته ثلاثاً, ثم لما لم يجد حلاً من إرجاعها فينكحها لزوج أخر بشرط التحليل له، وهذا يقع كثيراً عند بعض الناس، وإن كان في المملكة قليلاً لكنه في بعض البلدان الأخرى كثيراً، فما صحة هذا العمل؟ نقول: من تزوج امرأة مطلقة ثلاثاً بشرط صريح العقد على أن يحلها=12345

..................................  = لزوجها الأول فهو حرام عند جمهور الفقهاء 1. وذهب الحنفية إلى أنه مكروه كراهة تحريم، واحتجوا جميعاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله المحَلَلَ والمُحَلَّلَ له» 2، وقال أيضاً «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ، قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» 3، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، وهل يحصل به التحليل؟ ذكرنا سابقاً بأن من شروط كون المرأة تحل لزوجها الأول أن يكون النكاح صحيحاً, وهذا النوع من النكاح مع اشتماله على جميع شروطه إلا أنه أشتمل على شرط يفسده وهو النكاح بشرط الإحلال، فهو معنى النكاح المؤقت, وقد سبق أن النكاح المؤقت فاسد فلا يقع به التحليل، وهذا هو ما ذهب إليه الجمهور كما سبق.
=

..................................  =وذهب الحنفية (1) إلى صحة النكاح وأنه يحصل به التحليل للأول، فمتى انتهت عدتها من الثاني جاز للأول أن يتزوجها، لكن يكره للأول والثاني ما حصل من هذا الشرط أي شرط التحليل فقط لكنه يكون آثماً, وليس الوطء عبادة حتى نقول لا يصح مع التحريم, كالصلاة في الأرض المغصوبة, وإنما الوطء شرط للحل, وهذا القول أصح، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).

فائدة: في هدم عدد طلقات الزواج الأول بالزواج الثاني

: نقول اتفق الفقهاء على أن المرأة إذا نكحت زوجاً آخر فوطئها أنها تعود إلى الأول بهدم جميع الطلقات للأول, أي كأنه لم يطلق, هذا إذا كان قد طلقها ثلاثاً ثم نكحت زوجاً أخر.
لكن اختلفوا في الزواج الثاني هل يهدم ما دون الثلاث؟ كما لو تزوجت قبل الطلقة الثالثة ثم طلقت منه ثم رجعت إلى زوجها الأول هل ترجع إليه بما عليه منها من عدد طلقات؟ نقول اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب جمهورهم 3 إلى أنه لا يهدم, لأن هذا شيء يخص الثالثة بالشرع فلا يهدم ما دونها.
=12

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لاِمْرَأَةِ رِفَاعَةَ «لَعَلَّكِ تُرِيْدِيْنَ أَنْ تَرْجِعِيْ إِلى رِفَاعَةَ.
لا، حَتَّى تَذُوْقِيْ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوْقَ عُسَيْلَتَكِ» (1)،  =وذهب أبو حنيفة (1) إلى أنه يهدم ما دون الثلاث, لأنه لما هدم الثلاث فهو أحرى أن يهدم ما دونها.
قلت: والراجح هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-، لأن نكاح الزوج الثاني إذا كان الزوج الأول لم يطلق ثلاثاً لا أثر له، لأنها تحل لزوجها الأول سواء تزوجت أم لم تتزوج.

(1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لاِمْرَأَةِ رِفَاعَة «لَعَلَّكِ تُرِيْدِيْنَ أَنْ تَرْجِعِيْ إِلى رِفَاعَةَ. لا، حَتَّى تَذُوْقِيْ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوْقَ عُسَيْلَتَكِ»

وَلا يَحِلُّ جَمْعُ الثَّلاثِ (1)،  =وفي هذا الحديث بعض الفوائد منها: 1 - أن المراد ببت الطلاق هنا الطلقة الأخيرة من الثلاث كما بينته الرواية الأخرى «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ».
2 - أنه لا يحل بعد هذه الثلاث أن تنكح زوجها الذي بت طلاقها إلا بعد أن تتزوج غيره, ويطأها الزوج الثاني، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
3 - المراد بالعُسيلة في هذا الحديث اللذة الحاصلة بتغيب الحشفة ولو لم يحصل إنزال مني كما سبق بيانه.
4 - أنه لا بأس من التصريح بالأشياء التي يستحي منها للحاجة فقد أقرها النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك, وتبسم من كلامها.
5 - حسن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم-, وطيب نفسه.

(1)

قوله «وَلا يَحِلُّ جَمْعُ الثَّلاثِ»:

أي يحرم أن يجمع ثلاث طلقات جملة واحدة كأن يقول: «أنت طالق ثلاثاً»,أو يقول: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» في زمن واحد فإنه لا فرق بين الصورتين، ذكر ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله- 1. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة أعني, هل يحرم أن يجمع الرجل الطلاق في جملة واحدة أم يحل؟ فذهب جمهور الفقهاء كما نقله عنهم شيخ الإسلام 2 إلى أن هذا =

..................................  =الطلاق محرم, فإن طلقها ثلاثاً بفم واحد ومتعاقبات فإنه يكون طلاقاً محرماً, واستدلوا على ذلك بما يلي: 1 - قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 1، وجه الدلالة من الآية أن الطلاق المأمور به ما كان في استقبال العدة, والطلاق التابع لطلاق آخر من غير رجعة بينهما لا تستقبل به العدة, فلا يكون مأموراً به.
وقد دلت السنة على أن من عمل عملاً ليس عليه أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو رد, فعلى هذا يكون الطلاق المتتابع طلاقاً محرماً.
2 - ما ورد عن مخرقة من بكير, عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ رَجُلٍ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ»، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلا أَقْتُلُهُ» 2. القول الثاني: أن طلاق الثلاث بهذه الكيفية المذكورة سابقاً لا يحرم إيقاع الثلاث به، بل العدد كله جائز, إلا أن الأولى هو التفريق، وهذه رواية=

..................................  =قديمة عن الإمام أحمد 1, وهو مذهب الشافعية 2، وابن حزم 3, واستدل أصحاب هذا القول بأن الآيات في الطلاق جاءت عامة، وبقضية عويمر العجلاني مع امرأته وفيها قوله: «كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» 4. فالشاهد أنه طلقها ثلاثاً عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كان ذلك حراماً لنهاه عن ذلك ليعلم هو ومن حضره.
والصحيح: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول, أي يحرم أن يجمع ثلاث طلقات جملة واحدة كأن يقول: «أنت طالق ثلاثاً»,أو يقول: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»، في زمن واحد.
وإذا قلنا بأن هذا الطلاق محرم فهل يقع الطلاق أم لا يقع؟ نقول اختلف في ذلك الفقهاء، أي اختلفوا فيمن أوقع الطلاق الثلاث دفعه واحدة, أو أوقعها بكلمات ثلاث لم يتخللها رجعة, واختلفوا في ذلك اختلافاً طويلاً: فذهب جمهور الفقهاء منهم الأئمة الأربعة 5 أنه يقع الطلاق بذلك=

..................................  =وتبين المرأة منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، واستدلوا بحديث ابن عباس قال: «كَانَ الطَّلاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبِى بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ.
فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» 1. ووجه الدلالة: أن عمر -رضي الله عنه- جعل الثلاث بكلمة واحدة ثلاثاً وأقره على ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا من أقوى الأدلة التي احتج بها أصحاب هذا القول، كما استدلوا بحديث فاطمة بنت قيس وفيه: «إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا» 2، وفي رواية في المسند أنه: «طَلَّقَهَا ثَلاثًا جَمِيعًا» 3، وكذلك حديث قصة لعان عويمر المتقدمة، هذا هو القول الأول في هذه المسألة.
القول الثاني: وهو أن الطلاق ثلاثاً بكلمة واحدة لا يقع، وهو ما ذهب إليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر, وعائشة، وعمر في أول خلافته، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس, وابن مسعود، وعلي رضي الله عنهم جميعاً 4, ومن التابعين عطاء, وطاووس, ومن أصحاب =

..................................  =المذاهب الأخرى داود الظاهري 1 وأكثر أصحابه, وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك, وبعض أصحاب أحمد 2، واختار هذا القول شيخ الإسلام 3 ابن تيمية كان يجهر بها ويفتي بها في مجالسه، وقد عُذِّب من أجل القول بها هو وكثير من أتباعه.
ومنهم أيضاً - أي من قال بها - ابن القيم 4 -رحمه الله- الذي نصر هذا القول نصراً مؤزراً في كتابه «زاد المعاد» 5، «وإعلام الموقعين» 6، فقد أطال البحث فيها, واستعرض نصوصها, ورد على المخالفين بما يكفي ويشفى.
وممن قال بها من مشايخنا سماحة شيخنا بن باز -رحمه الله- 7، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 8، واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عباس المتقدم فإنه نص صريح لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات فإنه يوضح الحال التي كانت على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي أن الطلاق الثلاث كان يعد واحدة, كما استدلوا بحديث عَنِ ابن عباس قال: طَلَّقَ رُكَانَةُ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا فَسَأَلَهُ=

..................................  =رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟ ». قَالَ: طَلَّقْتُهَا ثَلاثًا فَقَالَ «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ».
قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ» فَرَاجَعَهَا 1. وهذا الحديث اختلف في صحته: فقد صححه بعض أهل العلم منهم الإمام أحمد، قال ابن قدامة «فأما حديث ركانة فإن أحمد ضعف إسناده فلذلك تركه» 2, قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل في غيره من الروايات» 3. قلت: وهذا القول أن الثلاث دفعة تقع واحدة قول قوي، وهو قول من سمينا من أهل العلم من مشايخنا، ومع ذلك فالمسألة ما زالت محل نظر وتأمل عندي.
أما استدلال الجمهور من أهل العلم بحديث ابن عباس فقد أجيب عليه بأنه حجة لمن قال بعدم وقوع الثلاث لأن هذا كان حاله -صلى الله عليه وسلم- فيه، وكذا أبو بكر وغيره من الصحابة.
أما ما ورد عن عمر -رضي الله عنه- في جعل الثلاث تقع فهو اجتهاد من اجتهاد الأئمة.
والظاهر أنه من باب التعزير العارض، وهو يختلف باختلاف الأزمنة=

..................................  =والأمكنة، ولا يستقر تشريعاً لازماً لا يتغير, بل المستقر هو التشريع الأصلي لهذه المسألة.
ثم إن القول بوقوع الثلاث واحدة فيه رحمة للمسلمين ورفق بهم, لاسيما في هذه الأزمنة التي يحصل فيها هذا كثيراً مع غلبة الجهل، وضعف الوازع الديني، وقلة الفقه والعلم بهذه المسألة العظيمة.
أما احتجاج الجمهور بحديث فاطمة بنت قيس بأن أبا حفص لم يوقع الثلاث دفعة واحدة, وإنما ورد في صحيح مسلم «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ»، وفي رواية «فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت من طلاقها» «فَأَرْسَلَ إِلَى امرأتِه فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ مِنْ طَلاقِهَا» لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فكلمة «جميعاً» التي وردت في رواية الإمام أحمد أراد بها تأكيد العدد, لا الاجتماع في آن واحد.
أما حديث لعان عويمر وزوجته فأجيب عنه بما يلي: أولاً: أن هذا التطليق وقع بعد الحكم بفرقة اللعان فيكون الطلاق مؤكداً للبينونة, أو قاله على سبيل الغيرة والتوكيد لكلامه, وأن ما رماها به صدق، ويدل على ذلك قوله «كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا»، فهو بمنزلة اليمين.
ثانياً: على اعتبار تسليم أن الطلاق وقع, ولكنه -صلى الله عليه وسلم- أنفذ تطليقات عويمر على الوجه الذي كان معروفاً في عهده -صلى الله عليه وسلم- من اعتبار الثلاث واحدة, ثم حرمها عليه تحريماً مؤبداً بدليل آخر الحديث: «فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي=

وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه (1)،  =الْمُتَلاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» (1)، هذا ما ذكره ابن القيم في «الهدى»، «وإعلام الموقعين»، وكذا ذكره أهل العلم ممن ذهب إلى القول بعدم وقوع الطلاق إذا تلفظ به في كلمة واحدة أو كلمات متعاقبات، وهذا كلام نفيس ينبغي لطالب العلم أن يتأمله كثيراً.

(1)

قوله «وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه»:

أي ويحرم كذلك طلاق المرأة المدخول بها في حال حيضها أو في طهر حصل فيه جماع بها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 2، واللام في قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ للتوقيت، والمعنى إذا أردتم طلاقهن فليكن في الوقت الذي تستقبل به عدتها المعينة, وهذا هو الطلاق المشروع.
فالطلاق المشروع إذاً هو ما اجتمع فيه أربعة أوصاف هي: 1 - أن يكون مرة واحدة بأن يقول: «أنت طالق ويسكت», أو يقول: «أنت طالق مرة واحدة».
2 - أن يكون في طهر؛ فإن طلقها حال حيضها أو نفاس فإنه لا يسمى طلاقاً شرعياً.
3 - ألا يكون جامع في هذا الطهر.1

..................................  4 - أن يتركها حتى تنقضي عدتها, فإن قال لها أنت طالق, وشرعت في العدة, ثم بعد يومين أو ثلاثة أو عشرة أيام، قال أنت طالق فهذا طلاق غير مشروع بل هو طلاق بدعي، والعلة في تحريم ذلك أن المرأة إذا طلقها في الحيض فإنها لا تعتد بالحيضة التي طلقها فيها، فحينئذ لا تبتدئ العدة بالطلاق في هذه الحال, فما يكون مطلقاً للعدة, وإذا طلقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فإنها لا تدري هل تكون عدتها بالإقراء أو بالحمل؟ فتبقى متحيرة فلا يكون مطلِّقاً لعدة متيقنة.
وأيضاً من العلل في تحريم الطلاق في الحيض: أن الحيض حال نفرة وزهد في الوطء، وقد يندم في زمان الطهر عند توقان النفس إلى الجماع.
وقيل: لئلا تطول العدة لأن ما بقى من تلك الحيضة لا تعتد به المرأة فتكون كالمعلقة لا معتدة ولا ذات زوج ولا فارغة من الزوج.
وقيل: بأن العلة هنا تعبدية لا يعقل معناها, ونسب هذا القول شيخ الإسلام إلى بعض المالكية 1، أما الأدلة على ذلك فهي قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ 2، والأمر في الآية للوجوب.
ومن السنة حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قَالَ مُرْهُ=

..................................  =فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-» 1، وجه الدلالة من الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تغيظ لطلاق ابن عمر -رضي الله عنه- حال الحيض, ولا يغضب -صلى الله عليه وسلم- إلا لأمر محرم.
وقد نقل ابن المنذر، وابن قدامة 2، والنووي 3، وغيرهم الإجماع على أن الطلاق حال الحيض محرم, قال شيخ الإسلام: «أن الطلاق في الحيض محرم بالكتاب والسنة والإجماع, فإنه لا يعلم في تحريمه نزاع وهو طلاق بدعة» 4. وقول المؤلف «المدخول بها»: فيه احتراز من غير المدخول بها، فيجوز طلاقها حائضاً وطاهراً لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ 5، وقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 6، وغير المدخول بها لا عدة لها.
=

..................................  =ومع القول بالتحريم طلق في الحيض أو في طهر أصابها فيه، فهل يقع هذا النوع من الطلاق؟ نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن طلاق الحائض أو في الطهر الذي جامعها فيه يقع، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة، واحتج هؤلاء بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-» 1. فقوله «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» دليل على وقوع الطلاق في الحيض, لأن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، وأيضاً ظاهر رواية البخاري المتقدمة دليل واضح على أنها حسبت عليه تطليقه.
القول الثاني: أن الطلاق حال الحيض لا يقع, وهو قول الظاهرية 2، واختاره ابن عقيل 3, وشيخ الإسلام 4، ونصره ابن القيم 5، =

..................................  =واستدلوا على ذلك بما يلي: 1 - أن الطلاق في حال الحيض مخالف لأمر الله تعالى لقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 1. وقد أخرج النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 2، قال «قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ»، قال السيوطي: «بضم القاف والباء, أي إقبالها وأولها حين يمكنها الدخول بها والشروع وذلك حال الطهر» 3، وعلى ذلك الطلاق في الحيض خلاف ما أمر الله تعالى، فهو طلاق محرم فيكون باطلاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» 4, والقاعدة في ذلك: «أن ما أذن فيه الشارع من الطلاق يقع, وما لم يأذن فيه الشارع فهو لاغ غير نافذ», ولم يكن هناك فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه.
2 - ما ورد عن طريق ابن الزبير أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَرَدَّهَا -صلى الله عليه وسلم- =

..................................  =عَلَىَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ» 1, وأجابوا على أدلة القول الأول بما يلي: قوله «فليراجعها»: معناه إمساكها على حالها الأول, لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعاً, فهو ملغي والنكاح بحاله, والأولون حملوا الرجعة على المعنى الاصطلاحي.
أما استدلالهم بقوله «فحسبت عليه تطليقه»: ليس فيه دليل, لأنه غير مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
أما قوله «فلم يرها شيئاً»: فهو مرفوع صريح في عدم الوقوع.
والقول بأن هذا النوع من الطلاق، أعنى طلاق الحائض أو في طهر أصابها فيه لا يقع، وهو اختيار الشيخين رحمهما الله 2. وقد سبق أيضاً أنه اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وهو أيضاً فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة 3. ومع ذلك فالمسألة ما زالت محل نظر وبحث عندي، وما يرد فيها من المسائل الواقعية نحيله على سماحة المفتي والسلامة لا يعدلها شيء.

لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيْضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا» (1)، وَالسُّنَّةُ فِيْ الطَّلاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (2)،  (1)

قوله «لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قَالَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيْضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا»

(1): هذا الحديث متفق عليه، وهو عمدة في كتاب الحيض، وقد سبق الإشارة إليه في ثنايا شرحنا.
(2)

قوله «وَالسُّنَّةُ فِيْ الطَّلاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا»:

هذا هو طلاق السنة وصفته كما ذكر المؤلف أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه طلقة واحدة, ثم يدعها حتى تنقضي عدتها, لكن لو قال المؤلف -رحمه الله- «في طهر لم يصبها فيه ولم يتبين حملها» لكان أولى لأنه إن تبين حملها جاز طلاقها, ولو كان قد جامعها لأنه يكون مطلقاً للعدة, وعلى هذا نقول بأن القيود التي يعتبر فيها الطلاق قد وافق السنة خمسة، وهي: 1 - أن يطلقها مرة واحدة.
=1

فَمَتَى قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَهِيَ فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ (1)،  =2 - أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
3 - أن لا يطلقها وهي حائض أو نفساء.
4 - تركها حتى تنقضي عدتها.
5 - أن لا يتبين حملها.

  • فائدة: المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً لا يجوز لها أن تخرج من بيت زوجها: بل الواجب أن تبقى في بيت الزوج خلافاً لما عليه واقع الناس اليوم وذلك لقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (1)، فلا يجوز أن تخرج المطلقة طلاقاً رجعياً من بيت الزوج حتى تنقضي عدتها لأنها ما زالت زوجة.
    بل قال أهل العلم ينبغي لها أن تتزين، وأن تتعرض له لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (2)، أي ميلاً في قلب الزوج فيرجع عن طلاقه ويراجعها.

(1)

قوله «فَمَتَى قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَهِيَ فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ»:

أي إذا قال لزوجته أنت طالق للسنة فقد علقه على ما سبق بيانه من الطلاق السني وهو الذي توفرت فيه القيود الخمسة السابقة, فإنه متى قال لزوجته ذلك «أنت طالق للسنة»، فإن الطلاق يقع لأنه=12

وَإِنْ كَانَتْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه أَوْ حَيْضٍ (1)، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الحَيْضَةِ (2)، وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ (3)،  =قيده على أمر وقد تحقق.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه أَوْ حَيْضٍ»:

أي وإن كانت الطلقة التي قالها وهي قوله «طالق للسنة» إن كانت في طهر أصابها فيه أو حيض فإنها لم توافق الوصف في الطلاق السني، فهنا ماذا يكون؟ قال المؤلف.
(2)

قوله «لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الحَيْضَةِ»:

أي لم تطلق المرأة إذا كان طلاقها غير موافق للسنة حتى تحيض ثم تطهر لأن طلاقها كان على صفة غير مشروعة فلم تطلق حتى تطهر فإذا طهرت من هذه الحيضة وقع عليها هذا الطلاق.
(3)

قوله «وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ»:

الطلاق البدعي هو ما فقد قيداً من القيود السابقة وهو نوعان: بدعي من جهة العدد, وبدعي من جهة الوصف, فالذي يكون من جهة العدد هو ما سبق ذكره أن يطلقها ثلاثاً دفعة واحدة كأنت طالق, أنت طالق, أنت طالق, أو يقول أنت طالق بالثلاث فهذا طلاق بدعي، وقد سبق الإشارة إليه.
وكذلك الطلاق البدعي الذي من جهة الوصف كأن يطلقها في حال =

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيْبَهَا أَوْ تَحِيْضَ (1)، فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُوْلِ بِهَا (2)،  =الحيض أو في ظهر جامعها فيه وقد مر ذلك، لكن هل يقع الطلاق البدعي؟ سبق بيان ذلك مفصلاً.

(1)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيْبَهَا أَوْ تَحِيْضَ»:

أي وإن لم تكن الزوجة التي قام بطلاقها وقت قول الزوج أنت طالق للبدعة بأن كانت في طهر جامعها فيه أو في حال الحيض فإنها لم تطلق حتى يصيبها زوجها أو تحيض وذلك لأن الصفة التي علّق عليها الطلاق لا تتحقق إلا في هاتين الحالتين فلا يقع الطلاق إلا بوجود أحدهما.
(2)

قوله «فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُوْلِ بِهَا»:

أي إن كانت المرأة غير مدخول بها فلا سنة لطلاقها ولا بدعة, فمتى قال لها: «أنت طالق للسنة»، أو «أنت طالق للبدعة»، فإنها تطلق لأنها لا تلزمها العدة في الطلاق لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 1 وهذه لا عدة لها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ 2، فهذه لا عدة لها.
فمتى تزوج الرجل امرأة وعقد عليها ولم يدخل بها ولم يخلو بها أيضاً، وبعد مضى شهر أو أكثر طلقها وهي حائض, فالطلاق ليس بحرام بل هو جائز ولا شيء عليه, لأن هذه المرأة لا عدة=

جارٍ التحميل