وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 150-189

وَيَسْقُطُ وَلَدُ الأُمِّ بِأَرْبَعَةٍ: بِالْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَوَلَدِ الاِبْنِ، وَالأَبِ، وَالْجَدِّ (1)، وَيَسْقُطُ الْجَدِّ بِالأَبِ (2)، وَكُلُّ جَدٍّ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ (3).  (1)

قوله «وَيَسْقُطُ وَلَدُ الأُمِّ بِأَرْبَعَةٍ: بِالْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَوَلَدِ الاِبْنِ، وَالأَبِ، وَالْجَدِّ»:

أي ويسقط الإخوة لأم بالفرع الوارث، والأصل الوارث من الذكور.
فالفرع الوارث هم «الابن، والبنت، وابن الابن، وبنت الابن»، هؤلاء الأربعة والأصل الوارث هم «الأب والجد»، فيصير من يحجب به الأخ ستة.
دليل ذلك: آية الكلالة؛ وهي قوله سبحانه ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (1)، فاقتضت الآية أنهم لا يرثون مع الوالد والولد لأن هذا معنى الكلالة كما سبق، وهذا مجمع عليه عند أهل العلم.

(2)

قوله «وَيَسْقُطُ الْجَدِّ بِالأَبِ»:

أي ويسقط الجد بالأب لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (2)، والأب أقرب من الجد، فيكون أحق بالإرث منه، ولأنه يعني أن الجد يدلي به، ومن أدلى بشخص لم يرث مع وجوده سوى ولد الأم كما سبق فإنه يدلى بها ويرث معها.
(3)

قوله «وَكُلُّ جَدٍّ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ»:

أي ويسقط الجد الأبعد بالجد الأقرب، فأبو الأب مقدم على جد الأب وقد سبق أن من أدلى بشخص لم يرث مع وجوده.12

..................................  - فائدة: تسقط الجدة بالأم: لأن الجدة ترث ميراث الأم ولا فرق بين الجدة التي من قبل الأم وبين الجدة التي من قبل الأب، أما الجدة التي من قبل الأم فلأنها تدلي بها فأسقطتها أما الجدة التي من قبل الأب فلأنها لو ورثت بالأب لما ورثت معه.

بَابُ الْعَصَبَاتِ

(1)  (1)

قوله «بَابُ الْعَصَبَاتِ»:

العصبة: قرابة الرجل لأبيه، سموا عصبة لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به، يقال: عصب القوم بالرجل عصباً من باب ضرب أي: أحاطوا به لقتال أو حماية، ولهذا اختصت الذكور بهذا الاسم.
أما في الاصطلاح: فهم من يرث بغير تقدير.
والعصبة ثلاثة أقسام: 1 - عصبة بالنفس.
2 - عصبة بالغير.
3 - عصبة مع الغير.
ولكل قسم من هذه الأقسام أحكام تخصه.

فائدة: ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالعصبة بالنفس

: العصبة بالنفس: وهم كل ذكر ليس بينه وبين الميت أُنثى غير الزوج كالأب والجد وابن الابن والحواشي كالأخ والعم - سوى الإخوة لأم - مع المعتق والمعتقة وعصبتهم المتعصبون بأنفسهم.
ويمكن تقسيم العصبة بالنفس إلى قسمين: عصبة بنسب، وعصبة بسبب.
القسم الأول: العصبة بالنسب، وهم كل وارث من الذكور إلا الزوج والأخ لأم وهم الأب - الجد وإن علا - الابن - ابن الابن وإن نزل - الأخ الشقيق - الأخ لأب - ابن الأخ الشقيق - ابن الأخ لأب - العم الشقيق - العم لأب - ابن العم الشقيق - ابن العم لأب.
ومن الأحكام المتعلقة بهذا القسم: 1 - أن من انفرد منهم أخذ المال كله.
2 - أنه إذا كان مع صاحب فرض أو فروض يأخذ ما أبقته الفروض لقوله =

..................................  = - صلى الله عليه وسلم - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأَوْلَي رَجُلٍ ذَكَرٍ».
3 - إذا استغرقت الفروض التركة سقط، إلا الابن، فإنه لا يمكن معه الاستغراق، والأب والجد فإنهما يرثان عند ذلك بالفرض السدس.
4 - عند اجتماع العصبة في هذا القسم فإنهم لا يخلوا أمرهم من حالين: الأول: أن يجتمع عاصبان فأكثر فيستويان أو يستوون في الجهة والدرجة والقوة، ويكون الحكم هنا كما سبق أنهما يشتركان أو يشتركون في المال، أو فيما أبقت الفروض.
الثاني: أن يجتمع عاصبان فأكثر لكنهما يختلفان أو يختلفون في الجهة أو الدرجة أو القوة فهنا يسقط بعضهم بعضاً كما مر بنا في باب الحجب.
القسم الثاني: العصبة بالسبب: وهم صاحب الولاء ذكراً كان أو أنثى، وهم المعتق والمعتقة ويكون التعصيب بهم بعد فقدان كل العصبة النسبية أو قيام مانع بها، وهذا النوع مقدم على الرد وذوى الأرحام لقوله -صلى الله عليه وسلم- «الْمِيرَاثُ لِلْعَصَبَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ فَالْوَلاءُ» 1، العصبة بالغير: قد سبق الإشارة إلى هذا النوع من العصبات، وقلنا بأنهن ذوات النصف والثلثين من الإناث وهن: 1 - بنت الصلب واحدة فأكثر بالابن واحد فأكثر.
2 - بنت الابن فأكثر بابن الابن فأكثر، سواء كان أخاها أو ابن عمها المساوي لها في الدرجة، أو النازل عنها إذا احتاجت إليه.

..................................  مثال ذلك: هلك هالك عن بنتين وبنت ابن، ابن ابن ابن: نقول للبنتين الثلثان والباقي لبنت الابن، وابن ابن الابن.
3 - الأخت الشقيقة فأكثر، بالأخ الشقيق فأكثر، ولا يعصب الأخ لأب الأخت الشقيقة لأنه لا يساويها في النسب لكونها أقوى منه.
4 - الأخت لأب فأكثر بالأخ لأب فأكثر.
العصبة مع الغير: وهذا أيضاً قد سبق الإشارة إلى تعريفه وبيان بعض أحكامه.
فالعصبة مع الغير هي كل أنثى تصير عصبةً مع أُنثى غيرها وهما صنفان فقط وهما الأخوات الشقيقات، والأخوات لأب مع البنات أو بنات الابن فالأخوات مع البنات عصبات، دليل ذلك حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- فإنه رفع إليه رجل مات، وله بنت، وبنت ابن وأخت شقيقة، فسألوا أبا موسى الأشعري فجعل المال نصفين بين البنت والأخت، وأسقط بنت الابن وقال للسائل ائت ابن مسعود فسيوافقني، ظن أبو موسى أن الله ذكر البنت أول السورة بقوله ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ 1، وذكر الأخت في أخر السورة ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ 2، فأعطى البنت النصف والأخت النصف وأسقط بنت الابن فجاءوا ابن مسعود فأخبروه بجواب أبى موسى، فقال: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للأخت.
هذا خلاصة ما سيذكره المؤلف في باب العصبات.

وَهُمْ: كُلُّ ذَكَرٍ يُدْلِيْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِذَكَرٍ آخَر (1)، إِلاَّ الزَّوْجَ وَالْمُعْتِقَةَ وَعَصَبَاتِهَا (2)، وَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيْرَاثِ أَقْرَبُهُمْ، وَأَقْرَبُهُمُ الاِبْنُ (3)،  (1)

قوله «وَهُمْ: كُلُّ ذَكَرٍ يُدْلِيْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِذَكَرٍ آخَر»:

شرع المؤلف في بيان العصبة بالنفس وهم كما سبق «كل ذكر يدلي بنفسه»، أي ليس بينه وبين الميت أنثى، وهم كما سبق جميع الذكور من الأصول «الأب والجد»، ومن الفروع «الابن وإن نزل»، والحواشي كالإخوة والأعمام وبنيهم وغيرهم ممن سبق ذكرهم.
(2)

قوله «إِلاَّ الزَّوْجَ وَالْمُعْتِقَةَ وَعَصَبَاتِهَا»:

أي يستثنى من قولنا كل وارث من الذكور الزوج، فهو ليس من العصبة بل من أصحاب الفروض، وكذلك المعتقة وعصباتها وهم من الذكور ولكنهم يدلون بأنثى، وأحقهم بالميراث الأقرب فالأقرب إلى الميت كالإرث بالنسب، فيرث ابن المعتق وأبوه وجده وأخوه لغير أم ونحوهم وترتيبهم في التقديم كترتيب عصبة النسب.
(3)

قوله «وَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيْرَاثِ أَقْرَبُهُمْ، وَأَقْرَبُهُمُ الاِبْنُ»:

شرع المؤلف في بيان جهات العصوبة، وجهات العصوبة خمسة على القول الراجح وهم «بنوة - أبوة - أخوة - عمومة - ولاء».
أما على القول الآخر وهو الذي عليه المذهب فإنه يجعل الجدودة جهة فتكون جهة العصوبة هي «البنوة - الأبوة - الجدودة والإخوة - بنوا الإخوة - العمومة وبنوهم - الولاء»، ولما كان أقرب العصبات إلى الميت الابن بدأ به، فهو أحق العصبة بالميراث، ولأن الله تعالى بدأ به في آيات المواريث فقال ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ 1.

ثُمَّ ابْنُهُ، وَإِنْ نَزَلَ (1)، ثُمَّ الأَبُ، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا (2)، مَا لَمْ يَكُنْ إِخْوَةٌ (3)، ثَمَّ بَنُوْ الأَبِ (4)، ثُمَّ بَنُوْهُمْ، وَإِنْ نَزَلُوْا (5)، وَعَلَى هَذَا لا يَرِثُ بَنُوْ أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِيْ أَبٍ أَدْنَى مِنْهُ وَإِنْ نَزَلُوْا (6)،  (1)

قوله «ثُمَّ ابْنُهُ، وَإِنْ نَزَلَ»:

هذه هي المرتبة الثانية، فإن عدم الابن انتقلنا إلى ابن الابن وقوله «وإن نزل» يعني أننا ننزل عند عدم ابن الابن إلى ابن ابن الابن وهكذا أما البنت فليس من أهل التعصيب.
(2)

قوله «ثُمَّ الأَبُ، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا»:

ثم للترتيب أي فإن عدم الفرع الوارث الذكر انتقلنا إلى الأصل الوارث من جهة الأبوة، فنبدأ بالأب فهو أقرب من الجد إذا لا واسطة بينه وبين أبنه، فإن عدم الأب انتقلنا إلى أبيه يعني جد الميت وإن علا.
(3)

قوله «مَا لَمْ يَكُنْ إِخْوَةٌ»:

أي ما لم يكن هناك أخوة مع الجد هذا على قول من قال بأنهم يرثون معه، وإلا فالصحيح أنهم يسقطون به كما سبق.
(4)

قوله «ثَمَّ بَنُوْ الأَبِ»:

المراد بهم الإخوة الأشقاء والإخوة لأب يعنى أنهما يكونان من بعد الجد، لكن الإخوة لأبويين أولى من الإخوة لأب، لأن الأخ الشقيق ساوى الأخ لأب في قرابته للأب وترجح بقرابة الأم فيقدم عليه لأنه أقوى منه في الجهة.
(5)

قوله «ثُمَّ بَنُوْهُمْ، وَإِنْ نَزَلُوْا»:

أي فإن عدم الإخوة الأشقاء أو الإخوة لأب انتقلنا إلى بنيهم لكن يكون ابن الأخ الشقيق أولى من ابن الأخ من الأب لترجح أبيه الشقيق على عمه لأبيه كما سبق فهؤلاء أبناء الإخوة أولى من الأعمام لأن ابن الأخ من ولد الأب، والعم من ولد الجد.
(6)

قوله «وَعَلَى هَذَا لا يَرِثُ بَنُوْ أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِيْ أَبٍ أَدْنَى مِنْهُ وَإِنْ نَزَلُوْا»:

وهم الأعمام والإخوة وإن نزلوا لما ذكرناه أنفاً وذلك لأنهم أقرب منزلة منهم =

وَأَوْلَى كُلِّ بَنِيْ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ (1)، فَإِنِ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ، فَأَوْلاهُمْ مَنْ كَانَ لأَبَوَيْنِ (2)، وَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يُعَصِّبُوْنَ أَخَوَاتِهِمْ وَيَقْتَسِمُوْنَ مَا وَرِثُوْا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (3)،  = وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (1)، ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - فلأولى رجل ذكر فلأقرب رجل ذكر.

(1)

قوله «وَأَوْلَى كُلِّ بَنِيْ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ»:

كما سبق بيان ذلك فأولاد الأب الأشقاء أو لأب يرثون دون أبنائهم لأنهم أقرب في الدرجة.
(2)

قوله «فَإِنِ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ، فَأَوْلاهُمْ مَنْ كَانَ لأَبَوَيْنِ»:

أي فإن استوت العصبة في الدرجة كأخويين وعمين مثلاً قدم الأقوى منهما، فيقدم ولد الأبويين على الأب لقوة القرابة.
مثال ذلك هلك هالك عن بنت، وأخت شقيقة، وأخ لأب.
نقول للبنت النصف، والباقي للشقيقة لأنها أقوى من الأخ لأب.
مثال آخر: هلك هالك عن أخ لأب، وابن أخ شقيق.
نقول المال للأخ لأب، لأنه أقرب منزلة ولا تعتبر قوة الثاني، لأن قرب المنزلة مقدم على القوة قال الجعبرى.
فالجهة التقديم ثم بقرابة: وبعدهم التقديم بالقوة أجعلا.

(3)

قوله «وَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يُعَصِّبُوْنَ أَخَوَاتِهِمْ وَيَقْتَسِمُوْنَ مَا وَرِثُوْا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»:

هذا هو القسم الثاني من أقسام العصبة وهم العصبة بالغير وقد سبق تفصيلهم فالابن يعصب أخته، وابن الابن يعصب أخته وبنت عمه، فمتى كان معهم صاحب فرض فإنه يأخذ فرضه، ثم يقتسم هؤلاء ما بقى=1

وَالأَخُ مِنَ الأَبَوَيْنِ أَوْ مِنَ الأَبِ (1)، وَمَنْ عَدَاهُمْ يَنْفَرِدُ الذُّكُوْرُ بِالْمِيْرَاثِ، كَبَنِيْ الإخوة وَالأَعْمَامِ وَبَنِيْهِمْ (2)، وَإِذَا انْفَرَدَ الْعَصَبَةُ، وَرِثَ الْمَالَ كُلَّهُ (3)،  =للذكر مثل حظ الاثنين، فإن لم يكن معهم صاحب فرض اقتسموا المال كله أيضاً للذكر مثل حظ الاثنين لقوله تعالى ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (1).

(1)

قوله «وَالأَخُ مِنَ الأَبَوَيْنِ أَوْ مِنَ الأَبِ»:

أي كذلك الإخوة الأشقاء والإخوة لأب فإنهم يعصبون أخواتهم فالأخ الشقيق مع الأخت الشقيقة عصبه، وكذلك الأخ لأب مع الأُخت لأب عصبة بالغير لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (2). (2)

قوله «وَمَنْ عَدَاهُمْ يَنْفَرِدُ الذُّكُوْرُ بِالْمِيْرَاثِ، كَبَنِيْ الإخوة وَالأَعْمَامِ وَبَنِيْهِمْ»:

هذه قاعدة هامة في العصبة أي وما عدا هؤلاء الأربعة الذين تم ذكرهم وهم «الابن، وابن لابن والأخ الشقيق والأخ لأب».
ماعدا هؤلاء إذا أنفرد الذكور منهم بالميراث أخذوه دون الإناث وهم أبناء الإخوة والأعمام وبنوهم، فابن الأخ لا ترث أخته معه شيئاً, وكذا العم لا ترث أخته معه شيئاً، وكذا ابن العم لا ترث أخته معه شيئاً لأنهن من ذوات الأرحام، فإذا لم يرثن منفردات لم يرثن مع إخوانهن شيئاً.

(3)

قوله «وَإِذَا انْفَرَدَ الْعَصَبَةُ، وَرِثَ الْمَالَ كُلَّهُ»:

هذا في بيان حكم العصبة وهم قرابة الرجل لأبيه، فإنهم إذا انفردوا أخذوا المال كله واحداً كانوا أو أكثر وقد سبق بيان ذلك.12

وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ذُوْ فَرْضٍ بُدِئَ بِهِ، وَكانَ الْبَاقِيْ لِلْعَصَبَةِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَلْحِقُوْا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (1)، فَإِنِ اسْتَغْرَقَتِ الْفُرُوْضُ الْمَالَ، سَقَطَ الْعَصَبَةُ (2)، فَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَإِخْوَةٌ لأُمٍّ وَإِخْوَةٌ لأَبَوَيْنِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلإِخْوَةِ لِلأُمِّ الثُّلُثُ وَسَقَطَ الإخوة لِلأَبَوَيْنِ، وَتُسَمَّى: الْمُشَرَّكَةَ وَالْحِمَارِيَّةَ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ذُوْ فَرْضٍ بُدِئَ بِهِ، وَكانَ الْبَاقِيْ لِلْعَصَبَةِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَلْحِقُوْا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَر» (1)»: أي إن كان مع العصبة صاحب فرض فإنه يبدئ به فأعطى فرضه، وما بقي فللعصبة، فإن لم يبق شيء يسقط العاصب وإلا في المشرَّكة أو الحمارية كما سيذكر ذلك المؤلف.
(2)

قوله «فَإِنِ اسْتَغْرَقَتِ الْفُرُوْضُ الْمَالَ، سَقَطَ الْعَصَبَةُ»:

قد سبق بيان ذلك، وهذه قاعدة، في باب العصبات إلا فيما سيذكره المؤلف.
(3)

قوله «فَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَإِخْوَةٌ لأُمٍّ وَإِخْوَةٌ لأَبَوَيْنِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلإِخْوَةِ لِلأُمِّ الثُّلُثُ وَسَقَطَ الإخوة لِلأَبَوَيْنِ، وَتُسَمَّى: الْمُشَرَّكَة وَالْحِمَارِيَّةَ»:

هذه هي المسألة المشرَّكة أو الحمارية وهي كما ذكر المؤلف زوج وذو سدس «أم أو جدة» وأخوة لأم، وأخوه أشقاء، وهذا النوع من المسائل للفقهاء رحمهم الله مذهبان فيها.
فالذي عليه أبو حنيفة 2، وأحمد 3، أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة لأم الثلث، ولا شيء للأشقاء، لاستغراق الفروض، والعاصب=1

..................................  =على ما سبق لا يأخذ إلا ما تبقى بعد الفروض، وهذا ما حكم به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب 1 -رضي الله عنه- أولاً، فلما كان من العام المقبل أُتى بمثلها، فأراد أن يقضى فيها بما قضى به أولاً، فقال له أحد الإخوة الأشقاء هب أن أبانا كان حماراً أو حجراً ملقى في اليم، فلما قيل له ذلك، قضى بالتشريك بين الإخوة من الأم والإخوة الأشقاء، كأنهم أولاد أم بالنسبة لقسمة الثلث بينهم فقط، لا من كل الوجوه، بعد أن أسقطهم في العام الماضي، ولما قيل له ذلك، قال: ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي، وبهذا المذهب الأخير أخذ مالك 2، والشافعي 3. والأول هو مقتضى النص والقياس كما قال - صلى الله عليه وسلم - «أَلْحِقُوْا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَر» 4. قلت: والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، فلا يشرك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم، وهذا هو اختيار الشيخين، وقول شيخنا صالح الفوزان حفظه الله.
قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 5 لكن القول الراجح بلا شك أنه لا يمكن أن يكون الإخوة الأشقاء مشاركين للأخوة من الأم, لأننا لو شركناهم لخالفنا الحديث والقرآن فإذا شركناهم مع الإخوة من الأم، فهل=

وَلَوْ كَانَ مَكَانَهُمْ أَخَوَاتٌ، كَانَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَتُعُوْلُ إِلَى عَشَرَةٍ، وَتُسَمَّى: أُمَّ الْفُرُوْخِ (1)،  =يكون للأخوة من الأم الثلث؟ لا؛ لأن هؤلاء سيشاركونهم في الثلث، وإذا شركناهم هل نحن امتثلنا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله «أَلْحِقُوْا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَر»؟ لا، ولذلك نحن نسأل الله عز وجل العفو والمغفرة لمن ذهبوا هذا المذهب, وشركوا الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم ونقول هم مجتهدون، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن لم يصب فله أجر واحد.

  • فائدة: لو كان بدل الإخوة الأشقاء أخوات شقيقات فإنهن لا يسقطن، فلو هلكت امرأة عن زوج وأم وإخوة من أم وأختين شقيقتين، فإن الأخوات لشقيقات لا يسقطن مع الإخوة لأم ويكون حل المسألة كالأتي: أصل المسألة من ستة، للزوج النصف ثلاثة وللأم السدس واحد وللأخوة من الأم الثلث اثنان وللأخوات لشقيقات الثلثان أربعة، فنعول المسألة إلى عشرة.
    وهذا من غرائب الفرائض؛ فسبحان من قسمها إخوة أشقاء يسقطون وأخوات شقيقات لا يسقطن.
    وهذا ما سيذكره المؤلف -رحمه الله- بقوله.

(1)

قوله «وَلَوْ كَانَ مَكَانَهُمْ أَخَوَاتٌ، كَانَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَتُعُوْلُ إِلَى عَشَرَةٍ، وَتُسَمَّى: أُمَّ الْفُرُوْخِ»:

أي لو كان مكان الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم أخوات شقيقات فإنهن لا يسقطن.
فيكون أصل المسألة من ستة، وصورتها كالآتي: 10:

..................................  10... 6... - 3... 3... 2/ 1 زوج 1... 1... 6/ 1 أم 2... 2... 3/ 1 أخوة لأم 4... 4... 3/ 2 أخوات شقيقات ووجه كونها أم الفروخ لأنها أكثر المسائل عولاً، وشبه أصل المسألة الستة بالأم وشبهت العشرة بالفروخ لها، وتسمى أيضاً بالشريحية، لأن رجلاً سأل شريحاً عن نصيب الزوج من زوجته فقال النصف، فعرض عليه ورثة زوجته، وطلب منه قسمة مالها، وكان ورثتها كما في هذه المسألة.
فلم يعط الزوج - وهو السائل - إلا ثلاثة من عشرة، فأخذ يشيع بين الناس أن شريحاً أفتاه بكذا ولم يعطه إلا كذا، فكان شريح يقول له إنك تراني حاكماً ظالماً - وأراك فاسقاً جائراً - لأنك تكتم القصة وتشيع الفاحشة 1.

  • فائدة: يأتي في كلام بعض الفقهاء ما يسمى بالأخ المبارك والأخ المشؤوم فما المراد بهما؟ الجواب: الأخ المبارك هو الذي لولاه لسقطت أخته.
    مثاله: هلك هالك عن بنتين، وبنت ابن، وابن ابن فيكون للبنتين الثلثان والباقي لأبن الابن وبنت الابن للذكر مثل حظ الأنثيين، ولولا وجود ابن =

..................................  =الابن لم تأخذ بنت الابن شيئاً، لأن البنتين قدا استكملتا الثلثين.
والأخ المشؤوم: هو الذي لولاه لورثت أخته.
مثال ذلك: هلك هالك عن زوج وأخت شقيقة، وأخت لأب، وأخ لأب فيكون للزوج النصف، وللشقيقة النصف ولا شيء للأخت والأخ لأب لعدم وجود باق، ولولا وجود الأخ لأخذت الأخت لأب السدس تكملة الثلثين، فتزيد المسألة بالعول.

فَصْلٌ فِيْ مِيْرَاثِ الْخُنْثَى

(1)  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ مِيْرَاثِ الْخُنْثَى»:

الخنثى: هو الذي اجتمعت فيه آلة الذكر وآلة الأنثى، وهو لا يخلو من أن يكون قد وضحت ذكوريته أو أنوثيته، أو أشكلت، فالخنثى الواضح من له آلة ذكر وفرج أنثى، فهذا فيه تفصيل.
فإن كان يبول من فرج أنثى ويحيض منه فهذا يجعله أنثى، وإن كان له آلة ذكر وآلة أنثى لكنه يبول من آلة الذكر ولا يبول من آلة الأنثى ولا يحيض فهذا خنثى ذكر، أما المشكل فهو الذي لا يعلم أذكر هو أم أنثى، وهذا أنواع: الأول: أن يكون له آلة ذكر وآلة أنثى ويبول منهما جميعاً، فهذا لا ندري هل هو ذكر أو أنثى.
الثاني: أن يكون له مخرج واحد يخرج منه البول والغائط، وليس له آلة ذكر ولا آلة أنثى.
الثالث: أن يكون له دبر مستقل، ويخرج البول من غير ذكر ولا فرج يخرج رشحاً كالعرق الكثيف.
الرابع: ألا يكون له فرج إطلاقاً من أسفله، لا دبر ولا قبل ولا فرج وإنما يتقيأ ما يأكله ويشربه، يبقى في معدته ما شاء الله حتى يمتص الجسم ما يحتاجه من غذاء هذا الطعام والشراب، ثم يتقيأ، فهؤلاء كلهم خنثى مشكل حالهم في الميراث سيوضحه المؤلف إن شاء الله قريباً.
وهم من جهة الأحكام على نوعين: الأول: نوع لا يختلف فيه الذكر والأنثى، وهذا لا حاجة لتميزه مثل الزكاة والفطرة.
الثاني: نوع يختلف فيه الذكر عن الأنثى بالميراث والدية، فهذا يحتاج إلى تميزه.

وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ خُنْثَى اعْتُبِرَ بِمَبَالِهِ، فَإِنْ بَالَ مِنْ ذَكَرِهِ، فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ فَرْجِهِ، فَهُوَ امْرَأَةٌ (1)، وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا وَاسْتَوَيَا، فَهُوَ مُشْكِلٌ (2)، لَهُ نِصْفُ مِيْرَاثٍ ذَكَرٍ وَنِصْفُ مِيْرَاثِ أُنْثَى (3)،  (1)

قوله «وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ خُنْثَى اعْتُبِرَ بِمَبَالِهِ، فَإِنْ بَالَ مِنْ ذَكَرِهِ، فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ فَرْجِهِ، فَهُوَ امْرَأَةٌ»:

وهذا هو الخنثى الواضح كما سبق فحكمه على حسب حال بوله لما ذكر المؤلف، فإن كان مخرج بوله من ذكره حكم بذكوريته ويشمله النص الوارد فيهم، وإن كان مخرج بوله من الفرج حكم بأنوثيته ويشمله النص الوارد فيهن.
(2)

قوله «وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا وَاسْتَوَيَا، فَهُوَ مُشْكِلٌ»:

أي إن خرج من الذكر والفرج البول في وقت واحد ولم يسبق أحدهما الأخر، ولم يمكن تحديد حال الخنثى لا بالتحاليل الطبية من جهة بوله أو دمه أو منيه عن طريق الطرق العلمية الحديثة فهذا حكمه كما قال المؤلف.
(3)

قوله «لَهُ نِصْفُ مِيْرَاثٍ ذَكَرٍ وَنِصْفُ مِيْرَاثِ أُنْثَى»:

وقيل بل يعطى أقل النصيبين.
والصحيح ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول أكثر أهل العلم، وهذا هو العدل.
فلو هلك هالك عن ابنتين أحدهما خنثى، فمسألة الذكورية من اثنين له واحد ولأخيه واحد، والأنوثية من ثلاثة له واحد ولأخيه اثنان، وبين المسألتين تباين نضرب أحدهما في الأخر تبلغ ستة فيكون من له شيء من إحدى المسألتين أخذه مضروباً في الأخرى.

وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ دِيَتِهِ وَجُرَاحِهِ وَغَيْرِهِمَا (1)، وَلا يُنْكَحُ بِحَالٍ (2)،  (1)

قوله «وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ دِيَتِهِ وَجُرَاحِهِ وَغَيْرِهِمَا»:

أي وكذلك يكون حال الخنثى الذي لا يمكن تحديده إذا اعتدى عليه بقتل أو جرح فإنه يعطى نصف ما يجب في جرح ذكر، ونصف ما يجب في جرح أنثى وكذلك في الدية يكون له نصف دية الرجل ونصف دية الأنثى، لأن الحالتين متساويتان فوجب التسوية بينهما.
(2)

قوله «وَلا يُنْكَحُ بِحَالٍ»:

أي لا يتزوج الخنثى المشكل قبل تبين حاله من كونه ذكراً أو أنثى لعدم تحقق مبيح النكاح، فتغلب جانب الحظر.
وهذا رسم توضيحي لبيان ميراث الخنثى:

3... 2... - 2... 1... ابن 1... 1... ولد خنثى تقديره بالأنوثية... تقديره الذكورية... -

بَابُ ذَوِيْ الأَرْحَامِ

(1) وَهُمْ: كُلُّ قَرَابَةٍ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ وَلا ذِيْ فَرْضٍ (2)،  (1)

قوله «بَابُ ذَوِيْ الأَرْحَامِ»:

الأرحام: جمع رحم وأصله: مكان تكوين الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة مطلقاً، سواء كانوا أقارب من جهة الأب، أومن من جهة الأم لأن الرحم يجمعهم.
أما في الاصطلاح فقد عرفهم المؤلف بقوله.

(2)

قوله «وَهُمْ: كُلُّ قَرَابَةٍ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ وَلا ذِيْ فَرْضٍ»:

هذا هو حد ذوي الأرحام، فهم كل قريب له صلة بالميت لا يرث بطريقة الفرض ولا التعصيب، وهم أربعة أصناف: الصنف الأول: من ينتسب إلى الميت: وهم أولاد البنات وإن نزلوا، وأولاد بنات الابن كذلك.
الصنف الثاني: من ينتسب إليهم الميت وهم الأجداد الرحميون وإن علوا، كأبي أم الميت وأبي أبي أمه، والجدات الرحميات وإن علون كأم أبي أم الميت، وأم أم أبي أمه.
الصنف الثالث: من ينتسب إلى أبوي الميت أو أحدهم وهم: أولاد الأخوات وإن نزلوا، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً وسواء أكان الأخوات لأب وأم، أو لأب، أو لأم، وبنات الأخوات وإن نزلوا سواء أكان الأخوات من الأبوين، أو لأب، أومن أم وبنو الإخوة لأم وإن نزلوا.
الصنف الرابع: من ينتسب إلى جدي الميت أو أحدهما، من الجدات السواقط، وهن: كل جدة أدلت بذكر بينه وبين الميت أنثى، كأم أبي الأم، وأم أبي الجدة، وكل جدة أدلت بأب أعلى من الجد، كأم أبي الجد، وهذا=

..................................  =هو المذهب 1. والصحيح: أن كل جدة أدلت بوارث فهي وارثة أي تكون من ذوات الفروض وإن أدلت بأب أعلى من الجد، وهو مذهب أبي حنيفة 2، والشافعي 3، واختاره شيخ الإسلام 4، وهو اختيار شيخنا 5 -رحمه الله-.

  • فائدة: اختلف الفقهاء في توريث ذوي الأرحام على قولين: الأول: وهو ما ذهب إليه المالكية 6، والشافعية 7، أنهم لا يرثون، والمال ينتقل إلى بيت مال المسلمين إذا لم يكن هناك فرض أو عصبة واحتج هؤلاء بما يلي: 1 - أن الله تعالى نص في آيات المواريث على بيان أصحاب الفروض والعصبات ولم يذكر لذوي الأرحام شيئاً ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ 8، وأدنى ما في الباب أن يكون توريث ذوي الأرحام زيادة على كتاب الله، وذلك لا يثبت بخبر الآحاد.
    2 - ومن أدلتهم أيضاً ما جاء عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «رَكِبَ إِلَى قُبَاء يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ أَنْ لا مِيرَاثَ لَهُمَا» 9، =

..................................  =وقالوا: والآية مجملة لقوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ﴾ 1، وليست بصريحة بذوي الأرحام خاصة، وآيات المواريث مفسرة، والمفسر قاض على المجمل ومبين والحديث في فروضهم.
القول الثاني: أن ذوي الأرحام يورثون، وهو ما ذهب إليه الحنفية 2، والحنابلة 3، وهو وجه في مذهب الشافعية 4 إذا لم ينتظم بيت المال، وهو المفتى به عند متأخريهم ومتأخري المالكية 5 بهذا الشرط، وهو أيضاً المروى عن عمر بن عبد العزيز، وعطاء، وغيرهم 6، وهو اختيار ابن القيم 7، وشيخنا -رحمه الله- 8. احتج أصحاب هذا القول بما يلي: 1 - قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ 9 وجه الدلالة من الآية أنها أثبتت استحقاق ذوي الأرحام بوصف عام هو وصف الرحم، فإذا انعدم الوصف الخاص، وهو كونهم أصحاب فروض أو عصبات، استحقوا بالوصف العام وهو كونهم ذوي رحم ولا منافاة بين الاستحقاق بالوصف العام والاستحقاق بالوصف الخاص، فلا يكون ذلك زيادة على كتاب الله.

لا مِيْرَاثَ لَهُمْ مَعَ عَصَبَةٍ وَلا ذِيْ فَرْضٍ (1)،  2 - ما جاء في السنة عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ «أَنَّ رَجُلاً رَمَى رَجُلاً بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إِلاَّ خَالٌ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى لَهُ وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ.» (1). 3 - ومن ذلك أيضاً ما جاء عَنِ الْمِقْدَامِ أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَىَّ أَقْضِى دَيْنَهُ وَأَفُكُّ عَانِيَهِ وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ يَقْضِى دَيْنَهُ وَيَفُكُّ عَانِيَهِ» (2). قلت: وهذا هو الراجح، فذوي الأرحام أحق بالميراث لرابطة الإسلام ورابطة الرحم، أما احتجاجهم بحديث عطاء بن يسار فهو حديث مرسل والمرفوع منه ضعيف أو أنه يحمل على أنه لا ميراث لهما أي «العم والخال» مع ذوي الفروض والعصبات ولذلك سمى الخال وارث من لا وارث له.

(1)

قوله «لا مِيْرَاثَ لَهُمْ مَعَ عَصَبَةٍ وَلا ذِيْ فَرْضٍ»:

أي أن ذوي الأرحام لا يرثون مع وجود العصبة وكذلك لا يرثون مع ذو فرض من أهل الرد، وعدم ميراثهم مع وجود العصبة وأصحاب الفروض لأن أصحاب الفروض منصوص على فروضهم، والعصبة يستحقون ما فضل عن الفرض، ولأن صاحب الفرض أقرب إلى الميت من ذوي الأرحام فكان أولى بميراثه.12

إِلاَّ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ لَهُمْ مَا فَضَلَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ وَلا مُعَاوَلَةٍ (1)، وَيَرِثُوْنَ بِالتَّنْزِيْلِ (2)،  مثال ذلك: هلك هالك عن عم لغير أمه وعمته: الجواب: المال للعم بالتعصيب، ولاشيء للعمة لأنها من ذوي الأرحام ولا ترث لوجود من يرث بالتعصيب.
مثال: هلك هالك عن أخيه لأمه، وعمته: الجواب: المال للأخ لأم فرضاً ورداً ولاشيء لعمته وذلك لوجود صاحب فرض وهو الأخ لأم، ولأن الرد يقدم على ذوي الأرحام.

(1)

قوله «إِلاَّ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ لَهُمْ مَا فَضَلَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ وَلا مُعَاوَلَةٍ»:

أي إلاَّ إذا كان صاحب الفرض أحد الزوجين، ولا يرد عليه ما بقى من الميراث فإنه لم يمنع ذلك ذوي الأرحام، فيعطي أي من الزوجين نصيبه كاملاً، والباقي لذوي الأرحام.
مثال ذلك: هلك هالك عن زوجة، وبنت بنت.
الجواب: للزوجة الربع، ولبنت البنت النصف فرضاً ورداً مثال أخر: هلكت هالكة عن زوج، وبنت بنت.
الجواب: للزوج النصف، ولبنت البنت النصف، وقوله «من غير حجب»، أي لا يحجبهم الزوجان عن الميراث وقوله «ولا معاولة»، أي لو حصل عول في مسألة ذوي الأرحام، فإن النقص لا يدخل على من معهم من الزوجين بل يعطى نصيبه كاملاً كما في الأمثلة السابقة، ثم يقسم المال على ذوي الأرحام.

(2)

قوله «وَيَرِثُوْنَ بِالتَّنْزِيْلِ»:

بدأ المؤلف هنا في بيان كيفية توريث كل صنف =

..................................  =من ذوي الأرحام، وقد اختلف من قال بتوريثهم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: اعتبار قرب الجهة فمن كان أقرب إلى الوارث كان أولى بالميراث من أي جهة كانت وحجة هذا القول قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ﴾ 1، قالوا: فمتى اعتبرنا الأولوية كان الأقرب أولى ويسمى هذا بمذهب أهل القرابة.
فلو هلك هالك عن بنت بنت، وبنت بنت ابن، فإن الأولى بالميراث بنت البنت من بنت بنت الابن، لأن بنت البنت تدلى بواسطة واحدة، والثانية بواسطتين، فإن استوت درجاتهم، بأن أدلوا كلهم إلى الميت بدرجتين أو ثلاث، فحينئذ يقدم ولد الوارث على ولد ذي الرحم كبنت بنت الابن، فإنها أولى من ابن بنت البنت.
القول الثاني: وهو مذهب أهل الرحم، وهم الذين يسوون بين الأرحام في التوريث، فلا يفرقون بين صنف وصنف، ولا بين درجة ودرجة ولا بين قرابة قوية وأخرى بعيدة ضعيفة، فلو كان للمتوفى بنت أخت، وبنت بنت فإن الميراث بينهما على السواء، ولو ترك ابن أخت، وبنت ابن أخ، فالميراث بينهما سواء وحجتهم في ذلك أن السبب الموجب للميراث هو الرحم، وتحققها بالجميع قدر مشترك، فثبت الميراث للجميع بالتساوي.
وهذا القول لم يأخذ به أحد من الأئمة ذكر ذلك السرخسي في المبسوط 2.

..................................  القول الثالث: أن ميراث ذوي الأرحام يكون باعتبار قرب الجهة فمن كان أقرب إلى الوارث كان أولى بالميراث من أي جهة كانت، والحجة في ذلك قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ 1، ومتى اعتبرنا الأولوية كان الأقرب أولى، فلو هلك هالك عن بنت بنت، وبنت أخ لأبويين أو لأب فيكون المال لبنت الأخ لقرب الجهة.
القول الرابع: وهو ميراث أهل التنزيل، وهو الذي ذكره المؤلف هنا، ومعنى التنزيل أن من أدلى من ذوي الأرحام إلى الميت بوارث قام مقام ذلك الوارث.
فولد البنات، وولد بنات الابن، وولد الأخوات مطلقاً كأمهاتهم وبنات الإخوة وبنات الأرحام الأشقاء أو لأب، وبنات بنيهم، وأولاد الإخوة من الأم، وأولاد الأعمام لأم كآبائهم، وهذا المذهب هو مذهب الشافعي 2، وإحدى الروايتين عن الأمام أحمد 3، وهي التي اختارها المؤلف هنا، فلو هلك هالك عن بنت بنت، وبنت بنت ابن فيكون المال بينهما ثلاثة أرباعه لبنت البنت، وربعه لبنت بنت لأبن فرضاً ورداً، ولو هلك هالك عن بنت بنت بنت، وبنت أخ لأبوين أو لأب فيكون على هذا المذهب أن بنت البنت تقوم مقام أمها فلها النصف والباقي لبنت الأخ لأنها تقوم منزلة أبيها فتأخذ الباقي تعصيباً.

فَيُجْعَلُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَدْلىَ بِهِ، فَوَلَدُ الْبَنَاتِ وَوَلَدُ بَنَاتِ الاِبْنِ وَالأَخَوَاتِ بِمَنْزِلَةِ أُمَّهَاتِهِمِ (1)، وَبَنَاتُ الإخوة وَالأَعْمَامِ (2)، وَبَنُو الإخوة مِنَ الأُمِّ كَآبَائِهِمْ (3)،  (1)

قوله «فَيُجْعَلُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَدْلىَ بِهِ، فَوَلَدُ الْبَنَاتِ وَوَلَدُ بَنَاتِ الاِبْنِ وَالأَخَوَاتِ بِمَنْزِلَةِ أُمَّهَاتِهِمِ»:

كما سبق بيانه آنفاً، فصفة التنزيل أن ينزل كل واحد منهم منزلة من أدلى به فيجعل ولد البنات والأخوات كأمهاتهم وبنات الإخوة والأعمام وولد الإخوة من الأم كآبائهم، والأخوال والخالات كالأم، والعمات والعم من الأم كالأب وقد سبق بيان بعض الأمثلة لذلك، وهذا مثال أخر يوضح ما ذكرناه.
مثال: هلك هالك عن بنت بنته، وابن أخته الشقيقة، وبنت أخيه لأب: الجواب: فهنا نعتبر أن الميت مات عن بنت، وأخت شقيقة، وأخ لأب فيكون نصيب بنت البنت النصف، وابن الأخت الشقيقة النصف أيضاً نصيب أمه، ولاشيء لبنت الأخ لأب، لأن الشقيقة عصبة مع البنت كما تقدم.

(2)

قوله «وَبَنَاتُ الإخوة وَالأَعْمَامِ»:

أي وبنات الإخوة وبنات الأعمام.
(3)

قوله «وَبَنُو الإخوة مِنَ الأُمِّ كَآبَائِهِمْ»:

وإنما قال المؤلف ذلك لأن بنى الإخوة عصبة، وبنى الأعمام عصبة أما الإخوة لأم فإن أبنائهم وبناتهم كلهم من ذوي الأرحام ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم- وبنوا الإخوة من الأم كآبائهم، وعلى ذلك نقول بنت الأخ الشقيق وبنت الأخ لأب كآبائهم.
فلو هلك هالك عن بنت أخ شقيق، وبنت أخ لأب: الجواب: فيكون المال لبنت الأخ الشقيق لأنه لو هلك عن أخ شقيق وأخ لأب، فالذي يرث الأخ الشقيق ولا شيء للأخ لأب.

وَالْعَمَّاتُ وَالْعَمُّ مِنَ الأُمِّ كَالأَبِ (1)، وَالأَخْوَالُ وَالْخَالاتُ وَأَبُوْ الأُمِّ كَالأُمِّ (2)، فَإِنْ كَانَ مِنْهُمُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَسْبَقُهُمْ إِلَى الْوَارِثِ أَحَقُّ (3)،  (1)

قوله «وَالْعَمَّاتُ وَالْعَمُّ مِنَ الأُمِّ كَالأَبِ»:

أي العمات اللاتي هن أخوات الأب وكذلك العم لأم أخو الأب لأمه فإنهم ينزلون منزلة الأب.
(2)

قوله «وَالأَخْوَالُ وَالْخَالاتُ وَأَبُوْ الأُمِّ كَالأُمِّ»:

أي وكذلك الأخوال كالأم، والخالات كالأم، وأبو الأم كالأم وليس مراد المؤلف هنا أنهم إذا اجتمع هؤلاء يعاملون معاملة الأم لا لأنهم عند اجتماعهم فإن أبو الأم يحجب الإخوة لكن مراده في التنزيل.
فنبدأ بالأخوال: كهالك عن خال وعمه شقيقة؟ الجواب: الخال ينزل منزلة الأم، والعمة بمنزلة الأب فتكون المسألة من أم وأب، ومن المعلوم أن الأم لها الثلث والباقي للأب، فيكون للخال الثلث، والباقي للعمة الشقيقة.
الخالات: هالك عن خالة وعمة، الخالة بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة الأب، فيكون للخالة الثلث، والعمة الباقي.
أبو الأم: فلو هلك عن خال وخالة وأبي أم وبنت عم.
الخال والخالة بمنزلة الأم وكذلك أبو الأم وبنت العم بمنزلة العم، فتكون المسألة من أم وعم فيكون نصيب الأم هو الثلث لمن أدلوا بها «الخال، الخالة، وأبي الأم»، ولبنت العم الباقي.

(3)

قوله «فَإِنْ كَانَ مِنْهُمُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَسْبَقُهُمْ إِلَى الْوَارِثِ أَحَقُّ»:

أي فإن كان ذوي الأرحام اثنين فصاعداً وكانت جهتهم واحدة وهي كما سيأتي جهاتهم ثلاث جهات «بنوه، أمومة، وأبوة»، فيكون توريثهم=

وَسَوَّيْتَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثىَ إِذَا اسْتَوَتْ جِهَاتُهُمْ مِنْهُ (1)،  =بأسبقهم إلى الوارث، ويسقط البعيد بالقريب.
فلو هلك هالك عن بنت بنت وبنت بنت البنت، فيكون المال كله لبنت البنت لأنها أقرب فإنها من الوارثين بالنسب، وأما بنت بنت البنت فأمها من ذوي الأرحام، ولو مات عن بنت بنت ابن، وابن بنت بنت، فالمال كله لبنت بنت الابن لأن أمها من الوارثين بالنسب بخلاف الأخرى فأمها من ذوي الأرحام.
ولو هلك هالك عن خالة وأم أبي أم فالمال كله للخالة لأنها تدلي بالأم من أول درجة بخلاف أم أبي الأم فهي تدلي بالأم من درجتين، فهي أبعد من الخالة، وما ذكره المؤلف هنا هو ما عليه إجماع أهل العلم (1) القائلين بتوريث ذوي الأرحام.

(1)

قوله «وَسَوَّيْتَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثىَ إِذَا اسْتَوَتْ جِهَاتُهُمْ مِنْهُ»:

أي إذا استوت منزلة ذوي الأرحام من المدلى به كأولاده وإخوانه فيكون نصيبهم للذكر والأنثى سواء، فلو هلك هالك عن ابن أخت، وبنت أخت فالمال بينهما نصفان وذلك لاستواء المنزلة من المدلى به وهذا إحدى الروايتين في المذهب، وهي المذهب 2. وفي رواية 3 أخرى في المذهب، وهي مذهب الأمام الشافعي 4، أن الذكر يأخذ حظ الأنثيين، إلا من يدلي بأولاد الأم فذكرهم وأنثاهم سواء، كمن=1

فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَ بِنْتٍ وَبِنْتَ بِنْتٍ أُخْرَى، وَابْنًا وَبِنْتَ بِنْتٍ أُخْرَى، قَسَمْتَ الْمَالَ بَيْنَ الْبَنَاتِ عَلَى ثَلاثَةٍ، ثُمَّ جَعَلْتَهُ لأَوْلادِهِنَّ، لِلاِبْنِ الثُّلُثُ وَلِلْبِنْتِ الثُّلُثُ، وَلِلاِبْنِ وَالْبِنْتِ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ 1،  =أدلوا به وذلك لأن ميراث ذوي الأرحام معتبر بغيرهم فينبغي أن يعطوا حكم من أدلوا به، فإذا أدلوا بمن يفضل ذكرهم على أنثاهم فضل الذكر على الأنثى، وهذا هو الراجح عندي، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1). وعلى ذلك نقول في المثال السابق للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنهما مدليان بالأخت، والإخوة يفضل فيها الذكر على الأنثى، فإن اختلفت المنازل من المدلى به جعلناه كأنه مات عنهم وقسمنا نصيبه بينهم على حسب منازلهم منه.

(1)

قوله «فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَ بِنْتٍ وَبِنْتَ بِنْتٍ أُخْرَى، وَابْنًا وَبِنْتَ بِنْتٍ أُخْرَى، قَسَمْتَ الْمَالَ بَيْنَ الْبَنَاتِ عَلَى ثَلاثَةٍ، ثُمَّ جَعَلْتَهُ لأَوْلادِهِنَّ، لِلاِبْنِ الثُّلُثُ وَلِلْبِنْتِ الثُّلُثُ، وَلِلاِبْنِ وَالْبِنْتِ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ»:

نقول صورة هذه المسألة ما يلي: 1 - ابن بنت.
2 - بنت بنت أخرى.
«ابن بنت + بنت بنت أخرى»، فأصبح عندنا ثلاث بنات للميت فيعطى لكل واحدة منهن الثلث ثم نقوم بإعطاء أبناء البنت الأخيرة الثلث بينهما مناصفة، وهذا على المذهب كما سبق.
والراجح: أننا نجعل هذا الثلث للذكر مثل حظ الأنثيين، فيعطى لابن البنت سهمان وبنت البنت سهم، كما سبق بيانه.

وَإِنْ خَلَّفَ ثَلاثَ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، وَثَلاثَ خَالاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْخَالاتِ عَلَى خَمْسَةٍ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْعَمَّاتِ عَلَى خَمْسَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ (1)، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُ ذَوِيْ الأَرْحَامِ، نَزَلَّتَ الْبَعِيْدَ حَتَّى يَلْحَقَ بِوَارِثِهِ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ خَلَّفَ ثَلاثَ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، وَثَلاثَ خَالاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْخَالاتِ عَلَى خَمْسَةٍ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْعَمَّاتِ عَلَى خَمْسَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ»:

أي إن خلّف الميت ثلاث عمات متفرقات يعني عمة شقيقة وعمة لأم الأم وعمة لأب، وكذلك خلّف ثلاث خالات متفرقات خالة شقيقة وخالة لأب وخالة لأم، فالعمّات مدليات بالأب والخالات مدليات بالأم، فإننا في هذه الحالة سنجعل المسألة من أم وأب، للأم الثلث والباقي للأب، ثم يقسم نصيب الأم على ورثتها ونصيب الأب على ورثته فيكون نصيب الأم الثلث على ورثتها أخت شقيقة أخت لأب وأخت لأم، المسألة تكون من ستة، للشقيقة النصف ثلاثة وللأخت لأب السدس تكملة الثلثان والباقي السدس واحد للأخت لأم وترد إلى خمسة، ويكون نصيب الأب الباقي وهو الثلثان فيكون تقسيمه على النحو الآتي: للأُخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللأُخت لأب السدس تكملة الثلثين واحد، وللأُخت لأم واحد وهو السدس فترد إلى خمسة، إذاً عندنا خمسة نضربها في أصل المسألة ثلاثة تصبح من خمسة عشر للخالات خمسة وللعمات عشرة وللعمة التي من قبل الأب والأم ستة.

(2)

قوله «فَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُ ذَوِيْ الأَرْحَامِ، نَزَلَّتَ الْبَعِيْدَ حَتَّى يَلْحَقَ بِوَارِثِهِ»:

أي إذا اختلفت جهات ذوي الأرحام كأن بموت عن بنت بنت بنت وبنت أخ لأم، فإننا نجعل الأولى بمنزلة البنت، والثانية بمنزلة الأخ لأم.

ثُمَّ قَسَمْتَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (1)، وَالْجِهَاتُ ثَلاثٌ: الْبُنُوَّةُ، وَالأُمُوْمُةُ، وَالأُبُوَّةُ (2).  (1)

قوله «ثُمَّ قَسَمْتَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا»:

أي جعلتهم معه كميت اقتسموا إرثه.
مثال ذلك: هلك هالك عن بنت بنت، وابن أخت شقيقة، وخالة، وعمة فتكون هذه المسألة كالأتي: بنت البنت تكون بمنزلة البنت فلها النصف، وابن الأخت الشقيقة يكون بمنزلة الأخت الشقيقة فيسقط لأن الأخت الشقيقة تسقط لأن الخالة تكون بمنزلة أختها التي هي أم لها فلها السدس، والعمة تكون بمنزلة أخيها الذي هو أبو الميت فله الباقي.

(2)

قوله «وَالْجِهَاتُ ثَلاثٌ: الْبُنُوَّةُ، وَالأُمُوْمُةُ، وَالأُبُوَّةُ»:

أي الجهات التي يدلى بها ذوي الأرحام في هذه الثلاث المذكورات والأبوة يدخل فيها كل من يأتي من قبل الأب من الأجداد والجدات والحواشي الذين لا فرض لهم ولا تعصيب، كأبي أم الأب، والعمات والعم لأم، وبنات الإخوة لغير الأم، وأولاد الأخوات لغير أم وبنات الأعمام، ومن أدلى بواحد من هؤلاء، أما الأمومة فيدخل فيها جميع من يدلى بالأم من الأجداد والجدات والحواشي الذين لا فرض لهم ولا تعصيب كأبي الأم، والأخوال، والخالات، وأولاد الإخوة لأم، ومن أدلى بواحد من هؤلاء أما البنوة فيدخل فيها جميع الفروع الذين لا فرض لهم ولا تعصيب وهم من بينه وبين الميت أنثى كأولاد البنات وأولاد بنات الابن ومن أدلى بهم، فإذا اجتمع اثنان فأكثر في جهة حجب القريب البعيد إذا كانا من جهة واحدة، وإن كانا من جهتين ألحقنا كل واحد بالوارث الذي أدلى به منهما بعدة درجته، ثم قسمنا المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلى وقد سبق بيان ذلك.

بَابُ أُصُوْلِ الْمَسَائِلِ

(1) وَهِيَ سَبْعَةٌ (2):  (1)

قوله «بَابُ أُصُوْلِ الْمَسَائِلِ»:

الأصول: جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره، والمراد بأصول المسائل المخارج التي تخرج منها فروضها، وهو أقل عدد تخرج منه المسألة بلا كسر، فإن كان الورثة عصبة نسب، فأصل مسألتهم بعدد رؤوسهم يجعل الذكر رأسين والأنثى رأساً واحداً، مثل ثلاثة أبناء وأربع بنات فالمسألة من عشرة، وإن كان الورثة عصبة ولاء فتساووا في الملك فأصل مسألتهم بعدد رؤوسهم، مثل عبد عتيق هلك عن وليين لكل واحد نصفه.
فالمسألة من اثنين، وإن اختلف ملكهم فأصل مسألتهم أقل عدد ينقسم على أنصابهم من العبد المعتق، مثل عبد عتيق هلك عن موليين أحدهما له ربعه والأخر ثلاثة أرباعه، فالمسألة من أربعة، وإن كان الورثة فيهم ذو فرض، فأصل مسألتهم أقل عدد يخرج منه فرضها أو فروضها بلا كسر، وأصول المسائل نوعان، متفق عليه ومختلف فيه، فالمتفق عليه هو ما سيذكره المؤلف هنا.
وأما المختلف فيه فهما الأصلان (18 - 36) أي ثمانية عشر، وستة وثلاثون وهما في باب الجد والإخوة، وقد سبق أن الجد يقوم مقام الأب على الراجح فيحجب الإخوة عن الميراث.

(2)

قوله «وَهِيَ سَبْعَةٌ»:

أي أصول المسائل المتفق عليها سبعة وهي على الإجمال «الاثنان، والثلاثة، والأربعة، والستة، والثمانية، والاثنا عشر، والأربعة والعشرون»، وفروض هذه الأصول ستة وهي المنصوص عليها في كتاب الله تعالى وهي «النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس».

فَالنِّصْفُ مِنَ اثْنَيْنِ (1)، وَالثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ مِنَ الثَّلاثَةِ (2)، وَالرُّبُعُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ النِّصْفِ مِنْ أَرْبَعَةٍ (3)، وَالثُّمُنُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ النِّصْفِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ (4)،  (1)

قوله «فَالنِّصْفُ مِنَ اثْنَيْنِ»:

كزوج وأخت شقيقة، أو زوج وعم، أو بنت وعم، أو بنت ابن وعم، أو أخت شقيقة وعم، أو أخت لأب وعم.
(2)

قوله «وَالثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ مِنَ الثَّلاثَةِ»:

الثلاثة لها ثلاثة أصناف: الأول، ما ذكره المؤلف وهو الثلث وهذا يكون في أختين شقيقتين وأختين من أم، أو أختين لأب وأختين من أم لا يوجد غير هذا.
الصنف الثاني: أن يكون ثلثان وما بقى وهذا لا يتصور إلا في أربع مسائل بنتان وعم، بنتا أبن وعم، أختان شقيقتان وعم، وأختان لأب وعم.
الصنف الثالث: أن يكون ثلث وما بقى وهذا لا يكون إلا في مسألتين أم وعم، وأخوة من أم وعم لا يوجد غير هذا.

(3)

قوله «وَالرُّبُعُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ النِّصْفِ مِنْ أَرْبَعَةٍ»:

أي إذا كان أصحاب الفروض لهن الربع وحده أو الربع ومعه النصف فإن أصل المسألة يكون من أربعة.
مثال الأول: زوج وابن، أو زوج وعم.
المثال الثاني: زوج وبنت عم، زوج وبنت ابن عم، زوجة وأخت شقيقة وعم، زوجة وأخت لأب وعم، فهذه الصورة من أربع.

(4)

قوله «وَالثُّمُنُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ النِّصْفِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ»:

مثال الأول: زوجة وابن، فأصل المسألة ثمانية.
ومثال الأخر: «يعني الثمن مع النصف» زوجة، وبنت، وعم، فيكون للزوجة الثمن لوجود البنت، وللبنت النصف وللعم الباقي ويكون أصل المسألة من ثمانية.

فَهَذِهِ الأَرْبَعَةُ لا عَوْلَ فِيْهَا (1)، وَإِذَا كَانَ مَعَ النِّصْفِ ثُلُثٌ أَوْ ثُلُثَانِ أَوْ سُدُسٌ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ، وَتَعُوْلُ إِلَى عَشَرَةٍ (2)،  (1)

قوله «فَهَذِهِ الأَرْبَعَةُ لا عَوْلَ فِيْهَا»:

أي هذه الأصول التي تم ذكرها وهي الاثنان والثلاثة والأربعة والثمانية لا عول فيها، أي لا تزيد فروضها على أصل المسألة أبداً, بل تكون إما مساوية يعني عادلة كما لو هلك هالك عن أختين شقيقتين وأختين لأم، أو ناقصة كأن يهلك عن أختين شقيقتين وعم، والعول تعريفه: في اللغة مصدر عال إذا زاد وارتفع ومال.
قال الجوهري: العول: عول الفريضة، وقد عالت أي ارتفعت، وهو أن تزيد سهامها فيدخل النقصان على أهل الفرائض (1). أما في الاصطلاح فمعناه: زيادة في السهام ونقص في الأنصباء وذلك أن الفروض إذا كثرت وتزاحمت بحيث استغرقت جميع التركة، وبقى أصحاب الفروض بدون نصيب من الميراث، فإما أن نوفي بعض الورثة نصيبهم، ونخص بعض المستحقين بالحرمان، وهذا لا يصلح، لأن الكل له فرض متعدد وليس أحدهم بأولى من الأخر، وإما أن نزيد أصل المسألة حتى تستوعب جميع الفروض ويدخل النقص على كل وارث، وهذا هو المتعين لأنه محض العدل، وسيأتي في كلام المؤلف صور العول.

(2)

قوله «وَإِذَا كَانَ مَعَ النِّصْفِ ثُلُثٌ أَوْ ثُلُثَانِ أَوْ سُدُسٌ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ، وَتَعُوْلُ إِلَى عَشَرَةٍ»:

مثال ذلك هلك هالك عن زوج وأختين شقيقتين وأم وأخوين لأم، فللزوج النصف وللأختين الشقيقتين الثلثان وللأم السدس وللأخوة لأم الثلث فيكون أصل المسألة من ستة فتعول إلى عشرة، وهذا هو أعلى درجات العول.1

وَإِنْ كَانَ مَعَ الرُّبُعِ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَهِيَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَتَعُوْلُ إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ (1)، وَإِنْ كَانَ مَعَ الثُّمُنِ سُدُسٌ أَوْ ثُلُثَانِ، فَهِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِيْنَ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ كَانَ مَعَ الرُّبُعِ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَهِيَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَتَعُوْلُ إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ»:

أي وإن اجتمع مع الربع واحد من هذه الثلاثة المذكورة آنفاً وهي «السدس والثلث والثلثان»، فالمسألة من أثنى عشر، وهذا هو الأصل الثاني مما يعول، مثال ذلك: هلك هالك عن ثلاث زوجات، وجدتين، وأربع أخوات لأم، وثمان أخوات شقائق، فللزوجات الربع ثلاثة، وهو منقسم عليهن، وللجدتين السدس اثنان وهو منقسم عليهن أيضاً، وللأخوات لأم الثلث أربعة منقسم عليهن أيضاً، وللشقيقات الثلثان ثمانية وهو منقسم عليهن، وهذه تسمى أم الفروج لأن الوارثات كلهن نساء، وقد يعول أيضاً الاثني عشر إلى ثلاثة عشر كزوج، وبنتين، وأم، فللزوج الربع ثلاثة، وللبنتين الثلثان ثمانية، وللأم السدس اثنان، وتعول الاثني عشر أيضاً إلى خمسة عشر، كزوجة، وجدة، وشقيقتين وأخت لأم، فللزوجة الربع ثلاثة وللجدة السدس اثنان، وللشقيقتين الثلثان ثمانية، والأخت لأم السدس اثنان فعالت المسألة إلى خمسة عشر فالحاصل أن الاثني عشر تارة تعول إلى الوتر لا إلى الشفع فتعول إلى ثلاثة عشر وخمسة عشر وسبعة عشر.
(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ مَعَ الثُّمُنِ سُدُسٌ أَوْ ثُلُثَانِ، فَهِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِيْنَ»:

هذا هو الأصل الأخير من الأصول التي تعول وهو الأربع والعشرون، فتعول إلى سبعة وعشرين، لكن لا بد من الثمن أو الثلثين إذا قدرت المسألة من أربعة وعشرين أو ثلثين لأن مخرج الثمن من ثمانية والثلثين من ثلاثة فنضرب الثمانية في ثلاثة تكون أربعة وعشرين.

وَتَعُوْلُ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِيْنَ (1)،  =ومثال الثمن مع السدس: هلك هالك عن زوجة وأم وابن فيكون للزوجة الثمن ثلاثة، وللأم السدس أربعة، وللابن الباقي سبعة عشر.
ومثال الثمن مع الثلثين: هلك هالك عن زوجة وبنتين وعم، فللزوجة الثمن ثلاثة وللبنتين الثلثان ستة عشر، والباقي خمسة للعم.

(1)

قوله «وَتَعُوْلُ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِيْنَ»:

أي وتعول الأربعة والعشرون إلى سبعة وعشرين، ولا تعول إلا مرة واحدة، وبثمنها ولذا تسمى البخيلة.
مثال ذلك: هلك هالك عن زوجة وأبوين وبنتين، فالمسألة من أربعة وعشرين، للزوجة الثمن ثلاثة، وللبنتين الثلثان ستة عشر، وللأم السدس أربعة وللأب السدس أربعة، فهذه سبعة وعشرون، وهو ما تعول إليه المسألة.

بَابُ الرَّدِّ

(1)  (1)

قوله «بَابُ الرَّدِّ»:

الرد في اللغة: الرجوع والصرف (1). وفي الاصطلاح: زيادة في الأنصباء ونقص في السهام، فهو بذلك عكس العول، وقيل أيضاً في تعريفه هو صرف الباقي بعد الفروض على ذوي الفروض النسبية بقدر فروضهم عند عدم العصبة.

فائدة: في حكم الرد

: اختلف الفقهاء في حكم الرد: فذهب الحنفية 2، والحنابلة 3 في أشهر الروايتين إلى القول به.
واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة والاعتبار الصحيح، فدلالة الكتاب قوله ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ 4، وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل أولي الأرحام أولى من غيرهم في الميراث، فإن قلنا بأن الزائد يصرف لبيت مال المسلمين صرفناه لعامة المسلمين، وأهل الفروض من رحم الميت أولى من بيت المال بدلالة الآية.
أما السنة فقد جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعاً «أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا عَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» 5، وجه الدلالة من الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المال للوارث فيدخل في ذلك ما يبقى بعد الفروض إذا لم يوجد عاصب ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرد.1

..................................  =أما دلالة الاعتبار: فلأن صرف المال للأقارب أولى من صرفه إلى بيت المال الذي هو لعموم الناس، ولأن الفروض تنقص بالعول إذا زادت على المسألة، فالقياس أن تزيد بالرد إذا نقصت عنها، وهذا القول هو الصحيح عندي، وهو قول عامة الصحابة ولم يخالف فيه إلا زيد بن ثابت -رضي الله عنه- 1، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 2. القول الثاني: وهو قول زيد بن ثابت 3 وتابعه على ذلك بعض التابعين، وهو مذهب مالك 4، والشافعي 5، أنه لا يرد على أحد من ذوي الفروض، بل يصرف في بيت المال إذا كان منتظماً، فإن لم يكن منتظماً رد على الورثة، وشرط الانتظام هو قول الشافعية أما المالكية فهو لبيت المال مطلقاً.
واستدل أصحاب هذا القول بأن ما يبقى بعد الفروض مال لا مالك له فيكون لعموم المسلمين وجهة توزيعه هو بيت المال، ولأن الله تعالى قال في الأخت ﴿فَلَهُا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، ومن ردَّ عليها فقد جعل لها الكل، ولأنها ذات فرض مقدر فلا يرد عليها كالزوج.
قلت والراجح كما ذكرنا هو القول الأول لقوة دليله أما احتجاجهم بقوله تعالى ﴿فَلَهُا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ 6 فلا ينفي أن يكون لها زيادة على النصف بسبب آخر.

وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْرِقِ الْفُرُوْضُ الْمَالَ، وَلَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ (1)، يُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ فُرُوْضِهِمْ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْرِقِ الْفُرُوْضُ الْمَالَ، وَلَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ»:

هذه هي شروط الرد، فيشترط للرد شرطان، الأول: أن لا تستغرق الفروض التركة أي لا بد من بقاء فائض من التركة إذا لو استغرقت الفروض التركة لم يبق شيء حتى يرد.
الثاني: عدم وجود العصبة، فلو وجد العاصب أخذ الباقي تعصيباً بعد الفرض.

(2)

قوله «يُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ فُرُوْضِهِمْ»:

هذا في بيان كيفية الرد، فمسائل الرد قسمان: الأول: قسم لا يكون فيه زوج ولا زوجه.
الثاني: قسم يكون فيه زوج أو زوجه.
فإن لم يكن مع ذوى الفروض زوج ولا زوجة فإن كان من يرد عليه واحداً فله كل التركة فرضاً ورداً، كما لو هلك هالك عن بنت فلها المال كله فرضاً ورداً، وكما لو هلك هالك عن أخت فلها المال كله فرضاً ورداً، وإن كان المردود عليه صنفا متعدداً فالمال بينهم بالسوية أي على قدر رؤوسهم، كما لو هلك هالك عن أربع بنات فمسألتهم من أربعة لكل واحدة واحد، وإن كان من يرد عليهم أصنافاً متعددة كصنفين أو ثلاثة فأصل مسألتهم من ستة، وترجع بالرد إلى العدد الذي تنتهي به فروضها، فلو هلك عن جده وأخ لأم فالمسألة من ستة، للجدة السدس واحد وللأخ لأم السدس واحد وترجع بالرد إلى اثنين، فإن كان بدل الجدة أماً صار لها الثلث اثنين وللأخ لأم=

إِلاَّالزَّوْجَيْنِ (1)،  =السدس واحد وترجع بالرد إلى ثلاثة، فإن كان بدل الأخ بنت فلها النصف ثلاثة وللأم السدس واحد ونرجع بالرد إلى أربعة، فإن كان معهم بنت ابن صار للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وللأم السدس واحد وترجع بالرد إلى خمسة، ويلاحظ أننا جعلنا مسألة الرد هنا من ستة لأن أصل الأثنين والثلاثة عادة تستغرقها الفروض وأصل أربعة، وثمانية، واثنا عشر، وأربع وعشرون عادة يكون فيها أحد الزوجين.
وأصول مسائل الرد أربعة كما سبق الاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة ولا تزيد عن ذلك لأنها لو زادت لكمل المال.
القسم الثاني: وهي أن يكون مع أهل الرد أحد الزوجين، وهذا القسم سيأتي قريباً بيان حكمه وكيفية الرد فيه.

(1)

قوله «إِلاَّ الزَّوْجَيْنِ»:

أي إلا الزوجين فلا يرد عليهما، لأنهما ليسا من الأرحام فلا يدخلان في عموم قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ 1، وقد نقل غير واحد الإجماع على ذلك، قال ابن قدامه -رحمه الله- 2 أما الزوجان فلا يرد عليهما باتفاق أهل العلم أما ما نقل عن عثمان -رضي الله عنه- 3 أنه رد على زوج، فقال بعض الفقهاء لعله كان عصبة أو ذا رحم فأعطاه ذلك، وإلا فقد نقل صاحب الاستذكار 4 إجماع الصحابة على أنه لا يرد على زوج ولا زوجة.

فَإِنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوْضُهُمْ، أَخَذْتَ سِهَامَهُمْ مِنْ أَصْلِ سِتَّةٍ، ثُمَّ جَعَلْتَ عَدَدَ سِهَامِهِمْ أَصْلَ مَسْأَلَتِهِمْ (1)، فَإِنِ فَإِنِ انْكَسَرَ عَلَى بَعْضِهِمْ، ضَرَبْتَهُ فِيْ عَدَدِ سِهَامِهِمْ (2)،  (1)

قوله «فَإِنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوْضُهُمْ، أَخَذْتَ سِهَامَهُمْ مِنْ أَصْلِ سِتَّةٍ، ثُمَّ جَعَلْتَ عَدَدَ سِهَامِهِمْ أَصْلَ مَسْأَلَتِهِمْ»:

أي فإن اختلفت أصناف من يرد عليهم فإننا نجعل سهامهم من ستة ونرجع بالرد إلى العدد الذي تنتهي به فروضها وقد سبق بيان ذلك مع ذكر الأمثلة، فلو هلك هالك عن بنت، وبنت ابن، وأم، فالمسألة تكون من ستة للبنت النصف ثلاثة ولبنت الابن السدس تكمله الثلثين واحد، وللأم السدس واحد، وترجع بالرد إلى خمسة لأنه العدد الذي تنتهي به فروضها.

فائدة: لماذا كانت مسائل الرد من ستة؟

الجواب: لأن الفروض كلها توجد في الستة إلا الربع والثمن وهما للزوجين ولا يرد عليها كما تقدم.

(2)

قوله «فَإِنِ انْكَسَرَ عَلَى بَعْضِهِمْ، ضَرَبْتَهُ فِيْ عَدَدِ سِهَامِهِمْ»:

أي إذا كانت سهام فريق منهم لا تقبل القسمة على عددهم، أي عدد الفريق إن باينته سهامه أو وفقه إن وافقته، ضربته في عدد سهامهم لأنه أصل مسألتهم، فما خرج فهو مصح المسألة.
مثاله: هلك هالك عن جدة وثلاثة أخوة لأم، فيكون نصيب الجدة السدس واحداً وللأخوة لأم الثلث اثنان، فلابد من الرد فيكون أصل المسألة من ثلاثة، ولكن نصيب الإخوة لأم لا ينقسم عليهم فنضرب عددهم وهو ثلاثة في أصل المسألة بعد الرد وهو ثلاثة فيخرج تسعة وهو مصح المسألة، ثم يضرب نصيب كل وارث فيما ضرب فيه أصل المسألة وهو ثلاثة فيكون نصيب الجدة ثلاثة ونصيب الإخوة ستة لكل واحد اثنان.

جارٍ التحميل