وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 85-124

..................................  = فهو للبائع.
الرابع: أنه إذا كان الخيار للطرفين أو البائع فإن الملك في الخيارين للبائع كالقول الثاني، وإن كان الخيار للمشتري فيكون المبيع موقوفاً.
ثمرة الخلاف من هذه الأقوال تتضح فيما يلي: 1 - لو تلف المبيع في مدة الخيارين فإن تلفه يكون على من له الملك.
2 - الغلة المنفصلة كما لو أثمرت الشجرة أو ولدت الدابة تكون لمن له الملك، أما النماء المتصل فإنه يتبع العين.
3 - على من تكون النفقة على الدابة تكون على من له الملك.
والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه أصحاب القول الأول وهو أن الملك مدة الخيارين - المجلس والشرط - يكون للمشتري، دليل ذلك: 1 - ما ورد عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِى بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» 1، وجه الدلالة قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»: أي من حين العقد لأن البيع يتم بمجرد الإيجاب والقبول وقوله «إلا أن يشترطه المبتاع»: أي فيكون للمشتري.
2 - وهناك دليل نظري أن المبيع لو تلف وهو عند المشتري لكان من ضمانه، وإذا كان من ضمانه فكيف نجعل عليه الغرم ولا نجعل له الغنم؟ فالصحيح: هو القول الأول، وهو المذهب 2، واختاره شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 3.

..................................  -

الفائدة الرابعة: في النماء المنفصل والنماء المتصل

: قد يحصل أثناء مدة الخيار نماء للمبيع وهذا النماء إما أن يكون منفصلاً كاللبن والولد والثمرة وغير ذلك مما ليس متصلاً في المبيع.
والمتصل ما لا يمكن انفكاكه عن المبيع كالسّمِنِ، وتعلم الصنعة، والصحة بعد المرض.
فإذا حصل نوع من هذين النوعين للمبيع فلمن يكون هذا النماء؟ نقول المذهب 1 في النماء المنفصل يكون للمشتري والمتصل يكون للبائع، فلو اشترى شاة بمائة درهم واشترط الخيار لمدة شهر وهذه الشاة فيها لبن، فاللبن للمشتري لأنه نماء منفصل فإذا سمنت هذه الشاة وصارت ذات لحم وشحم فهو نماء متصل فهو للبائع لأنه لا يمكن تخلصه من الأصل.
قلت: وسيأتي في كلام المؤلف شيء من ذلك قريباً - إن شاء الله -.

  • الفائدة الخامسة: في ذكر بعض صور خيارات الشرط الباطلة في بعض البيوع المعاصرة: 1 - ما انتشر في هذا الوقت من قول بعضهم «البضاعة لا ترد ولا تستبدل» فهو شرط غير صحيح، لما فيه من الضرر والتعمية، لأن مقصود البائع غالباً بهذا الشرط إلزام المشتري بالبضاعة ولو كانت معيبة، واشتراطه هذا لا يبرئه من العيب الموجود في السلعة، لأنها إن كانت معيبة فللمشتري استبدالها ببضاعة غير معيبة أو أخذ ارش العيب، ولأن المشتري دفع هذه القيمة مقابل هذه السلعة وهي سليمة، وأخذ البائع الثمن كاملاً مع وجود هذا العيب أكل =

..................................  = لمال المشتري بالباطل، ولأن الشارع أقام الشرط العرفي كاللفظي، وذلك للسلامة من العيب، حتى يسوغ للمشتري الرد بوجود العيب واشتراط سلامة المبيع عرفاً منزلة اشتراطها لفظاً.
2 - ما يحصل بين المتبايعين على أن للمشتري الخيار في رد السلعة، لكن ليس له أن يسترد الثمن، وإنما يشتري من البائع من السلع ما يشاء بما يعادل ثمن السلعة التي ردها، فهو شرط غير صحيح، لما فيه من الغرر والضرر، حيث يجبر المشتري على شراء سلعة غير محددة وبثمن قد يحدده البائع، وقد يزيد عليه ثمنها.
3 - اشتراط بعض الباعة على المشتري في بيع التقسيط، أنه إذا تأخر المدين في قسط واحد مدة معينة حلت جميع الأقساط، فهذا شرط غير صحيح، لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو التأجيل الذي استحقت به الزيادة، وفيه ظلم للمدين، والمعسر يستحق الإنظار، لا أن يظلم.
4 - اشتراط المشتري إن نفق المبيع وإلا رده وهو ما يسمى «بالبيع على التصريف» وقد كثر اشتراط المشترين في هذا العصر لهذا الشرط وبالأخص عند شراء البضائع محدودة الصلاحية أو التي لها وقت محدد إذا فات وقتها انعدمت وضعفت رغبة الناس في شرائها، كالألبان والجرائد والمجلات وغيرها، وهذا الشرط باطل لمخالفته لمقتضى العقد كما جاء في فتوى اللجنة الدائمة، لكن يصح أن يضع البائع سلعاً عند صاحب المحل الذي يرغب في شرائها، ويبيعها عليه بسعر محدد لكل سلعة من هذه السلع، ويجعل له الخيار مدة معلومة في إلغاء بيع ما يريد من هذه السلع، فما باعه صاحب هذا =

..................................  =المحل فهو قد اختار إمضاء بيعها وإلغاء خياره فيها، وما لم يبعه منها وردها فهو قد اختار عدم شرائها فهو بيع بشرط الخيار.
ويمكن أيضاً أن يوكل صاحب السلعة صاحب المحل لبيعها ويعطيه مقابل ذلك أجرة مقطوعة أو حسب القطعة الواحدة، والفرق هنا أن السلعة تبقى ملكاً لصاحبها والبائع نائب عنه فيده يد أمانة.

  • الفائدة السادسة: التسعير: والأقرب أن التسعير يجوز بشرطين: الأول: أن يكون التسعير فيما حاجته عامة للناس، كأقوات الناس.
    الثاني: أن لا يكون سبب الغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب، فإن هذا لا يجوز التسعير فيه، لما ثبت عن أنس قال: قَالَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا.
    فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلا مَالٍ» 1، وإنما يسعر فيما إذا كان سبب الغلاء اتفاق الباعة على رفع الأسعار، ونحو ذلك.
    ولهذا لو اتفق باعة في بلد أو مكان على رفع سعر ما حاجته عامة للناس، كالبر والأرز ونحوهما فإنه يجب منعهم من البيع إلا بسعر المثل، أما ما حاجته خاصة ببعض الناس فإنه لا يجوز تسعيره، ومن ذلك تأجير العقار للسكن، لأنه ليس في استئجارها حاجة عامة لجميع الناس، بل الغالب يسكنون في مساكن يملكونها، ويستثنى من الشرطين السابقين: ما إذا منع الناس من بيع السلع أو مزاولة بعض المهن المعينة، التي بالناس حاجة ماسة إليها، وأذن في ذلك =

..................................  = لأناس معينين، فإنه يجب حينئذ التسعير على هؤلاء المرخص لهم، لئلا يستغلوا حاجة الناس لذلك بسبب هذا التخصيص، وهذا مجمع عليه 1، ولهذا فإنه في هذا الوقت الذي أصبح فيه بيع كثير من السلع واستيرادها ومزاولة بعض المهن مقصوراً على أناس معينين، فإنه يتعين التسعير في تلك السلع والمهن في الجملة، ومن أهم الأمور التي يجب التسعير فيها ما يلي: 1 - ما يسمى «عقود الإذعان»: وهي عقود تتعلق بسلع أو منافع يحتاج إليها الناس كافة، ولا غنى لهم عنها، كالماء والكهرباء والغاز والهاتف والبريد والنقل العام للركاب بين المدن أو داخل المدينة ونقل البضائع وشركات الطيران المدني والقطارات ونحو ذلك، وتكون هذه السلع أو المنافع خاضعة لاحتكار وسيطرة الموجب لتلك السلع أو المنافع أو المرافق احتكاراً قد يلزم به النظام، وقد يكون احتكاراً فعلياً، وقد تكون سيطرته عليها غير تامة، ولكنها قوية بحيث تجعل المنافسة فيها محدودة النطاق، وعادة ينفرد الطرف الموجب بوضع تفاصيل العقد وشروطه، ويصدر العرض منه موجهاً إلى جمهور الناس.
ويتم عقد الإذعان بوجود ما يدل عرفاً على توافق إرادتي طرفيه على إنشائه.
فيجب أن تخضع جميع عقود الإذعان لرقابة الدولة ابتداء - أي قبل طرحها للتعامل بها مع الناس - فتقر ما هو عدل منها، وتعدل أو تلغي ما فيه ظلم للطرف المذعِن، وفقاً لما تقضي به العدالة شرعاً، كما يجب عليها دفع ضرر احتكار فرد أو شركة سلعة أو منفعة معينة ضرورية لعامة الناس، وعدم بذلها

وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فَلَهُ رَدُّهُ، أَوْ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ (1).  =لهم بالثمن العادل - وهو ثمن بالمثل - بالتسعير الجبري العادل.
2 - الوكالات الحصرية للاستيراد: فيتعين التسعير على أصحاب هذه الوكالات في حال ما إذا كانت هناك ضرورة أو حاجة عامة أو خاصة إلى المنتج الذي تتعلق به الوكالة الحصرية، والوكيل ممتنع من بيعه إلا بغبن فاحش أو بشروط جائرة، وذلك بالتسعير الجبري العادل.
أما إن كانت الوكالة تبيع المنتج أو توفر المنفعة بسعر المثل، أو كانت تبيعه بأكثر من سعر المثل، لكن يوجد له مثيل أو بديل في السوق يباع بسعر المثل، أو كان هذا المنتج لا ضرورة إليه لكونه من السلع أو المنافع الترفيهية، كالسيارات الفارهة، وكمنفعة عمال ومزارعي حدائق الزينة، ونحو ذلك، فلا يجوز التسعير على الوكالة في كل هذه الأحوال (1).

(1)

قوله «وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فَلَهُ رَدُّهُ، أَوْ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ»:

هذا هو النوع الثالث من أنواع الخيار وهو خيار العيب من إضافة الشيء إلى سببه والمعنى أي الخيار الذي سببه العيب، والعيب في اللغة الرداءة والنقص، والمراد به هنا ما أوجب نقصاً للثمن عند التجار، وعرفت سلامة المبيع منه غالباً، فالتعويل في ذلك على عرف التجار، فما نقص الثمن في عرفهم فهو عيب موجب للخيار ولكن يشترط للرد بالعيب ألا يعلم به المشتري حال العقد فإن كان عالماً به وقت العقد فلا خيار لأنه اشترى على بصيرة وهذا معنى كلامه «لم يكن علمه»، وإن أراد أخذ المبيع وبه العيب=1

..................................  =فله أخذه وأخذ أرش العيب وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب أي يقدر ثمن المبيع إذا لم يكن المبيع معيباً ويقدره إذا كان معيباً، والفرق بينهما هو الأرش.
وذهب شيخ الإسلام (1) إلى أنه إذا وجد في المبيع عيباً فإما أن يأخذه مجاناً وإما أن يرده، أما الأرش فلا بد من رضا البائع لأنه معاوضة، فالبائع يقول: «أنا بعت عليك هذا الشيء إما أن تأخذه وإما أن ترده» أما الأرش فهذا يعتبر عقداً جديداً.
والأظهر عندي في هذه المسألة: هو أن للمشتري الخيار بين الإمساك بالأرش أو رده.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: إذا حصل بالسلعة عيب عند المشتري وبها عيب قبل البيع يريد ردها به، فقد اختلف في ذلك الفقهاء على قولين: الأول: يمنع ردها بالعيب الأول، لأن العيب الجديد على مسئولية المشتري، وفي ردها ضرر، والضرر لا يزال بالضرر فتعين الإمساك وأخذ الأرش.
    الثاني: له أن يردها بالعيب الأول، ويدفع للبائع ارش العيب الجديد، وإن أمسكها فله ارش العيب الأول وهذان القولان في المذهب 2.
  • الفائدة الثانية: إذا اختلفا المتبايعان في حدوث العيب فيقول البائع حدث عندك، ويقول المشتري بل حدث عندك، فبأي القولين نأخذ؟ =1

..................................  =نقول في هذا تفصيل: إذا كان العيب لا يحتمل إلا قول أحدهما، فإنه يقبل بلا يمين كأن يكون بالمبيع دليل على أن ما به قديم كأن تكون به إصبع زائدة أو جرح قديم، فالقول قول المشتري.
أما إذا كان العكس كأن يكون الجرح جديداً ينزف دماً فالقول قول البائع ولا يقبل قول المشتري.
أما إذا لم توجد قرينة تدل على هذا ولا هذا فعلى قولين في المذهب: القول الأول: أن القول قول البائع مع يمينه وهذا هو قول جمهور الفقهاء وهو القول الراجح.
القول الثاني: أن القول قول المشتري مع يمينه لأن الأصل أنه لم يشتر هذا القدر الفائت بالبيع والأصل كونه سليماً، وهذا هو المذهب.
دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ» (1)، وهذا نص صريح في هذه المسألة، ولأن الأصل عدم وجود العيب والسلامة ودعوى أن العيب سابق على العقد خلاف الأصل.

- الفائدة الثالثة: هل خيار العيب على التراخي

أم على الفورية؟ قولان لأهل العلم: الأول: أنه على التراخي بشرط ألا يتصرف في المبيع لأن الخيار لإزالة الضرر، فإذا تصرف بعد علمه بالعيب فلا خيار، وهذا رواية في المذهب 2.1

وَمَا كَسَبَهُ الْمَبِيْعُ، أَوْ حَدَثَ فِيْهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، فَهُوَ لَهُ؛ لأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ (1)، وَإِنْ تَلِفَتِ السِّلْعَةُ أَوْ أُعتِقَ الْعَبْدُ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ (2)،  القول الثاني: وهو رواية أخرى في المذهب أيضاً أن الخيار على الفور فإذا اكتشف العيب رد أو قبل لأن في التراخي ضرراً على صاحب السلعة كالشفعة.
والراجح عندي: أن خيار العيب على التراخي لأنه حق للمشتري لا يلزمه أن يطالب به فوراً، ولا يسقط إلا بما يدل على إسقاطه، ولكن بعض أهل العلم يقول: أنه على التراخي ما لم يؤخر تأخيراً يضر البائع، وهذا صحيح وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (1)

(1)

قوله «وَمَا كَسَبَهُ الْمَبِيْعُ، أَوْ حَدَثَ فِيْهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، فَهُوَ لَهُ؛ لأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ»:

وقد سبق بيان ذلك، وقوله «لأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ»: أي من عليه ضمان شيء فله خراجه، فإذا اشترى السلعة المشتري ونمت عنده مثل حملت النخلة أو ولدت الشاة قبل علم المشتري بالعيب ولم يكن تبين له العيب ثم ظهر العيب فإن للمشتري الخراج وهو النماء المنفصل لأن الخراج بالضمان كما ذكرنا.
(2)

قوله «وَإِنْ تَلِفَتِ السِّلْعَةُ أَوْ أُعتِقَ الْعَبْدُ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ»:

أي إذا تعذر رد المبيع كأن يشتري ناقة فيجد بها عيباً ثم تموت قبل أن يردها فيتعين الأرش على البائع، أو يشتري كتاباً فيجد فيه عيباً ثم يتلف أو اشترى عبداً فأعتقه ثم وجد فيه عيباً فيتعين الأرش لتعذر الرد لأن عبودية العبد =1

وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَرُّوْا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذلِكَ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا، أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا، رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
فَأَمَّا إِنْ عَلِمَ تَصْرِيَتَهَا قَبْلَ حَلْبِهَا، رَدَّهَا، وَلا شَيْءَ مَعَهَا 1،  =هنا زالت بالعتق، فإن تعذر الرد كأن يلزم من الأرش الربا.
مثل أن يبيع حلياً من الذهب ثم يجد في الحلي عيباً، فهنا لا يمكن أن يأخذ الأرش لأنه يلزم منه الوقوع في الربا، أو سيكون للمشتري ذهب بوزن الذهب الذي دفع ثم يزاد على ذلك الأرش.
فالقاعدة هنا: إذا تعذر الرد تعين الأرش، وإذا لزم من الأرش الوقوع في الربا تعين الرد.
ومن هنا نقول لمن وجد في الحلي عيباً أنت بالخيار إما أن ترده وإما أن تمسكه بدون أرش.

(1)

قوله «وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَرُّوْا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذلِكَ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا، أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا، رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» فَأَمَّا إِنْ عَلِمَ تَصْرِيَتَهَا قَبْلَ حَلْبِهَا، رَدَّهَا، وَلا شَيْءَ مَعَهَا»

(1): هذا هو النوع الرابع من أنواع الخيارات ويسمى خيار التدليس أو خيار التصرية.
وتعريفه: هو أن يظهر البائع السلعة بمظهر مرغوب فيه وهي خالية منه، مثل أن يبقى اللبن في الضرع ليوهمه بكثرة اللبن ونحو ذلك، والحديث رواه البخاري ومسلم.

..................................  =والتصرية: هي حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع، وهو نوع من أنواع التدليس على المشتري.
وهذا النوع من التدليس حرام لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تُصِرُّوا الإِبِلَ» 1، وقوله: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» 2. فمن اشترى مصراة من بهيمة الأنعام وهو لا يعلم تصريتها ثم علم فله الخيار في الرد أو الإمساك، وهذا هو قول عامة أهل العلم، وإن كان علمه بذلك بعد حلبه لها رد معها صاعاً من تمر كما جاء في الحديث.
وذهب أبو حنيفة 3 أنه لا خيار له، لأن ذلك ليس بعيب بدليل أنها لو لم تكن مصراة فوجدها أقل لبناً من أمثالها لم يملك ردها والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار.
والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء 4، ولا حجة لأبي حنيفة وغيره بعد ورود النهي عن ذلك.
لكن هل يجوز إمساكه مع الأرش؟ نقول: لا يجوز ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل له في المصراة أرشاً بل خيره بين الإمساك والرد مع صاع من تمر، فإن تعذر عليه الرد بتلف كأن يشتري ناقة مصراة ثم لما علم بالتدليس ماتت عنده فهنا يتعذر عليه الرد فعليه الثمن ولا أرش له، فإن تعيب عنده المبيع قبل العلم بالتدليس فله رده ورد أرش =

وَكَذلِكَ كَلُّ مُدَلَّسٍ لَمْ يَعْلَمْ تَدْلِيْسَهُ، لَهُ رَدُّهُ (1)، كَجَارِيَةٍ حَمَّرَ وَجْهَهَا (2)، أَوْ سَوَّدَ شَعَرَهَا (3)، أَوْ جَعَّدَهُ (4)، أَوْ رَحًى ضَمَّرَ الْمَاءَ وَأَرْسَلَهُ عَلَيْهَا عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُشْتَرِيْ (5)،  =العيب عنده وأخذ الثمن، وإن شاء أمسك ولا شيء له، وإن تصرف في المبيع بعد علمه بالتدليس بطل رده وسيأتي ذلك في كلام المؤلف رحمه الله.

(1)

قوله «وَكَذلِكَ كَلُّ مُدَلَّسٍ لَمْ يَعْلَمْ تَدْلِيْسَهُ، لَهُ رَدُّهُ»:

سبق أن ذكرنا تعريف خيار التدليس أما صوره فله صورتان: الأولى: أن يظهر الشيء على وجه أكمل مما كان عليه.
الثانية: أن يظهر الشيء على وجه كامل وفيه عيب وحكم هذا النوع كما ذكرنا أن للمشتري خيار الرد أو الإمساك بلا أرش.
وقوله «وَكَذلِكَ كَلُّ مُدَلَّسٍ»: أي قياساً على المصراة، فكل ما يحصل فيه تدليس فللمشتري الخيار بين الرد أو الإمساك بلا أرش.

(2)

قوله «كَجَارِيَةٍ حَمَّرَ وَجْهَهَا»:

تدليساً للمشتري وترغيباً في بيعها.
(3)

قوله «أَوْ سَوَّدَ شَعَرَهَا»:

كأن يكون شعرها أبيض إما لآفة أو كبر سن فيسوِّده تدليساً للمشتري فيظن الظان أنها شابة صغيرة، فهذا حرام ويثبت فيه الخيار للمشتري كما سبق.
(4)

قوله «أَوْ جَعَّدَهُ»:

أي جعد شعرها، فيدهنه بدهن يجعله مموجاً لأنه إذا ظهر مجعداً دل ذلك على أنه قوي، وضده البسيط اللين الذي لا يكون له تجعيد فالشعر المجعد أرغب عند الناس، فإذا كان شعر الجارية مسترسلاً ليناً سهلاً ثم جعده فيرغب الناس في شراءها فهذا حرام لا يجوز.
(5)

قوله «أَوْ رَحًى ضَمَّرَ الْمَاءَ وَأَرْسَلَهُ عَلَيْهَا عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُشْتَرِيْ»:

هذه صورة أخرى من صور التدليس وهو أن يجمع الماء عند الرحى - الساقية - =

وَكَذلِكَ لَوْ وَصَفَ الْمَبِيْعَ بِصِفَةٍ يَزِيْدُ بِهَا فِيْ ثَمَنِهِ، فَلَمْ يَجِدْهَا فِيْهِ (1)، كَصِنَاعَةٍ فِي الْعَبْدِ أَوْ كِتَابَةٍ (2)،  =فإذا جاء المشتري فيشغل الرحى فتخرج ماء عظيماً ويشبهها كذلك بما يسمى الغطاس فكل ذلك من صور التدليس.
ومن صور التدليس في هذا العصر: 1 - ما يفعله بعض الباعة كمن يبيع التمور والفواكه والخضار ونحو ذلك من وضع أوراق أو قش وغير ذلك مما يأخذ جزءاً كبيراً من الصندوق أو المكتل أو غيرها مما تباع فيه البضائع في أسفل هذا الوعاء، ثم توضع البضاعة فوقها، ليخيل للمشتري أنها مملوءة بضاعة.
2 - ومن صور التدليس أيضاً عند الباعة، ما يفعله بعضهم من وضع البضاعة الجيدة في أعلى الوعاء، ووضع الرديء في آخره.
3 - ومن صور التدليس أيضاً ما يفعله بعض باعة السيارات من إخفاء سمكرة السيارة أو إخفاء عيب في بعض محركات السيارة وهكذا في جميع ما يباع ويشترى.
والحاصل: أن كل معيب أظهره البائع بصفة مرغوب فيها وهو خال منها فهو حرام.

(1)

قوله «وَكَذلِكَ لَوْ وَصَفَ الْمَبِيْعَ بِصِفَةٍ يَزِيْدُ بِهَا فِيْ ثَمَنِهِ، فَلَمْ يَجِدْهَا فِيْهِ»:

فيثبت له الخيار أيضاً لأنه تدليس يختلف الثمن باختلافه فأثبت الخيار، وسيذكر المؤلف أمثلة على ذلك.
(2)

قوله «كَصِنَاعَةٍ فِي الْعَبْدِ أَوْ كِتَابَةٍ»:

أي أن يصف العبد بأنه ذو صنعة أو أنه يكتب ليزيد ثمنه فبان خلاف ما قاله فله الخيار لتدليس البائع عليه.

أَوْ أَنَّ الدَّابَةَ هِمْلاجَةٌ (1)، وَالْفَهْدَ صَيُوْدٌ أَوْ مُعَلَّمٌ (2)، أَوْ أَنَّ الطَّيْرَ مُصَوِّتٌ وَنَحْوَ هَذَا (3)،  (1)

قوله «أَوْ أَنَّ الدَّابَةَ هِمْلاجَةٌ»:

أي سريعة أو حسنت السير.
(2) قوله «وَالْفَهْدَ صَيُوْدٌ أَوْ مُعَلَّمٌ»: أي يتمكن من الصيد ثم بان خلاف ما ذكر فهنا المشتري له الإمساك أو الرد فهو بالخيار بين هذا وهذا.
(3) قوله «أَوْ أَنَّ الطَّيْرَ مُصَوِّتٌ وَنَحْوَ هَذَا»: أي له صوت مميز كصوت البلبل مثلاً أو أن صوته قوي كالديك الذي يصيح آخر الليل وغير ذلك مما يزيد في قيمته فبان خلاف ذلك، فكل هذا نوع من التدليس المحرم، وفيه نوع كذب وغش.
فإذا ظهر في هذه المذكورات خلاف ما ذكر البائع فللمشتري الخيار بين الإمساك أو الرد ولا شيء مع الرد.
ويقاس على المصراة أيضاً ما وجد في هذا العصر من تقليد العلامات التجارية المعروفة بالإتقان والجودة، كما تفعله بعض المصانع التي تنتج سلعاً فتكتب عليها اسم شركة أخرى اشتهرت بجودة منتجاتها.
وقد يفعل ذلك أيضاً بعض الباعة الذين يبيعون السلع، فتجده يكتب عليها صنع في اليابان مثلاً وهو لم يكن مصنوعاً في اليابان، بل في أي دولة أخرى.
وهذا فيه تدليس على المشتري لأنه إنما أراد أن يشتري سلعة من إنتاج الشركة التي قلدها هذا المنتج لهذه السلعة أو البائع لها.
لكن يستثنى من ذلك ما إذا أذنت الشركة التي قلدتها والتزمت بالمواصفات والجودة في منتجات الشركة التي قلدتها.

وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِثَمَنِ الْمَبِيْعِ، فَزَادَ عَلَيْهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ، وَحَظِّهَا مِنَ الرِّبْحِ، إِنْ كَانَ مُرَابَحَةً (1)،  (1)

قوله «وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِثَمَنِ الْمَبِيْعِ، فَزَادَ عَلَيْهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ، وَحَظِّهَا مِنَ الرِّبْحِ، إِنْ كَانَ مُرَابَحَةً»:

هذا هو القسم الخامس من أنواع الخيار وهو خيار تخيير الثمن، وتعريفه: هو أن يعتمد المشتري على البائع بمقدار الثمن فلا يشتري بطريقة المساومة بل يشتريها منه بالثمن الذي اشتراها به البائع ويحدده فيبين الثمن أكثر فيثبت له الخيار.
وشرط صحة البيع هنا أن يعرف الطرفان الثمن عند العقد كأن يقول اشتريتها بعشرة وأبيعها عليك بإحدى عشرة، فإن قال له أشتريها منك بالثمن الذي اشتريته به بدون تحديد يكون البيع باطلاً.
والصور التي يثبت فيها هذا النوع من الخيار أربع صور: الأولى: التولية: وهي أن يبيع السلعة برأس مالها.
الثانية: المرابحة: وهي أن يبيعها له برأس مالها وربح معلوم كالعشر مثلاً.
الثالثة: المواضعة: أن يبيعها له برأس مالها ونقص معلوم كالعشر مثلاً.
الرابعة: الشركة: أن يقول اشتريت هذه السلعة بمائة ريال فشاركني بنصف الثمن فيدخل معه بقسطه من الثمن الذي اشتراها به، فهذه هي صور التخيير بالثمن ولا بد في هذه الصور من معلومية الثمن عند العقد، فإذا باعه بالتخيير بالثمن ثم تبين أن البائع قد كذب عليه برفع السعر، فهنا قال المؤلف رحمه الله، «رجع عليه بالزيادة أو حظها من الربح إذا كان مرابحة»، أي يرجع عليه بالزيادة لأنه مغبون.
مثال ذلك: كأن يقول أبيع عليك هذه السيارة برأس مالها بمائة ألف وربح=

..................................  =عشرة آلاف، فباعها عليه، فتبين أن رأس المال تسعون ألفاً، فيرجع المشتري عليه بعشرة آلاف ريال لأنه باعه برأس ماله.
توضيح ذلك: لو أخبر البائع المشتري بأن السلعة مثلاً بـ (100) مائة ريال وأربح (10%) يعني عشرة ريالات فتصير (110) ريالاً، ثم رجع المشتري وتبين أن سعر السلعة (90) ريالاً، ففي هذه الحالة يرجع للبائع ويأخذ منه (11) ريالاً لأن حظ العشرة من الربح (ريال واحد)، فكل عشرة يربح منها ريالاً واحداً فيكون سعر السلعة (99) ريالاً.
فإذا حطت الزيادة وربحها فهل للمشتري الخيار؟ على قولين في المذهب 1: الأول: له الخيار فتنزل الزيادة وينزل قدرها من المرابحة ثم له الخيار مع الإمضاء أو الفسخ لأنه قد تفوت مصلحته.
الثاني: أنه لا خيار له لإلغاء الزيادة التي كذب عليه فيها البائع إذا ألزم بالسعر الحقيقي.
وهذا هو الصحيح عندي: لأن الضرر قد زال بتنزيل الزيادة، ويدخل في هذا النوع أيضاً ما يفعله بعض أصحاب المحلات فيضعون على السلعة سعراً أكثر من سعرها ويعرضها على المشتري بهذا السعر ثم يشتريها منه.
لكن هل هناك حد للغبن في هذه السلعة: نقول حدده بعض الفقهاء بالثلث لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الوصية «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
وجاء في حاشية الروض: يحرم أن تبيع ما يساوي سبعة بعشرة.
والراجح: أنه ليس له حد، بل هو حسب العرض والطلب ونوعية السلعة، فالمرجع فيه للعرف.

وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ غَلِطَ عَلَى نَفْسِهِ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِيْ بَيْنَ رَدِّهِ أوَإِعْطَائِهِ مَا غَلِطَ بِهِ (1)،  (1) قوله «وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ غَلِطَ عَلَى نَفْسِهِ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِيْ بَيْنَ رَدِّهِ أوَإِعْطَائِهِ مَا غَلِطَ بِهِ»: مثال ذلك: أن يقول البائع هذه السلعة رأس مالي فيها خمسون ريالاً، وأريد أن أربح فيها عشرة ريالات، فقبل المشتري، ثم تبين أن رأس ماله ريال فهنا قال المؤلف «خُيِّرَ الْمُشْتَرِيْ بَيْنَ رَدِّهِ أوَإِعْطَائِهِ مَا غَلِطَ بِهِ»، وذلك لمنع الضرر على البائع والمشتري، فالبائع يحصل له الضرر ببيع السلعة بخسارة هو جاهل بها، والمشتري لا يجبر على سعر لم يقدم عليه عند الشراء.

فائدة: البيع بالتخيير يقابله البيع بالمساومة

: فالبيع بالتخيير فيه نوع من التقييد والبيع بالمساومة فيه نوع من التحرر، فالبائع والمشتري غير مقيدين بثمن، والبيع بالمساومة أسلم من وجه ولكنه أخطر من وجه آخر، فهو أسلم من جهة أنه لا يكون فيه كذب، وأخطر من جهة أن البائع قد يزيد في ثمن السلعة كثيراً، ففي كل منها سهولة من وجه وخطورة من وجه آخر، والغالب أن التخبير أشد طمأنينة للمشتري 1. لكن هل تقبل دعواه في ذلك على أربعة أقوال: الأول: لا يقبل ادعاؤه الغلط مطلقاً سواء جاء ببينة أم لم يأت, صدّقه المشتري أو لم يصدقه.
الثاني: أنه يقبل قوله إذا جاء ببينة لأن البينة تقبل قال - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي» 2. الثالث: يقبل قوله بيمينه.

وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ مُؤَجَّلٌ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِتَأْجِيْلِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ وَإِمْسَاكِهِ (1)، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فِيْ قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحَالَفَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَالَ صَاحِبُهُ (2)،  الرابع: إذا صدقه المشتري قبل بدون يمين.
والصحيح: أنه إذا جاء ببينة تثبت غلطه قُبِل قوله وللمشتري الخيار بين رد المبيع أو إعطائه ما غلط به.

(1)

قوله «وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ مُؤَجَّلٌ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِتَأْجِيْلِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ وَإِمْسَاكِهِ»:

صورة هذه المسألة أن يقول: «بعتك هذا الكتاب برأس ماله عشرون ريالاً»، ويقول المشتري: «اشتريته»، وكان هذا الذي باع عليه الكتاب قد اشتراه بعشرين ريالاً مؤجلاً ولم يخبر المشتري، ومعلوم أن الثمن إذا كان مؤجلاً يكون أكثر، فاشترى المشتري وصدّقه وأخذه بعشرين حالاً، ثم تبين له أن هذا الثمن الذي اشترى به مؤجلاً، فهو صادق في أنه اشتراه بعشرين لكن الثمن مؤجل فما الحكم هنا؟ نقول: كما قال المؤلف للمشتري الخيار إن شاء أمسكه وإن شاء رده وذلك لأن البائع خدعه وغره.
قلت: والمذهب في هذه المسألة أنه ليس له الفسخ ولكن يأخذه لأجله.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه المؤلف.

(2)

قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فِيْ قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحَالَفَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَالَ صَاحِبُهُ»:

هذا هو القسم السادس من أقسام الخيار ويسمى خيار لاختلاف المتبايعين وهذا النوع له صور كثيرة منها: 1 - أن يختلفا في مقدار الثمن.

..................................  2 - أن يختلفا في صحة العقد وبطلانه.
3 - أن يختلفا في الحلول والتأجيل والرهن والكفيل والضمان.
4 - أن يختلفا في مقدار المبيع.
5 - أن يختلفا في عين المبيع.
6 - أن يختلفا في التسليم.
7 - أن يختلفا في صفة الثمن.
8 - أن يختلفا في شروط العقد.
والذي ذكره المؤلف من هذه الصور كلها هي الصورة الثانية أن يختلفا في مقدار الثمن، فيقول البائع: «بعتكها بمائة ريال»، فيقول المشتري: «بل اشتريتها منك بتسعين ريال»، ولم تكن هناك بينة لأحدهما تثبت قوله، فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء.
القول الأول: أنهما يتحالفان، كما قال المؤلف يحلف البائع «أنه ما باعه بتسعين بل باعه بمائة»، ويقول المشتري: «أنه ما اشتراه بمائة بل اشتراه بتسعين، وهذا هو قول جمهور الفقهاء 1. القول الثاني: أنه يقبل قول المشتري بيمينه لأن المشتري منكر، فإذا لم يأت البائع ببينة فالحلف على المشتري وهذا رواية عن مالك 2. القول الثالث: أن القول قول البائع بيمينه وهي رواية عن أحمد 3. والراجح عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو ما ذكره المؤلف أنهما=

..................................  =يتحالفان ولكل منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قاله صاحبه، دليل ذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (1). وهنا مسائل: 1 - من الذي يبدأ منهما بالحلف؟ على قولين: القول الأول: يحلف البائع ثم المشتري لأن القول قول البائع.
القول الثاني: يبدأ بالمشتري لأنه منكر واليمين في جانبه أقوى.
والأظهر عندي: هو القول الأول، وهو قول جمهور الفقهاء (2). 2 - إذا حلف أحدهما ونكل الثاني «أي امتنع عن اليمين» أو رفض أحدهما اليمين، فيقضى عليه بالنكول، وإذا رفض الحلف قبل ذلك قضى عليه بحلف الآخر ولا يطلب من الخصم إعادة الحلف.
3 - إذا تم التحالف بين المتبايعين فهل ينفسخ الحكم تلقائياً بدون حكم الحاكم على قولين: الأول: أن البيع ينفسخ تلقائياً بدون حكم الحاكم.
الثاني: أنه لا بد من حكم الحاكم في فسخ العقد.

فائدة: القسم السابع خيار الغبن

، وهو أن يزيد في ثمن السلعة زيادة فاحشة.
والراجح: أنه ليس هناك حد معين، بل المرجع إلى العرف حسب العرض والطلب.12

..................................  =وقد قصره الحنابلة في ثلاث صور: أـ تلقي الركبان.
ب - النجش.
ج - بيع المسترسل.
والذي يظهر لي: أنه يشمل هذه الصور وغيرها مما يأخذ حكمها.

بَابُ السَّلَمِ (1)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ السَّلَمِ»:

السلم: قيل هو لغة أهل الحجاز، والسلف: لغة أهل العراق، وأجيب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ» (1)، وهو من أهل الحجاز.
والسلم في اللغة: بفتح السين واللام هو السلف وزناً ومعنى، وسمي سلماً بتسليم رأس المال في المجلس، وسلفاً لتقديم رأس المال، ومعنى السلم في لغة العرب: الإعطاء، والترك، والتسليف.
أما تعريفه شرعاً: فهو بيع موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً، أو عقد موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد.
وصورته: هو أن يشتري شخص سلعة موصوفة في ذمة البائع يسلمها له بعد مدة بثمن حاضر يدفعه للمشتري في مجلس العقد.
دليل مشروعيته: دل الكتاب والسنة والإجماع والعقل على مشروعيته.
فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.. ﴾ 1. وجه الدلالة من الآية إباحة الدين، والسلم نوع من الدين.
قال ابن عباس رضي الله عنهما 2 «أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ=3

باب السلم

في وزن معلوم (2086).

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِيْنَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُوْنَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِيْ تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِيْ كَيْلٍ مَعْلُوْمٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُوْمٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ» (1)  =مُسَمًّى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّهُ وَأَذِنَ فِيهِ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ.. ﴾ (1). أما دليل السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوم» (2). وقد نقل ابن المنذر (3) الإجماع على مشروعية السلم.
أما دليل العقل: فإن العقل والحكمة تقتضي هذا لأن مصالح الناس تتم في السلم، فالمحتاج إلى دراهم تندفع حاجته بالنقود الحاضرة، والتاجر ينتفع بأخذ السلعة المسلم فيها لرخصها ولكونها بثمن أقل، والمصلحة للطرفين.

فائدة: السلم نوع من البيع

لأنه بيع إلى أجل، فشمله النص فيصح بألفاظ البيع، لأنه بيع حقيقة، وبلفظ السلم والسلف لأنهما حقيقة فيه ويعتبر فيه شروط البيع.
1

قوله «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِيْنَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُوْنَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِيْ تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِيْ كَيْلٍ مَعْلُوْمٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُوْمٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ»

4 الحديث رواه البخاري=23

..................................  =ومسلم وغيرهما، ومعنى الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة مهاجراً وجد أهل المدينة وهم أهل زروع وثمار يسلفون، وذلك بأن يقدموا الثمن ويؤجلوا المثمن من الثمار مدة سنة أو سنتين أو ثلاث سنين، فأقرهم - صلى الله عليه وسلم - على هذه المعاملة، ولم يجعلها من باب بيع ما ليس عند البائع المفضي إلى الغرر، لأن السلف متعلقة الذمم لا الأعيان، ولكن بين لهم - صلى الله عليه وسلم - في المعاملة أحكاماً تبعدهم عن المنازعات والمخاصمات التي ربما يجرها طول المدة في الأجل فقال «من أسلف في شيء... »، وذكر الحديث.
أي من أسلف في شيء فليضبط قدره بمكياله وميزانه الشرعيين المعلومين، وليربطه بأجل معلوم حتى إذا عرف قدره وأجله انقطعت الخصومة والمشاجرة واستوفى حقه بسلام، هذا معنى الحديث.

- فائدة: السلم إذا تم أصبح عقداً لازماً

يشترط له شروط: وهذه الشروط لها علاقة وثيقة ب

أركان السلم

، فكل ركن له شروط معتبرة، ولذا نقول لا بد من بيان الأركان ثم بيان الشروط المعتبرة في هذه الأركان.
أركان السلم ثلاثة: الأول: الصيغة: وهي الإيجاب والقبول، أو ما يقوم مقامهما عرفاً.
الثاني: العاقدان: وهما «المسلم، والمسلم إليه».
الثالث: المحل: وهما شيئان «رأس المال، والمسلم فيه».
أولاً: الصيغة: اتفق الفقهاء على صحة الإيجاب بلفظ السلم أو السلف وكل ما اشتق منهما «كأسلفتك»، أو «أسلمتك وأعطيتك»، كذا سلماً أو سلفاً.
واختلفوا هل ينعقد بلفظ البيع؟

..................................  والصحيح عندي: ما ذهب إليه شيخ الإسلام (1) أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقد فأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما انعقد به السلم.
وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحدد لألفاظ العقود حداً.

فائدة: هل يجوز الخيار في صيغة السلم؟

اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4 إلى أن صيغة السلم تكون بائنة لا خيار فيها لأي من المتعاقدين، فلو قال رجل لرجل «ابتاع منك بمائة ريال مائة صاع تمر إلى شهر على أني بالخيار بعد تفرقنا من مقامنا الذي تبايعنا فيه أو أنت بالخيار أو كلانا بالخيار»، لم يجز البيع.
وذهب المالكية 5 إلى جواز خيار الشرط في السلم للمتعاقدين أو لأحدهما ثلاثة أيام فما دون ذلك.
والأرجح عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وذلك لأنه يشترط لصحة السلم تمليك رأس المال وإقباضه للمسلم إليه قبل التفرق ووجوب تحققهما مناف لخيار الشرط.1

..................................  ثانياً: المتعاقدان «المسلم، والمسلم إليه»: ويشترط في كل منهما أن يكون أهلاً لصدوره عنه، ولا تتحقق هذه الأهلية إلا في البالغ العاقل الرشيد غير محجور عليه بأي سبب من أسباب الحجر.
أما من كان يعقد لغيره فلا بد أن يكون مخولاً شرعاً ويكون ذلك إما بالنيابة الاختيارية التي تثبت بالوكالة، وإما بالنيابة الإجبارية وتكون لمن يلي المحجور عليهم من الأولياء والأوصياء الذين جعلت لهم سلطة شرعية على إبرام العقود.
ثالثاً: أي الركن الثالث وهما المعقود عليه «رأس المال، والمسلم فيه».
وهذا ما سيذكره المؤلف في العمدة، وسنقوم ببيانه إن شاء الله في أثناء الشرح، لكن نذكر هنا الشروط المعتبرة في السلم إجمالاً ثم سنذكرها في أثناء الشرح مستوفاة - إن شاء الله -.

شروط السلم

: 1 - أن يمكن ضبطه بصفات لا يختلف معه.
2 - ذكر الجنس والنوع: مثل التمر جنس، والنوع برحي أو سكري أو خضري وغير ذلك.
3 - ذكر القدر وذلك لأنه بيع والبيع لا بد من معرفة قدره.
4 - ذكر أجل معلوم مثلاً إلى رجب، أو رمضان، أو شعبان وغير ذلك.
5 - قبض الثمن مباشرة في مجلس العقد قبل أن يتفرقا.
6 - أن يوجد المسلم فيه في محل الوفاء، وهذا شرط مختلف فيه وسيتم بيانه قريباً مع بيان الراجح.

وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيْ كُلِّ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ (1)  7 - أن يسلم في الذمة فلا يصح في عين مكيل أو موزون لأنه يسمى بيعاً وليس سلماً ولذلك لا بد أن تكون الثمرة موصوفة في الذمة أي غير موجودة، فهذه جملة شروط السلم.

(1)

قوله «وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيْ كُلِّ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ»:

هذا هو الشرط الأول من شروط السلم وهو شرط في أحد أركانه «وهو المسلم فيه» يشترط فيه ضبط صفته على وجه لا يبقى معه بعد الوصف شيء إلا تفاوت يسير وهذا لا يكون إلا فيما يمكن ضبط صفاته، أما ما لا يمكن ضبط صفاته فلا يصح فيه السلم كالجواهر، والنخيل ونحو ذلك فلا يصح فيه السلم وذلك لوجود الغرر والجهالة ولحصول المنازعة والمخاصمة.
و

الأوصاف التي يتعين ذكرها في المسلم فيه

على قسمين: قسم تشترك فيه الأشياء وهي ثلاثة: الجنس والنوع والجودة والرداءة، فهذه مجمع عليها بين أهل العلم.
وقسم يختص بكل نوع على حده.
والأظهر عندي في هذا القسم: أنه يشترط في كل نوع بحسبه وما يناسبه لأن في ذلك ضبطاً للمسلم فيه، ولكن بذكر الأوصاف الغالبة فلا نذكر أوصافاً تفضي إلى التعذر.
مثال ذلك: السلف في التمر فإنه يوصف بأربعة أشياء: أـ النوع: فيشترط هل يكون «برجي - سكري - خضري... ». ب - البلد: من الزلفي، من الحوطة، من الخرج، من القصيم، من المدينة، وهكذا.
ج - والكبر والصغر: وهذا معروف.

إِذَا ضَبَطَهُ بِهَا (1)، وَذَكَرَ قَدْرَهُ بِمَا يُقَدَّرُ بِهِ (2)، مِنْ كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، أَوْ ذَرْعٍ، أَوْ عَدٍّ (3)  دـ القدم والحداثة: كأن يقول تمر هذه السنة أو العام الماضي وهكذا, كل ما يسلم فيه مثل البر، والشعير، ونحو ذلك.

فائدة: هل السلم مخصوص في الزروع والثمار أم هو عام؟

الجواب: قولان لأهل العلم.
منهم من يقول: أنه عام في الزروع والثمار والحيوان وغير ذلك.
ومنهم: من جعله في الزروع والثمار فقط.
والصحيح: أنه عام في كل مكيل وموزون وما يمكن ضبط صفته.
أما ما لا يمكن ضبط صفته كالمعدود المختلف والبقول والجلود والرؤوس والأواني المختلفة ونحو ذلك مما لا يمكن ضبطه فلا يصح فيه السلم.

(1)

قوله «إِذَا ضَبَطَهُ بِهَا»:

أي إذا ضبطه بالصفة على الوجه الذي ذكرناه آنفاً فيصح السلم بذلك.
(2)

قوله «وَذَكَرَ قَدْرَهُ بِمَا يُقَدَّرُ بِهِ»:

هذا هو الشرط الثاني من شروط السلم.
وهو اشتراط معرفة قدر المسلم فيه وتكون معرفة القدر بأمور أربعة ذكرها المؤلف بقوله:

(3)

قوله «مِنْ كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، أَوْ ذَرْعٍ، أَوْ عَدٍّ»:

فهذه هي طرق معرفة القدر:

أولاً: الكيل:

فإذا كان المسلم فيه مما يكال فيذكر قدره كيلاً كالزيت والدهن ونحو ذلك.

ثانياً: الوزن:

فإذا كان المسلم فيه مما يوزن فيذكر قدره بالوزن كالحديد والنحاس والرصاص والقطع الكبيرة.
ثالثاً: الذرع: إذا كان المسلم فيه مما يقاس بالذراع فيحدد قدره بالذراع =

وَجَعَلَ لَهُ أَجَلاً مَعْلُوْمًا (1)  =كالقماش والحبال ونحو ذلك.
رابعاً: العد: والمعدود على نوعين: حيوان وغير حيوان: أما المعدود من الحيوان: فلا سبيل فيه عند السلف إلا بالعد ولو اختلف فإن الاختلاف فيه يسير وينضبط بالذكورة والأنوثة والنوع والسن فيمكن ضبطه.
وأما المعدود من غير الحيوان، فهو نوعان: النوع الأول: معدود لا يختلف كثيراً كالبيض والجوز ونحوه، فهذا يسلم بالعد على الصحيح، وقال بعض الفقهاء يسلم فيه بالوزن، والصحيح الأول.
النوع الثاني: معدود يختلف كثيراً كالبطيخ والخيار وحزم البقول وغير ذلك، فهذا على وجهين في المذهب (1): الأول: أنه يكون فيه القدر بالعد كأن يقول مائة بطيخة لأن الاختلاف متقارب ولأن الناس يتبايعون هكذا.
الثاني: أنه بالوزن.
وهذا هو الراجح عندي: لأن حجم البطيخ والخيار ونحوه يختلف اختلافاً متبايناً ولا سبيل له إلا بوزنه.

(1)

قوله «وَجَعَلَ لَهُ أَجَلاً مَعْلُوْمًا»:

هذان شرطان من شروط السلم، وهما الشرط الثالث والرابع، فالثالث أن يكون المسلم فيه مؤجلاً، أما الرابع فلا بد أن يكون الأجل معلوماً.
أما الشرط الثالث: فقد اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية 2، والمالكية 3، والحنابلة 4 لصحة السلم أن يكون المسلم فيه مؤجلاً، فلا يصح السلم فيه =1

..................................  = في الحال والحجة في ذلك عندهم قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَسْلَفَ فِيْ تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِيْ كَيْلٍ مَعْلُوْمٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُوْمٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ» 1، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأجل وأمره يقتضي الوجوب ولأن السلف معناه أن يتقدم رأس المال ويتأخر المسلم فيه، فوجب منع ما أخرجه من ذلك.
وذهب الشافعية 2 إلى جواز السلم في الحال كما هو جائز مؤجلاً وهو اختيار شيخ الإسلام 3، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين 4 رحمهما الله لأن هذا ليس فيه غرر ولا ربا ولا ظلم ومدار المعاملات المحرمة على هذه الثلاث، أما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «... إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ» 5، فهو يعود إلى علم الأجل يعني لا إلى أجل مجهول.
قلت والأحوط عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فلابد أن يكون السلم إلى أجل، وعلى اعتبار توجيه الدليل عند من قال بعدم اشتراط الأجل نقول بأن السلم إنما جاز من أجل الرخصة والرفق ولا يحصل ذلك إلا بأجل.
الشرط الرابع: أن يكون الأجل معلوماً: دليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس المتقدم «فَلْيُسْلِفْ فِيْ كَيْلٍ مَعْلُوْمٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُوْمٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ»، فإن كان الأجل مجهولاً فلا يصح لأن ذلك يفضي إلى المنازعة، ويتم ذلك بأن يقول له إلى أجل كذا أي بعد شهر أو شهرين, أو سنة أو سنتين، أو حصاد =

وَأَعْطَاهُ الثَّمَنَ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا (1)  = زرعة كذا من هذه السنة ونحو ذلك مما ينص فيه علم الأجل.

وهنا

فائدتان

:

  • الأولى: اشترط الفقهاء في الأجل المعلوم أن يكون له وقع في الثمن: فما معنى قولهم «له وقع في الثمن»؟ أي أن هذه المدة يتغير بها الثمن بحيث يستفيد المسلم الذي أسلم النقود من هذه المدة لأن هذا الذي استلمه سيرتفع ثمنه في الغالب والمسلم إليه سينتفع بهذا المال الذي قدم.
    مثال ذلك: أن يقول المسلم للمسلم إليه «أعطيك المائة ريال بمائة صاع من البر»، في حين المائة ريال تعادل ثمانين صاعاً، فهو يأخذ العشرين في مقابل الأصل، فحصل بذلك منفعة للمسلم والمسلم إليه, وهذا معنى قول بعض الفقهاء «له وقع في الثمن».
  • الثانية: اشترط الفقهاء أيضاً في أن يكون المسلم فيه عام الوجود أي يعم وجوده عند محله, لأن وقت حلوله هو وقت تسليمه, فإذا لم يكن موجوداً وقت الحلول فلا يمكن تسليمه, فلو أسلم إليه مائة ريال بمائة كيلو أرز أو قمح في وسط الشتاء لم يجز, لأن المسلم فيه لا يوجد في وقت حلول الأجل.

(1)

قوله «وَأَعْطَاهُ الثَّمَنَ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا»:

هذا هو الشرط الخامس وهو قبض الثمن في مجلس العقد بحيث لا يتفرقان وبينهما شيء، فإن تفرقا ولم يقبض الثمن بطل العقد لأنه أصبح بيع دين بدين.
ومعنى السلم والسلف هو تقديم الثمن وتأخير المثمن، دليل ذلك ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول الجمهور 1.

..................................  =وذهب مالك (1) إلى أنه لا بأس بتأخر قبض الثمن يوماً أو يومين أو ثلاثة لأنها كالمجلس الواحد ومما يتسامح فيه.
والأظهر عندي: هو قول الجمهور، فلا بد أن يكون القبض قبل التفرق من مجلس العقد، ولو قمنا من مكان العقد ومشينا جميعاً مثل أسلمت إليه بمائة ريال صاع من البر، ولكن ليس معي مائة ريال فمشينا جميعاً إلى أحد أصدقائي واستلفت منه مائة ريال وأعطيتها الرجل فهذا يجوز لأننا لم نفترق.
أما إذا افترقنا وذهب كل منا إلى مكان آخر فلا يجوز.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: هناك قاعدة: وهي أنه يشترط في الثمن والمثمن ألا يكون بينهما ربا النسيئة، فإن كان بينهما ربا النسيئة لم يصح، لأن ما يجري فيه ربا النسيئة يشترط فيهما التقابض, والسلم يشترط فيه التأخير وهذا من التضاد، فلو أسلمت براً بتمرٍ لم يجز، ولو أسلمت ذهباً بفضة لم يجز لأن هذه المذكورات مما يجرى فيها الربا.
  • الفائدة الثانية: إذا قبض البعض ثم تفرقا ثم قبض البقية فهذه المسألة على قولين: الأول: وهي ظاهر كلام الخرقي 2 أنه يبطل فيما قبض وفيما لم يقبض لأنه عقد على مبلغ واحد وإذا أبطل في بعضه بطل في جميعه.
    الثاني: أنه يصح فيما قبض ويبطل فيما لم يقبض، وهذا يجري على =1

وَيَجُوْزُ السَّلَمُ فِيْ شَيْءٍ يَقْبِضُهُ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً فِيْ أَوْقَاتٍ مَعْلُوْمَةٍ (1)،  =القاعدة في تفريق الصفقة.
فلو أسلم في مائة كيلو من التمر بألف ريال وأعطاه خمسمائة ريال في المجلس صح في نصف المسلم فيه، وما لم يقبض بطل فيه ويعقد عليه عقداً آخر.
وهذا هو الصواب، وعليه الأكثر في المذهب.

الفائدة الثالثة: هل يشترط رد المسلم فيه في محل الوفاء

؟ هذا الشرط قد اختلف فيه الفقهاء على أقوال: الأول: وهو قول أكثر الفقهاء أنه لا يشترط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكره في الحديث، فلم يقل في مكان معلوم عند اشتراط الكيل والوزن، ولأن اشتراطه يزيد السلم تعقيداً.
الثاني: أنه يشترط لأن هذا مما يتعين بيانه في العقد, ولأنه به ينقطع النزاع والخلاف لأن الأماكن تختلف, فإذا اشترط التسليم الزماني اشترط التسليم المكاني.
الثالث: التفصيل في ذلك: فما كان لحمله مؤونة كالتمر، والشعير, والطعام فيشترط المكان، أما إذا لم يكن لحمله مؤونة، كالجواهر والأشياء الخفيفة فلا يشترط ذكر مكان الوفاء، وهناك أقوال أخرى.
والأرجح عندي: أنه لا يشترط ذلك إلا إذا اشترطا ذلك عند العقد، أما ما لم يشترط فالأصل عدم الاشتراط.

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ السَّلَمُ فِيْ شَيْءٍ يَقْبِضُهُ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً فِيْ أَوْقَاتٍ مَعْلُوْمَةٍ»:

كأن يشتري منه مائة كيلو تمر يقبض بعضها في شهر رجب وباقيها في شهر شعبان, ووجه جوازه أن كل بيع جاز في أجل واحد جاز في أجلين وأجال.

وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِيْ شَيْئَيْنِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنُ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهُمَا (1)،  =ومثاله أيضاً: أن يعطيه مائة ريال على أن يأخذ منه في أجلين كل يوم قدراً معلوماً من لحم أو غيره.
لكن يشترط لذلك ما ذكره المؤلف أنه لا بد أن تكون الأوقات معلومة، وكذلك معرفة كل جنس وثمنه حتى لا يحصل تنازع.

(1)

قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِيْ شَيْئَيْنِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنُ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهُمَا»:

مثاله: أن يسلمه أو يسلفه بر وشعير، فيقول مائة صاع من بر وشعير بألف ريال، فلا بد أن يبين مقدار كل جنس فيقول مثلاً ستمائة بر وأربعمائة شعير، وأيضاً يحدد كيله أو وزنه فيقول خمسون صاعاً من البر وخمسون صاعاً من الشعير، فالستمائة يقابلها خمسون صاعاً من البر، والأربعمائة يقابلها خمسون صاعاً من الشعير، وهكذا فلا بد من بيان ثمن كل جنس.
قلت: وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف على قولين في المذهب 1: الأول: أنه يلزمه أن يعين قسط كل جنس كما ذكر المؤلف وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغرر والجهالة في العقود، ولو حصل فسخ في أحدهما لم نعرف قسطه من الثمن.
الثاني: أنه لا بأس بذلك ولو لم يبين لأنها صفقة واحدة بثمن واحد، ولو قدر أنه حصل فسخ في أحدهما أخذ بالحصة، فإذا كان البر نصفه فله نصف القيمة أو الربع فله ربعها وهكذا.
لكن الأظهر عندي أن ما يحصل فيه الخلاف والنزاع والغرر والجهالة لا بد=

وَمَنْ أَسْلَفَ فِيْ شَيْءٍ، لَمْ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ (1)  =من ضبطه بما يحصل به الضبط ولذا فالأخذ بالمذهب هو الأولى والأحوط.

(1)

قوله «وَمَنْ أَسْلَفَ فِيْ شَيْءٍ، لَمْ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ»:

مثاله: أن يسلف في بر مثلاً فلا يصرفه إلى شعير فهذا حرام سواء كان المسلم فيه موجوداً أو معدوماً وسواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة أو أقل أو أكثر، وهذا هو قول الجمهور 1. وفي رواية في المذهب 2 أن من أسلم في بر فعدمه عند المحل فرضي أن يأخذ شعيراً مثله جاز لأنهما من جنس واحد.
وذهب الإمام مالك 3 إلى جواز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه، وأحتج لذلك بما جاء عن ابن عباس قال: «إذا أسلفت في طعام فحل الأجل فلم تجد طعاما فخذ منه عرضا بأنقص ولا تربح عليه مرتين» 4. قلت: والأظهر عندي ما ذهب إليه مالك لعدم المانع الشرعي فيجوز بيعه بما دونه أو بسعر المثل لعدم المانع الشرعي من ذلك لكن يشترط في ذلك أن لا يكون بربح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن عمر «لا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» 5، أما حديث «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» 6 فهو حديث ضعيف لا تقوم الحجَّة به في هذا المقام, فمن أسلم براً فلم يجده فأبدله بشعير جاز وهكذا.

وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ (1)، وَلا الْحِوَالَةُ بِهِ (2)،  (1)

قوله «وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ»:

أي لا يجوز التصرف في المسلم فيه قبل قبضه لا ببيع ولا استبدال ولا بهبة لغير من هو عليه، والعلة في ذلك لأمور: الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ وَلا بَيْعٌ وَسَلَفٌ مَعًا وَلا بَيْعُ مَا لَمْ يُضْمَنْ» (1)، والسلم ما دام في ذمة المسلم إليه فهو في ضمانه، فإذا كان في ضمانه فلا يجوز بيعه قبل القبض.
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه (2). الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ أَسْلَفَ في شيء فَلا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (3). وجه الدلالة منه: أنه إذا باعه قبل قبضه فيكون صرفه إلى غيره وأخذ غيره.
قلت: هذا هو المذهب (4)، وهو قول جمهور (5) الفقهاء.
القول الثاني في هذه المسالة: يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته، وهذا هو الراجح عندي، وإليه ذهب شيخ الإسلام (6)، وهو مذهب مالك (7)، واختاره شيخنا محمد بن صالح العثيمين (8).

(2)

قوله «وَلا الْحِوَالَةُ بِهِ»:

أي ولا تجوز الحوالة به ولا عليه, وصورة ذلك أن يكون لك دين سلم على شخص ولآخر دين عليك كطعام مثلاً من جنس=12345678

وَتَجُوْزُ الإِقَالَةُ فِيْهِ، وَفِيْ بَعْضِهِ، لأَنَّهَا فَسْخٌ (1)  =المسلم فيه فتحيله على المسلم إليه فهذا من صورة الحوالة به.
أما الحوالة عليه بأن يكون المسلم في ذمته دين لشخص فلما جاء يطلبه قال أحيلك على فلان، لأن في ذمته لي مائة صاع بر سلماً، فلا يجوز الحوالة به ولا الحوالة عليه، وهذا هو قول الجمهور (1) وذلك لأن الحوالة بيع، ولأنها لا تصح إلا على دين مستقر ودين السلم غير مستقر.
وفي قول آخر عند الأصحاب (2) جواز الحوالة به وعليه، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (3). دليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «... وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ» (4). قلت: وهنا يوجد مخرج شرعي وهو أن أُوكل هذا الشخص في قبض تلك السلعة وكالة شرعية، والفرق بين الوكالة والحوالة هنا أن الوكالة لا تبرئ الذمة بها إلا بعد أن تقبضه، وأما الحوالة فقد برئت ذمته بمجرد الحوالة.

(1)

قوله «وَتَجُوْزُ الإِقَالَةُ فِيْهِ، وَفِيْ بَعْضِهِ، لأَنَّهَا فَسْخٌ»:

الإقالة في اللغة: هي الإزالة، وإقالة الذنوب مغفرتها وعفو الله عنها, وهي مستحبة لأنها من باب الإحسان، وعن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» 5.1234

..................................  =ففي الإقالة تفريج عن العاجز لعجزه, وغير القادر عن دفع الثمن.
أما تعريفها في الاصطلاح: فهي رفع العقد وفسخه وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين.
أما صورتها في السلم: فهي فسخ العقد بعد دين السلم، فيرد المسلم إليه الثمن إلى المسلم فيكون العقد كأن لم يكن.
أما صورتها في السلم فلها صورتان ذكرهما المؤلف: الأولى: أن تكون في جميع المسلم فيه: فهذه لا خلاف في جوازها بالإجماع، «كما حكى ذلك ابن المنذر 1». الصورة الثانية: أن تكون في بعض المسلم فيه، وهذه الصورة على روايتين في المذهب 2: الأولى: لا تصح.
الثانية: أنها تصح، وهذا هو الصواب عندي لأنها إذا جازت في الكل جازت في البعض، لأن البعض جزء من الجميع، وهذا مذهب أبي حنيفة 3، والشافعي 4. هذا آخر ما جاء في باب السلم.
ذكر بعض الفوائد في باب السَّلَم: هناك بعض الفوائد التي لم يذكرها المؤلف في كتابه نذكر بعضها إتماماً للفائدة:

..................................  - الفائدة الأولى: إذا اختلف المسلم والمسلم إليه: نقول اختلاف المسلم والمسلم إليه له أنواع: الأول: أن يختلفا في حلول الأجل وعدمه مع عدم وجود بينة تشهد لأحد الطرفين، بأن قال المسلم يحل في رجب وقال المسلم إليه يحل في شعبان، فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لأن المسلم إليه منكر لحلول الأجل.
الثاني: أن يختلفا في تسليم دين السلم وعدمه ولم توجد بينة مع المدعي, فالقول قول المسلم مع يمينه لأنه منكر والمسلم إليه مدع, ولأن الأصل عدم التسليم ولا يثبت التسليم إلا بدليل.
الثالث: أن يختلفا في تسليم رأس مال السلم وعدم تسليمه ولم توجد بينة فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لأن الأصل عدم التسليم ولأنه منكر والمسلم مدع ولم يأت ببينة.

  • الفائدة الثانية: في أخذ الرهن والكفيل في دين السلم: إذا قصد المسلم توثيق الدين وذلك بأخذ رهن أو كفيل ليكون مطمئناً على حقه فهل يجوز مثل هذا في السلم، نقول على قولين: الأول: لا يجوز.
    الثاني: يجوز أخذ الرهن أو الكفيل في دين السلم كغيره من الديون، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 1.
  • الفائدة الثالثة: إذا جاء بالمسلم فيه قبل محله فهل يلزمه قبوله أم لا؟ نقول في ذلك تفصيل: أما إذا كان بذله إليه في غير محله فيه ضرر عليه فلا=

..................................  =يلزمه قبوله كأن جاءه بشيء يسرع إليه الفساد كاللحم في رجب وحاجته إليه في شوال, وكذا العنب والتفاح وغيرها فهنا لا يلزمه أخذه، أما إذا كان لا يتضرر بأخذه كأن يسلمه إليه محفوظاً في حديد أو رصاص ولا يحصل له ضرر بتسليمه فهنا يلزمه قبوله ولا يمتنع عن ذلك.

  • الفائدة الرابعة: إذا أحضر المسلم فيه بصفته أو أجود منها أو أقل منها فما الحكم؟ نقول: 1 - إذا جاءه بصفته لزم المسلم قبوله لأنه جاء به على الوصف الذي اشترطه.
    2 - إذا جاءه به أجود مما وصف لزمه أيضاً قبوله لأنه زاده خيراً، فإذا قال المسلم إليه أريد في مقابل هذه الصفة الزائدة ثمناً نقول له لا يجوز لك ذلك لأنها صفة غير متميزة، فلا بد أن يأتي بالموصوف أو يبذل الزيادة بلا ثمن.
    3 - إذا جاءه بأقل مما وصفه فإنه لا يلزم المُسْلِم قبوله لأنه أقل من حقه، ولو قال أقبله على أن تدفع لي تعويضاً عن النقص لم يجز لأنه صرف المُسْلَم إلى غيره وبيع له فإما أن يقبله أو يرده.
    وقيل يجوز أن يقبله مع أخذ قيمة النقص، وهو الأظهر عندي.
  • الفائدة الخامسة: في حكم التولية والشركة بدين السلم قبل قبضه: مثالها: أن يكون لشخص دين سلم على رجل ويأتي آخر فيقول له لي دين سلم على فلان فأعطني كذا من الريالات ويكون شريكاً في دين السلم، والتولية بأن يقول أعطني كذا من الدراهم وتحل محلي في السلم فيتولى مكان السلم الأول.
    فهذا محل خلاف فالجمهور 1 على منع ذلك.
جارٍ التحميل