كتاب الصيد
والذبائح - باب الصيد بالكلاب المعلمة (1929) من حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه-.
الجزء: 7 - الصفحة: 196
وَمَا تَعَذَّرَ ذَبْحُهُ فَمَاتَ بِعَقْرِهِ، حَلَّ بِشُرُوْطٍ سِتَّةٍ، ذَكَرْنَا مِنْهَا ثَلاثَةٌ فِيْ الذَّكَاةِ (1)، وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُوْنَ الجَارِحُ الصَّائِدُ مُعَلَّمًا، وَهُوَ: مَا يَسْتَرْسِلُ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيْبُ إِذَا دُعِيَ (2)، (1)
قوله «وَمَا تَعَذَّرَ ذَبْحُهُ فَمَاتَ بِعَقْرِهِ، حَلَّ بِشُرُوْطٍ سِتَّةٍ، ذَكَرْنَا مِنْهَا ثَلاثَةٌ فِيْ الذَّكَاةِ»:
أي: أما ما تعذر ذبحه لكونه غير مقدور عليه، فهذا لا يحل إلا بشروط ستة سبق ذكر ثلاثة منها في الذكاة، وهي:
الأول: أهلية المذكي.
الثاني: ذكر اسم الله عليه.
الثالث: أن يصيد بجارح أو آلة تجرح الصيد.
(2)
قوله «وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُوْنَ الجَارِحُ الصَّائِدُ مُعَلَّمًا، وَهُوَ: مَا يَسْتَرْسِلُ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيْبُ إِذَا دُعِيَ»:
هذا هو الشرط الرابع وهو الجارحة، أي: المفترسة من السباع والطير، ويشترط فيها أن تكون معلمة، ولا خلاف في اشتراط التعليم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ 1.
وذكر المصنف صفة التعليم، وذكر لها وصفان:
الأول: أن يسترسل إذا أُرسل.
الثانِي: أن يرجع إذا دعي.
فإذا استرسل الكلب أو الصقر مثلاً بنفسه لم يحل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم -رضي الله عنه-: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ» 2. =
الجزء: 7 - الصفحة: 197
وَيُعْتَبَرُ فِيْ الكَلْبِ وَالفَهْدِ خَاصَّةً (1)، أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ، وَلا يُعْتَبَرُ ذلِكَ فِيْ الطَّائِرِ (2)،
=مثال ذلك: رجل معه كلب صيد ويمشي ولم ينتبه للصيد إلا والكلب يعدو على الصيد، فهو ما أرسله، لكن كيف يحل؟ نقول: ازجره، يعني حُثَّه على الصيد، فإن زاد في عدوه في طلبه حلَّ؛ لأن زيادته في العدو تدل على أنه قصد أن يمسك عليك، فحينئذٍ يحل، وهذه حيلة سهلة.
الشرط الثالث: أن يسمي عند إرسال الجارحة، لحديث عدي المتقدم.
(1)
قوله «وَيُعْتَبَرُ فِيْ الكَلْبِ وَالفَهْدِ خَاصَّةً، أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ»:
لقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (1)، والإِمساك علينا بأنه لا يأكل إذا أمسك علي نفسه، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» (2)، فدل على أن إمساكه علينا علامته ترك الأكل.
(2)
قوله «وَلا يُعْتَبَرُ ذلِكَ فِيْ الطَّائِرِ»:
أي ولا يعتبر اشتراط عدم الأكل فيما إذا كان الصيد بالطائر، دليل ذلك: ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: «إذَا أكَلَ الكَلبُ المُعَلَّمُ فَلا تَأكُل، أمَّا الصَّقرُ وَالبَازِيّ فَإنَّهُ إذَا أكَلَ فَكُل» 5، وهذا قول الحنابلة 6، والحنفية 7، ووجه في مذهب الشافعية 8، قالوا: =34
الجزء: 7 - الصفحة: 198
الخَامِسُ: أَنْ يُرْسَلَ الصَّائِدُ لِلصَّيْدِ، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ (1)،
= لأن هنا فارقاً بين جوارح الكلاب وجوارح الطير، وذلك أن بدن البازي ونحوه لا يحتمل الضرب حتى يترك الأكل، وبدن الكلب يحتمله، فيُضرب ليتركه، وقد ذكر البيهقي تعليقاً عن ابن عباس -رضي الله عنه-: «إذَا أكَلَ الكَلبُ فلا تأكل، وَإذَا أكَلَ الصَّقر فَكُل، لأن الكَلبَ تَستَطِيع أن تَضرِبه، وَالصَّقر لا تَستَطِيع» (1).
والقول الثانِي: أنه يشترط انتفاء الأكل في الطيور، وهذا هو الأظهر في مذهب الشافعية (2)، قياساً على جارحة الكلاب.
والقول الأول هو الأظهر عندي، والقياس غير صحيح لما تقدم من الفرق بينهما.
فائدة: فيما يشترط لحل ما قتله الجارح من الكلاب والطير
: يشترط لحل ما قتله الجارح من الكلاب والطير أن يجرحه، فإن قتله بخنقه أو صدمته لم يبح، لأنه موقوذة، أشبه ما لو قتله بحجر، وهذا هو الراجح من قولي العلماء.
(1)
قوله «الخَامِسُ: أَنْ يُرْسَلَ الصَّائِدُ لِلصَّيْدِ، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ»:
أي: الشرط الخامس: أن يقصد إرسالها، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا أَرْسَلتَ كَلبَكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ فَكُل» 11، وهذا قول الجمهور، لأن الإرسال بمنْزلة الذكاة، لوجود القصد، فإن استرسل الكلب بنفسه فقتل=910
الجزء: 7 - الصفحة: 199
السَّادِسُ: أَنْ يَقْصِدَ الصَّيْدَ، فَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ، لِيُصِيْبَ بِهِ غَرَضًا أَوْ كَلْبَهُ وَلا يَرَى صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يُبَحْ (1)، وَمَتَى شَارَكَ فِيْ الصَّيْدِ مَا لا يُبَاحُ قَتْلُهُ، مِثْلَ أَنْ يُشَارِكَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ كَلْبٌ أَوْ سَهْمٌ لا يَعْلَمُ مُرْسِلَهُ، أَوْ لا يَعْلَمُ أَنَّهُ سُمِّيَ عَلَيْهِ (2)، = صيداً لم يَحِلَّ على الراجح من قولي أهل العلم، لأن الإرسال يقوم مقام التذكية بدليل أنها اعتبرت معه التسمية، كما في الحديث، فإن استرسل الكلب بنفسه على صيد فزجره صاحبه وسَمَّى فزاد في عَدْوِهِ وقتل الصيد فالراجح من قولي أهل العلم أنه يحل، لوجود النية والتسمية والإغراء الذي صار له أثر في عَدْوِ الكلب، فكان كما لو أرسله ابتداءً (1).
(1)
قوله «السَّادِسُ: أَنْ يَقْصِدَ الصَّيْدَ، فَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ، لِيُصِيْبَ بِهِ غَرَضًا أَوْ كَلْبَهُ وَلا يَرَى صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يُبَحْ»:
أي الشرط السادس: لابد من قصد الصيد، فإن أرسل سهمه ليصيب غرضاً فبان هذا الشيء صيداً أو أرسل كلبه ولا يرى صيداً فجاء إليه الكلب بصيد فإنه لا يحل لأن قصد الصيد شرط ولم يوجد فأشبه من نصب سكيناً فانذبحت بها شاة.
(2)
قوله «وَمَتَى شَارَكَ فِيْ الصَّيْدِ مَا لا يُبَاحُ قَتْلُهُ، مِثْلَ أَنْ يُشَارِكَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ كَلْبٌ أَوْ سَهْمٌ لا يَعْلَمُ مُرْسِلَهُ، أَوْ لا يَعْلَمُ أَنَّهُ سُمِّيَ عَلَيْهِ»:
أي: إذا كان شارك الكلب المعلم كلباً لا يُعرف حاله، ولا يُدرى هل وجدت فيه شرائط الصيد أو لا؟ فإنه لا يحل الصيد، إلا أن يدركه حياً فيذكيه، لقوله=12
الجزء: 7 - الصفحة: 200
أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مَسْمُوْمٍ يُعِيْنُ عَلى قَتْلِهِ (1)، أَوْ غَرِقَ فِيْ الْمَاءِ، أَوْ وَجَدَ بِهِ أَثَرًا غَيْرَ أَثَرِ السَّهْمِ أَوِ الكَلْبِ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِهِ، لَمْ يَحِلَّ (2)؛
= -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتقدم: «وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلبِكَ كَلباً غَيرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلا تَأْكُل، فَإنَّك لا تَدْرِي أَيّهمَا قَتَلَهُ»، وفي رواية: «فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيرِهِ» فذكر الحكم وقرنه بالعلة.
وكذلك إن أرسل سهمه فوجد سهماً آخر قد شارك سهمه في الصيد فإنه لا يحل لأنه إنما ذكر اسم الله على سهمه ولم يذكره على سهم غيره, والحديث حجة فيهما جميعاً.
وفي بعض ألفاظ حديث عدي: «فإن لم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت»، مفهومه أنه إن وجد فيه أثر غيره لا يأكله.
(1)
قوله «أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مَسْمُوْمٍ يُعِيْنُ عَلى قَتْلِهِ»:
لأننا لا ندري هل مات بسبب السم أم السهم؟ فإنه لا يحل؛ لأنه اجتمع عندنا مبيح وحاظر، فيُغلَّب جانب الحظر - أي: المنع -؛ لأننا لا ندري أيهما الذي حصل به الموت.
(2)
قوله «أَوْ غَرِقَ فِيْ الْمَاءِ، أَوْ وَجَدَ بِهِ أَثَرًا غَيْرَ أَثَرِ السَّهْمِ أَوِ الكَلْبِ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِهِ، لَمْ يَحِلَّ»:
وذلك تغليباً لجانب الحظر لأنه يحتمل أنه مات بسبب الغرق.
الجزء: 7 - الصفحة: 201
لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ حَياًّ فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَكُلْهُ، فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ لَهُ ذَكَاةٌ، فَإِنْ أَكَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنِّيْ أَخَافُ أَنْ يَكُوْنَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا، فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلى غَيْرِهِ، وَإِذا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَمْ تَجِدْ فِيْهِ إِلاَّ أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْهُ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيْقًا فِيْ الْمَاءِ، فَلا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لا تَدْرِيْ الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ 13،
(1) قوله «لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ حَياًّ فَاذْبَحْهُ، ... » (1) الحديث: هذا الحديث عمدة في باب الصيد، وفيه فوائد كثيرة منها:
1 - فيه دليل على حل ما صاده الكلب ونحوه، كالفهد، أو الصقر، ونحوه كالبازي، إذا كان معلماً وذكر اسم الله تعالى عند إرساله، ويستوي فيه أن يدرك صاحبه الصيد حياً أو ميتاً.
2 - تحريم الصيد الذي اشترك فيه الكلب المعلَّم وغير المعلم، لأنه اجتمع فيه مبيح - وهو المعلم -، وحاظر - وهو غير المعلم -، فيترك من «باب ترك الأمور المشتبهة».
الجزء: 7 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
3 - أنه لابد من التسمية عند إرسال السهم، والمراد بالسهم، السلاح الذي صنع للرمي من البنادق بأنواعها وأسمائها، وهل تسقط التسمية سهوا وجهلا؟ تقدم الكلام على ذلك مع بيان الراجح.
4 - لا يحل الصيد الذي اشترك في قتله المعلم وغيره، لأن غير المعلم لم يُذكَرُ اسم الله عند إرساله.
5 - لا يحل الصيد الذي أكل منه، خشية أن يكون صاده لنفسه ولم يصده لصاحبه.
6 - أن ما أدركته من صيد السلاح، أو الجارح حيا، فلا بد من تذكيته، وإن كان ميتاً فرميه أو قتل الجارح إياه، هو ذكاته.
7 - إذا جرحت الصيد فوقع في ماء واشتبه عليك: هل مات من سهمك أو من الماء؟ فهو حرام، خشية أن يكون مات من الغرق وهذا إذا كان فيه اشتباه قَوِي.
أما إذا غلب على الظن أنه مات من السهم، لكون الماء قليلا، والجرح موحيا فهو حلال.
الجزء: 7 - الصفحة: 203
بابُ الْمُضْطَرِّ (1) وَمَنِ اضْطُرَّ فِيْ مَخْمَصَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ مُحَرَّمًا، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ (2)، (1)
قوله «بابُ الْمُضْطَرِّ»:
أي
باب المضطر
إلى أكل ما جاء في الشريعة من النهي عن أكله كالميتة والخنزير ونحو ذلك.
(2)
قوله «وَمَنِ اضْطُرَّ فِيْ مَخْمَصَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ مُحَرَّمًا، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ»:
لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 14، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 15، فإذا اضطُر الإنسان إلى هذه المحرمات جاز له أكلها، لكن الله - عزّ وجل - اشترط شرطين:
الأول: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي: مجاعة.
الثاني: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ يعني غير مائل إلى الإثم، أي: ما ألجأه إلا الضرورة وما قصد الإثم.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ 16، فإذا أكل ما يسد رمقه.
زالت الضرورة، فتزول الإباحة.
وهو اختيار الخرقي 17، وعنه: له الشبع.
اختاره أبو بكر، لأنه طعام أبيح له أكله، فجاز له الشبع منه كالحلال.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=والصواب: أنه ليس له أن يشبع، وأن هذا الأكل ضرورة، فيتقيد بقدرها، وإذا خاف أن يجوع قبل أن يصل إلى بلده مثلاً، فله أن يتزود من هذا اللحم بحمله معه، وإذا تزوَّد وحمل معه فليس عليه خطر، لكن إذا شبع من هذا اللحم الخبيث، فربَّما يكون عليه تخمة، ونتن في بطنه فيتضرر.
فالصواب هنا ما ذكره المؤلف أنه لا يحل له إلا ما يسد رمقه، ويرد عليه قوَّته.
و
هل يجب الأكل من الميتة حال الاضطرار؟
على قولين: قيل يجب الأكل، نص عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ 18، وقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 19، قال مسروق 20 «من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات: دخل النار».
وقيل: لا يجب لما روي عن عبد الله بن حذافة صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ملك الروم حبسه، ومعه لحم خنزير مشوي، وماء ممزوج بخمر ثلاثة أيام، فأبى أن يأكله، وقال: «لقد أحله الله لي، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام» 21.
الجزء: 7 - الصفحة: 205
وَإِنْ وَجَدَ مُتَّفَقًا عَلى تَحْرِيْمِهِ وُمُخْتَلَفًا فِيْهِ (1)، أَكَلَ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ، بِهِ مِثْلُ ضَرُوْرَتِهِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ، أَخَذَهُ مِنْهُ بِثَمَنِهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ، أَخَذَهُ قَهْرًا، وَضَمِنَهُ لَهُ مَتَى قَدِرَ (2)،
- فائدة: يجب تقديم السؤال على أكل المُحرَّم:
فلا يلجئ المضطر إلى الأكل من الميتة ابتداءً، بل يلزمه أولاً تقديم السؤال، فإن عجز عن الحصول على المباح جاز له الأكل من المحرم.
(1)
قوله «وَإِنْ وَجَدَ مُتَّفَقًا عَلى تَحْرِيْمِهِ وُمُخْتَلَفًا فِيْهِ، أَكَلَ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيْهِ»:
لأنه أخف تحريماً، كالخنزير متفق على تحريمه، والثعلب مختلف فيه، والقنفذ، وما شاكل ذلك، فهنا يأكل من المختلف فيه لأنه أخف تحريماً من المتفق عليه.
(2)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ، بِهِ مِثْلُ ضَرُوْرَتِهِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ، أَخَذَهُ مِنْهُ بِثَمَنِهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ، أَخَذَهُ قَهْرًا، وَضَمِنَهُ لَهُ مَتَى قَدِرَ»:
أي أنه إذا اضطر إلى طعام فان لم يجد إلا طعاماً لغيره فان كان صاحبه مضطرًا إليه فهو أحق به ولا يجوز لأحد أخذه منه لأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة، وإن أخذه منه أحد فمات فعليه ضمانه لأنه قتله بغير حق، وان لم يكن صاحبه مضطراً إليه لزمه بذله للمضطر لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله كما يلزمه بذل منافعه في إنجائه من الغرق والحرق، فان لم يفعل فللمضطر أخذه منه لأنه يستحقه دون مالكه فجاز له أخذه كعين ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه على ما يسد=
الجزء: 7 - الصفحة: 206
فَإِنْ قُتِلَ الْمَضْطَرُّ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قُتِلَ الْمَانِعُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهِ (1)، وَلا يُبَاحُ التَّدَاوِيْ بِمُحَرَّمٍ (2)، =رمقه لأنه الذي اضطر إليه وعنه له قتاله على قدر الشبع والقول الأول أولى لما رجحناه سابقاً.
(1)
قوله «فَإِنْ قُتِلَ الْمَضْطَرُّ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قُتِلَ الْمَانِعُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهِ»:
أي فان قُتل المضطر فهو شهيد، وعلى قاتله ضمانه، وإن آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر لأنه ظالم بقتاله، فأشبه الصائل إلا أن يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لإمكان الوصول إليه دونها، فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمنه لم يلزمه إلا ثمن مثله، لكن لا يباح للمضطر من مال أخيه إلا ما يباح من الميتة.
(2)
قوله «وَلا يُبَاحُ التَّدَاوِيْ بِمُحَرَّمٍ»:
أي لا يجوز التداوي بمحرم؛ لما في جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُم» 22، وعن أبي هريرة مرفوعاً: «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» 23، وقوله -صلى الله عليه وسلم- عن الخمر «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» 24.
الجزء: 7 - الصفحة: 207
وَلا شُرْبُ الخَمْرِ مِنْ عَطَشٍ، وَيُبَاحُ دَفْعُ الغُصَّةِ بِهَا، إِذا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا غَيْرَهَا (1)، (1)
قوله «وَلا شُرْبُ الخَمْرِ مِنْ عَطَشٍ، وَيُبَاحُ دَفْعُ الغُصَّةِ بِهَا، إِذا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا غَيْرَهَا»:
أي ولو اضطر إلى شرب الخمر فلا يشرب، لأن الخمر لا يغني من العطش، بل يزيد العطش، ومع ذلك إذا اضطر إليه بحيث تندفع ضرورته بتناوله حل له الخمر، ومثَّل المؤلف لذلك برجل غصَّ بلقمةٍ ولم يكن عنده إلا كأس خمر، فله أن يتناول ما يدفع اللقمة فقط ثم يمسك، لأنه هنا تندفع به الضرورة، أما غيرها فلا تندفع به الضرورة.
الجزء: 7 - الصفحة: 208
بَابُ النَّذْرِ
(1) (1)
قوله «بَابُ النَّذْرِ»:
النذر لغةً: هو النحب، وهو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحباً واجباً، يقال: نذر على نفسه لله كذا، ينذر، وينذر نذراً ونذوراً، كما يقال: أنذر وأنذر نذراً، إذا أوجبت على نفسك شيئا تبرعاً، من عبادةٍ أو صدقةٍ، أو غير ذلك 25.
والنذر في الاصطلاح: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم عليه بأصل الشرع.
وقد اختلف الفقهاء في حكم النذر:
فقال الحنفية 26: النذر في الطاعات مباح، سواء أكان مطلقاً أم معلقاً على شرط.
ورأى المالكية 27 أن النذر المطلق مندوب، وهو ما ليس بمعلق على شيء ولا مكرر بتكرر الأيام كنذر صوم كل يوم خميس، وهو ما أوجبه على نفسه شكراً لله تعالى على نعمة وقعت، كمن شفى الله مريضه أو رزق ولداً أو زوجة، فنذر.
أما المكرر كنذر صوم كل يوم خميس فمكروه، وأما المعلق مثل إن شفى الله مريضي فعلي صدقة، ففي كراهته وإباحته تردد، فقال الباجي بالكراهة، وقال ابن رشد بالإباحة 28.=
الجزء: 7 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقال الشافعية 29، والحنابلة 30: إنه مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، فلا يستحب بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» 31، وفي لفظ: «إِنَّهُ لا يَأْتِى بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» ولأن النذر لو كان مستحباً لفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفاضل أصحابه، لكن مع هذا من نذر طاعة لله عز وجل لزمه الوفاء بها.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ 32، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ 33، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 34، والنذر نوع من العهد من الناذر مع الله عز وجل، والعقود: العهود.
وأما السنة: فقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» 35، فقوله «فليطعه» تفيد الإيجاب.
وهذا هو الصواب عندي.
الجزء: 7 - الصفحة: 210
مَنْ نَذَرَ طَاعَةً، لَزِمَ فِعْلُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيْعَ اللهِ، فَلْيُطِعْهُ» (1)، (1)
قوله «مَنْ نَذَرَ طَاعَةً، لَزِمَ فِعْلُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيْعَ اللهِ، فَلْيُطِعْهُ»
(1): أي متى نذر الإنسان نذر طاعة فعليه أن يوفي بنذره.
فائدة: ينقسم النذر إلى خمسة أقسام
: أحدها: النذر المطلق، مثل أن يقول: لله علىَّ نذر، ولم يسم شيء؛ فيلزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقاً أو معلقاً؛ لما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (2)، فدل هذا الحديث على وجوب الكفارة إذا لم يسم ما نذر لله عز وجل.
الثاني: نذر اللجاج والغضب
، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب؛ كما لو قال: إن كلمتك، أو: إن لم أخبر بك، أو: إن لم يكن هذا الخبر صحيحاً، أو: إن كان كذبا، فعلي الحج أو العتق ونحو ذلك، فهذا النذر يخير بين فعل ما نذره أو كفارة يمين، لحديث: «لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» 38.=3637
الجزء: 7 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =و
الثالث: نذر المباح
، كما لو نذر أن يلبث ثوبه أو يركب دابته فحكمه أنه يخير بين فعله وبين كفارة يمين إن لم يفعله؛ كالقسم الثاني.
والصحيح أنه لا شيء عليه في نذر المباح؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بَيْنَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ، وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (1).
الرابع: نذر المعصية
، كنذر شرب الخمر وصوم أيام الحيض ويوم النحر؛ فلا يجوز الوفاء بهذا النذر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» 40، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية، لأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال.
ومن نذر المعصية كالنذر للقبور أو لأهل القبور، وهو شرك أكبر كما سبق، ويكفِّر عن هذا النذر كفارة يمين عند بعض أهل العلم، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي الله عنهم.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم انعقاد نذر المعصية، وأنه لا يلزمه به كفارة، وهو رواية عن أحمد 41 ومذهب مالك 42، والشافعي 43، =39
الجزء: 7 - الصفحة: 212
فَإِنْ كَانَ لا يُطِيْقُ مَا نَذَرَ، كَشَيْخٍ نَذَرَ صِيَامًا لا يُطِيْقُهُ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيْقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ» (1)، =واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (1)، وقال: «ومن أسرج قبرًا أو مقبرة أو جبلاً أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو المضافين إلى ذلك المكان، لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعاً، ويصرف في المصالح؛ ما لم يعلم ربه ... » انتهى.
الخامس: نذر التبرر
، وهو نذر الطاعة؛ كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه، سواء كان مطلقا «أي: غير معلَّق على حصول شرط»؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم ... ، أو معلقاً على حصول شرط، كقوله: إن شفى الله مرضي؛ فلله عليَّ كذا، فإذا وجد الشرط؛ لزمه الوفاء به؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»، ولقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (2)، ولقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (3)، والله أعلم.
45
قوله «فَإِنْ كَانَ لا يُطِيْقُ مَا نَذَرَ، كَشَيْخٍ نَذَرَ صِيَامًا لا يُطِيْقُهُ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيْقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ»
الجزء: 7 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= طبقاً لما نذر إن استطاع، وإن لم يستطع فعل ما نذر فعليه كفارة يمين وهي «إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، أو صيام ثلاثة أيام» كمن نذر صياماً ونحوه ثم عجز عن القيام بها لكبر أو مرض، وهذا محمول على ما إذا كان لا يرجى زوال عجزه كمريض السرطان مثلاً أو مريض السكر وغير ذلك من الأمراض التي لم يصل الطب إلى علاجها، فإن كان يرجى زوال المرض أو نحوه انتظر زواله ثم وفَّى بما نذره.
والعجز عن الوفاء بالنذر لم يخل من خمسة أحوال:
أحدها: أن يعجز عجزاً لا يرجى زواله لكبر أو مرض غير مرجو الزوال أو غيره فعليه كفارة يمين لا غير لحديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستفتيته فقال: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ» 49، ولأن النذر كاليمين إلا فيما لا يطيق وسواء كان عاجزاً وقت النذر أو تجدد العجز لأنهما سواء في فوات النذر، وفي رواية عن الإمام أحمد 50 فيمن نذر صوماً فعجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه: أنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، اختاره الخرقي لأنه صوم وجد سبب إيجابه عيناً فأشبه صوم رمضان.
الجزء: 7 - الصفحة: 214
وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، لَمْ يَجْزِهِ إِلاَّ الْمَشْيُ فِيْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (1)،
=الثاني: أن يعجز عجزاً مرجو الزوال نحو المرض، فإذا كان النذر غير مؤقت أخره حتى يزول العارض ثم يأتي به، وإن كان مؤقتاً كصوم شهر معين فإذا زال العجز قضاه لأنه صوم واجب يلزمه قضاؤه كرمضان وعليه كفارة اليمين لأن النذر كاليمين وفي رواية: لا كفارة عليه لأن المنذور محمول على المشروع ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه كفارة كذا هاهنا.
الثالث: أن يمنعه الشرع من الوفاء بنذره مثل أن يصادف عيدا أو حيضاً.
الرابع: أن يصادفه النذر مجنوناً فلا شيء عليه لأنه خرج عن أهلية التكليف قبل وقت النذر أشبه ما لو فاته
الخامس: أن يموت فإن كان كذلك قبل وقت النذر فلا شيء عليه لأنه خرج عن أهلية التكليف، وإن كان بعده أو كان النذر غير مؤقت فعل ذلك وليه، لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (1).
(1)
قوله «وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، لَمْ يَجْزِهِ إِلاَّ الْمَشْيُ فِيْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ»:
وذلك لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي للحج أو العمرة، فإذا لم ينو شيئاً معينا بهذا النذر؛ فإنه ينصرف إلى المشي للحج والعمرة.51
الجزء: 7 - الصفحة: 215
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ، رَكِبَ وَكَفَّرَ (1)، (1)
قوله «فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ، رَكِبَ وَكَفَّرَ»:
وفي رواية عن الإمام أحمد أنه يلزمه دم لما روى ابن عباس: «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِىَ إِلَى الْبَيْتِ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِىَ هَدْيًا»، ولأنه أخل بواجب في الإحرام فلزمه هدي كتارك الإحرام من الميقات، وعن ابن عمر يحج من قابل.
والأظهر عندي أنه لا يلزمه سوى الكفارة لحديث عقبة بن عامر المتقدم قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستفتيته فقال: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ» 52.
أما الرواية الثانية التي فيها «تَرْكَبَ وَتُهْدِىَ هَدْيًا»، فهي ضعيفة لا تقوم بها الحجة.
فإن لم يعجز عن المشي لكن عليه مشقة.
مثال ذلك: إنسان في الرياض، ونذر أن يحج البيت ماشياً، أو أن يعتمر ماشياً والمسافة كما تعلمون من الرياض إلى مكة تقارب ألف كيلو مترا، فهذا عليه مشقة كبيرة.
فهنا الصحيح أنه لا يلزمه أن يفي بنذره، وإنما يكفر كفارة يمين، لأن النذر الذي فيه مشقة غير معتادة، فإنه يكفر كفارة يمين، كما في حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- المتقدم.
الجزء: 7 - الصفحة: 216
وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا، فَعَجَزَ عَنِ التَّتَابُعِ، صَامَ مُتَفَرِّقًا، وَكَفَّرَ (1)، وَإِنْ تَرَكَ التَّتَابُعَ لِعُذْرٍ فِيْ أَثْنَائِهِ، خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَالتَّكْفِيْرِ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا، فَعَجَزَ عَنِ التَّتَابُعِ، صَامَ مُتَفَرِّقًا، وَكَفَّرَ»:
كأن يقول إن حصل لي كذا، فلله عليّ نذر أن أصوم أربعة أشهر متتابعة، ثم يعجز عن التتابع؛ فيصوم أربعة أشهر متفرقة، ويكفر كفارة يمين عن ترك التتابع.
(2)
قوله «وَإِنْ تَرَكَ التَّتَابُعَ لِعُذْرٍ فِيْ أَثْنَائِهِ، خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَالتَّكْفِيْرِ»:
أي إن نذر أن يصوم عشرة أيام مثلاً، ثم حصل له عذر من مرض، أو كانت الناذرة امرأة حاضت مثلاً فانقطع التتابع لهذا العذر، فهنا هو مخير بين أن يُكمل ويكفر كفارة يمين لعدم قدرته على الوفاء بالنذر على الوجه الذي نذره، وبين أن يستأنف «أي يعيد» ما نذره من صوم ولا شيء عليه لأنه أتى بما نذره على وجهه، وهذا هو المذهب 53، وفي رواية أخرى في المذهب 54 أنه إن أفطر لعذر كمرض أو حيض أو نفاس فإنه يبني على ما مضى من صيامه وقضي ما أفطر ولا كفارة عليه لأنه أفطر لعذر، والمنذور محمول على المشروع، وهذا هو قول مالك 55، والشافعي 56 وهو الراجح.
الجزء: 7 - الصفحة: 217
وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ (1). وَإِنْ نَذَرَ مُعَيَّنًا، فَأَفْطَرَ فِيْ بَعْضِهِ، أَتَمَّهُ وَقَضَى، وَكَفَّرَ بِكُلِّ حَالٍ (2)، وَمَنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِيْ تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا (3)، (1)
قوله «وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ»:
أي من نذر صياماً متتابعاً وترك التتابع لغير عذر فالواجب عليه أن يعيد المنذور ولا كفارة عليه لأنه أتى بالنذر على وجهه، لكن بالقيد الذي ذكرناه وهو ما لم يشق عليه مشقة غير معتادة، فإن شق عليه مشقة غير معتادة لم يلزمه استئنافه، ولزمه أن يكفر كفارة يمين، كما في حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- المتقدم (2)
قوله «وَإِنْ نَذَرَ مُعَيَّنًا، فَأَفْطَرَ فِيْ بَعْضِهِ، أَتَمَّهُ وَقَضَى، وَكَفَّرَ بِكُلِّ حَالٍ»:
أي وإن نذر أن يصوم أياماً معينة كأن يصوم الخمسة عشر يوماً الأول من شهر شعبان في هذا العام فأفطر في بعضها أتم ما بقي منها وقضى ما أفطره وكفر كفارة يمين، لفوات محل النذر ولا يمكنه تدارك النقص الذي حصل في أدائه، فوجب عليه كفارة يمين عن هذا النقص.
(3)
قوله «وَمَنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِيْ تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا»:
يعني إن نذر عتق رقبة، فهي التي تجزئ عن الواجب، أي الرقبة المؤمنة الخالية من العيوب المانعة من العمل وهي التي تجزئ في الكفارة لأن النذر المطلق يحمل على المعهود في الشرع والواجب بأصل الشرع كذلك، وفي وجه آخر تجزئه أي رقبة كانت صحيحة أو معيبة مسلمة أو كافرة لأن الاسم يتناول جميع ذلك ولأن المطلق يحمل على معهود الشرع وهو الواجب في الكفارة.
الجزء: 7 - الصفحة: 218
وَلا نَذْرَ فِيْ مَعْصِيَةٍ (1)، وَلا مُبَاحٍ (2)، وَلا فِيْمَا قَصَدَ بِهِ الْيَمِيْنَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا نَذْرَ فِيْ مَعْصِيَةٍ وَلا فِيْ مَا لا يَمْلِكُ الْعَبْدُ».
وَقَالَ: «لا نَذْرَ إِلاَّ فِيْ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى» (3)،
(1)
قوله «وَلا نَذْرَ فِيْ مَعْصِيَةٍ»:
سبق بيان ذلك في أنواع النذر (2)
قوله: «وَلا مُبَاحٍ»
أي ولا يكون النذر في المباح كمن نذر أن يلبس ثوبه أو أن يركب دابته، وقد اختلفت الرواية في المذهب في انعقاد النذر المباح ففي رواية وهي قول الجمهور أنه لا ينعقد، وليس عليه كفارة لعدم انعقاده، ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا نَذْرَ إِلاَّ فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» 58، والرواية الثانية: أن النذر المباح ينعقد، ويخير الناذر بين الوفاء به والكفارة لحديث عقبة ابن عامر -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» 59، فيدخل في عموم الحديث النذر المباح.
60
قوله «وَلا فِيْمَا قَصَدَ بِهِ الْيَمِيْنَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا نَذْرَ فِيْ مَعْصِيَةٍ وَلا فِيْ مَا لا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» (3)، وَقَالَ: «لا نَذْرَ إِلاَّ فِيْ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى»
الجزء: 7 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=افترض الله عليه» 62.
فقوله: «والله لئن يَلِجَّ»، يَلِجَّ: من اللجاج، واللجاج معناه التَّمادي في الأمر ولو بعد تَبَيُّنِ الخطأ، هذا هو المقصود باللجاج.
ومعنى الحديث لأن يقيم على ترك الحنث؛ فإن استمراره على ترك الحنث، وإلحاق الضرر بأهله بذلك آثم له عند الله من أن يحنث وَيُكَفِّر كفارة يمين.
حكمه: اختلف الفقهاء فيما يلزم الناذر في هذا النوع من أنواع النذور.
القول الأول: أنه يتخير بين الوفاء بما نذر، أو يكفر عنه كفارة يمين إذا وجد الشرط.
وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة 63، وهو اختيار النووي 64 من الشافعية، وإليه رجع أبو حنيفة 65.
واستدلوا لذلك بأدلة منها: حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» 66، وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ =
الجزء: 7 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الْيَمِينِ» 67، ووجه الدلالة أن هذا النذر كاليمين فيترتب على تحقق الشرط أن يخير الناذر فيه بين الوفاء بما نذر، أو بالكفارة كاليمين بالله تعالى، فقد جعل الحديث كفارة هذا النذر ككفارة اليمين.
ولأن نذر اللجاج والغضب يشبه النذر من حيث إنه التزام قربة، ويشبه اليمين من حيث إن مقصوده مقصود اليمين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما من حيث موجبهما، ولا سبيل كذلك إلى تعطيلهما، فتعين التخيير.
ثم إن تخيير الناذر في هذا النوع من النذر بين الوفاء والتكفير أجمع للصفتين معاً، فإن اعتبر نذرا خرج الناذر عن العهدة باختيار الوفاء به، وإن اعتبر يميناً خرج عن العهدة باختيار التكفير عنه، فيخرج عن العهدة بكل حال منهما.
القول الثاني: أن الناذر يلزمه الوفاء بما سمي في هذا النذر، وهذا هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة 68، وقول جمهور أصحابه، ومشهور مذهب المالكية 69، وهو قول في مذهب الشافعية 70، واستدلوا لقولهم بما يلي:
الجزء: 7 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ 71، وقوله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ 72، وجه الدلالة من الآيتين أنهما أفادتا وجوب الوفاء بالنذر مطلقاً من غير فصل بين النذر المطلق أو النذر المعلق على شرط، كما أفادت إثم من لم يف به.
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» 73، وعن ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: نذرت نذراً في الجاهلية فسألت النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدما أسلمت فأمرني أن أوفي بنذري» 74، ووجه الدلالة في هذه الأحاديث أنها أفادت وجوب الوفاء بالنذر إن كان في طاعة الله تعالى، ونذر اللجاج من هذا القبيل، فيجب الوفاء به.
وقالوا أيضاً: إن الوفاء بالنذر هو فعل ما تناوله النذر وليس الكفارة، لأن الأصل اعتبار التصرف على الوجه الذي أوقعه المتصرف تنجيزاً كان أو تعليقاً بشرط، والمتصرف أوقعه نذراً عليه عند وجود الشرط، وهو إيجاب الطاعة المذكورة لا إيجاب الكفارة.
كما قالوا: إن الناذر قد التزم عبادة في مقابلة شرط، فتلزمه عند وجود=
الجزء: 7 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=هذا الشرط.
القول الثالث: أن الناذر تلزمه كفارة يمين، فيخرج عن نذره هذا بالكفارة، وهذا هو قول بعض المالكية 75، وقول في المذهب الشافعي 76 استظهره بعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد 77، واستدلوا بأدلة منها:
قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 78، وجه الدلالة من الآية أن نذر اللجاج بمفهومه السابق يمين، لأن اليمين بغير الله تعالى شرط وجزاء، ونذر اللجاج كذلك، فتجب فيه عند تحقق الشرط كفارة يمين.
وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» 79. وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» 80. =
الجزء: 7 - الصفحة: 223
وَإِنْ جَمَعَ فِي النَّذْرِ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ وَحْدَهَا (1)؛
=وجه الدلالة منهما أن الحديثين أفادا أن نذر اللجاج والغضب تجزئ فيه كفارة اليمين، ولا يلزم الناذر أن يفي به، قالوا: حديث عقبة يفيد وجوب الكفارة في النذر إن لم يف به الناذر، ولا كفارة واجبة في نذر التبرر جزماً، فتعين حمل النذر الموجب للكفارة في الحديث على نذر اللجاج.
وقالوا أيضاً: إن نذر اللجاج والغضب في معنى اليمين بالله تعالى، لأن المقصود من اليمين بالله تعالى الامتناع عن المحلوف عليه أو تحصيله خوفاً من لزوم الحنث، وذلك موجود في هذا النذر، لأن الناذر إن قال: إن فعلت كذا فعلي حجة، فقد قصد الامتناع من تحصيل الشرط، وإن قال: إن لم أفعل كذا فعلي حجة فقد قصد تحصيل الشرط، وكل ذلك خوفا من الحنث، فكان هذا النذر في معنى اليمين بالله تعالى، فلزم الناذر كفارة عند الحنث.
قلت: وبعد عرض أقوال أهل الفقهاء في حكم هذا النوع من النذور الذي يترجح عندي هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو اختيار شيخنا رحمهما الله (1).
(1)
قوله «وَإِنْ جَمَعَ فِي النَّذْرِ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ وَحْدَهَا»:
أي وإن جمع بين نذر مباح أو نذر معصية، ونذر طاعة، فيجب عليه أن يفي بالطاعة، وأما المباحة، فهو مخير بين أن يأتي بها، وبين أن يتركها إلا أن يكون في ذلك تعذيباً له ومشقة عليه كما سبق، فهنا =81
الجزء: 7 - الصفحة: 224
لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَبْصَرَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلاً قائِمًا فِيْ الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوْا: أَبُوْ إِسْرَائِيْلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُوْمَ فِيْ الشَّمْسِ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُوْمَ، فَقَالَ: «مُرُوْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (1). وَإِنْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ (2)، = لا ينبغي له أن يأتي بها، وإنما يكفر كفارة يمين عن هذا النذر، وأما نذر المعصية فلا يجوز له الوفاء به وعليه كفارة يمين على القول الراجح من أقوال أهل العلم كما سبق.
(1)
قوله «لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَبْصَرَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلاً قائِمًا فِيْ الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوْا: أَبُوْ إِسْرَائِيْلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُوْمَ فِيْ الشَّمْسِ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُوْمَ، فَقَالَ: «مُرُوْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ»
(1): هذا الحديث رواه البخاري، وفيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله فلا ينعقد به النذر فإنه -صلى الله عليه وسلم- أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره، وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه، وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل.
(2)
قول «وَإِنْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ»:
سبق بيان هذا النوع من النذور، وهو ما يسمى بالنذر المطلق، وقلنا فيه كفارة يمين لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: «كفارة النذر إذا لم يُسمَّ كفارة يمين» 83.82
الجزء: 7 - الصفحة: 225