..................................
=وقيد الشافعية 1 جواز التكفير قبل الحنث بما إذا كفر بغير الصوم ولم يكن الحنث معصية.
القول الثاني: لا يجوز التكفير قبل الحنث، وإليه ذهب الحنفية 2.
والراجح عندي هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ من أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدمها، كانت محللة لليمين، وإن أخرها، كانت مكفرة له.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 3.
وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أوجب الكفارة بإرادة الحنث لأن التقدير: إذا حلفتم فأردتم الحنث، كما أن ظاهر الآية يفيد أن الكفارة وجبت بنفس اليمين فيجوز التكفير قبل الحنث، لتكون الكفارة محللة لليمين.
ومن الأدلة أيضاً ما ذكره المؤلف وهو حديث «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ» 4.
وجه الدلالة من الحديث: أنه صريح في تقديم الكفارة على الحنث، حيث أمر -صلى الله عليه وسلم- بالتكفير عن اليمين، ثم عطف الإتيان بغير المحلوف عليه بثَمَّ التي تفيد الترتيب والتراخي، فدل هذا دلالة واضحة على إجزاء=
وَيُجْزِئُهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا تَجُوْزُ الصَّلاةُ فِيْهِ، لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ (1)، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةَ مَسَاكِيْنَ، وَيَكْسُوَ خَمْسَةً (2)،
=الكفارة قبل الحنث.
ومن الأدلة أيضاً القياس على كفارة الظهار والقتل بعد الجراح، فكما يجوز تقديم كفارة الظهار على العود، والقتل الخطأ بعد الجراح وقبل الموت كذلك يجوز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث، لأنه كفر بعد سببه فجاز.
(1)
قوله «وَيُجْزِئُهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا تَجُوْزُ الصَّلاةُ فِيْهِ، لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ»:
قال بعضهم: بقدر ما يجزئ في الصلاة، والصحيح أننا كما قلنا في الطعام نقول في الكسوة أي أن المرجع في ذلك إلى العرف، فإن الله تعالى لم يقيدها بشيء، وعلى هذا فأي شيء يطلق عليه كسوة يحصل به المقصود، فمثلاً عندنا في المملكة لو أن شخصاً كسا آخر إزاراً من السُّرة إلى الركبة فهذا لا يسمى كسوة، فهي في كل بلد بحسبه، ففي بلادنا الكسوة تكون درعاً، وهو الثوب، وغترة، وطاقية، أما السراويل فليست لازمة بل هي من كمال الكسوة.
وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، مع أن كسوة الأنثى غالباً أكثر من كسوة الرجل.
(2)
قوله «وَيُجْزِئُهُ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةَ مَسَاكِيْنَ، وَيَكْسُوَ خَمْسَةً»:
أي لو أراد أن يطعم خمسة مساكين، ويكسو خمسة مساكين آخرين؛ فإن ذلك مجزئ في كفارة اليمين، أما لو كانوا هم نفس الخمسة؛ أطعمهم وكساهم=
لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً، أَوْ كَسَاهُمْ، أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدَيْنِ، لَمْ يُجْزِئْهُ (1)، وَلا يُكَفِّرُ الْعَبْدُ إِلاَّ بِالصِّيَامِ (2)، وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ (3)، =فلا يجزئه، فلا بد من عشرة مساكين، كما سيأْتي.
(1)
قوله «لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً، أَوْ كَسَاهُمْ، أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدَيْنِ، لَمْ يُجْزِئْهُ»:
أي لو أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة مساكين، أو كساهم فهنا لا يجزئ، بينما لو أطعم خمسة، وكسا خمسة أجزأ، لكن لو أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة، أو كسا خمسة؛ فإن ذلك لا يجزئ، وذلك لأن مقصودهما مختلف ومتباين.
(2)
قوله «وَلا يُكَفِّرُ الْعَبْدُ إِلاَّ بِالصِّيَامِ»:
وذلك لأن العبد لا مال له، والعبد وما ملك لسيده؛ فلا يمكن أن يكفر بالإطعام، فينتقل إلى الصيام.
وهل إذا أذن له سيده في التكفير بالمال جاز؟ روايتان (1): إحداهما يجوز تكفيره به لأنه بإذن سيده يصير قادرا على التكفير بالمال فجاز له ذلك كالحر, والرواية الأخرى لا يجزيه لأنه لا يملك المال فيكون تكفيره بغير ماله فلم يصح كما لو أعتق الحر عبد غيره عن كفارته، وعلى الروايتين لا يلزمه التكفير بالمال, وإن أذن له سيده لأن فرضه الصيام فلم يلزمه غيره كما لو أذن موسر لحر معسر في التكفير من ماله.
(3)
قوله «وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ»:
أي إذا لم يجد الإنسان ما يطعم به عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ فإنه يعدل =1
فَاضِلاً عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ (1)، وَلا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيْعَ فِيْ ذلِكَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَأَثاثٍ، وَكُتُبٍ، وَآنِيَةٍ، وَبِضَاعَةٍ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ (2)، = للصوم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (1). وقد سبق الإشارة إلى ذلك في بعض الفوائد وقلنا بأنه لا يجوز للمكفِّر أن يعدل إلى الصيام إلا إذا عجز عن إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإذا عجز عن الإطعام، والكسوة، وتحرير رقبة؛ فهنا يعدل إلى الصيام، أما كونه يريد أن يصوم ثلاثة أيام، وهو قادر على إطعام عشرة مساكين؛ فليس له ذلك.
(1)
قوله «فَاضِلاً عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ»:
أي لا بد أن يجد ما يطعم به عشرة مساكين فاضلاً عن مئونته؛ أي نفقته، وما يحتاج إليه، وكذلك نفقة عياله، وقضاء الدين الواجب عليه.
(2)
قوله «وَلا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيْعَ فِيْ ذلِكَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَأَثاثٍ وَكُتُبٍ، وَآنِيَةٍ، وَبِضَاعَةٍ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ»:
وذلك لأن الكفارة إنما تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية وهذا من حوائجه الأصلية فلا يلزمه بيع شيء من ذلك لأنه يضر به كثيراً.
فمثلاً لو كان عنده سيارة، ولم يجد ما يطعم به عشرة مساكين؛ فهل له أن يعدل إلى الصيام أم نقول: يجب عليك أن تبيع سيارتك لأجل أن تكفر كفارة اليمين؟ =1
وَمَنْ أَيْسَرَ بَعْدَ شُرُوْعِهِ فِيْ الصَّوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَالُ عَنْهُ (1)، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مِسْكِيْنًا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ (2). =نقول: لا يجب عليه بيعها، والقاعدة في ذلك أن ما كان من حوائجه الأصلية فهي مقدمة على حقوق الله تعالى، فلا يجب عليه في الأشياء التي يحتاج إليها بيعها، بل له أن يعدل للصوم مباشرة.
(1)
قوله «وَمَنْ أَيْسَرَ بَعْدَ شُرُوْعِهِ فِيْ الصَّوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَالُ عَنْهُ»:
أي فلو أن إنساناً لم يجد ما يطعم به عشرة مساكين، أو يكسوهم، أو تحرير رقبة، وعدل للصوم، فلما بدأ في الصوم؛ أيسر وساق الله له رزقاً؛ فلا يلزمه الانتقال إلى الإطعام لأن الصيام بدل لا يبطل بالقدرة على المبدل فلم يلزمه الرجوع إلى المبدل بعد الشروع فيه.
(2)
قوله «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مِسْكِيْنًا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ»:
أي إذا لم يجد المكفر في كفارة اليمين المساكين بكمال عددهم فإنه يردد على الموجودين منهم كل يوم حتى تتم عشرة، فلو قدِّر أنه لم يجد إلا مسكيناً واحداً فله أن يردد الإطعام عليه عشرة أيام، هذا بشرط ألاَّ يجد عشرة مساكين، لكن لو وجد عشرة مساكين، فلا بد من استيعاب العدد.
كِتابُ الْجِنَاياتِ (1) (1)
قوله «كِتابُ الْجِنَاياتِ»:
الجنايات: جمع جناية، وهي لغة: الاعتداء على النفس أو العرض أو المال أو البدن، فكل اعتداء على نفس، مثل القتل، أو الاعتداء على البدن؛ مثل قطع الأعضاء وبترها، والتشويه للخلقة بالوسم والكي ونحو ذلك، والاعتداء على المال بسرقته أو غصبه، والاعتداء على العرض بالقذف أو الزنا كل هذا يعتبر جناية في أصل اللغة، والعرب تسميه جناية؛ لما فيه من الإضرار والأذية وتعدي الحد، ومن فعل ذلك فقد جنى عاقبته؛ لأنه يجر على نفسه الشر، فمن جنى جناية، واعتدى على غيره، فإنه يجني من وراء ذلك العاقبة التي لا تحمد في دينه ودنياه.
واصطلاحاً: التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً، أو مالاً.
فهي في الاصطلاح أخص من معناها لغة، وذلك لأن علماء اصطلاح الفقه خصوا الجنايات: بالاعتداء على النفس والبدن، وأفردوا الاعتداء على المال والاعتداء على العرض بكتاب الحدود، فإذا قالوا: