(1) وَهُوَ: تَحْبِيْسُ الأَصْلِ، وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ (2)، الشرح:
(1)
قوله «كِتَابُ الْوَقْفِ»:
الوقف لغة: الحبس والمنع، وهو مصدر وقف الشيء وقفاً: إذا جعله على جهة معينة لا ينتفع به غيرها، ووقف وحَبَّس وأحبس وسبَّل كلها بمعنى واحد، أما أوقف فهي لغة رديئة، ويقال للموقوف: وقف من باب التسمية بالمصدر.
أما تعريف الوقف في الاصطلاح: فهو كما قال المؤلف.
(2)
قوله «وَهُوَ: تَحْبِيْسُ الأَصْلِ، وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ»:
هذا هو تعريف الوقف في الاصطلاح، والتحبيس: مصدر حبَّس يقال حبَّس الشيء أي: جعله محبوساً لا يباع ولا يوهب.
وقوله «الأَصْلِ»: أي العين الموقوفة، وهو كل ما ينتفع به مع بقاء عينه كالعقار والحيوان والأثاث والكتب والشجر والسيارة ونحو ذلك لأن الوقف يكون في المنقول والعقار، أما ما لا ينتفع به لذهاب عينه وتلفه فلا يصح وقفه كما سيذكر ذلك المؤلف قريباً.
وقوله «وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ»: التسبيل ضد التحبيس، فالتحبيس كما ذكرنا: المنع، والتسبيل: معناه الإطلاق.
والمعنى أن المُوقف يحبس أصل المنفعة عن كل ما ينقل الملك فيه ويسبل الثمرة يعني المنفعة كثمرة وزرع وأجرة بيت وقراءة كتاب، وما أشبه ذلك.
وقوله «وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ»: لو قال: وتسبيل المنفعة لكان أجود لأن المنفعة تعم الثمرة والزرع والأجرة وغير ذلك مما فيه نفع.
.................................. - فائدة: ثبتت مشروعية الوقف بدليل الكتاب والسنة والإجماع: أما دليل الكتاب: فقوله تعالى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.. ﴾ 1، وجه الدلالة من الآية أن الوقف داخل في الإنفاق، وقد فهم ذلك أبو طلحة - رضي الله عنه - من الآية، فقد جاء عن أنس - رضي الله عنه - «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَأَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ.. » 2. أما دلالة السنة فمن ذلك: 1 - ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» 3. وفي رواية «احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَهَا» 4.
وَيَجُوْزُ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوْزُ بَيْعُهَا (1)،
2 - ما ثبت عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (1)، والصدقة الجارية هي المتصلة المستمر نفعها وذلك كوقف العقارات والكتب والمصاحف.
أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على جواز الوقف، قال ابن هبيرة «واتفقوا على جواز الوقف» (2)، قال في المغني «وقد وقف الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعاً» (3).
- فائدة: سبق بيان مشروعية الوقف، أما من حيث الحكم فنقول: إذا كان على جهة مشروعة كان مستحباً لأنه من الصدقة، وإذا نذره كان واجباً بالنذر، وإذا كان فيه ظلم وحيف كان حراماً، وإذا كان فيه تضييق على الورثة كان مكروهاً.
(1)
قوله «وَيَجُوْزُ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوْزُ بَيْعُهَا»:
أي يشترط لجواز الوقف أن يكون في عين يجوز بيعها كالعقارات والمنقولات شريطة بقاء النفع.
وقوله «فِي كُلِّ عَيْنٍ» يخرج المنفعة فلا يجوز وقفها وهذا هو قول الجمهور 4.
وذهب المالكية 5 إلى جواز وقف دار مدة معلومة فإنه يجوز له أن يوقف منفعتها في تلك المدة وينقضي الوقف بانقضاء المدة، لأنه لا يشترط عندهم تأبيد الوقف.123
وَيُنْتَفَعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَائِهَا، وَلا يَصِحُّ فِي غَيْرِ ذلِكَ (1)، =وقوله «يَجُوْزُ بَيْعُهَا» يخرج العين التي لا يجوز بيعها كالمرهون، والحر، والكلب ونحو ذلك وقيل يصح وقف كل ما جازت إعارته لأن الوقف إنما هو تمليك للمنفعة أما الأصل فهو محبوس من أن تنتقل ملكيته إلى أحد بأي وجه واختار هذا القول شيخ الإسلام -رحمه الله- (1)، وصححه صاحب الإنصاف (2).
(1)
قوله «وَيُنْتَفَعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَائِهَا، وَلا يَصِحُّ فِي غَيْرِ ذلِكَ»:
هذا هو الشرط الثاني لجواز الوقف وهو أن تكون العين ينتفع بها دائماً مع بقائها، فلا يصح وقف ما لا ينتفع به إلا بذهاب عينه، كطعام لأكل أو ماء لشرب بل هو صدقة.
قال في الإفصاح 3 «اتفقوا على أن كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا بإتلاف كالذهب والفضة والمأكول لا يصح وقفه».
وذهب الحنفية 4، وهو المذهب عند المالكية 5، وهو اختيار شيخ الإسلام 6 وشيخنا 7 رحمهم الله إلى جواز وقف الشيء الذي لا ينتفع به إلا بتلفه فيجوز أن يوقف جراباً من التمر على الفقراء، وكذلك يجوز وقف دراهم للقرض وماء للشرب وطعامٍ للأكل ونحو ذلك.
قلت: وهذا هو الراجح عندي، فلا يشترط أن تكون العين باقية دائماً في الموقوف.12
مِثْلُ الأَثْمَانِ وَالْمَطْعُوْمَاتِ وَالرِّيَاحِيْنَ (1)، وَلا يَصِحُّ إِلاَّ عَلَى بِرٍّ أَوْ مَعْرُوْفٍ (2)، (1)
قوله «مِثْلُ الأَثْمَانِ وَالْمَطْعُوْمَاتِ وَالرِّيَاحِيْنَ»:
أي لا يصح وقف «الأَثْمَانِ» من الذهب والفضة والأوراق النقدية من ريالات أو جنيهات أو دولارات أو غيرها.
وكذلك «الْمَطْعُوْمَاتِ» كبر وشعير وأرز ونحو ذلك.
«وَالرِّيَاحِيْنَ» وهو ما يستعمل في الطيب، فلا يصح وقف ذلك كله.
وقد سبق بيان الخلاف في المسألة وبيان الراجح، ورجحنا جواز وقف هذا كله.
(2)
قوله «وَلا يَصِحُّ إِلاَّ عَلَى بِرٍّ أَوْ مَعْرُوْفٍ»:
هذا هو الشرط الرابع بما يجوز وقفه، فلابد أن يكون على بر، أو معروف كالمساجد، والقناطر، والمساكين، والأقارب ونحو ذلك.
فإن كان على إثم فلا يجوز، كأن يوقف مسجداً على قبر أو يوقف بيتاً يعصى فيه الله، أو يوقف مالاً يستخدم في المعاصي، ونحو ذلك، فهذا لا يصح فيه الوقف، بل لا بد من أن يكون الوقف في وجوه البر والطاعة.
ودليل ذلك ما ذكره المؤلف من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنِّيْ أَصَبْتُ مَالاً بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِيْ مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِيْ فِيهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلا يُوْرَثُ وَلا يُوْهَبُ».
قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيْلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيْلِ وَالضَّيْفِ.
لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا أَوْ يُطْعِمَ صَدِيْقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ 1
(1)
قوله «مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنِّيْ أَصَبْتُ مَالاً بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِيْ مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِيْ فِيهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلا يُوْرَثُ وَلا يُوْهَبُ» قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيْلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيْلِ وَالضَّيْفِ.
لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا أَوْ يُطْعِمَ صَدِيْقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ»
(1)
هذا الحديث أصل في جواز الوقف، ويستفاد منه جملة من الفوائد منها:
1 - أن عمر -رضي الله عنه- أول من وقف في الإسلام.
2 - في هذا الحديث بيان لمعنى الوقف كما سبق.
3 - فيه بيان حكم التصرف في الوقف فإنه لا يكون إلا في الأشياء التي ينتفع بها.
4 - قوله «غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلا يُوْرَثُ» أي لا يورث الوقف فالعين والرقبة لا تنتقل ملكيتهما إلا بالاستحقاق في الثمرة كأن يقول هذه النخلة وقف لأولادي ثم لأولاد أولادي إلى أن ينقطع النسل فإنه حينئذ إذا توفي البطن الأول انتقل النفع إلى البطن الثاني وهكذا لكن العين نفسها لا تنتقل=
..................................
=ولا تورث، إنما الذي يورث استحقاق المنفعة.
5 - وقوله «فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ»: فيه دليل مشروعية الوقف على الفقراء.
6 - وقوله «وَفِي الْقُرْبَى»: فيه جواز الوقف على الأقارب، بل من أفضل الوقف أن يبدأ الإنسان بذي القربى لما فيه من صلة الرحم.
7 - وقوله «وَفِي الرِّقَابِ»: أي في فك الرقاب وفي هذا دليل على جواز الوقف لفك الرقاب ويدخل في ذلك الأسير فيجوز أن يوقف الإنسان وقفاً يستخدم لفك الأسرى.
8 - وقوله «وَفِي سَبِيْلِ اللهِ»: فيه جواز الوقف للمجاهدين في سبيل الله عز وجل.
9 - وقوله «وَابْنِ السَّبِيْلِ»: جواز الوقف لابن السبيل وهو المسافر المنقطع.
10 - قوله «وَالضَّيْفِ»: جواز جعل الوقف في إقراء الضيف فلو قال أوقفت هذا الثلث من مالي على أن تطعموا به الضيوف لجاز ذلك.
وقوله «لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بالمعروف»: هذا من كلام عمر في الوقف فأجاز من وليها وهو الناظر أن يأكل منها، وفي هذا دليل على مشروعية أخذ النظارة على الوقف وهذا أفضل وأباح له أن يأكل من الوقف بالمعروف يعني على قدر حاجته دون إسراف ولا تقتير على نفسه، وقوله «غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» يعني يعطى صديقه من الوقف قدراً يسيراً من باب المحبة والمودة فلا بأس بذلك.
11 - ومن الفوائد أيضاً في الحديث فضيلة استشارة أهل العلم والفضل =
وَيَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ (1)، مِثْلُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاةِ فِيهِ، أَوْ سِقَايَةً وَيُشَرِّعَهَا لِلنَّاسِ (2)، = والنصح فإن الإنسان لا يستبد برايه فقد قال تعالى لنبيه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ.. ﴾ (1)، وقال أيضاً: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.. ﴾ (2)، وهذا مأخوذ من فعل عمر - رضي الله عنه - حيث استشار النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا معنى حديث ابن عمر - رضي الله عنه -.
(1)
قوله «وَيَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ»:
هذه هي طرق وصيغ الوقف، فأدل صيغه القول، فالقول هو الأصل كأن يقول أوقفت، أو سَبلت أو حبست فكلها صيغ صريحة في الوقف متى تلفظ بها الإنسان صار وقفاً، أما ما كان كناية فيها كأن يقول تصدقت، وحرَّمت وأبدّت، فلا يكون وقفاً إلا بالنية، أو إضافة ما يدل على الوقف، كأن يقول تصدقت بكذا على أن يقول صدقة موقوفة، أو يقرنها بحكم الوقف وصفاته كأن يقول: تصدقت بكذا صدقة لا تباع ولا تورث فهذه هي صيغ الوقف القولية.
أما الفعل الدال على الوقف وذلك كأن يبني مسجداً ويأذن للناس بالصلاة فيه إذناً عاماً، أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن للناس بالدفن فيها، أو يحفر بئراً على طريق المسافرين، ويجعل له حوضاً ودلواً ثم يتركها للناس ليشربوا منها، فيعلم من فعله أنه أوقف ذلك، لأن العرف جار به، وفيه دلالة على الوقف.
(2)
قوله «مِثْلُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاةِ فِيهِ، أَوْ سِقَايَةً وَيُشَرِّعَهَا لِلنَّاسِ»:
هذه أمثلة للفعل الدال على الوقف وقد سبق بيانه.12
وَلا يَجُوْزُ بَيْعُهُ إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ بِالْكُلِّيَةِ (1)،
- فائدة: إذا كان قد اشترط أن يصرف الوقف في أمور مباحة فهل يصح؟
قولان للفقهاء فذهب جمهورهم إلى أن اشتراط أن يكون الوقف في الأمور المباحة أن هذا الشرط باطل، لأن الوقف إنما شرع ليتقرب به إلى الله تعالى، وهذا غير موجود في الوقف.
وذهب شيخنا -رحمه الله- (1) إلى أن الوقف إن كان على جهة عامة فإنه يشترط أن يكون على برٍّ، وإن كان على معين فإنه لا يشترط أن يكون على برٍّ، ولكن يشترط أن لا يكون على إثم، وإن أوقف لفلان اليهودي أو النصراني فإنه يصح لأنه أوقف على معين وليس بيننا وبينه حرب وله عهد، ولأنه لم ننه عن بره، فالواقف لم يرتكب ما نهى الله عنه.
(1)
قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُهُ إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ بِالْكُلِّيَةِ»:
وهذا قول جمهور الفقهاء، فمتى تعطل الموقوف وصار بحالة لا ينتفع بها فقد أجاز الفقهاء بيعه وجعل ثمنه في مثله، وذلك كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتاً ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، ونحو ذلك مما يتعطل بعضه من الوقف.
وذهب المالكية 2 إلى أنه لا يجوز بيع العقار الموقوف ولو خرب، قال مالك: «لا يباع العقار الحبس، ولو خرب، وبقاء أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك».
وعنه يعني «مالك»: «إن رأى الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز، ويجعله في مثله»1
..................................
=ويفهم من قول المؤلف - كلية - أنه إذا تعطل بعضه أو قلت منفعته وكان غيره أنفع منه وأكثر لم يجز بيعه لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف من الضياع.
وذهب شيخ الإسلام 1 إلى جواز إبدال الوقف للحاجة، أو المصلحة الراجحة.
وصورة الإبدال للحاجة: أن الوقف يتعطل فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه كالفرس الحبيس للغزو إذا لم يمكن الانتفاع به فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد الذي خرب ما حوله فتنتقل آلته إلى مكان آخر أو يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، أو لا يمكن الانتفاع بالموقوف عليه من الواقف فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، قال شيخ الإسلام 2 فهذا كله جائز، فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه، أما الإبدال لمصلحة راجحة فصورته: أن المسجد الموقوف مثلاً - إذا بنى بدله مسجد آخر أوسع لأهل البلد منه، فإنه يباع الأول ويوقف ثمنه على الثاني.
مثال ذلك: ما وقف لغلة إذا أُبدل بخير منه: كأن يقف داراً أو حانوتاً، أو قربة يكون نفعها قليلاً، فيبدلها بما هو أنفع للوقف، هذا ما ذكره شيخ الإسلام في هذه المسألة.
قلت: والذي يترجح عندي ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وهو رواية في مذهب أحمد 3، وهو أيضاً اختيار شيخنا -رحمه الله- 4.
..................................
وخلاصة ما ذكرناه ما يلي:
1 - يجوز للناظر تغيير الوقف من صورة إلى صورة أصلح منها.
2 - يجوز بيع الوقف، وإبداله بما هو أنفع منه للموقوف عليه.
3 - يجوز الإبدال بالأنفع والأصلح فيما يوقف للاستغلال وكل ذلك ما رجحه شيخ الإسلام وشيخنا رحمهم الله كما سبق ومن الأدلة على ذلك ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- فمن ذلك.
أولاً: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا» 1.
قال شيخ الإسلام 2: ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - واجباً لم يتركه، فعلم أنه جائز وأنه كان الأصلح لولا ما ذكره من حداثة عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر فعلم أن هذا جائز في الجملة.
ثانياً: ما رواه البخاري قال حدثنا نافع أن عبد الله أخبره «أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ=
فَيُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِهِ مَا يَقُوْمُ مَقَامَهُ (1)، وَالْفَرَسُ الْحَبِيْسُ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، بِيْعَ وَاشْتُرِيَ بِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ (2) =وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ» (1). قال شيخ الإسلام: وبكل حال فاللبن والجذوع التي كانت وقفاً أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها، وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا، ولم ينكره منكر ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بالعرصة: إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولهذا أبدل عمر مسجد الكوفة بمسجد آخر، أبدل نفس العرصة، وصارت العرصة الأولى سوقاً للتمارين بعد أن كانت مسجداً، وهذا أبلغ ما يكون في إبدال الوقف للمصلحة.
(1)
قوله «فَيُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِهِ مَا يَقُوْمُ مَقَامَهُ»:
أي إذا تعطل النفع بالوقف فإنه يجوز بيعه واستبداله بما يقوم مقامه.
مثال ذلك: مسجد تعطلت منافعه كان هناك أناس يسكنون في مكان في موضع كالصحراء فبنى لهم مسجداً ثم ارتحلوا عن هذا الموضع، ولم يكن هناك أحد ففي هذه الحالة يجوز نقل المسجد إلى مكان آخر، فنبيع هذا المسجد ثم نشتري به مسجداً آخر ينتفع به كمنفعته، وهكذا في كل وقف، وقد سبق بيان ذلك آنفاً.
(2)
قوله «وَالْفَرَسُ الْحَبِيْسُ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، بِيْعَ وَاشْتُرِيَ بِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ»:
أي والفرس المسبل الموقوف للجهاد عليه في سبيل الله إذا أصبح ضعيفاً أو مرض وعجز عن استعماله للجهاد في سبيل الله بيع ثم اشترى بثمنه ما يقوم مقامه، فنشتري بثمنه فرساً آخر يوقفه في سبيل الله، فلا يصرف =1
وَالْمَسْجِدُ إِذَا لَمْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَكَانِهِ، بِيْعَ وَنُقِلَ إِلَى مَكَانٍ يَنْتَفِعُ بِهِ (1)، وَيُرْجَعُ فِي الْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ وَشُرُوْطِهِ وَتَرْتِيْبِهِ (2)،
= مثلاً في السلاح ولا في العتاد، وإنما يصرف في الفرس ويشتري به فرساً آخر، ولا يشتري به غيره مما يكون بدله يقوم مقامه.
فائدة: في هذه الأزمنة تغيرت الأحوال وأصبح دور الفرس للجهاد في سبيل الله قد قل الانتفاع به، فهل يشتري بثمنه ما يصلح للجهاد في سبيل من الأسلحة أو المركوبات الحديثة التي تستخدم للجهاد في سبيل الله؟
نقول قولان، وقد تقدم ذكر الخلاف في المسألة.
والأصوب عندي أنه يجوز أن يصرف الوقف إلى غيره مما هو أنفع منه أو أكثر نفعاً، فيصرف ثمنه في شراء آلات الحروب الحديثة من مركبات وأسلحة ونحو ذلك.
(1)
قوله «وَالْمَسْجِدُ إِذَا لَمْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَكَانِهِ، بِيْعَ وَنُقِلَ إِلَى مَكَانٍ يَنْتَفِعُ بِهِ»:
سبقت الإشارة إلى ما ذكره المؤلف، مع بيان الخلاف والراجح في هذه المسألة.
(2)
قوله «وَيُرْجَعُ فِي الْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ وَشُرُوْطِهِ وَتَرْتِيْبِهِ»:
أي ويرجع في الوقف وتحديد مصارفه وكذلك شروطه إلى لفظ الواقف كأن يشترط أن يكون الوقف لجهة معينة كأن يقول هذا وقف لطلبة العلم أو العلماء أو للأيتام أو جمعيات تحفيظ القرآن أو للمطلقات أو قال هذا وقف لأولادي ونحو ذلك فمتى اشترط جهة معينة للوقف فإنه لا يجوز أن يصرف لغير الجهة التي اشترطها.
أما قوله «وَتَرْتِيْبِهِ» كأن يقول هذا وقف لأولادي ثم أولاد أولادي، فإذاً لا يستحق أولاد أولاده الأحفاد إلا بعد انقراض أولاده، حتى ولو لم يبق من=
وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ أَوْ إِخْرَاجِهِ بِهَا إِلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ (1)،
= أولاده إلا ولد واحد فإنه يستحق الوقف كله فإن توفى انتقل إلى البطن الذي يليه، لأن الحرف «ثم» يفيد الترتيب فإن عين الواقف جهة ثم انقطعت فإنه يرجع إلى أقاربه على قدر ارثهم هذا قول في المذهب (1)، وفي قول آخر وهو رواية عن الإمام أحمد (2) أنه يصرف على الفقراء والمساكين فإن كان في أقاربه من هو كذلك كانوا أحق به من غيرهم وهذا هو اختيار العلامة بن سعدي -رحمه الله- (3).
وفي قول ثالث عن الإمام أحمد أنه يجعل في بيت مال المسلمين، لأنه مال لا مستحق له، فأشبه مال من لا وارث له.
والأصوب عندي هو القول الثاني أي يصرف إلى الفقراء والمساكين عند انقطاع جهة الوقف ويكون الأحق به أقارب الواقف ممن كانوا فقراء أو مساكين.
(1)
قوله «وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ أَوْ إِخْرَاجِهِ بِهَا إِلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ»:
أي ويرجع ما أوقفه الواقف إلى ما حدده بالصفات التي ذكرها كأن يقول هذا الوقف لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم فلا يدخل غيرها إليها فلو أدخل جمعيات البر فإنه لا يصرف إليها فالمرجع في ذلك كله إلى لفظ الواقف.
- فائدة: ينبغي أن يعلم أن الواقف إذا خالف شرع الله في وقفه فهو مردود غير نافذ، فعليه إذا اشترط زيادة أو نقصاً أو حرماناً أن يرجع في ذلك إلى المصلحة الشرعية لا إلى شهوته وهواه، لأن هذا قربة، والقربة لا تقع موقعها إلا إذا=123
وَكَذلِكَ النَّاظِرُ فِيهِ (1)، = نوى صاحبها فيها البر والعدل، وابتعد عن الظلم والحيف، فإن شرط ما خالف الشرع لغي، كأن يقول: هذا وقف على أولادي فلان وفلان بعد موتي، وله أربعة أبناء، فهذا مخالف للشرع، لأنه وصية لوارث.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ النَّاظِرُ فِيهِ»:
أي ويرجع ما ينفق على ناظر الوقف وما يأخذه لنفسه من غلة الوقف إلى قول الواقف لأن الوقف ثبت بقول الواقف فوجب أن يرجع إلى ما يعطاه الناظر إلى قول هذا الواقف.
- الفائدة الأولى: الأولياء الذين يتصرفون لغيرهم أربعة أقسام:
«الوكيل - الوصي - الناظر - الولي».
فالوكيل: يكون في حال الحياة كما لو وكل فلان يشتري له شيئاً معيناً فاشتراه.
والوصي: من أذن بالتصرف بعد الموت كأن يقول أوصيت فلان بالنظر على أولادي بعد موتي، والناظر: هو الوكيل على الوقف.
والولي: هو من كان يتصرف بإذن من الشارع كولي اليتيم مثلاً فلا أحد من الناس ولاه الله عز وجل، وكولاية الأب على مال ولده، فهذه ولاية لم تكن بإذن من العبد. - الفائدة الثانية: هل يشترط للناظر شروطاً لصلاحيته للنظارة؟
نقول نعم هناك شروط اشترطها الفقهاء في الناظر منها ما هو محل اتفاق بين الفقهاء، ومنها ما هو محل خلاف فمن ذلك: -
1 - التكليف: فيشترط في الناظر على الوقف أن يكون بالغاً عاقلاً فلا يصح نظارة الصبي ولا المجنون لعدم أهليتهما.
2 - العدالة: فيشترط في الناظر أن يكون عدلاً فلا يصح أن يكون الفاسق=
وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ (1)،
=ناظراً للوقف، فإن كان عدلاً ثم صار فاسقاً عزله القاضي، فإن كان الناظر مشروطاً بعينه من قبل الواقف قال ابن قدامة (1) فلا يشترط فيه العدالة ويضم إليه عدل لما فيه من العمل بالشرط وحفظ الوقف، ولا تزال يده إلا أن لا يمكن حفظه منه فتزال ولايته، لأن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية الفاسق عليه.
3 - الكفاءة: المقصود بالكفاءة قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه، فيشترط في الناظر هذا وذلك لأن مراعاة حفظ الوقف مطلوب شرعاً، وإن لم يكن الناظر متصفاً بهذه الصفة لم يتمكن مراعاة حفظ الوقف، فإن اختلت الكفاءة فهل يعزل؟ على قولين عند الفقهاء فقال الحنفية (2)، والشافعية (3) يعزل الناظر، وقال الحنابلة (4) لا يعزل بل يضم إليه قوى أمين ليحصل المقصود سواء كان ناظراً بشرط أو موقوفاً عليه.
4 - الإسلام: يشترط في الناظر على الوقف أن يكون مسلماً إذا كان الموقوف عليه مسلماً أو كانت الجهة كمسجد ونحوه، وذهب الحنفية (5) إلى جواز أن يكون الناظر ذمياً، فالإسلام ليس بشرط فيه.
(1)
قوله «وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ»:
الضمير في «عليه» يعود على الناظر والمعنى أنه يرجع في اشتراط الناظر واشتراط النفقة عليه من أجل نظراته على الوقف إلى =12345
.................................. = شرط الوقف ف
إذا لم يعين الواقف للناظر أجرة
فقد اختلف في ذلك الفقهاء، فذهب الحنفية 1 في بعض أقوالهم في المسألة أنه لو لم يشترط الواقف للناظر شيئاً لا يستحق شيئاً، إلا إذا جعل له القاضي أجرة مثل عمله في الوقف، فيأخذه على أنه أجرة، وفي قول آخر عندهم إن لم يعين له الواقف عين له القاضي أجرة مثله هذا إن عمل، وإن لم يعمل لا يستحق أجرة، أما إن نصبه القاضي ولم يعين له شيئاً إن كان المعهود أن لا يعمل إلا بأجرة مثله فله أجرة المثل، لأن المعهود كالمشروط وإلا فلا شيء له.
وذهب الشافعية 2 إلى أنه إذا لم يشترط الواقف للناظر شيئاً فلا يستحق أجرة على الصحيح، وإذا رفع الأمر للحاكم فإنه يعطى مع الحاجة.
أما الحنابلة 3 فلهم ثلاثة أراء في المسألة:
الأول: أن للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، سواء أكان محتاجاً أو غير محتاج إلحاقا له بعامل الزكاة.
الثاني: أن لناظر الوقف أن يأخذ الأقل من أجرة المثل أو كفايته قياساً على ولي الصغير ولا يستحق ذلك إلا إذا كان فقيراً كوصي اليتيم.
الثالث: أن للناظر الوقف إن كان مشهوراً بأنه يأخذ أجرة على عمله فيأخذ أجر المثل لأنه مقابل عمل يؤديه.
قلت والراجح عندي أنه إن شرط الواقف أن تكون للناظر أجرة على نظارته فنعم يجعل له أجرة من الوقف، وإن لم يشترطها الواقف فله أجرة المثل ويقدرها الحاكم وإن تبرع فجزاه الله خيراً =
فَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ فُلانٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ، كَانَ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ (1)، إِلاَّ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَجَعَ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ (2)، =فقد أعان على خير، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1). فائدة: في الجهة التي يستحق منها الناظر الوقف، ذهب جمهور الفقهاء (2) إلى أن أجرة الناظر تكون من غلة الوقف واحتجوا لذلك بحديث عمر -رضي الله عنه- حيث قال: لوالي هذه الصدقة أن يأكل منها غير متأثراً مالاً، وقال بعض الفقهاء (3) بل تكون الأجرة من بيت المال، والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
(1)
قوله «فَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ فُلانٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ، كَانَ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ»:
أي إذا وقف صاحب الوقف وقفه على أولاد زيد من الناس ثم على المساكين بعد انقراض أولاد زيد فالوقف لولده الموجود من حين الوقف ويكون الذكر نصيبهم من الوقف الذكر والأنثى بالسوية لان اللفظ يشملهم، فإن لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى كما هو معلوم قال تعالى ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ.. ﴾ (4). فإذا انقرض أولاد زيد انتقل الوقف للمساكين ويكون أيضاً للذكر والأنثى بالسوية.
(2)
قوله «إِلاَّ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَجَعَ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ»:
أي إن وجد ما يدل على تفضيل الذكور على الإناث كما لو قال للذكر سهمان وللأنثى سهم، أو يقول من حفظ القرآن فله من الوقف، =1234
وَمَتَى كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ (1)، لَزِمَ اسْتِيْعَابُهُمْ بِهِ، وَالتَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يُفَضِّلْ بَعْضَهُمْ (2) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَصْرُهُمْ، جَازَ تَفْضِيْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَخْصِيْصُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهِ (3)،
= ومن لم يحفظ فلا شيء له فهذا يعمل به.
وقوله «رَجَعَ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ» يفيد بأنه لا يرجع الوقف إليهم إلا إذا انقرض أولاد زيد لأنه رتب الوقف للمساكين بعدهم.
(1)
قوله «وَمَتَى كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ»:
أي إن كان الوقف على جماعة محصورين يمكن استيعابهم بالوقف كأن يوقفه على طلاب جمعية تحفيظ القرآن الكريم في بلدنا، أو أولاده أو أولاد زيد وليسوا قبيلة وجب استيعابهم أي تعميمهم بالسوية ذكوراً كانوا أو إناثاً، صغيراً كان أو كبيراً لأن اللفظ يقتضي ذلك.
(2)
قوله «لَزِمَ اسْتِيْعَابُهُمْ بِهِ، وَالتَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يُفَضِّلْ بَعْضَهُمْ»:
أي يجب التعميم والتسوية في الوقف ما لم يفضل الواقف بعضهم لغرض شرعي فإنه يعمل به، فيقول مثلاً هذا الوقف لجمعية تحفيظ القرآن على أن من حفظه كاملاً كان له كذا، أو من حفظ خمسة عشر جزءاً فله كذا.
(3)
قوله «وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَصْرُهُمْ، جَازَ تَفْضِيْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَخْصِيْصُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهِ»:
أي إن تعذر حصرهم في الوقف وذلك كأن تكون غلة الوقف لجميع من أوقف عليهم ولا تكفيهم فهنا يجوز له تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم.
مثاله: أن يقول هذا الوقف لطلاب جمعية تحفيظ القرآن غير أن الوقف لا يمكن استيعابه لجميع الطلاب فهنا يجوز تفضيل بعضهم على بعض فيعطى=
..................................
=أكثرهم حفظاً وإتقان تلاوة على غيره لأنه لا يمكن استيعابهم جميعاً.
مثال آخر: قال هذا الوقف لفقراء القرية فكبرت القرية وأصبح الوقف لا يكفي جميع الفقراء فهنا يقدم فقراء الواقف على غيرهم لأنهم أولى من غيرهم، فإن كان الوقف لا يسع جميع فقراء قومه أو عشيرته فهنا يجوز تخصيص بعضهم بالوقف من غيره فيعطي أكثرهم حاجة ونحو ذلك من الأسباب المقتضية لتقديم بعضهم على بعض، قال شيخ الإسلام -رحمه الله- (1) وإذا قدّر وجود فقير مضطر كان دفع ضرورته واجباً، وإذا لم يندفع إلا بتنقيص كفاية أولئك من هذا الوقف من غير ضرورة تحصل لهم تعين ذلك.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوقف
:
- الفائدة الأولى: الصواب أنه لا بأس بالشفعة لصالح الوقف المشترك فإذا كان جزء من المال وقفاً والجزء الآخر طلقاً ثم أراد الناظر على الوقف أن يشفع في الجزء المشترك الطلق إذا بيع فالراجح أن له ذلك لعموم الأدلة لأن مراعاة حال الوقف أولى من غيره فتثبت لصالحه الشفعة.
- الفائدة الثانية: يشترط في الواقف أن يكون جائز التصرف بأن يكون بالغاً حراً رشيداً فلا يصح الوقف من الصغير والسفيه والمملوك.
- الفائدة الثالثة: الوقف يقسمه بعض العلماء إلى قسمين: الأول: الوقف الأهلي أو الذري وهو الوقف على الأقارب والأولاد والأحفاد ثم الفقراء، والوقف الخيري وهو الوقف على أبواب الخير ابتداء.
- الفائدة الرابعة: يجب العمل بشرط الواقف إذا لم يخالف الشرع لحديث=1
.................................. = «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلالاً» (1)، ولأن عمر - رضي الله عنه - (2) وقف وشرط وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا حدد الجهة والناظر وجب العمل به.
-
الفائدة الخامسة: ليس للحاكم التعرض للوقف ما دام له ناظر خاص لأن الولاية الخاصة مقدمة على الولاية العامة والقاعدة الفقهية العامة «الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة».
-
الفائدة السادسة: أفضل أنواع الوقف ما يعم نفعه للمسلمين في كل زمان ومكان كالوقف على المساجد وطلبة العلم والمجاهدين وفقراء المسلمين والأقارب وهكذا.
-
الفائدة السابعة: نظم السيوطي ما يصل الميت بعد موته من أبواب الوقف وغيره، فقال: عليه من فعال غير عشر... إذا مات ابن آدم ليس يجري وغرس النخل والصدقات تجري... علوم بثها ودعاء نجل وحفر البئر أو إجراء نهر... وراثة مصحف ورباط تغر إليه أو بناء محل ذكر... وبيت للقريب يناه يأوى
الفائدة الثامنة: الفرق بين الوقف والوصية
:
1 - الوقف: عقد ناجز والوصية تكون بعد الموت.
2 - الوصية: لا تصح إلا بالثلث فأقل ولغير وارث وما زاد على ذلك أو=12
..................................
=كان لوارث فلا بد من إجازة الورثة أما الوقف فلو وقف جميع ماله في حال الصحة فله ذلك.
3 - الوقف يصير ملكاً لله تعالى وينتقل عن الموقوف عليه بموته واختلال شرط فيه بخلاف الوصية فإنه يملك الموصى به ملكاً مطلقاً فأشبه الهبة.
4 - لا يجوز التصرف في الوقف ببيع ولا غيره مما في معناه فتضعف المنة فيه بخلاف الوصية.
5 - الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بينما الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع سواء كان في الأعيان أو المنافع.
- الفائدة التاسعة: الوقف على النفس.: جمهور أهل العلم يمنعون ذلك لأنه لم يفعل شيئاً أخرج ماله عن ملكه إلى ملكه، والقول الثاني وهو رأي شيخ الإسلام 1، ويرجحه شيخنا 2 أنه يجوز لأنه يمنع بيعه، لكن بشرط ألا يكون ذلك تحايلاً على إسقاط حق الغرماء.
- الفائدة العاشرة: إذا وقف على أحد اثنين دون تعيين فيرى أكثر أهل العلم عدم الجواز، وذلك لعدم تعيين الموقوف عليه.
ويرى شيخنا 3 أنه يجوز، ويخرج أحدهما بالقرعة لأن ذلك أدعى لتحقيق مقصود الواقف.
بَابُ الْهِبَةِ
(1) وَهِيَ: تَمْلِيْكُ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ (2)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْهِبَةِ»:
الهبة في اللغة: من وهب الشيء إذا أعطاه، وهي بمعنى التبرع والتفضل للغير بمال أو غيره.
أما في الاصطلاح: فعرفها المؤلف بقوله.
(2)
قوله «وَهِيَ: تَمْلِيْكُ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ»:
هذا هو تعريف الهبة في الاصطلاح، وقيل في تعريفها: هي التبرع من جائز التصرف في حياته لغيره بمال معلوم.
وقول المؤلف في تعريف الهبة «وَهِيَ: تَمْلِيْكُ الْمَالِ» يشمل الأثمان والمثمونات، فالأثمان مثل أن يهب مائة ريال أو ألف ريال لشخص ويقول هذه لك أما المثمونات مثل أن يهب له عقاراً كأن يهبه بيته أو مزرعته أو سيارته.
فالمراد بالمال هنا: كل ما يصح بيعه من الأموال من الأثمان والمثمونات.
وهل يشترط أن يكون المال معلوماً؟ قولان، الراجح عندي أنه لا يشترط أن يكون المال معلوماً بل تصح هبة المجهول، فيصح أن تقول لولدك إن نجحت في الاختبار فلك عندي هدية وتسكت، أو تقول لشخص وهبت لك جملاً في بطن وذلك لأنه لا يترتب على الجهل بها شيء لأن الموهوب له إن وجد الموهوب كثيراً فهو غانم وإن وجده قليلاً فهو غانم أيضاً ولا ضرر عليه.
وقوله «فِي الْحَيَاةِ» أي في حياة الواهب فخرج بذلك الوصية فهي تكون بعد الموت.
.................................. =وقوله «بِغَيْرِ عِوَضٍ»: أي بلا مقابل وبهذا يخرج البيع لأنه تمليك بعوض معلوم.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: ذكر جمهور الفقهاء 1 أن الهبة، والهدية، والعطية، والصدقة، ذات معان متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذا الهبة، غير أن هناك تقارباً بين الصدقة والهبة والهدية.
فما قصد به الأجر فهو صدقة، وما قصد به التودد للغير فهو هدية وما قصد به نفع المعطى فهو هبة أو عطية هذا هو الفرق بينها. - الفائدة الثانية: أما حكمها: فهي مستحبة في حق الواهب ومسنونة في حق الموهوب له، ووجه كونها مستحبة في حق الواهب لدلالة النصوص على مشروعيتها، فقد روى البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» 2، والهدية هي الهبة.
وقد نقل الإجماع على استحبابها بجميع أنواعها لما فيها من التعاون على البر والتقوى وإشاعة الحب والتودد بين الناس وسيأتي قريباً بيان الحكمة في مشروعيتها.
أما كونها سنة في حق الموهوب له فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهدية ولم يردها بل كان يثيب عليها وقد قبل - صلى الله عليه وسلم - هدية المقوقس وهو كافر كما قبل هدية النجاشي =
.................................. = وهو مسلم، ولأن في قبولها تطيباً لخاطر الواهب، وليس شرطاً بان يكون الموهوب له غنياً أو محتاجاً، بل متى ما أهدى له فإنه يقبل، لكن يستثنى من ذلك ما كان فيه محذوراً شرعياً كما لو جاءت الهدية على هيئة رشوة، وكذلك إذا قصد بها معصية أو إعانة على ظلم فهنا تحرم، فإنه يحرم دفعها وقبولها ويجب ردها، والقاعدة في ذلك «ما حرم على الأخذ أخذه حرم على المعطي إعطاؤه».
- الفائدة الثالثة: في الحكمة من مشروعية الهبة: شرع الله تعالى الهبة لما فيها من تأليف القلوب، وتوثيق عرى المحبة بين الناس كما مر في حديث أبي هريرة المتقدم «تَهَادَوْا تَحَابُّوا»، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ويثيب عليها، وكان يدعوا إلى قبولها ويرغب فيها، ومن هنا رأى العلماء كراهية ردها حيث لا يوجد مانع شرعي.
- الفائدة الرابعة: في أركان الهبة.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان الهبة هي: 1 - العاقدان - الواهب والموهوب له -. 2 - والمعقود عليه - الشيء الموهوب -. 3 - الصيغة.
الركن الأول والثاني: وهما العاقدان - الواهب والموهوب له -: فيشترط لكل منها شروطاً: أولاً شروط الواهب: 1 - أن يكونا من أهل التبرع وذلك بأن يكون عاقلاً بالغاً رشيداً، فلا تصح هبة المحجور عليه لسفهه أو جنونه، ولا تصح هبة الصغير لأنه لا يملك التبرع سواء أذن فيها الولي أو لم يأذن لأنه محجور عليه لحظ نفسه فلم يصح تبرعه كالسفيه.
..................................
2 - أن يكون حراً فلا تصح هبة الرقيق، قال صاحب المغني «أما العبد فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده لأنه ملك لسيده وله أن يقبل الهبة بغير إذن سيده» 1.
3 - كونه مالكاً للموهوب كما ذكر ذلك الحنفية 2 فلا يجوز هبة مال الغير بغير إذنه لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك.
أما الموهوب له فيشترط فيه الأهلية لملك ما يوهب له، فإن كان الموهوب له عاقلاً بالغاً فإنه يقبض الهبة، أما إذا لم يكن من أهل القبض فإن الهبة له صحيحة لكن يقيض عنه من يصح القبض من ولي وغيره.
الركن الثاني: الموهوب والمراد به الشيء الذي يوهب من الأثمان والمثمونات.
شروط الشيء الموهوب:
1 - كونه موجوداً وقت الهبة؛ فلا تصح هبة ما ليس بموجود وقت العقد كأن يهب له ثمر بستانه في العام المقبل، أو ما تلد أغنامه بعد حملها، وهذا هو قول الأحناف 3، والشافعية 4، والحنابلة 5، وهو اختيار شيخ الإسلام 6، وشيخنا -رحمه الله- 7.
..................................
2 - كون الموهوب مقبوضاً: وهذا هو قول الحنفية 1، والشافعية 2، وهو رواية عند الحنابلة 3 فلا تلزم عندهم إلا بالقبض، فلو قال له وهبتك كذا ولم يسلمه له ثم رجع فرجوعه جائز لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
وذهب المالكية 4 إلى أنه لا يشترط القبض.
والأظهر عندي قول الجمهور، فلا تلزم الهبة إلا بالقبض وذلك لأنها عقد تبرع، فلو صحت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم فتصير عقد ضمان.
3 - أن يكون الموهوب غير مشاع أي يقبل القسمة وهذا الشرط عند الحنفية 5.
وذهب جمهور الفقهاء 6 إلى صحة هبة المشاع سواء أمكن قسمته أو لم يمكن وهذا هو الصواب عندنا، ودليل ذلك ما رواه مالك في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَىَّ غِنًى بَعْدِى مِنْكِ وَلا أَعَزُّ عَلَىَّ فَقْرًا بَعْدِى مِنْكِ وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ.
7.
وَتَصِحُّ بِالإِيْجَابِ وَالْقَبُوْلِ (1)، وَالْعَطِيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا (2)، =ومن ذلك أيضاً إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فقد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين أنهم قالوا: لا يجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة، واحتجوا أيضاً بأن الهبة عقد تبرع، فلو صحت بلا قبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم، فتصير عقد ضمان بالتسليم، وهذا تغيير لما تقرر شرعاً في الهبة من أنها تبرع.
(1)
قوله «وَتَصِحُّ بِالإِيْجَابِ وَالْقَبُوْلِ»:
أي تصح الهبة وتنفد بالإيجاب، وهو ما يصدر عن الواهب معبراً عن إرادته في إنشاء العقد، وكذلك القبول وهو ما يصدر عن الطرف الآخر وهو الموهوب له موافقته على الموهوب، فيقول الواهب وهبتك، أو أعطيتك، أو أهديتك هذا الكتاب، ونحو ذلك، ويقول الموهوب له قبلت، أو رضيت، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على القبول.
(2)
قوله «وَالْعَطِيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا»:
أي وتصح الهبة كذلك بالعطية ولو لم يحصل إيجاب ولا قبول فلو أرسل له كتاباً مع شخص آخر ليعطيه إياه فإنها تصح بذلك، لكن لا بد أن تقترن المعطاة بما يدل عليها.
مثال ذلك: طالب علم يبحث في مسألة ما، فعلم صديقه أنه يبحث عن هذه المسألة وعنده كتاب فيه تبسيط لهذه المسألة فأرسل له الكتاب ليبحث فيه دون أن يقول له هدية، فهل يعتبر ذلك هبة؟
الجواب: لا لأن دلالة الاقتران أنه إنما أعطاه إياه ليبحث فيه عن المسألة.
مثال آخر: رجل علم أن أخيه عنده وليمة، فأرسل إليه شاة ولم يقل شيئاً، فأخذ الشاة وذبحها وقدمها للضيفين، فهذه الشاة هبة لدلالة الاقتران على ذلك.
وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ (1)، وَلا يَجُوْزُ الرُّجُوْعُ فِيهَا إِلاَّ لِلْوَالِدِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَحِلُّ لأَحَدٍ يُعْطِيْ عَطِيَّةً فَيَرْجِعُ فِيهَا، إِلاَّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِيْ وَلَدَهُ» (2)، (1)
قوله «وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ»:
أي وتلزم الهبة بقبضها بإذن الواهب، وأما قبل القبض وبعد القبول فهي غير لازمة فيجوز الرجوع فيها، ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وقد سبق بيان الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.
(2)
قوله «وَلا يَجُوْزُ الرُّجُوْعُ فِيهَا إِلاَّ لِلْوَالِدِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَحِلُّ لأَحَدٍ يُعْطِيْ عَطِيَّةً فَيَرْجِعُ فِيهَا، إِلاَّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِيْ وَلَدَهُ»
1.
أي لا يجوز للواهب أن يعود في هبته بعد قبضها إلا ما وهبه الأب لابنه فله الرجوع، دليل ذلك ثبت ما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» 2.
وقد اختلف الفقهاء في جواز رجوع غير الأب في الهبة، فذهب جمهورهم 3 إلى عدم الجواز واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس المتقدم.
قال الإمام البخاري في صحيحه «باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته»، قال الحافظ في الفتح 4 تحت هذه الترجمة «هكذا بتَّ في الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده فيها».
وذهب أبو حنيفة 5 إلى جواز الرجوع في الهبة إذا كانت لغير الولد ولا يجوز إذا كانت لذي رحم.
..................................
=واستدل لذلك ما رواه ابن ماجه وغيره عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا» (1)، أما ذو الرحم فلا يجوز الرجوع، لأن ذلك من صلته ولا يجوز قطعها.
وأجابوا عن حديث ابن عباس المتقدم بأن المراد منه التغليظ في الكراهية، لأن الكلب غير متعبد، فالأكل من القيء ليس حراماً عليه، فالتشبيه وقع في أمر مكروه في الطبيعة لتثبت الكراهة في الشريعة.
قلت والصحيح عندي هو قول جمهور الفقهاء، وهل يجوز الرجوع في الهبة قبل القبض؟ قولان للفقهاء فذهب الجمهور (2) إلى أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض ويجوز الرجوع فيها مع الكراهة وذلك لأن الوفاء بالعهد مستحب ويكره إخلافه كراهة شديدة، القول الثاني: أنه يحرم الرجوع في الهبة ولو لم تقبض لأن انجاز الوعد واجب وإخلافه محرم، وهذا وجه في مذهب الإمام أحمد (3)، اختاره شيخ الإسلام (4)، وهو قول في مذهب المالكية (5).
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: يستثنى ما يرجع فيه الأب على ابنه ما لم يكن حيلة على التفصيل فلا يجوز أن يعود فيه، مثل أن يعطي ولديه كل واحد سيارة ثم عاد وأخذ من أحدهما سيارته فهذا الرجوع لا يصح لأنه يراد به تفضيل الولد الآخر.12345
وَالْمَشْرُوْعُ فِي عَطِيَّةِ الأَوْلادِ التَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ (1)،
- الفائدة الثانية: اشترط الفقهاء لرجوع الأب في هبته شروطاً، هي:
1 - أن يكون ما وهبه عيناً باقية في ملك الولد.
2 - أن تكون باقية في تصرفه ببيع أو رهن لم ينفك أو غير ذلك.
3 - أن لا تزيد عند الولد زيادة متصلة كسمن وحمل، فإن الزيادة للموهوب له فيمتنع الرجوع فيها حينئذ كما يمتنع الرجوع في الأصل.
4 - أن لا يكون الأب أسقط حقه من الرجوع أو أفلس الابن وحجر عليه.
- الفائدة الثالثة: هل الأم تأخذ نفس حكم الأب في ذلك؟
على قولين:
القول الأول: أن التسوية بين الأولاد خاص بالأب وأما الأم فلا يلزمها ذلك.
القول الثاني: أن الأم كالأب لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ» (1)، ولأنها أحد الأبوين، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض الأولاد من الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها.
وهذا هو اختيار بن قدامة -رحمه الله- (2). قلت: وهو الراجح. - الفائدة الرابعة: وهل يلزم أن يكون الأب مسلماً لكي يرجع؟ لا يلزم بل يجوز للأب وإن كان كافراً أن يرجع في هبته لعموم الحديث.
(1)
قوله «وَالْمَشْرُوْعُ فِي عَطِيَّةِ الأَوْلادِ التَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ»:
أي إذا أعطى أولاده عطية قسمها بينهم على قدر إرثهم للذكر مثل حظ=12
..................................
=الأنثيين اقتداء بقسمة الله تعالى، وهذا هو المذهب 1، وهو قول شيخ الإسلام 2، وابن القيم 3، وبعض المالكية 4، والشافعية 5.
واحتج هؤلاء بان الله تعالى قسم بينهم في الميراث هكذا وهو خير الحاكمين، وهذا هو العدل المطلوب بين الأولاد في الهبات والعطايا.
وذهب جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الثلاثة 6، وهو رواية عن الإمام أحمد 7 أن معنى التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد: العدل بينهم في العطية بدون تفضيل لأن الأحاديث الواردة في ذلك لم تفرق بين الذكر والأنثى فإن قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث النعمان بن بشير «سَوَّى بَيْنَهُمْ» 8، ظاهر الأمر الوجوب، أي وجوب التسوية بينهم - الذكر والأنثى - سواء، وفي رواية أخرى «إِنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنْ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ» 9.
والراجح عندي هو القول الأول وهو ما رجحه شيخنا -رحمه الله- 10 فيعطي الأولاد في الهبات وسائر العطايا على قدر إرثهم على حسب ما ذكر الله تعالى =
.................................. =في كتابه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (1)، ولا شك أنه لا أعدل من قسمة الله تعالى ومن قال إن هناك فرقاً بين الحياة والممات فإنه يحتاج إلى دليل على ذلك
ذكر بعض الفوائد
.
- الفائدة الأولى: النفقة على الأولاد لا يلزم فيها التسوية بين الأولاد على قدر الإرث بل بقدر حاجتهم، فيجب التعديل في الإنفاق على ولده بقدر الحاجة، فإذا قدر أن الأنثى فقيرة، والذكر غني، فهنا ينفق على الأنثى ولا يعطي ما يقابل ذلك الذكر، لأن الإنفاق لدفع الحاجة فالتعديل بين الأولاد في النفقة أن يعطي كل واحد منهم ما يحتاج.
- الفائدة الثانية: هل يفضل بينهم باعتبار البر كأن يكون أحد الأبناء أبر عليه من الآخر؟ نقول لا يجوز لأن البر ثوابه أعظم من أن تعطيه دراهم.
- الفائدة الثالثة: إذا كان أحد الأولاد يعمل معه في متجر أو مزرعة فهل يجوز أن يُعطى زيادة على الآخر الذي لم ينتفع منه؟ فيه تفصيل: إذا كان الذي يعين أباه يريد بذلك وجه الله فإنه لا يعطيه شيئاً، لأنه لا يدخل في البر، وإن كان يريد عوضاً على ذلك، أو أن أباه فرض له العوض أن يعمل فلا بأس، ولكن يعطى مثل أجرته لو كان أجنبياً.
- الفائدة الرابعة: إذا كان أحد الأبناء كافراً بردة،
أو من الأصل لم يدخل في الإسلام، فبعض العلماء يقول لا يجب التعديل لقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ 2، وبعض العلماء قال بل يجب التعديل، لأن=1
.................................. =هذا حق سببه الولادة وهي ثابتة في الكافر كما هي ثابتة في المسلم، والأظهر أنه ينظر إلى المصلحة، فإن كان في إعطائه للمسلم دون الكافر يقتضي أن يقرب الكافر للإسلام فيدخل في الإسلام، فهنا يعطي المسلم، وإن لم يكن هناك مصلحة فلا يجوز بل يجب التعديل.
الفائدة الخامسة: التسوية بين الأولاد على قدر إرثهم
عامة تشمل ما يعطيه الأب لأولاده وكذلك الأم لأن العلة واحدة، فإذا أعطت الأم أحد أبنائها شيئاً فلتعط الآخر مثله كما سبق بيانه.
- الفائدة السادسة: إذا مات الأب الذي فضل بعض أولاده في العطية قبل أن يسوي في عطيته فهل تثبت العطية؟ نقول ذهب جمهور الفقهاء (1) وهو المذهب عند الحنابلة (2) أن ذلك يثبت للموهوب له، وليس لبقية الورثة الرجوع، وفي رواية للإمام أحمد اختارها شيخنا -رحمه الله- (3) أنه إذا مات وجب على الموهوب له أن يرد ما فضل به في التركة، فإن لم يفعل خصم من نصيبه إن كان له نصيب، وهذا هو الراجح عندي.
- الفائدة السابعة: إذا كان أحد الأبناء يحتاج ما لا يحتاجه غيره
كأن يحتاج إلى سيارة والآخرون لا يحتاجون، فإن الأب أو الأم لا تعطى المحتاج سيارة باسمه ولكن تكون السيارة باسم الأب، وبهذا يدفع حاجته بالانتفاع بها، فإذا مات الأب ترجع السيارة إلى التركة.123
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقُوْا اللهَ وَاعْدِلُوْا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ» (1)، (1)
قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: اتَّقُوْا اللهَ وَاعْدِلُوْا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ»
- صلى الله عليه وسلم - لم يقبل من بشير ما نفذ من الوصية بل زجره وردها.
وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَعْمَرْتُكَ دَارِيْ، أَوْ: هِيَ لَكَ عُمُرَكَ، فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِه (1)، (1)
قوله «وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَعْمَرْتُكَ دَارِيْ، أَوْ: هِيَ لَكَ عُمُرَكَ، فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِه»:
بدأ المؤلف هنا ببيان العمري، والعمرى والرقبى يجعلهما بعض أهل العلم في باب مستقل بنفسه يسمى باب العمرى والرقبى.
لكن المؤلف هنا ضمهما إلى باب الهبة لأنهما نوعان من أنواع الهبة، يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول وغير ذلك مما تم بيانه.
أما تعريفهما: فالعمرى: تعريفها هي أن يقول الواهب لمن وهب له أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو مدة حياتك، ونحو ذلك.
وسميت بذلك لتقيدها بالعمر.
أما الرقبى: هي أن يقول الواهب للموهوب له أرقبتك هذه الدار، أو هذه الدار هي لك حياتك على أنك إذا مت قبلي عادت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك.
فكأنه يقول هي لآخرنا موتاً، وبذلك سميت رقبي لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من الهبات:
فذهب بعض الفقهاء 1 إلى عدم جوازهما، واحتج لذلك عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُعْمِرُوا وَلا تُرْقِبُوا.. » 2.
وذهب بعضهم إلى جواز العمري دون الرقبى لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز
العمري دون الرقبى، ولأن معنى الرقبى أنها للآخر منا، وهذا تعليق=
..................................
= للتمليك، وهذا لا يجوز.
ويرى أكثر أهل العلم (1)، وهو الراجح عندي جواز العمرى والرقبى لما رواه جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا» (2). وقوله أيضا عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِى أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ» (3)، وفي لفظ «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرى لمن وهبت له» (4).
والعمري ثلاثة أنواع:
الأول: أن تؤبد كقوله هي لك ولعقبك من بعدك.
الثاني: أن تطلق كقوله هي لك عمرك أو عمري.
الثالث: أن يشترط الواهب فيها الرجوع بعد موت أحدهما.
حكم هذه الأنواع الثلاثة
:
أما النوعان الأول والثاني فجمهور 5 العلماء على صحتهما وتأبيدهما لموهوب له ولورثته من بعده.
أما النوع الثالث فذهب إلى صحة شرط الرجوع جماعة من الفقهاء منهم الزهري ومالك وأبو ثور وداود، وهو رواية عن الإمام أحمد 6، واختارها=1234
وَإِنْ قَالَ: سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ، فَلَهُ أَخْذُهَا مَتَى شَاءَ (1)،
=الشيخ تقي الدين (1) وغيره لحديث «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم عنه «.. فَأَمَّا إِذَا قَالَ هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ.
فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا» (3)، والمشهور من المذهب إلغاء الشرط ولزوم الهبة وتأبيدها.
(1)
قوله «وَإِنْ قَالَ: سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ، فَلَهُ أَخْذُهَا مَتَى شَاءَ»:
لأن السكنى ليست كالعمرى والرقبى، فلا يتملك من رخص له في سكناها لأنها عقد غير لازم كالعارية، واحتج لذلك بما رواه مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه ورث من حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها دارها وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد، قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له.
قلت: وذهب بعض أهل العلم أنه ليس لصاحب الدار أخذها إلا بعد وفاة المعمر لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.. ﴾ (4)، وللنصوص الواردة في وجوب الوفاء بالوعد.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: للوالد أن يأخذ ويمتلك من مال ولده ما لا يضر الولد ولا يحتاجه لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» 5.1234
.................................. =ولحديث «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» (1). لكن إذا كان ذلك يضر الولد أو يتعلق بحاجته فليس للأب أن يأخذ منه شيئاً لحديث «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (2)، وليس للولد مطالبة الأب بالدين لوجوب الإحسان إلى الوالدين ومنه عدم مطالبتهما بالدين.
-
الفائدة الثانية: لو شرط في الهبة عوضاً: فإنها لا تصبح هبة بل تصبح بيعاً مثل أن يقول وهبتك هذا الأمر على أن تعطيني كذا، فهنا يكون بيعاً وليس هبة، هذا أحد الأقوال في المسألة.
وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز اشترط العوض في الهبة.
الفائدة الثالثة: هل الصدقة أفضل أم الهبة؟
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- 3 الصدقة أفضل من الهبة إلا أن يكون في الهبة معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل بها الرحم، أو أخ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة.12
بَابُ عَطِيَّةِ الْمَرِيْضِ
(1) تَبَرُّعَاتُ الْمَرِيْضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ (2)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ عَطِيَّةِ الْمَرِيْضِ»:
هذا الباب مرتبط بالذي قبله إذ العطية نوع من الهبة ولذا يسميه بعض الفقهاء «باب هبة المريض»، لكن جعل جمهور الفقهاء لعطية المريض أحكاماً تختص بها عن أحكام هبة الصحيح.
(2)
قوله «تَبَرُّعَاتُ الْمَرِيْضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ»:
المريض حال مرضه له أحكام تختص به، فكما أن له أحكاماً في عباداته البدنية من صلاة وصيام وحج تختص به - كما هو معلوم وقد سبق بيانه في باب العبادات -، فكذلك في تصرفاته وتبرعاته فله أيضاً أحكام يختص بها، فليس المسلم المعافى كالمريض، وفي باب العطايا قسم الفقهاء المريض إلى قسمين:
الأول: من مرضه غير مخوف.... الثاني: من مرضه مخوف.
وقد بدأ المؤلف -رحمه الله- بهذا النوع الثاني في هذا الباب.
وقوله «مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ» أي مرض الموت الذي يخاف على صاحبه من هلاكه فيه، وقد ذكر الفقهاء بعض الأمراض التي يخاف منها على المريض فذكروا مثلاً «البرسام»، وهو بخار يرتقي إلى الرأس، ويؤثر في الدماغ، فيختل عقل صاحبه.
ومن ذلك أيضاً «ذات الجنب»، وهو قرح بباطن الجنب.
ووجع القلب والرئة ومنه «الرعاف الدائم»، فإنه يصفي الدم فيذهب القوة، وغير ذلك من الأمراض التي تخيف.
ومن الأمراض التي اكتشفت في الطب الحديث وهي مخيفة السرطان، =