وَمَنْ هُوَ فِي الْخَوْفِ كَالْمَرِيْضِ (1)، كَالْوَاقِفِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ (2)،
=والايدز فإن الطب الحديث عجز عن الإتيان بالعلاج المناسب لها.
والمهم أننا نضع لذلك قاعدة عامة وهي أنه «متى قرر الأطباء أن هذا المرض مخوف فإننا نحكم بأنه مخوف»، وإن حكم الأطباء بأنه مرض غير مخوف فإنه يعتبر لقولهم، لأن المرد في هذه المسائل إلى الأطباء وأهل الخبرة».
وهذا الباب عقده العلماء لبيان جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بحقوق المريض - مرض الموت - المترتبة على أمواله من حيث التبرعات، فإذا وهب من ماله شيء فما حكم هبته؟ وإذا وصى فما حكم وصيته؟ وهكذا.
- فائدة: ذكر بعض الفقهاء أن ما قاله طبيبان عدلان أنه مخوف فإنه يعتبر لقولهم، والأصوب أن يقال: إذا قال طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف قبل قوله سواء كان مسلماً أو كافراً، فإن كان غير طبيب لكنه مقلد الطبيب أي أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فإنه على القول الراجح يؤخذ بقوله لأنه أخبر عن طبيب، كما أنه في المسائل الشرعية لو أخبر شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام، فإنه يقبل قوله إذا كان مقبول الخبر (1).
(1)
قوله «وَمَنْ هُوَ فِي الْخَوْفِ كَالْمَرِيْضِ»:
أي ويقاس على من كان مريضاً مرض مخوفاً ما كان لا يسلم منه الإنسان غالباً كالذي سيذكرهم المؤلف هنا.
(2)
قوله «كَالْوَاقِفِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ»:
أي ويقاس على من كان مرضه مخوفاً الذي يقاتل بين الصفين وذلك عند اقتحام الحرب واختلاط الطائفتان بعضهم ببعض وقياس ذلك بالمريض لأن توقع التلف والهلاك متحقق فوجب أن يلحق به.1
وَمَنْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ (1)، وَرَاكِبِ الْبَحْرِ حَالَ هَيَجَانِهِ (2)، وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُوْنُ بِبَلَدِهِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِمُ الْمَوْتُ (3)، (1)
قوله «وَمَنْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ»:
سواء كان قتله قصاصاً أو لغيره فإنه يلحق بالمريض مرضاً مخوفاً في تصرفاته المالية التي سيذكرها المؤلف وذلك لأن التهديد بالقتل جعل إكراهاً يمنع وقوع الطلاق وصحة البيع ويبيح كثيراً من المحرمات، ولولا الخوف لم تثبت هذه الأحكام.
(2)
قوله «وَرَاكِبِ الْبَحْرِ حَالَ هَيَجَانِهِ»:
أي فإن كان ساكناً، فليس بمخوف، وإن اضطرب وهبت الريح العاصف، فهو مخوف كما قال تعالى عن المشركين ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.. ﴾ (1)، فهم لم يدعوا ربهم إلا لحصول الخوف مما قد أحيط بهم من شدة الريح وظلمة البحر وغير ذلك مما يخيفهم، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ (2). (3)
قوله «وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُوْنُ بِبَلَدِهِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِمُ الْمَوْتُ»:
الطاعون: قيل أنه مرض معين يؤدي إلى الهلاك، فتاك منتشر، مثل الكوليرا، والمعروف أنها إذا وقعت في مكان تنتشر بسرعة، ومثلها أيضاً الحمى الشوكية التي تنتشر بسرعة وتؤدي إلى الهلاك، فهذه الأمراض المعدية تسمى طاعوناً حقيقية أو حكماً فعطايا هؤلاء في حكم عطايا المريض مرضاً مخوفاً فتكون عطاياه من الثلث كما سيأتي قريباً إن شاء الله.12
حُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّتِهِ فِي سِتَّةِ أَحْكَامٍ (1)، أَحَدُهَا: أَنَّهَا لا تَجُوْزُ لأَجْنَبِيٍّ؛ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ (2)، وَلا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ (3)، (1)
قوله «حُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّتِهِ فِي سِتَّةِ أَحْكَامٍ»:
أي حكم هؤلاء المذكورين ومن كان على شاكلتهم إذا تبرعوا بتبرعات مالية وهم على هذه الحال ثم ماتوا بعد التبرع دون أن يفصل بين تبرعهم وبين وفاتهم وقت ذهب عنهم فيه الخوف من الموت، فهؤلاء حكم تبرعاتهم حكم وصية في أحوال ستة كما سيذكرها المؤلف.
(2)
قوله «أَحَدُهَا: أَنَّهَا لا تَجُوْزُ لأَجْنَبِيٍّ؛ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ»:
أي لا يجوز عطايا هؤلاء المذكورين آنفاً ومن كان في حكمهم لا تجوز عطاياهم أكثر من الثلث، فالأجنبي وهو من غير الورثة لا تجوز أكثر من الثلث إلا إذا أجازها الورثة.
(3)
قوله «وَلا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ»:
أي وكذلك لا تجوز عطايا المريض مرضاً مخوفاً ومن كان على شاكلته ممن ذكرناهم أن يتبرعوا لوارث ولو أقل من الثلث، بل لو أدنى شيئاً لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» 1، ولما سيذكره المؤلف قريباً وهذا بإجماع أهل العلم.
ولذا نقول لهذا من كان مرضه مرضاً مخوفاً لا تتصدق بأكثر من ثلث تركتك لأجنبي، ولا تتصدق لوارث ولو بالشيء القليل، وهذا على سبيل التحريم وذلك لانتقال المال إلى الورثة.
لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوْكِيْنَ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثاً، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً (1). الثَّانِيْ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُجَمَعُ فِي بَعْضِ الْعَبِيْدِ بِالْقُرْعَةِ، إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْجَمِيْعِ؛ لِلْخَبَرِ (2). =ومن الأدلة على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص أنه استاذن النبي - صلى الله عليه وسلم - - وكان مريضاً - أن يتصدق بثلثي ماله «.. قَالَ لا، قُلْتُ فَالشَّطْرُ، قَالَ: لا، قُلْتُ فَالثُّلُثُ، قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، يعني لا بأس بالثلث مع أنه كثير.
(1)
قوله «لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوْكِيْنَ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثاً، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً»:
هذا الحديث رواه مسلم من حديث عمران بن حصين، ورواه النسائي بلفظ «أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا مَمْلُوكِيهِ فَجَزَّأَهُمْ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» (1). (2)
قوله «الثَّانِيْ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُجَمَعُ فِي بَعْضِ الْعَبِيْدِ بِالْقُرْعَةِ، إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْجَمِيْعِ؛ لِلْخَبَرِ»:
أي ومن الأحكام التي تشترك فيها العطية مع الوصية أن مريض الموت إذا أعتق عبداً من عبيده في حال مرضه فإن حكمه حكم الوصية، فلا يجوز منه إلا ثلث المال إلا أن يجيزه الورثة، وهذا قول جمهور الفقهاء، فإذا كان العتق لجماعة من العبيد ولم يحملهم الثلث، كمَّل العتق في بعضهم بالقرعة، فإذا كان له ستة أعبد تساوت قيمتهم، قيمة كل عبد ألف ريال، وثلث المريض أربعة ألاف ريال، جعلت كل اثنين منهم ثلثاً، وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي رق، فمن وقع لهما سهم الحرية عتق ورق =1
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُعَيَّنًا فَأَشْكَلَ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ (1)، =الباقون، دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - المتقدم أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فاعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولاً شديداً، وقد تقدم.
(1)
قوله «الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُعَيَّنًا فَأَشْكَلَ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ»:
هذا هو الأمر الثالث التي تشترك فيه الوصية مع العطية من الأحكام، وخلاصته أنه إذا قام مريض الموت المخوف من هلاكه فقال أحد عبيدي حراً لوجه الله، أو عيَّن أحد عبيده فقال عبدي فلان حر وكان هناك من يماثله في الاسم أو الكنية فأشكل على الورثة من المقصود بالعتق، فهنا يخرج عن طريق القرعة، والقرعة العمل بها جائز بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ 1، ومعنى ساهم: أي قارع، فكان من المغلوبين وقصته مشهورة، أما السنة فمن ذلك:
1 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ.. » 2.
2 - وأيضاً ما ثبت عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا.. » 3، ومعنى يستهموا: يعني يقترعوا، فالقرعة في اللغة السهم والنصيب.
=
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهَا مِنَ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ (1)، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، ثُمَّ مَلَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ ضِعْفَ قِيْمَتِهِ، تَبَيَّنَا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ حِيْنَ إِعْتَاقِهِ (2)، وَكَانَ مَا كَسَبَهُ بَعْدَ ذلِكَ لَهُ (3)، وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ (4)، =فالحاصل أن القرعة يلجأ إليها عند الإشكال وعدم تمييز الحقوق، وهي إمارة عن إثبات حكم قطعاً للخصومة، أو لإزالة الإبهام.
(1)
قوله «الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهَا مِنَ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ»:
هذا هو الأمر الرابع الذي تشارك فيه العطية الوصية أن المعتبر عند خروجهما من الثلث حال الموت وذلك لأنه الحال الذي يحصل به الانتقال إلى الوارث والموصي له بوصية أو عطية.
(2)
قوله «فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، ثُمَّ مَلَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ ضِعْفَ قِيْمَتِهِ، تَبَيَّنَا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ حِيْنَ إِعْتَاقِهِ»:
جملة ما ذكره المؤلف هنا أنه إذا اعتق عبداً من لا يملك غيره أو تبرع به لغير الورثة وذلك حال مرضه المخوف ولا يملك سوى هذا العبد ثم ملك غيره وكان قدر ما ملكه ضعفي قيمة العبد فإن العبد يعتق كله في هذه الحالة، لأن قيمته حين إعتاقه أصبحت ثلث التركة، والوصية والعطية تكون بالثلث على ما تقدم، فهذا العبد الذي عتق أصبح حراً لخروجه عن الثلث عند الموت.
(3)
قوله «وَكَانَ مَا كَسَبَهُ بَعْدَ ذلِكَ لَهُ»:
أي يكون ما كسبه العبد بعد عتقه وقبل الجزم بأنه حراً ملكا له لأنه تبين أنه في هذه المدة حر، والحر يملك ما كسب.
(4)
قوله «وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ»: أي فإن كان على المتبرع في مرض الموت المخوف أو كان قد أوصى من=
وَلَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْمُوْصَى لَهُ زَمَانًا، قُوِّمَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَوْتِ لا وَقْتَ الأَخْذِ (1). الْخَامِسُ (2): أَنَّ كَوْنَهُ وَارِثًا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْمَوْتِ فِيهِمَا (3)، =ماله بشيء لكن كان عليه ديون تستغرق هذا المال فإنه لا يعمل بالوصية ولا العطية وذلك لأن الدين يقدم عليها، دليل ذلك ما رواه البخاري معلقاً والترمذي وغيرهم عن علي - رضي الله عنه - «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» (1)، وعلى ذلك إن أوصى فقال بأن يعتق عبدي فلان، أو قال أنا متبرع بهذا العبد لفلان وكانت ديونه تستغرق قيمة هذا العبد فإنه لا عبرة بوصيته لأن الدين مقدم على الوصية وعلى الورثة.
(1)
قوله «وَلَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْمُوْصَى لَهُ زَمَانًا، قُوِّمَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَوْتِ لا وَقْتَ الأَخْذِ»:
أي لو أوصى شخص في مرض موته بعطاء لشخص فلم يأخذه حتى توفى الموصي، فإن الموصي له يستحق العطاء بقيمته وتكون القيمة بوقت الموصي لأنه وقت نفاد الوصية ولأن الاعتبار بقيمة الموصي به وخروجه من الثلث وعدم خروجه منه بحالة موت الموصي لأنها حال لزوم الوصية، فإن كان الموصي به وقت الموت ثلث التركة في القيمة أو دونه نفذت الوصية واستحقه الموصي له.
(2)
قوله «الْخَامِسُ»:
أي الحكم الخامس الذي تشارك فيه العطية الوصية.
(3)
قوله «أَنَّ كَوْنَهُ وَارِثًا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْمَوْتِ فِيهِمَا»:
أي أن المعتبر في الوصية والعطية هو النظر إلى حال الموصي له والمعطى في مرض الموت هو حال =1
فَلَوْ أَعْطَى أَخَاهُ أَوْ وَصَّى لَهُ وَلا وَلَدَ لَهُ (1)، فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ (2)، صَحَّتِ الْعَطِيَّةُ وَالْوَصِيَّةُ (3)، وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ فَمَاتَ، بَطَلَتَا (4). السَّادِسُ (5): أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيهِمَا (6)، =الموت لا حالة العطية أو الوصية فهل الموصي له أو من له عطاء من قبل مريض مرض الموت هل هو وارث فلا يستحق العطية أو الوصية أم غير وارث فيستحقهما.
(1)
قوله «فَلَوْ أَعْطَى أَخَاهُ أَوْ وَصَّى لَهُ وَلا وَلَدَ لَهُ»:
أي ولا ولد للمعطي ولا للموصي وقت العطية ولا الوصية.
(2)
قوله «فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ»:
أي ولد للمعطي أو الموصي قبل وفاته ابناً، ويشترط أن يكون ذكراً لأن البنت لا تحجب الأخ عن الميراث، فهنا يكون حكم العطية أو الوصية ما ذكره المؤلف حيث قال: (3)
قوله «صَحَّتِ الْعَطِيَّةُ وَالْوَصِيَّةُ»:
أي نفذت العطية، والوصية لأن الموصي له أو المعطي ليس وارثاً وقت وفاة الموصي أو المعطي وذلك لأن الابن حجب الأخ عن الميراث فصحت له الوصية أو العطية كغيره من غير الورثة.
(4)
قوله «وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ فَمَاتَ، بَطَلَتَا»:
أي فإن كان المعُطِي أو الموصِي له ابن وقت وصيته أو عطيته فمات الابن قبل وفاة أبيه ثم مات الأب فهنا لم تصح العطية أو الوصية لأن الأخ هنا صار وارثاً ولا وصية لوارث كما سبق.
(5)
قوله «السَّادِسُ»:
أي الحكم السادس الذي توافق فيه العطية الوصية.
(6)
قوله «أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيهِمَا»:
أي إن أجازة الورثة وردهم للوصية أو العطية إن كانت لأحد الورثة أو كانت بأكثر من الثلث لأجنبي فإنه لا اعتبار لهذا الرد ولا اعتبار لإجازتهم لها إلا بعد=
وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ (1):
=موت المعطي أو الموصي، أما قبل ذلك فليس لهم ذلك لأن المال ملك للمعطي أو الموصي وملكهم لهذا المال لا يكون إلا بعد موته، فإذا ملكوه جازت تصرفاتهم فيه بالرد أو الإجازة وغير ذلك.
وهناك قول آخر في هذا الشرط أنه إذا كان مريضاً مرضاً مخوفاً فإن إجازتهم جائزة وذلك لانعقاد السبب أنهم يرثون هذا المال والسبب هو مرض الموت، فإذا رضوا بما زاد عن الثلث قبل الموت فإن رضاهم معتبر، ولا يحق لهم الرجوع بعد ذلك، ويدل لهذا القول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من أراد أن يبيع أن يعرض على شريكه ليأخذ أو يدع، فإن هذا يدل على أنه متى وجد السبب وإن لم يوجد الشرط فإن الحكم المعلق بهذا السبب نافذ.
ويدل لذلك أيضاً أن الرجل لو حلف على يمين فأراد الحنث وأخرج الكفارة قبل الحنث فإن ذلك جائز لوجود السبب، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام (1) وشيخنا -رحمه الله- (2).
(1)
قوله «وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ»:
بدأ المؤلف هنا ببيان ما تفارق به الوصية العطية من أحكام، لكن ما الفرق بين الوصية والعطية من حيث التعريف؟ نقول بأن الوصية هي إيصال المال بعد الموت كأن يقول الموصي إذا مت فأعطوا فلاناً من مالي كذا، أو إذا أنا مت فاجعلوا ثلث مالي للفقراء والمساكين وبناء المساجد وغير ذلك، أما العطية فهي تبرع بالمال في مرض=12
أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَنْفُذُ مِنْ حِيْنِهَا (1)، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ إِنْسَانًا، صَارَ الْمُعْتَقُ حُرًّا، وَمَلَكَهُ الْمُعْطَى وَكَسْبُهُ لَهُ (2)،
=الموت، وقد سبق بيان بعض أحكامها.
فالوصية والعطية يشتركان في الأحكام التي سبقت، ثم ليعلم أن العطية حال الصحة أفضل من العطية حال المرض، بل أفضل كذلك من الوصية، دليل ذلك ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَا رَسُولَ اللَّهِ «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ» (1), وقول المؤلف «وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ» ظاهر كلام المؤلف الحصر، ولكن كما سيأتي - إن شاء الله - أن هناك بعض الأحكام الأخرى التي تفارق فيها الوصية العطية.
(1)
قوله «أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَنْفُذُ مِنْ حِيْنِهَا»:
هذا أول ما تفارق فيه الوصية العطية، وهو أن قبول العطية ينفذ من حين التبرع، وهو حال حياة المعطي لأنها تصرف في الحال، بخلاف الوصية فلا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد موت الموصي، ثم ضرب المؤلف مثالاً لهذا الفارق فقال: (2)
قوله «فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ إِنْسَانًا، صَارَ الْمُعْتَقُ حُرًّا، وَمَلَكَهُ الْمُعْطَى وَكَسْبُهُ لَهُ»:
أي إذا أعتق المعطي عبداً فإنه يصير حراً من حين إعتاقه مباشرة لأنه عتق، وكذلك إذا أعطاه لشخص فإنه يصير هذا العبد المعطي لهذا الشخص ملكاً له بعد إعطائه له مباشرة لأن العطية تمليك مباشر، مباشرة=1
وَلَوْ وَصَّى بِهِ (1)، أَوْ دَبَّرَهُ (2)، لَمْ يَعْتِقْ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوْصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ (3) وَمَا كَسَبَ أَوْ حَدَثَ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ (4). الثَّانِيْ: أَنَّ الْعَطِيَّةَ يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَرَدُّهَا حِيْنَ وُجُوْدِهَا (5)،
=يكون ملكاً له لأنه أصبح حراً فما كان من كسبه فهو له، وكذلك ما يكسبه بعد إعطائه للشخص الأخر فإنه يكون للشخص الأخر أي ملكاً لمن أعطيه.
هذا بخلاف الوصية فإن ذلك لا يكون إلا بعد موت الموصي كما سيذكر ذلك المؤلف.
(1) قوله «وَلَوْ وَصَّى بِهِ»: أي لو وصى الموصي بهذا العبد فقال إذا مت فهو لفلان.
(2) قوله «أَوْ دَبَّرَهُ»: أي قال إذا مت فهو حر.
(3)
قوله «لَمْ يَعْتِقْ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوْصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ»:
وقد سبق الإشارة لذلك فلا تحصل ملكية العبد للموصي له ولا يصير حراً إلا بعد موت الموصي.
(4)
قوله «وَمَا كَسَبَ أَوْ حَدَثَ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ»:
أي وما حصل من كسب للعبد أو حصل فيه نماء كأن تكون أمة فتلد فيكون الكسب والنماء المنفصل للورثة، لأن ذلك ملك للسيد إلى حين موته فما كسبه في هذه المدة أو حصل فيه نماء منفصل فهو له وجزء من ماله يتقاسم فيه الورثة بعد موت الموصي.
(5)
قوله «الثَّانِيْ: أَنَّ الْعَطِيَّةَ يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَرَدُّهَا حِيْنَ وُجُوْدِهَا»:
هذا هو الأمر الثاني التي تفارق فيه العطية والوصية، ومعناه أنه يعتبر أنه يقبل المعطي العطية عند وجودها قبل موت المعطي، فإذا أعطاه العطية فإنه يقبل في الحال، لكن يراعي في ذلك الشروط المعتبرة في الهبة لأنها هبة مُنَّجزة.
كَعَطِيَّةِ الصَّحِيْحِ (1)، وَالْوَصِيَّةُ لا يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَلا رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ (2). الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَقَعُ لازِمَةً، لا يَمْلِكُ الْمُعْطِيْ الرُّجُوْعَ فِيهَا (3) وَالْوَصِيَّةُ لَهُ الرُّجُوْعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ (4). (1)
قوله «كَعَطِيَّةِ الصَّحِيْحِ»:
وذلك لأن العطية كما سبق هبة منجزة فاعتبر لصحتها أن يقبلها الموهوب عند وجودها، كما في عطية غير المريض.
(2)
قوله «وَالْوَصِيَّةُ لا يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَلا رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ»:
أي بخلاف الوصية فالوصية لا يثبت الملك للموصي له من حين تم عقد الوصية، بل لا يكون قبولها ولا ردها إلا بعد موت الموصي حتى لو قال الموصي: إني أوصيت لك هذا البيت أو هذه السيارة وغير ذلك بعد موتي ملكاً لك، فقال الموصي له قبلت منك ذلك وجزاك الله خيراً ثم ذهب إلى كتابة العدل ثم كتب ما أوصى به وجعل له صكاً بذلك فإن له الرجوع فيه لأنها وصية لا يتم الملك إلا بعد موت الموصي.
(3)
قوله «الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَقَعُ لازِمَةً، لا يَمْلِكُ الْمُعْطِيْ الرُّجُوْعَ فِيهَا»:
هذا هو الفارق الثالث بين العطية والوصية وهو أن العطية تنفيذ، فيثبت الملك فيها من حين العطية، لأنها كما سبق تمليك في الحال وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» 1، فليس للمعطي أن يرجع في عطيته، أما الوصية فقد قال المؤلف.
(4) قوله -رحمه الله- «وَالْوَصِيَّةُ لَهُ الرُّجُوْعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ»: أي أما الوصية فيملك الموصي الرجوع فيها، فلو قال هذا البيت بعد موتي لفلان ملكاً له، ثم رجع فإنه يجوز، لأن الوصية لا تلزم إلا بعد الموت وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيْعِهَا (1)، وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ الأَوَّلِ وَالآخِرِ مِنْهُ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ (2)، (1)
قوله «الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيْعِهَا»:
هذا هو الفارق الرابع بين العطية والوصية، فالعطية إذا كانت في أزمنة مختلفة وعجز الثلث عن جميعها بدأ بالأول فالأول لأن الأول في العطية راجح على ما بعده، لسبقه له في الاستحقاق.
مثال ذلك: رجل أعطى عطايا لأشخاص ثلاثة فأعطى شخصاً ألف ريال، وأعطى الثاني ألفي ريال، وأعطى الثالث ثلاثة آلاف ريال، فيكون مجموع العطايا ستة آلاف ريال ثم توفي الرجل ولم يكن له في تركته إلا تسعة آلاف ريال، وقد سبق أن العطايا لا تجوز بأكثر من الثلث وهنا زادت العطايا عن الثلث فماذا نصنع؟
نقول: نعطي الأول فالأول، فنعطي الأول ألف ريال، والثاني ألفي ريال، والثالث لا شيء له لأن التركة تسعة ألاف ثلثها ثلاثة آلاف، والثلاثة استوعبتها عطية الأول والثاني فلا يكون للثالث شيء.
فالحاصل أن العطايا يجاز منها بقدر الثلث، ثم يلغي الباقي.
(2)
قوله «وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ الأَوَّلِ وَالآخِرِ مِنْهُ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ»:
أي أما الوصية فهي بخلاف ذلك، بل يسوى فيها بين الأول والآخر، ونضرب مثالاً للتقريب على نحو المثال السابق، رجل أوصى لثلاثة أشخاص فأوصى للأول بألف ريال، والثاني بألفي ريال، والثالث بثلاثة آلاف ريال، وترك تركة قدرها تسعة آلاف ريال، فإن وزعت على الموصي لهم استغرقت الوصية جميع ماله ومعلوم أن الوصية لا تجوز بأكثر من =
سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ (1)، وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَطَايَا إِذَا وَقَعَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً (2).
=الثلث، فهنا نوزع الوصية على النحو التالي:
1 - نرد الوصايا إلى الثلث، وندخل النقص على الجميع.
2 - لا نقدم الأول على الثاني كما فعلنا في العطايا.
3 - يكون التوزيع بينهم على النصف مما أوصى له به، لأن نسبة الثلث إلى مجموع الوصايا النصف فنعطي صاحب الألف خمسمائة، وصاحب الألفين ألفاً، وصاحب الثلاثة آلاف ألفاً وخمسمائة، فيكون الجميع ثلاثة آلاف، وهي الثلث.
(1)
قوله «سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ»:
أي إذا أوصى من جملة وصاياه بعتق عبد من عبيده بعد وفاته فإنه يسوي بين العتق وبين هذه الوصايا، ويدخل النقص عليها جميعاً فيعتق من العبد بقدر نسبته، وينفذ من كل وصية بقدر نسبتها، لأن العتق المعلق بالموت يسوي بينه وبين بقية الوصايا.
(2)
قوله «وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَطَايَا إِذَا وَقَعَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً»:
أي وكذلك العطايا إذا أعطى عطايا جملة واحدة فقال لفلان كذا ولفلان كذا وعبدي فلان حر، فهنا يكون الحكم فيها كالحكم في الوصية، فيعطى كل واحد منهم بحسبه، فتوزع العطايا بقدر الثلث على الجميع لأنه ليس هناك سابق ولاحق، بل جميع العطايا وقعت دفعة واحدة كما سبق.
هذا أخر ما ذكر المؤلف في الأمور التي تخالف فيها العطية الوصية.
لكن هناك بعض الفوارق الأخرى بينهما فمن ذلك:
1 - أن الوصية تصح للحمل والعطية لا تصح، وذلك لأن الحمل لا يملك، =
..................................
=فإذا أعطيته لم يملك ولا يصح أن يتملك له والداه لأن الحمل ليس أهلاً للتملك، والعطية لا بد أن يكون الملك فيها ناجزاً.
2 - أن العبد المدبَّر يصح أن يوصي له، ولا تصح له العطية.
مثاله: رجل عنده عبد مدبّر - وهو الذي علق عتقه بموت سيده.
فقال له: إذا مت فأنت حر، فهذا مدبر - فيصح أن يوصي لعبده المدبر - لأن الوصية تصادف العبد وقد عتق وإذا عتق صح أن يملك، بخلاف أن يعطي عبده بناءاً على أن العبد لا يملك بالتمليك والعطية لا بد أن يتملكها في حينها.
3 - العطية خاصة بالمال، والوصية تكون بالمال والحقوق، ولذلك يصح أن يوصي شخصاً ليكون ناظراً على وقفه، أما العطية فهي خاصة بالمال.
4 - الوصية تصح بالمعجوز عنه والعطية لا تصح، فلو أعطى شيئاً معجوزاً عنه كجمل شارد وعبد آبق وما شابه ذلك، فإنها لا تصح على المشهور من المذهب، وقد سبق أن الراجح أنها تصح، لأن المعطي إما أن يغنم وإما أن يسلم وليس فيه مراهنة، لكن على المذهب لا تصح العطية بالمعجوز عنه وتصح الوصية، والفرق أن الوصية لا يشترط تملكها في الحال، فربما يقدر عليها فيما بين الوصية والموت.
5 - الوصية لها جزء معين أن يكون به وهو الخمس أو الربع والثلث، والعطية لا فلا نقول: يسن أن تعطي الخمس أو الربع.
6 - الوصية تصح من المحجور عليه، ولا تصح العطية.
مثاله: رجل عليه ديون أكثر من ماله، مثلاً عليه عشرة آلاف ريال وماله ثمانية آلاف ريال، وحجر عليه، فلا يمكن أن يعطي أحداً من هذه الثمانية، لأنه=
..................................
= محجور عليه، فهذه العطية تبرع يتضمن إسقاط واجبه، والتبرع الذي يتضمن إسقاط واجب غير صحيح، لكن لو أوصى بعد موته بألفي ريال فإنه يجوز.
والفرق أن الوصية لا تنفذ إلا بعد قضاء الدين، وليس على أهل الدين ضرر إذا أوصى بشيء من ماله، لأنه إذا مات الميت نبدأ أولاً بتجهيزه، ثم بالديون التي عليه، ثم بعد ذلك بالوصية.