وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهَا بِإِذْنِهَا (1)،
= على قولين:
القول الأول: صحة الزواج.
القول الثاني: وهو الصواب أن الكفاءة في الدين شرط فيها فلا يمكَّن الرجل الفاجر من المرأة العفيفة، فإذا تزوجها فالنكاح فاسد، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).
فالحاصل أن العبد ليس كفؤاً للحرة لأن الرق نقص في المملوك ولكن ليس شرطاً في النكاح، وكذلك العاصي الفاجر ليس كفؤاً للمرأة الصالحة، وقد أجمع العلماء على هذا النوع في الكفاءة أعني الكفاءة في الدين، وما سوى ذلك فلا اعتبار له في الكفاءة.
(1)
قوله «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهَا بِإِذْنِهَا»:
سبق أن ذكرنا فائدة وهي هل يصح أن يكون الولي زوجاً؟ وقلنا بجواز ذلك كابن العم وليس ولي أقرب منه، ونظير هذا أن يقول السيد لأمته «أعتقتك وجعلت عتقك صداقك»، فهذا يكفي في الايجاب والقبول، وهذا معنى كلام المؤلف هنا.
فالحاصل أن ما ذكره المؤلف هنا في هذه المسألة التي يسميها الفقهاء تولى طرفي العقد يجوز أن ينكح الرجل موليته ويتولى هو طرفي العقد بمعنى أن يكون هو الولي وهو الزوج، ودليل ما ذكره المؤلف هنا هو ما رواه=1
وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيْرَ، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلىَّ طَرْفَيْ العَقْدِ (1)، وَإِنْ قَالَ لأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكَ وَجَعَلْتُ عِتْقَكَ صَدَاقَكَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، ثَبَتَ العِتْقُ وَالنِّكَاحُ؛ لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا (2)، =البخاري معلقاً مجزوماً به ووصله ابن سعد في الطبقات «أنَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ لأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ» (1).
(1)
قوله «وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيْرَ، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلىَّ طَرْفَيْ العَقْدِ»:
وذلك لأنه تولى أمرهما كليهما، وقد ملك منافعهما ومن أعظم المنافع النكاح.
وقوله «عَبْدَهُ الصَّغِيْرَ» فيه احتراز من العبد الكبير وقد سبق، فلا يجوز إلا باذنه كما مرّ.
2
قوله «وَإِنْ قَالَ لأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكَ وَجَعَلْتُ عِتْقَكَ صَدَاقَكَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، ثَبَتَ العِتْقُ وَالنِّكَاحُ؛ «لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» (2)»: يسمي الفقهاء هذه المسألة بحكم جواز أن يكون العتق صداقاً.
وقد اختلفوا في هذه المسألة:
فالجمهور 3 على جواز ذلك لما ثبت في الصحيحين عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعتق صفية وجعل عتقها صداقها كما ذكر ذلك المؤلف.
=1
..................................
=وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهراً سوى العتق.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لكن اشترط لذلك المؤلف أن يكون بحضرة شاهدين، وفي هذا النكاح يكون السيد هو الولي، والمهر هو العتق، والمعتوقة ليس لها ولاية لأنه ملكها وهذا هو الرضا، والرابع الشاهدان، وبهذا نعلم أنه قد توفر للسيد مع أمته ثلاثة شروط والرابع الشاهدان.
فَصْلٌ فِيْ نِكَاحِ العَبِيْدِ وَالإِمَاءِ
(1) وَلِلسَّيِّدِ تَزْوِيْجُ إِمَائِهِ كُلِّهِنَّ (2)، وَعَبِيْدِهِ الصِّغَارِ بِغَيْرِ إِذْنٍ (3)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ نِكَاحِ العَبِيْدِ وَالإِمَاءِ»:
الرق متعارف عليه قبل الإسلام بقرون متطاولة، وكانت الحياة الاقتصادية والاجتماعية قائمة في الغالب على أكتاف الرقيق، فهو يشكل جزءاً كبيراً من عناصرها، وقد جاء الإسلام الحنيف فحث على تحرير الأرقاء، وهم العبيد والإماء.
وإنما سمى العبيد رقيقاً لأنهم يرقون لمالكهم ويذلون ويخضعون له.
(2)
قوله «وَلِلسَّيِّدِ تَزْوِيْجُ إِمَائِهِ كُلِّهِنَّ»:
أي إن السيد إذا زوج أمته بغير إذنها يصح سواء كانت هذه الأمة ثيباً أو بكراً صغيرة أو كبيرة وذلك لأن منافعها مملوكة له والنكاح عقد على منفعة فأشبه عقد الاجارة، ولأنه ينتفع بذلك لما يحصل له من مهرها وولدها وتسقط عنه نفقتها وكسوتها.
(3)
قوله «وَعَبِيْدِهِ الصِّغَارِ بِغَيْرِ إِذْنٍ»:
أي ويملك السيد كذلك تزويج عبيده الصغار بغير إذنهم بخلاف العبد الكبير، وهذا هو المذهب 1.
فيجوز للسيد إجبار عبده الصغير على الزواج قياساً على الابن الصغير بل في العبد أولى لثبوت الملك له عليه، لكن لا يملك إجبار عبده الكبير لأنه خالص حقه فلا يملك إجباره عليه كالطلاق.
وفي رواية أخرى يملك إجباره كالصغير.
والراجح: هو القول الأول، فلا يجوز له إجبار عبده الكبير على الزواج.
- فائدة: على من يكون المهر والنفقة؟ قولان لأهل العلم:
وَلَهُ تَزْوِيْجُ أَمَةِ مُوَلِّيَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدَتِهَا (1)، وَلا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الكَبِيْرِ عَلى النِّكَاحِ (2)، وَأَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَّيِدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ (3)، الأول: يكون على السيد مطلقاً، والأخرى تتعلق بكسبه أي كسب العبد، والأول هو الأظهر.
(1)
قوله «وَلَهُ تَزْوِيْجُ أَمَةِ مُوَلِّيَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدَتِهَا»:
كأن يكون عند زوجته أمة وأرادت أن تزوجها، فلا يجوز للزوجة أن تتولى عقد النكاح لاشتراط الذكورية في الولي كما سبق، فهنا يقوم الزوج بتولي نكاح أمة موليته لأنه حينئذ يقوم مقام سيدتها.
(2)
قوله «وَلا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الكَبِيْرِ عَلى النِّكَاحِ»:
ذكرنا ذلك آنفاً أنه لا يمكن أن يجبر السيد عبده الكبير على النكاح لأن العبد يملك أمر نفسه في الطلاق فكذلك يملكه في النكاح، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف في هذه المسألة.
(3)
قوله «وَأَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَّيِدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ»:
العهر هو الفسق والمجون والفجور، فكأن العبد حينما تزوج بغير إذن سيده فإن زواجه أتى بطريق غير شرعي ويكون النكاح باطلاً.
واحتجوا كذلك بما جاء عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» 1، ولأنه بسبب ما قام به من تزويج نفسه بغير إذن سيده حصل على سيده ضرر لأنه إن عجز رجع عليه=
فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَمَهْرُهَا فِيْ رَقَبَتِهِ، كَجِنَايَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيْمَتِهِ أَوِ الْمَهْرِ (1)،
=ناقص القيمة ويوجب على سيده أن يؤدي المهر والنفقة فلم يجز بغير إذنه، وعلى ذلك يكون النكاح باطلاً.
وفي رواية أخرى (1) أنه يصح ويقف على إجازة مولاه بناء على تصرفات الفضولي.
قال الإمام الخطابي: وإنما بطل نكاح العبد من أجل أن رقبته ونفقته مملوكتان لسيده، وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده وكان في ذلك ذهاب لحقه، فأبطل النكاح إبقاء لمنفعته على صاحبه (2).
(1)
قوله «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَمَهْرُهَا فِيْ رَقَبَتِهِ، كَجِنَايَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيْمَتِهِ أَوِ الْمَهْرِ»:
أي فإن دخل العبد بالمرأة التي تزوجها بغير إذن سيده فللمرأة المهر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» 3، وهذا العبد قد استحل فرجها فيكون المهر عليه، ولأنه قد استوفى منافع البضع فكان المهر واجباً، وقوله «فَمَهْرُهَا فِيْ رَقَبَتِهِ، كَجِنَايَتِهِ» أي أن المهر يتعلق برقبة العبد، فيباع ويدفع المهر مثل إذا جنى العبد فإن الجناية تكون في رقبته، إلا أن يفديه سيده فإن فداه برئت ذمته.
=12
وَمَنْ نَكَحَ أَمَةً عَلى أَنَّهَا حُرَّةً ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَلا مَهْرَ عَلَيْهِ إِنْ فَسَخَ قَبْلَ الدِّخُولِ (1)، وَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا (2)، =وقوله «بِالأَقَلِّ مِنْ قِيْمَتِهِ أَوِ الْمَهْرِ» أي ينظر هل قيمته أقل من المهر، فإن كانت أقل من المهر فلا يلزم السيد إلا القيمة، وإن كانت القيمة أكثر من المهر لزم المهر لفك رقبة العبد منه.
(1)
قوله «وَمَنْ نَكَحَ أَمَةً عَلى أَنَّهَا حُرَّةً ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَلا مَهْرَ عَلَيْهِ إِنْ فَسَخَ قَبْلَ الدِّخُولِ»:
بدأ المؤلف هنا ببيان بعض الأحكام التي تتعلق بما يحصل من الغش أو الخداع أو التغرير بالزوج، وهذا الخداع قد يحصل من قبل الولي، وقد يحصل من قبل الزوجة، أو يحصل من قبل الزوج.
وقوله «وَمَنْ نَكَحَ أَمَةً عَلى أَنَّهَا حُرَّةً ثُمَّ عَلِمَ» أي إذا تزوج الرجل امرأة على أنها حرة فبانت أنها أمة ثم علم بعد الزواج فلا يخلوا هذا من أحوال:
الحالة الأولى: أن يعقد عليها ولم يدخل بها فله فسخ النكاح وليس لها من المهر شيء للحديث المتقدم وفيه «فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا»، فعلق المهر بوجود الاستمتاع، وعلى ذلك لا يكون المهر إلا بالدخول بها.
(2)
قوله «وَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا»:
هذه هي الحالة الثانية، أي دخل بها ولكن لم يوجد أولاد منها فيثبت المهر للزوجة ويرجع الزوج بما غرمه=
وَإِنْ أَوْلَدَهَا، فَوَلَدُهُ حُرٌّ يَفْدِيْهِ بِقِيْمَتِهِ (1)، وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ عَلى مَنْ غَرَّهُ (2)، =من قيمة المهر على من غره بالمهر.
(1)
قوله «وَإِنْ أَوْلَدَهَا، فَوَلَدُهُ حُرٌّ يَفْدِيْهِ بِقِيْمَتِهِ»:
هذه هي الحال الثالثة، وهو أن يدخل بها ثم ينجب منها أولاداً، فإن الأولاد يكونون أحراراً ولكن يفديهم إما بقيمتهم وإما بمثلهم حال ولادتهم.
وقولنا «بقيمتهم»: أي يقدر كم قيمتهم لو كانوا غير أحرار؟ وقولنا «بمثلهم»: أي يمثل حالتهم فيفديهم بمثلهم عبيداً مكان كل غلام بغلام وكل جارية بمثلها.
فالحاصل أنه في مثل هذه الحالة التي أنجب منها أولاداً فإن الزوج يدفع فداء أولاده لسيد الأمة وذلك لقضاء الصحابة بذلك كما هو ثابت عن عمر وعلي وابن عباس، ولأن الولد نماء الأمة المملوكة فسبيله أن يكون مملوكاً لمالكه، وقد فوَّت رقه باعتقاد الحرية فلزمه قيمتهم.
(2)
قوله «وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ عَلى مَنْ غَرَّهُ»:
أي يرجع الزوج بما غرمه من قيمة الأولاد على من غرّه, لأن قيمة الولد لم تحصل في مقابلة العوض, لأنها وجبت بحرية الولد وحرية الولد للولد لا لأبيه.
و
هل يرجع كذلك بالمهر؟ على قولين
:
الأول: يرجع بالمهر على من غرّه, لأن العاقد ضمن له سلامة الوطء, كما ضمن له سلامة الولد, فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع عليه بالمهر.
الثاني: لا يرجع بالمهر لأنه وجب في مقابلة بضع وصل إليه وهو الوطء, فلم يرجع به.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ (1)، (1)
قوله «وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ»:
من المقرر في الشرع أن الحرَّ لا يجوز له أن ينكح الأمة المسلمة, فالعبد له أن يتزوج الأمة لأنه يساويها لكن لما كان الناس يختلفون من حيث وجود المال وعدمه, وقوة الشهوة وقلتها أو القوة البدنية والعجز فيها جاء التصريح من قبل الشارع في جواز النكاح من الإماء وذلك بشروط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 1، فاشترط الله تعالى في هذه الآيات ثلاث شروط:
الأول: أن تكون الأمة مسلمة لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
الثاني: أن يعجز عن طول حرة، أو ثمن أمة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾.
الثالث: أن يخاف عنت العزوبة لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ وهذا معنى كلام المؤلف «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ ذلِكَ».
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ ذلِكَ فَرَضِيَ بِهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الرِّضَا، فَهُوَ رَقِيْقٌ (1)،
=وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لذلك في «فصل في حكم فسخ نكاح الإماء».
فالحاصل أن الحر إذا تزوج المرأة على أنها حرة فبانت أمة فلابد من التفريق بينهما إلا إذا كان ممن توفرت فيه الشروط السابقة فإنها تبقى معه, فإن عتقت الأمة فلا خلاف في جواز بقائها معه لانتفاء الرق عنها وسيأتي في كلام المؤلف باب خاص بحكم نكاح الإماء.
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ ذلِكَ فَرَضِيَ بِهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الرِّضَا، فَهُوَ رَقِيْقٌ»:
أي إن رضي الحر الذي يجوز له نكاح الإماء ببقاء الأمة زوجة له فما ولدته من أولاد بعد الرضا يكون رقيقاً لسيدها, لأن المانع من الغرور اعتقاد الزوج حريتها وقد زال بالعلم.
بابُ المُحَرَّماتُ فِيْ النِّكاحِ
(1) (1)
قوله «بابُ المُحَرَّماتُ فِيْ النِّكاحِ»:
أي باب في بيان الممنوعات من النكاح، فقد شرع المؤلف في هذا الباب في بيان المحرمات في النكاح يعني من النساء اللاتي يحرم على الزوج أن ينكحهن، وقبل الشروع في بيان من يحرم على الرجال نكاحهن، نقول: المحرمات في النكاح ينقسمن إلى قسمين:
القسم الأول: المحرمات تحريماً مؤبداً:
وهذا القسم ينقسم إلى نوعين.
النوع الأول: المحرمات من أجل النسب وهن سبع نسوة:
1 - الأمهات: وهن أم الزوج؛ يعنى الأم وإن علون، أي أم الأم، وأم أم الأم، وكذلك أم الأب, وأم أم الأب، وإن علون.
2 - البنات: وإن نزلن؛ كبنته، وبنت بنته.
3 - الأخوات: شقيقة كانت أو لأب أو لأم.
4 - بنات الأخوات، وبنت بنتها، وبنت أبنها.
5 - بنات الأخ, وبنت ابن الأخ.
6 - العمات.
7 - الخالات.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ 1.
..................................
النوع الثاني: أي اللاتي يحرمن على التأبيد وهن:
1 - الملاعنة: وهي التي فارقها زوجها بالملاعنة.
2 - الرضاع: فتحرم الرضاعة في كل ما حرم بالنسب، فتحرم البنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والأم من الرضاع، وبنت الابن من الرضاع، وبنت الأخ من الرضاع، وبنت الأخت من الرضاع، كما سيأتي في كلام المؤلف.
3 - ما حرم لأجل العقد وهن:
أـ زوجة الأب، أو زوجة الجد لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ 1.
ب - زوجة الابن, وكذا زوجة ابن الابن لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ 2، والحليلة هي زوجة الابن, أو ابن الابن وإن نزل، فهؤلاء بمجرد العقد لا يحل له نكاحهن.
ج - أم الزوجة، وجدتها لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 3.
4 - ما حرم لأجل العقد والدخول، وهي بنت الزوجة، وبنات أولادهن وهي الربيبة لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ 4.
..................................
القسم الثاني: ما كان تحريمه تحريماً مؤقتاً:
وهذا القسم له نوعان:
النوع الأول: ما كان تحريمه لأجل الجمع:
أـ فيحرم على الرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، أو بين المرأة وأختها لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 1، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» 2، وكذلك يحرم عليه أن يتزوج أكثر من أربع نسوة.
النوع الثاني: ما كان تحريمه لأجل عارض يزول وهن:
أـ المعتدة حتى تنتهي عدتها؛ فلا يجوز للزوج أن يتزوج المعتدة حتى تنتهي عدتها لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ 3.
ب - الزانية: حتى تتوب وتنقضي عدتها لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ 4.
.................................. ج - المطلقة ثلاث تطليقات حتى تنكح زوجاً غيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ (1). د - المرأة المحرمة ما دامت في إحرامها حتى تحل من إحرامها لحديث عثمان بن عفان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكَحُ وَلا يَخْطُبُ» (2). هـ - المرأة الكافرة غير الكتابية لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (3). وـ الأمة: فلا يجوز للحر المسلم أن يتزوج الأمة إلا إذا توفرت الشروط التي سبق بيانها.
فائدة: المحرمات خمسة أنواع
: بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة، وباللعان، وبالاحترام، فأما المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاع فقد سبق ذكرهم.
وأما المحرمات بالمصاهرة: فهن ما حرم بسبب عقد النكاح فليس هناك قرابة ولا رضاع كما سيأتي إن شاء الله.
وأما المحرمات باللعان: فالمراد بهن من رماها زوجها بالزنا ولم تقر به ولم يقم بينة على ما قذفها به، فيحصل اللعان الوارد في سورة النور.
=123
وَهُنَّ الأُمُّهَاتُ (1)، وَالبَنَاتُ (2)، =وأما المحرمات بالاحترام: فهن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ (1).
(1)
قوله «وَهُنَّ الأُمُّهَاتُ»:
شرع المؤلف هنا في بيان ما يحرم بالنسب وهن المذكورات في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (2)، فالأم تحرم على التأبيد أي إلى يوم القيامة، وكذا أمها بل وكذا كل جدة من قِبَلِها، والجدات من قبل الأب كذلك.
(2)
قوله «وَالبَنَاتُ»:
وإن نزلن كبنت البنت، وبنت الابن وبناتها سواء كانت هذه البنت من حلال أو حرام، فالبنت التي جاءت من حلال هي التى خلقت من ماء رجل يحل له وطء من ولدتها فهذه لا تحل له، أما الحرام فهي التي أتت من ماء حرام كالبنت التي جاءت من زنى فهذه أيضاً تحرم عليه, لأنها بضعة منه قدراً، وإن كانت ليست بنته شرعاً، فلا تنسب إليه عند جمهور الفقهاء سواء أدعاها بنتاً له أم لا.12
وَالأَخَوَاتُ (1)، وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ (2)، وَبَنَاتُ الأَخَوَاتِ (3)، وَالعَمَّاتُ، وَالخَالاتُ (4)، وَأُمُّهَاتُ النِّسَاءِ (5)، (1)
قوله «وَالأَخَوَاتُ»:
أي يحرم عليه كذلك نكاحهن سواء كانت شقيقة أو لأم وكذلك بنتها وبنت بنتها، فالأخوات وفروعهن حرام على الأخ.
(2)
قوله «وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ»:
أي كذلك يحرم عليه نكاح بنت أخيه لأنه عمها، وكذلك يحرم عليه بنتها وبنت بنتها، وهكذا لأن عم الأم عم لبناتها.
(3)
قوله «وَبَنَاتُ الأَخَوَاتِ»:
أي وكذلك يحرم عليه نكاح بنت الأخت لأنه خال لهن وذلك لأن خال كل إنسان خال لها ولذريته من ذكور وإناث.
(4)
قوله «وَالعَمَّاتُ، وَالخَالاتُ»:
العمَّة هي أخت الأب، والخالة أخت الأم, فهما حرام عليه وإن علتا بأن تكون عمة لأب أو للجد، أو عمة للجدة وكذلك خالة للأب، أو خالة للجد، أو خالة للأم، أو خالة للجدة، فهؤلاء يحرم عليه نكاحهن.
(5)
قوله «وَأُمُّهَاتُ النِّسَاءِ»:
شرع المؤلف في بيان المحرمات بسبب المصاهرة فبدأ بأم الزوجة لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فهذه تحرم عليه بمجرد العقد كما سبق.
وهل يشترط أن يكون العقد صحيحاً لكي تحرم عليه؟ قولان: الصحيح أنه يشترط أن يكون العقد صحيحاً، فإن كان العقد فاسداً فلا يحرم.
مثال ذلك: لو تزوج امرأة بلا ولي، والولي كما سبق شرط لصحة=
وَحَلائِلُ الآبَاءِ (1)، الرَّبَائِبُ المَدْخُوْلُ بِأُمَّهَاتِهِنَّ (2)،
=النكاح فالعقد فاسد ولا تترتب عليه أثاره، فلو مات جاز لابنه من غيرها أن يتزوجها لأن العقد غير صحيح على القول الراجح من أقوال أهل العلم.
فالحاصل أنه لا أثر في تحريم المصاهرة بغير عقد صحيح وذلك لأن العقود إذا أطلقت حملت على الصحيح.
(1)
قوله «وَحَلائِلُ الآبَاءِ»:
وهن كما ذكرنا زوجة الابن وإن نزل مثل زوجة ابن ابنه, وزوجة ابن بنته، وزوجة ابن ابن ابن ابنه، وكذا ابن ابن ابن بنته, وقد اشترط الله تعالى أن تكون زوجة الابن من الأصلاب فقال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ (1)، أي الذين خرجوا من الصلب، وهذا فيه احتراز من الرضاع كما سيأتي إن شاء الله الخلاف في هذه المسألة مع بيان الراجح.
- فائدة: لا تحرم كذلك بنات زوجة الابن وبنات زوجة الأب من غيره؟ فبنات زوجة الأب, وكذلك بنات زوجة الابن يجوز له أن يتزوج بهن لأنه لا علاقة بينه وبينهن، فهن لسن بأخوات له لا من أمه, ولا من أبيه.
(2)
قوله «الرَّبَائِبُ المَدْخُوْلُ بِأُمَّهَاتِهِنَّ»:
فإذا وطئ الرجل الزوجة بنكاح صحيح حرمت عليه بنتها، وهي الربيبة لقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ=1
وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (1)، وَبَناتُ الْمُحَرَّمَاتُ مُحَرَّمَاتٌ (2)، إِلاَّ بَنَاتِ العَمَّاتِ وَالخَالاتِ (3)،
=بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} (1)، والربائب جمع ربيبة، وهي الأنثى من أولاد الزوجة أو أولادها وإن نزلوا.
واشترط الله تعالى في تحريم الربيبة أن يكون قد دخل بأمها, فلو عقد على امرأة وطلقها قبل الدخول وماتت قبل الدخول بها فإنه تحل له بناتها.
(1)
قوله «وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»:
هذا أصل حديث رواه البخاري ومسلم، وهو عمدة في هذا الباب، وقد سبق بيان ذلك, فيحرم بالرضاعة كل ما حرم بالنسب، فتحرم البنت من الرضاعة, والأخت من الرضاعة، وبنت الابن من الرضاعة, وبنت الأخ, وبنت الأخت من الرضاعة، أي السبعة الذي سبق ذكرهم في النسب، وسيأتي في باب الرضاع شرح هذا الحديث إن شاء الله.
(2)
قوله «وَبَناتُ الْمُحَرَّمَاتُ مُحَرَّمَاتٌ»:
أي تحرم كذلك بنات المحرمات اللاتي سبق ذكرهن، فالبنت تحرم، كذلك بنتها وبنت بنتها, وكذلك بنت الابن وبنت بنت الابن، وكذلك الأخت وبنت الأخت, وكذلك بنت الأخ وبنت بنت الأخ، وغير ذلك عدا ما استثناه المؤلف وهم.
(3)
قوله «إِلاَّ بَنَاتِ العَمَّاتِ وَالخَالاتِ»:
فهؤلاء لا يحرمن عليه نكاحهن بدليل القرآن، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ =1
وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ (1)، وَحَلائِلِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ (2)، وَأُمُّهَاتُهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ (3)، إلَّا البَنَاتِ وَالرَّبَائِبَ (4)، =عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ} (1)، والحكم وإن كان المخاطب به النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه خاص يراد به العموم.
(1)
قوله «وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ»:
يعنى وكذلك بنات أمهات النساء حلال لأنهن غير مذكورات في المحرمات، ولأنهن أخوات فإنما يحرمن بالجمع لا غير.
(2)
قوله «وَحَلائِلِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ»:
أي وكذلك يجوز نكاح بنات زوجة الابن والابن من غيره لأنهن حرمن لعلة نكاح الآباء والأبناء لهن ولم يوجد هذا المعنى في بناتهن، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
فبنات زوجة الأب وبنات زوجة الابن يجوز نكاحهن، فيجوز للولد أن يتزوج ببنت زوجة أبيه التي هي ربيبة لأبيه، وكذلك يجوز للأب أن يتزوج ببنت زوجة ابنه التي من زوج آخر لأنه لا علاقة بينه وبينها، وقد سبق ذلك.
(3)
قوله «وَأُمُّهَاتُهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ»:
أي وجميع أمهات من تم ذكرهم من النساء محرمات، فأم الأم محرمة، وأم العمة أم، وأم الخالة أم، والأخوات أمهن أم، وهكذا.
لكن يستثنى من ذلك ما ذكره المؤلف هنا وهم.
(4) قوله «إلَّا البَنَاتِ وَالرَّبَائِبَ»: أي إلا أمهات البنات، وأمهات الربائب لأنهن زوجات، وحلال له نكاحهن.1
وَحَلائِلَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ (1)، وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً حَلالاً أَوْ حَرَامًا حَرُمَتْ عَلى أَبِيْهِ وَابْنِهِ (2)، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا (3)، (1)
قوله «وَحَلائِلَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ»:
أي وكذلك أمهات زوجات الأبناء وأمهات زوجات الآباء لأنهن أجنبيات ولم ينه عن نكاحهن، فهن يدخلن في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (1). (2)
قوله «وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً حَلالاً أَوْ حَرَامًا حَرُمَتْ عَلى أَبِيْهِ وَابْنِهِ»:
سبق أن أشرنا إلى ذلك، ف
وطء المرأة لا يخلو من حالين
:
الأول: أن يطأها حلالاً؛ أي بعقد صحيح أو ملك يمين, فإذا وطء المرأة بذلك حرم عليه أن ينكح أمها أو بنتها كما سبق.
الثاني: أن يطأها حراماً، كأن يكون وطء زنا أو نكاح شبهة، بمعنى أن يعقد عليها ثم لما عقد عليها وجدها لا تباح له، فهذه محل خلاف بين أهل العلم.
وقد سبق الإشارة إلى ذلك وقلنا بأن الوطء بزنا لا أثر له في التحريم، وهو قول مالك (2)، والشافعي (3)، ورجحه شيخنا -رحمه الله- (4).
(3)
قوله «وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا»:
هذا كما سبق بناء على أن الموطوءة بالوطء الحلال أو الحرام يحرم عليه نكاح أمها وبناتها، أي يحرم عليه أصولها وفروعها.1234
.................................. =والصواب: أن الموطوءة بنكاح حرام لا يحرم عليه أصولها وفروعها لأن العقود كما سبق إذا أطلقت في الشرع حملت على العقود الصحيحة لا الفاسدة.
فَصْلٌ فِيْ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ
وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخالَتِهَا فِيْ النِّكاحِ
(1) وَيَحْرُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا» (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخالَتِهَا فِيْ النِّكاحِ»:
هذا الفصل جعله المؤلف في حكم الجمع بين الأختين وكذا المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها.
وقد سبق الإشارة في أول باب المحرمات في النكاح إلى ذلك, وقلنا بأن الجمع بين المرأة وخالتها أو بين المرأة وعمتها أو بينها وبين أختها من التحريم المؤقت, ودليل التحريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ 1، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» 2، ولعل الحكمة في تحريم ذلك والله أعلم، لما يحصل في الجمع بين هؤلاء من قطيعة الرحم، فالمرأة جبلت على الغيرة، فلربما غارت من أختها، أو غارت من عمتها، أو من خالتها فيحصل بذلك القطيعة للرحم.
(2)
قوله «وَيَحْرُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا»:
سبق بيان ذلك مفصلاً، فلا يجوز للرجل أن يجمع بين الأخت وأختها، =
وَلا يَجُوْزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (1)، وَلا لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ إِلاَّ اثْنَتَيْنِ (2)،
=أو بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها, فإذا ماتت المرأة أو طلقت جاز له أن يتزوج بأختها، أو عمتها، أو خالتها.
وهل يجوز أن يجمع بين الأختين في الرضاعة؟
الصحيح أنه لا يجوز.
(1)
قوله «وَلا يَجُوْزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ»:
لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (1)، وهذا خبر أريد به الأمر، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز للرجل أن يزيد على أربعة نسوة، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع وأصحاب الأهواء كالرافضة.
(2)
قوله «وَلا لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ إِلاَّ اثْنَتَيْنِ»:
هذا هو المذهب، وعليه أكثر أهل العلم، أي يحرم على العبد أن يتزوج بالثالثة، وهذا قول عمر وعلي رضي الله عنهما ولا مخالف لهما، فقد قال عمر -رضي الله عنه- على المنبر: «أتدرون كم ينكح العبد؟ فقام رجل فقال أنا: قال كم؟ قال اثنتين» 2، وجاء عنه أيضاً «ينكح العبد امرأتين, ويطلق تطليقتين, وتعتد الأمة حيضتين» 3.1
فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ لا يَجُوْزُ الجَمْعُ بَيْنَهُ فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَسَدَ (1)، وَإِنْ كانَ فِيْ عَقْدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الثَّانِيْ مِنْهُمَا (2)، وَلَوْ أَسْلَمَ كافِرٌ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً (3)،
=وذهب مالك (1) أنه يجوز له نكاح الأربع.
والصواب الأول.
(1)
قوله «فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ لا يَجُوْزُ الجَمْعُ بَيْنَهُ فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَسَدَ»:
مثل أن يعقد على امرأة وأختها، أو يعقد على أمرأة وعمتها، أو يعقد على امرأة وخالتها في عقد واحد فيفسد العقد لأن الزوجة الأولى ليست بأولى من الثانية, والأخت الصغيرة ليست أولى من الكبيرة والعكس كذلك, وهكذا فقس؛ فليست إحداهما أولى بالبطلان من الأخرى فبطل فيهما.
(2)
قوله «وَإِنْ كانَ فِيْ عَقْدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الثَّانِيْ مِنْهُمَا»:
أي إذا حصلت المخالفة بأن جمع بين من لا يجوز الجمع بينهن، كأن يعقد على امرأة ثم بعد فترة على أختها، أو عمتها، أو خالتها، فإن الذي يصح هو العقد السابق ويبطل الذي بعده، ولو كان الفاصل بينهما لحظة كأن يتزوج إحداهما فقالت الأولى: «قبلت»، ثم التفت إلى الثانية وعنده وليها فقال: «قبلت الزواج», لم يصح العقد الثاني منهما لكونه عقداً فاسداً.
(3)
قوله «وَلَوْ أَسْلَمَ كافِرٌ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً»:
أي إذا أسلم الكافر وكان تحته أختان فإنه يؤمر أن يفرق بينهما، فيختار إحداهما فتبقى له والأخرى يفارقها لحديث الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت =1
وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِالأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهَا وَحْدَهَا (1)، =يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان، قال: «طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» (1).
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِالأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهَا وَحْدَهَا»:
أي إذا أسلم الكافر ومعه أم وابنتها ولم يدخل بالأم، فإن نكاح الأم يفسد وحدها لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 2 فتدخل في عموم الآية، ولأن الأم فيها من الشفقة ما ليس للبنت، وأما كونها لا تحرم على الرجل إلا إذا دخل بأمها لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ 3.
فالحاصل أنه متى أسلم الكافر وكان قد عقد على نكاح محرم، كأن يجمع بين أختين، أو عنده أكثر من أربع نسوة فإن الواجب عليه أن يفارق بين الأختين، فيمسك إحداهما ويفارق الأخرى، ويمسك أربعاً ويفارق سائرهن.
هذا هو قول عامة أهل العلم لكن يشترط أن تكون المبقية مسلمة أو كتابية، فإن كانت غير ذلك فلا يصح أن يبقيها معه.1
وَإِنْ كانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا وَحُرِّمَتَا عَلى التَّأْبِيْدِ (1)، وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ (2)، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَوْ آخِرَهُنَّ (3)، (1)
قوله «وَإِنْ كانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا وَحُرِّمَتَا عَلى التَّأْبِيْدِ»:
أي إن كان قد أسلم وقد دخل بالأم وابنتها فيجب عليه أن يفرق بينهما، ولا يبقى مع إحداهما، وعلة تحريم الأم وابنتها عليه لأن الأم أم زوجته وقد قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وأما البنت فلأنها ربيبة مدخول بأمها، والأم تحرم بمجرد العقد على ابنتها وكلاهما محرمتان عليه على التأييد.
(2)
قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ»:
أي إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة أمسك أربعاً وفارق بقيتهن لما جاء عن عثمان بن محمد بن أَبي سويد أَن رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال لِغَيلان بن سلمة حين أَسلم وعنده عشر نسوةٍ «خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» (1). (3)
قوله «سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَوْ آخِرَهُنَّ»:
أي فهو بالخيار في اختياره، فله أن يمسك الأخيرات ويطلق الأُوَلْ، وله أن يمسك الأُوَلْ ويطلق الأخيرات، وله أن يمسك الوسط ويطلق ما شاء، =1
وَكَذلِكَ إِذا أَسْلَمَ العَبْدُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْنِ (1)، وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَةً فَنَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ خَامِسَةً فِيْ عِدَّتِهَا، لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا (2)، =فهو بالخيار في ذلك لحديث غيلان المتقدم.
فائدة: وهل تشرع القرعة هنا؟
نقول لا تشرع إلا باختياره ورضاه، والأَوْلى عدمها لأنه قد تقع القرعة على من يحبها فيفضي إلى تنفيره، فإن أبى على أن يفارق ما زاد عن الأربع أجبر بحبس ثم تعزير ولهن النفقة حتى يختار، فإن كان النسوة كافرات غير كتابيات أي وثنيات فلا يجوز أن يمسك بهن جميعاً لأنه لم يحل في نكاح الكافرات إلا الكتابيات، فإن كان بعضهن مسلمات وكتابيات فله الخيار في الإمساك بأربع منهن.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ إِذا أَسْلَمَ العَبْدُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْنِ»:
سبق أن ذكرنا أن العبد لا يجوز له أن يتزوج أكثر من اثنتين، فإذا أسلم وعنده أكثر من اثنتين وجب عليه أن يبقي اثنتين، ويفارق سائرهن، وله الخيار فيما يبقيه لنفسه.
(2)
قوله «وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَةً فَنَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ خَامِسَةً فِيْ عِدَّتِهَا، لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا»:
أي ومن طلق امرأة طلاقاً رجعياً أو بائناً وأراد أن يتزوج أختها أو خالتها أو عمتها أو غيرها ممن يحرم عليه الجمع بينهما فإنه لا يصح حتى تنتهي عدة الزوجة الأولى، =
..................................
=وعلل الفقهاء لذلك لأن الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً هي زوجة، فلو تزوج الزوج على أختها في زمن عدتها فيكون قد جمع بين المرأة وأختها وهذا لا يجوز، وكذلك إذا طلق امرأة طلاقاً بائناً فلا يجوز له أيضاً أن يتزوج بأختها حتى تنتهي عدتها، وهذا عليه عامة الفقهاء، أي لا يجوز له حتى تنتهي ثلاثة قروء، لأنه إذا تزوجها في عدة أختها كأنه قد جمع بينهما في النكاح، لأن العدة من آثار النكاح.
وكذلك أيضاً «أو خامسة»، كأن يكون عنده أربع نسوة ويريد أن يتزوج بخامسة فلا يجوز له أن يتزوج الخامسة قبل أن تنتهي عدة المطلقة سواء كان بائناً أو رجعياً.
وذهب جمهور العلماء إلى خلاف ما ذكره المؤلف، فقالوا: يجوز للرجل أن يتزوج الخامسة، أو أخت المطلقة، أو عمتها، أو خالتها في عدتها أي عدة المطلقة طلاقاً بائناً بينونة كبرى لأن المحرم هو الجمع بينهن في النكاح، والبائن ليست في نكاحه.
وهذا هو الأقرب، وهو اختيار شيخنا 1 -رحمه الله-، أما البينونة الصغرى، أو المطلقة طلاقاً رجعياً فلا يجوز حتى تنتهي عدتهما.
فَصْلٌ فِيْ الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِيْنِ
(1) يَجُوْزُ أَنْ يَمْلِكَ أُخْتَيْنِ (2)، وَلَهُ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا (3)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِيْنِ»:
بعد أن انتهى المؤلف في بيان المحرمات بالوطء بدأ ببيان المحرمات بملك اليمين.
(2)
قوله «يَجُوْزُ أَنْ يَمْلِكَ أُخْتَيْنِ»:
أي ويجوز للرجل أن يملك أختين بعقد بيع أو إرث وغير ذلك، وهذا لا إشكال فيه.
(3)
قوله «وَلَهُ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا»:
أي فلا يجوز له أن يجمع بين أختين، أو المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها حتى وإن كن من إمائه، فله وطء إحداهما، فإذا وطئها فلا يجوز له أن يطأ أختها، أو عمتها، أو خالتها لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ 1. وما ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» 2. فإن قيل: كيف يصح الجمع بينهما في الملك ولم يصح أن يجمع بينهما في النكاح؟ نقول لأن الشراء لا يتعين فيه الاستمتاع، بخلاف عقد النكاح فالمراد به الاستمتاع.
فَمَتَى وَطِئَهَا، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا حَتَّى تَحْرُمَ المَوْطُوْءَةُ بِتَزْوِيْجٍ أَوْ إِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ حَامِلٍ (1)، (1)
قوله «فَمَتَى وَطِئَهَا، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا حَتَّى تَحْرُمَ المَوْطُوْءَةُ بِتَزْوِيْجٍ أَوْ إِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ حَامِلٍ»:
هذان هما الشرطان اللذان يجوز فيهما للسيد أن يطأ الأخرى من أخت إمائه أو خالتها أو عمتها.
فالأول: أن يزوج الموطوءة الأولى، فإذا تزوجت فحينئذ يجوز له أن يطأ أختها، أو عمتها، أو خالتها، وهذا معنى قوله «حَتَّى تَحْرُمَ المَوْطُوْءَةُ بِتَزْوِيْجٍ».
الثاني: أن يخرجها عن ملكه ببيع، فإذا باعها جاز له أن يتزوج بالأخرى.
ولكن اشترط المؤلف لذلك شرطاً وهو أن يعلم أن الموطوءة الأولى غير حامل، لأنها إن كانت حاملاً فهي ما زالت في عدتها.
وقد سبق أنه لا يجوز للرجل إن طلق المرأة أن يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها من طلاق رجعي أو طلاق بائن عند المؤلف، وقد رجحنا أنه لا يشترط في الطلاق البائن بينونة كبرى خروج المرأة من عدتها بل له أن يتزوج فيه وإن لم تنته عدتها.
فالحاصل أن المرأة إن كانت حاملاً فلا يجوز لغير زوجها الأول أن يطأها إذ كيف يطأها وهي لا تحل له لأنها ما زالت حاملاً بماء غيره.
أما الزوج الأول فعلى الصحيح أنه إن طلقها طلاقاً بائناً وكانت هذه المرأة حاملاً منه فيجوز له أن يتزوج أختها، أو عمتها، أو خالتها ممن كان يحرم عليه الجمع بينهن.
فَإِذَا وَطِئَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ عَادَتِ الأُوْلى إِلى مِلْكِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَحْرُمَ الأُخْراى (1)، وَعَمَّةُ الأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِيْ هَذَا كَأُخْتِهَا (2)، (1)
قوله «فَإِذَا وَطِئَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ عَادَتِ الأُوْلى إِلى مِلْكِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَحْرُمَ الأُخْراى»:
يعني فإن عادت من فارقها سيدها بتزويج لغيره أو بيعها إليه مرة أخرى بشراء أو هبة أو إرث أو غير ذلك فلا يجوز له أن يطأ الأخرى التي عادت لملكه إلا بما اشترطناه سابقاً وهو أن تتزوج الثانية أو يبيعها لغيره.
(2)
قوله «وَعَمَّةُ الأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِيْ هَذَا كَأُخْتِهَا»:
أي أن الحكم في هذا يشمل الأخت، والعمة، والخالة، فلا يجوز له أن يجمع بينهما في نكاح وإن كن في ملك يمينه إلا بما ذكرناه آنفاً، وما ذكره المؤلف هنا هو أحد القولين في
هذه المسألة.
وفي قول آخر أنه لا يحرم الجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها، أو خالتها في ملك اليمين، لأن التحريم إنما جاء في العقد أي عقد النكاح لا ملك اليمين لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ 2، فرفع اللوم عنهم.
والأقرب والله أعلم هو القول الأول وهو المذهب, لأن الأختين إنما منع من وطئهما لما يترتب عليه من الفرقة، والنزاع، والشقاق، وقطع صلة الرحم الذي أمر الله بوصلها، وهذا حاصل في ملك اليمين، وحاصل في عقد النكاح كما مر معنا.
فَصْلٌ فِيْ مَوَانِعِ نِكاحِ الأَمَةِ
(1) وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكاحُ أَمَةٍ كَافِرَةٍ (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ مَوَانِعِ نِكاحِ الأَمَةِ»:
أي فصل فيما يكون سبباً في منع نكاح الإماء, فليس جميع الإماء يجوز نكاحهن بل هناك بعضهن يمنع من نكاحهن كما سيذكر ذلك المؤلف.
(2)
قوله «وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكاحُ أَمَةٍ كَافِرَةٍ»:
أي لا يجوز بأي حال أن ينكح الحر المسلم أو العبد المسلم الأمة الكافرة بل لا بد أن تكون مسلمة لأن الله تعالى إنما أباح من الكفار حرائر أهل الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 1، فاشترط أن تكون حرة, فإن كانت أمة من أهل الكتاب فلا يصح للحر نكاحها وهذا قول جمهور أهل العلم.
وقال بعض أهل العلم: يجوز للحرِّ الاستمتاع بالمرأة بملك اليمين سواء كانت كتابية أو غير كتابية لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ 2، والذي يملكها بملك اليمين لم يفصل الشارع فيها, وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ 3، فالمراد به النكاح لا ملك اليمين.
وَلا لِحُرٍّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ طَوْلَ حُرَّةٍ، وَلا ثَمَنَ أَمَةٍ، وَيَخَافُ العَنَتَ (1)، (1)
قوله «وَلا لِحُرٍّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ طَوْلَ حُرَّةٍ، وَلا ثَمَنَ أَمَةٍ، وَيَخَافُ العَنَتَ»:
سبق الإشارة إلى شيء مما ذكره المؤلف عند قوله «إن لم يكن ممن يحل له نكاح الإماء»، فلا يحل للحرِّ نكاح الأمة المسلمة إلا بشروط ذكرناها سابقاً وهي كما ذكرها المؤلف.
1 - أن لا يجد طول الحرة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾، والطول: هو القدرة المالية على نكاح الحرة، أو على ثمن الأمة.
2 - خوف العنت: وهو الضيق والحرج, والمقصود هنا إذا خاف على نفسه الحرام من عدم غض البصر والوقوع في الزنا وغير ذلك فيجوز له نكاح الأمة المسلمة.
دليل ذلك ما ذكره المؤلف هنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ... ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 1.
فمتى توفر هذان الشرطان فيجوز له نكاح الأمة المسلمة، فإن تخلف الشرطان أو تخلف أحدهما فلا يجوز له لمفهوم الآية.
وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيْهِ قَائِمَيْنِ (1)، (1)
قوله «وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيْهِ قَائِمَيْنِ»:
أي وللحر أن ينكح أربعاً من الإماء إذا توافر فيه الشرطان السابقان فله أن ينكح أمة وأخرى إلى أربع إذا لم تعفه نفسه لعموم الآية.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: إنما نهى المسلم عن نكاح الأمة, لأنه إذا تزوج الأمة صار أولاده منها ملكاً لسيدها, فأرق أولاده، وأذل نفسه مع الغنى, ولأن الشريعة تتشوف إلى حرية الناس وقد سبق بيان ذلك في باب العتق.
- الفائدة الثانية: «ذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى جواز نكاح الأمة المسلمة لواجد الطول غير خائف العنت إذا شرط على سيدها عتق كل ما يولد له وقال هذا مذهب الليث, لامتناع مفسده ارقاقه ولده» 1.
- الفائدة الثالثة: لا يجوز نكاح المرأة الزانية إلا بشرطين:
الأول: أن تتوب وتندم وتستغفر على ما فعلته، مع العزم على أن لا تعود لذلك لأنها قبل التوبة في حكم الزانية، فإن تابت زال ذلك، ولأنها إذا كانت مقيمة على الزنا لم يأمن أن تلحق به ولداً من غيره وتفسد فراشه.
الثاني: انقضاء عدتها، فإذا حملت من الزنا فقضاء عدتها بوضعها، ولا يحل نكاحها قبل وضعها لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» 2.
بابُ الرَّضَاعِ
(1) (1)
قوله «بابُ الرَّضَاعِ»:
الرَّضاع بفتح الراء وكسرها مصدر، رضع الصبي الثدي أي مصه.
وشرعاً: مص من دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه.
وقيل أيضاً في تعريفه: الرضاع: هو اسم لوصول لبن امرأة، أو ما حصل من لبنها في جوف طفل بشروط.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: هذا الباب باب عظيم من أبواب الفقه ينبغي لطالب العلم أن يعتني به، ويلاحظ أن المؤلف -رحمه الله- أدرجه ضمن أبواب النكاح وإلا فهناك من أهل الفقه من جعله كتاباً مستقلاً كما فعل صاحب الزاد وصاحب التسهيل.
- الفائدة الثانية: حكم الرضاع ثابت بالكتاب والسنة والاجماع ونصوصه مشهورة، فمن نصوص الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ 1. ومن السنة: ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي بِنْتِ حَمْزَةَ لا تَحِلُّ لِي يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَة» 2
حُكْمُ الرَّضَاعِ حُكْمُ النَّسَبِ فِيْ التَّحْرِيْمِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ (1)، فَمَتَى أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ طِفْلاً، صَارَ ابْنًا لَهَا (2)، =أما الإجماع: فقد انعقد على ثبوته لدلالة الكتاب والسنة عليه.
- الفائدة الثالثة: الأحكام المترتبة على الرضاع: هي تحريم النكاح وإباحة النظر والخلوة والمحرمية في السفر، لا وجوب النفقة والتوارث، وولاية النكاح كما سبق.
- الفائدة الرابعة: حكمة المحرمية والصلة ظاهرة، فإنه حين يتغذى الرضيع بلبن هذه المرأة فينبت لحمه عليه، فكان كالنسب له منها، ولذا كره العلماء استرضاع الكافرة، والفاسقة، وسيئة الخلق، أو من بها مرض لأنه يسري إلى الولد، واستحبوا أن يختار المرضعة الحسنة الخُلُق والخَلْق، فإن الرضاع يغير الطباع.
قلت: والأحسن أن لا يرضع الطفل إلا أمه، لأنه أنفع وأمراء وأحسن عاقبة من اختلاط المحارم، التي ربما توقع في مشاكل زوجية.
(1)
قوله «حُكْمُ الرَّضَاعِ حُكْمُ النَّسَبِ فِيْ التَّحْرِيْمِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ»:
أي حكم الرضاع حكم النسب في تحريم النكاح، وكذا المحرمية أي يكون المرتضع محرماً للمرضعة وينشر الحرمة، فيباح له النظر إلى المرضعة وأصولها من أمهاتها، وكذا فروعها من أولادها، وكذا له أن يخلو بها، وأن يصافحها، وأن يسافر بها لأنه صار ولداً لها كالذي خرج من بطنها.
(2)
قوله «فَمَتَى أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ طِفْلاً، صَارَ ابْنًا لَهَا»:
هذا بلا خلاف لدلالة نصوص الكتاب والسنة على ذلك قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ=
وَلِلرَّجُلِ الَّذِيْ ثابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ (1)، =أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} (1)، فسماها الله تعالى أماً للمرتضع.
(1)
قوله «وَلِلرَّجُلِ الَّذِيْ ثابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ»:
أي وكذلك صار صاحب هذا اللبن أباً لهذا المرتضع وقد سبق تعريف الرضاع، بأنه مص من دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه.
ومعنى قول المؤلف: «ثاب عن حمل» أي اجتمع عن حمل، وقد اشترط المؤلف هنا أن يكون اللبن قد ثاب عن حمل، فإذا رضع الطفل من امرأة بكر لم توطأ، أو رضع من امرأة موطوءة وهي غير حبلى أي فيها لبن لم يثب من حمل، فإنه لا يثبت به التحريم، هذا هو المشهور من المذهب 2.
وذهب جمهور الفقهاء 3، وهي رواية في مذهب أحمد أنه ينشر الحرمة ولو كان بغير وطء، أي لا يشترط أن يكون اللبن قد ثاب من حمل لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 4، ولأنه لبن امرأة، فتعلق به التحريم، قال ابن قدامة -رحمه الله-: وهو أصح 5. =1
.................................. =قلت: وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأولى: للرضاع المُحَّرم ثلاثة أركان: 1 - المرضع.
2 - الرضيع.
3 - اللبن.
فالمرضع يشترط فيها ما يلي: 1 - أن تكون امرأة، فلا يثبت التحريم بلبن الرجل لندرته وعدم صلاحيته غذاءً للطفل، ولا بلبن البهيمة، فلو رضع طفلان من بهيمة فلا يصيران أخوين.
2 - اشترط بعض الفقهاء أن تكون المرأة محتملة الولادة بأن تبلغ سن الحيض وهو تسع سنين، فلو ظهر لبن الصغيرة دون تسع سنين فلا يُحرَّم، بخلاف من بلغت هذه السن، لأنه وإن لم يتيقن بلوغها بالحيض فاحتمال البلوغ قائم، ولم يشترط بعض الفقهاء هذا الشرط في المرضع فيحُرم عندهم أيضاً لبن الصغيرة التي لا تحتمل الوطء.
أما اللبن والمرضع فسيأتي ما يشترط فيهما لكي تحصل بهما الحرمة والمحرمية إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثانية: الحرمة تنتشر على المرتضع وفروعه فقط
، أما أصوله وحواشيه، وإخوانه، وأخواته فلا علاقة لهم في التحريم.1
فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ يَحْرُمُ عَلى ابْنِهِمَا مِنَ النَّسَبِ (1)، وَإِنْ أَرْضَعَتْ طِفْلَةً، صَارَتْ بِنْتًا لَهُمَا تَحْرُمُ عَلى كُلِّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُمَا مِنَ النَّسَبِ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (2)، - الفائدة الثالثة: قد يكون الرضيع له أب من الرضاع وليس له أم من الرضاع، وقد يكون له أم وليس له أب من الرضاع: وصورتها امرأة أرضعت طفلاً رضعتين فقط ثم أرضعته المرأة الثانية للرجل ثلاث رضعات فهذا له أب من الرضاع وليس له أم، وكذا لو تزوجت امرأة رجلين فأرضعت طفلاً من لبن زوجها الأول رضعتين ثم طلقت وتزوجت آخر ثم أرضعت نفس الطفل ثلاث رضعات من لبن الزوج الثاني فهذه أم للرضيع بلا أب له.
(1)
قوله «فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ يَحْرُمُ عَلى ابْنِهِمَا مِنَ النَّسَبِ»:
أي فهذا المرتضع يكون ابناً لمن أرضعته فيحرم على المرتضع ما يحرم على ابنها من النسب فيحرم عليه أمه من الرضاع وبنته من الرضاع وأخته من الرضاع وعمته من الرضاع، وخالته من الرضاع وبنت أخته من الرضاع وبنت أخيه من الرضاع وهكذا.
(2)
قوله «وَإِنْ أَرْضَعَتْ طِفْلَةً، صَارَتْ بِنْتًا لَهُمَا تَحْرُمُ عَلى كُلِّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُمَا مِنَ النَّسَبِ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»
..................................
=للمرضعة، وكذا لصاحب اللبن فتحرم عليه وعلى فروعه، فلا يجوز للبنت المرتضعة أن تتزوج صاحب اللبن وهو أبوها ولا أصوله كذلك يعني أبا أبيها ولا أبا أبي أبيها، وكذلك لا يجوز لها أن تنكح فروعه وهم أبناؤه لأنها صارت أختاً لهم من الرضاعة بالرضاع، ولا يجوز لها كذلك أن تنكح حواشي أبيها وهم أعمامه وأخواله وإخوانه.
فالحاصل أن البنت المرتضعة لا يجوز لها أن تنكح أصول الأب المرضع أو فروعه أو حواشيه، وكذا ليس لها أن تنكح فروع أمها ولا أصول أمها ولا حواشي أمها.
فائدة: هل يحرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة؟
بمعنى هل تحرم عليك أم زوجتك من الرضاعة، أو زوجة ابنك، أو زوجة أبيك، أو ابنة زوجك من الرضاع؟ نقول اختلف في هذه المسألة الفقهاء:
فذهب جمهورهم، وهو قول الأئمة الأربعة 1، إلى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة.
وذهب شيخ الإسلام 2، وبه قال شيخنا 3 أن التحريم بالرضاع لا يحرم بالمصاهرة، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 4، =