وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 5-44

(1)  (1)

قوله «كِتابُ النِّكاحِ»:

النكاح في اللغة: يطلق على العقد ويطلق على الجماع، يقال: نكح فلان فلانة؛ أي عقد عليها، ويقال: نكح فلان زوجته؛ أي جامعها.
قال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم نكحها فقال «فرقت العرب فرقاً لطيفاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان، أو أخته، أرادوا تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا المجامعة لأن بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن العقد» (1). وفِي الاصطلاح: عقد يفيد ملك المتعة بالأنثى قصدًا، أَي يفيد حِل استمتاع الرجل من امْرأَة لم يَمنع مِنْ نكاحها مانع شَرعِي.
فوجود العقد يُحِل للزوج أن يتحدث مع زوجته، وأن يستمتع بها، ولكن لابد أن يكون على وجه مشروع، فلا يطأ في الحيض، ولا في موطن قضاء الحاجة.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: اختلف الفقهاء فِي حقِيقة النكاحِ على ثلاثة أقوال:

الأَوَّل: أَن النكاح حقِيقة فِي الوطءِ مجاز فِي العَقد.1

..................................  الثَّانِي: أَنه حقِيقة فِي العقدِ مجاز في الوطءِ.
الثَّالِثُ: أَنه حقيقة فِي كل من العقد والوطء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والنكاح في الآيات حقيقة في العقد والوطء والنهي لكل منهم» 1. ما يترتب على الاختلاف فِي حقيقة النكاح: يترتب على اختلاف الفقهاء فِي حقيقة النكاح اختلاف الحكم فِي بعض المسائِل الفقهِية فمن ذلك: 1 - أن من زنى بِامرأَةٍ حرُمت على أُصُوله وَفروعِه عند من قال بأَن النكاح حقِيقة فِي الوطءِ مجاز فِي العَقد، ومن قال بأَنه حقِيقة فِي العقدِ مجاز في الوطءِ فإِن الزنا لا يثبت المصاهرة، فلمن زنى بامرأَة أَن يتزوج بفروعِها وأصولِها، ولِأَبيه وابنهِ أَن يتزوجها؛ لِأَن النكاح حيث أُطلِقَ حُمِل على العقدِ إِلاَّ بقرينة.
2 - ومما يترتبُ على اختلاف الفقهاء فِي حقيقة النكاح أيضاً: أَن من حلف لا ينكح، ومن علّق الطلاق على النكاح فإِن الحنث ووقوع الطلاقِ بالْوطء عند من يقول إِنَّ النكاح حقيقة فيه، وبالعقد عند من يرى أَن النكاح حقيقة فيه.

..................................  - الفائدة الثانية: ذكر المؤلف كتاب النكاح عقب العبادات الأربع، أركان الدين: «الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج»: لأنه بالنسبة إليها كالبسيط إلى المركب، لأنه عبادة من وجه، معاملة من وجه.
وذكره أيضاً بعد كتاب البيوع - أي عقود المعاوضات المالية - لأن النكاح لابد فيه من مال؛ لأن فيه مهراً ونفقة وغير ذلك، لكن ليس معاوضة، ومتى وجدت المعاوضة في عقد النكاح حَرُمَ؛ ولهذا حَرُمَ عقد الشراء حينما جعل الولي المرأة بمنزلة السلعة فعاوض عليها؛ لأجل بِضعها.
ومن أوجه مناسبة ذكر كتاب النكاح بعد البيوع أن المرء إذا عبد ربه وجمع ماله فإن النكاح لا يتم في الغالب إلا بجمع المال.
فناسب تقديم كتاب البيع وتوابعه ثم بعد ذلك عقد كتاب النكاح وفروقه.
والمقصود بفروق النكاح: الطلاق، والخُلُعُ، واللعان، وغير ذلك مما سنذكره إن شاء الله قريبًا.

الفائدة الثالثة: الأصل في مشروعية النكاح

: النكاح شُرِع من عهد آدم عليه السلام، واستمرت مشروعيته، بل هو مستمر في الجنَّة هو والإيمان كما قال ذلك بعض أهل العلم، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإِجماع.
فمن أدلة الكتاب: قول اللَّه عز وجل: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ =

..................................  =النِّسَاءِ} (1)، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ.. ﴾ (2). ومن السنة: قول النبِي -صلى الله عليه وسلم-: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» (3). قال ابن قدامةَ: «أَجمع المسلمون على أَن النكاح مشروع» (4).

الفائدة الرابعة: تنطبق على النكاح الأحكام الخمسة

:

  • فهو مباح: لمن لا شهوة له كالمريض والعنين والكبير.
  • وهو سنة: لمن له شهوة ولا يخاف الزنا.
  • ومكروه: قد يكون مكروهاً لمن كان غنياً أو كبيراً لا شهوة له لأنه يفوت على المرأة الغرض الصحيح من النكاح، وكذا يكره لفقير لا شهوة له إذ لا حاجة له، ثم إنه سيتحمل أعباء قد يعجز عنها من غير حاجة.
  • واجب: على من يخاف الزنا، وكذلك يجب بالنذر.
    قال شيخ الإسلام -رحمه الله-، وإن احتاج الإنسان إلى النكاح وخاف العنت بتركه قدمه على الحج الواجب 5.
  • ومحرم: إذا كان بدار حرب إلا لضرورة فيباح لغير أسير شريطة ألا =1234

النِّكَاحُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ (1)،  =يكون من الجيش.

  • الفائدة الخامسة: ينبغي لمن يتزوج ألا يقصد قضاء الشهوة فقط بل ينوي تكثير نسل المسلمين لقوله -صلى الله عليه وسلم- «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1). كما ينوي تحصين فرجه وفرج زوجته، وغض بصره وبصرها، وبعد ذلك يأتي قضاء الشهوة.

(1)

قوله «النِّكَاحُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ»:

أي ليس من سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- فحسب بل هو مشروع في سنن الأنبياء من قبل.
دليل ذلك قول الله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ 2، فكل نبي من أنبياء الله تعالى جاء به، بل وقد تطلبه؛ وما تطلبه ذلك إلا بناءً على طبيعة البشر، وأمر الله سبحانه وتعالى ذلك.
وما جاء في قول الله تعالى: ﴿سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ 3 في ذكره سبحانه وتعالى ليحيى عليه السلام، فمعنى الحصور ليس كما فهمه البعض بالذي لا يأتي النساء، ولكن الحصور الممتنع عن ارتكاب الفواحش.
=1

وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّيْ لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ (1)،  =ثم إنه لو فرض أن يحيى حصور بأنه لا يأتي النساء فنقول بأن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا إذا خالف شرعنا.
ومما يدل على أن أيضاً على أن النكاح من سنن المرسلين ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: «جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ، وَلا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (1).

(1)

قوله «وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّيْ لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ»:

الأصل في النكاح أنه سنة، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ 2 الآية، ولم يكن واجبًا؛ لأن الله لم يكن ليوجب على العباد شيئًا ويجعله تحت إرادتهم، فقال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾، ولو كان واجبًا لما قيل ما طاب لكم فجعله تحت إرادة الإنسان.=1

..................................  =ومن الأدلة أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي»، لكن قد يكون واجباً، وقد يكون محرماً، وقد يكون مكروهاً كما مرّ سابقاً.
ومما جاء عن السلف في ذلك: عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد: «مَا يَمْنَعُكَ عَنِ النِّكَاحِ إِلاَّ عَجْزٌ أَوْ فُجُور» 1، وقال ابن مسعود: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجْلِي إِلاَّ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا، لِي فِيهِنَّ طَوْلُ النِّكَاحِ، لَتَزَوَّجْتُ مَخَافَةَ الْفِتْنَة» 2. فالحاصل أن النكاح أفضل من الإعراض عنه وذلك لما يترتب عليه من المصالح العظيمة: منها تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بمصالحها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فلا ينبغي للإنسان أن يؤخر النكاح لأجل أمور دنيوية كدراسة ونحو ذلك، خاصة أنه ربما لا يصبر على الحرام والعياذ بالله، فيجب عليه حينئذٍ أن يتزوج، وأن يُتطلب لذلك، فإن لم يستطع الزواج فقد أُمر بتخفيف ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ - يعني الزواج - أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
والوجاء تعرفه العرب بلغتها، يقولون: هو رض الخصيتين حتى لا يشتهي النساء، هكذا قال علماء اللغة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- =

لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ عَلى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ (1)،  = أشار إلى أن الصيام ربما يخفف شيئًا من جماح الشهوة كما سيأتي إن شاء الله قريباً.

(1)

قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ»

(1): قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ»، ساق المؤلف هنا الأدلة على أن النكاح أفضل من التخلي عنه لنفل العبادة لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رد على عثمان بن مظعون التبتّل.
و

معنى التبتل

: القطع والإبانة، والمراد هنا الانقطاع عن النساء للعبادة، فلما أراد عثمان بن مظعون من شدة رغبته في الإقبال على العبادة أن يتفرغ لها ويهجر ملاذَ الحياة، استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن ينقطع عن النساء ويقبل على طاعة الله تعالى فلم يأذن له، لأن ترك ملاذ الحياة والانقطاع للعبادة من الغُلو في الدين والرهبانية المذمومة، وإنما الدين الصحيح هو القيام بما لله من العبادة مع إعطاء النفس حظها من الطيبات، ولذا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لو أذن لعثمان لاتبعه كثير من المُجدّين في العبادة.

  • فائدة: قال في حاشية الصنعاني على شرح العمدة ما يلي: «أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك، فصار يشتهي ألا يتناول وللنفس في هذا مكر خفي ورياء دقيق، فإن سلمت من الرياء للخلق كانت إلى خير، ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا=1

وقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»

1،  =أصحابه من إظهار التخشع الزائد عن الحد، وتخشين الملبس، وأشياء صار العوام يستحسنونها، وصارت لأقوام كالمعاش، يجتنون من ثمراتها تقبيل اليد والتوقير، وأكثر في خلوته على غير حالته في جلوته، يتناول في خلوته الشهوات، ويعكف على اللذات، ويري الناس أنه متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظرت إلى أحواله فعنده كبر فرعون» (1) (1) قوله «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» 2: معشر الشباب: المعشر، هم الطائفة الذين يشملهم وصف.
الباءة: اشتقت للنكاح من المباءة وهى المنزل للملازمة بينهما، لأن من تزوج امرأة بَوّأها منزلاً، وهي في لغة العرب تطلق على معنيين: المعنى الأول: الجماع.
المعنى الثاني: مؤن النكاح.
قال بعض أهل العلم: إن الباءة المراد بها في الحديث هي مؤن النكاح وقالوا: لأنه لو أريد بالباءة في الحديث الجماع لما قيل من لم يستطع فعليه بالصوم؛ لأنه إذا كان لا يستطيع الجماع فكيف يصوم؟ إذ المقصود =

وَمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَهُ النَّظَرُ مِنْهَا إِلى مَا ظَهَرَ عَادَةً، كَوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا (1)،  =بالصوم هو تخفيف الشهوة؛ هكذا قال أهل العلم.
قلت: وهذا القول قول قوي، فإن الجماع يدخل على سبيل الإلزام والتبعية، لأنه حينما أُمر إذا كان عنده مؤن النكاح ولو لم يكن له شهوة لما أُمر بالزواج؛ لأنه يضر بالمتزوج بها؛ لأنه لا يعفها، فدخل الأمران في هذا الحديث.
وقوله «فعليه بالصوم»: ليدفع شهوته، ويقطع شر منيّه، كما يقطعه الوجاء.
والوِجاء: بكسر الواو، والمد: هو رض عروق الخصيتين حتى تنفضخا، فتذهب بذهابهما شهوة الجماع، وكذلك الصوم، فهو مُضعِف لشهوة الجماع، ومن هنا تكون بينهما المشابهة.

(1)

قوله «وَمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَهُ النَّظَرُ مِنْهَا إِلى مَا ظَهَرَ عَادَةً، كَوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا»:

أي من أراد أن يخطب فله أن ينظر إلى ما يظهر غالباً ممن يريد خطبتها، فيباح له أن ينظر إلى ما يدعو إلى نكاحها.
والذي يظهر عادةً في بيتها هو شعرها، ووجهها، وأول صدرها، ونحرها، ويديها إلى وسط عضدها، وأول ساقيها، هذا الذي يظهر عادة مع محارمها.
ودليل هذا: ما جاء عن أبى هريرة قال كنت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَنَظَرْتَ =

..................................  =إِلَيْهَا».قَالَ لا.
قَالَ: «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِى أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا» 1. وعن أنس بن مالك أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» 2: أي أن تدوم المودة بينكما.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ».
قَالَ فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِى إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا 3. فهذه الأحاديث تدل على أن له أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، والمصرح به عند الحنابلة 4 هو جواز النظر إلى المخطوبة.
والراجح: أنه يستحب له أن ينظر منها إلى ما يظهر منها غالباً من الوجه، واليدين، والرقبة، والشعر، والقدمين، ونحو ذلك مما يدعوه إلى نكاحها، وينظر إليها بإذن وليها أو بغيره، بعلمه أو بغير علمه، وكذلك هي بإذنها أو بغير إذنها، بعلمها أو بغير علمها وذلك لإطلاق الحديث، فلو نظر=

..................................  =إليها على غفلة منها أو من وليها فإن ذلك جائز، لكن لا يجوز له أن يفعل ذلك حتى يغلب على ظنه إجابتهم إلى نكاحها وإلا فلا يجوز له ذلك.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: لا يجوز تبادل الصور بين الخاطب والمخطوبة

: وكم حصل من الفساد العريض بين الرجل وبين مخطوبته لأجل ذلك، فربما تطمئن المرأة وترسل صورتها للخاطب ثم يحصل الاختلاف، وربما يحصل للخاطب أن ينتقم، وربما يكون ضعيف النفس، ضعيف الوازع الديني، وينشرها في وسائل الإعلام، فلا ينبغي أن يحصل هذا، فإذا أراد أن ينكحها يأتي من الأبواب الشرعية وهي النظر لمن يريد خطبتها مع حضور أحد محارمها.

  • الفائدة الثانية: يجوز للمرأة أن تتجمل للخاطب: ولكن هذا التجمل الذي تتجمل به المرأة غالباً هو ما تتجمل المرأة به غالبًا أمام محارمها وأمام نسائها مثل أن تسرح الشعر وتكتحل وتلبس أجمل ملابسها هذا هو التجمل الطبيعي، أما أن تصفر وتحمر بحيث تغرُّ الزوج فهذا لا ينبغي أن يكون، فليس المقصود بالتجمل أن تبالغ المرأة بحيث ربما يخرجها ذلك عن طبيعتها المعتادة.
    ودليل التجمل: هو ما جاء عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية «أنها كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا=

..................................  =فَتُوُفِّىَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهْىَ حَامِلٌ فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا مَا لِى أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ فَلَمَّا قَالَ لِى ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِى» (1).

الفائدة الثالثة: لا يجوز للخاطب أن يخلو بمخطوبته

: وهذا يوجد كثيراً، وقد كثرت الأسئلة عن هذا الأمر في أن الخاطب إذا خطب ربما يخلو بها، بل بعضهم يذهبون إلى المطاعم العائلية ويتعشون جميعًا أو يتغدون جميعًا، وهذا محرم فلا يجوز إلا بعقد، فإن عقد على زوجته فإن له أن يذهب بها وأن يمسَّها وغير ذلك، لكن قبل العقد لا يجوز أن يتحدث معها.
وأما ما نسمعه وتسمعونه من أنه لابد أن يكون هناك وئام وحب قبل العقد فهذا كله من ألاعيب الشيطان، ومن المدنِيَّة التي لم ننتفع منها إلا بمثل ذلك، والمدنية الحقة: أن ننتفع بالعلم وليس ثقافات الغرب.1

..................................  =دليل ذلك عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم» (1). والمرأة المخطوبة ما زالت أجنبية، لا يجوز أن يتحدث الإنسان معها ولا يجوز أن يصافحها، ولا أن يقوم بإلباس المخطوبة الشبكة، فهذا حرام؛ لأنه لم يعقد عليها بعد، فإذا نظر إليها المرة الأولى فلا يجوز له أن ينظر أكثر من هذا إذا رغب فيها ولا يجوز أن يمسها.

الفائدة الرابعة: شروط جواز النظر إلى المرأة ستة

: الأول: أن يكون بلا خلوة.
الثاني: أن يكون بلا شهوة، فإن نظر لشهوة فإنه يحرم؛ لأن المقصود بالنظر الاستعلام لا الاستمتاع.
الثالث: أن يغلب على ظنه الإجابة.
الرابع: أن ينظر إلى ما يظهر غالباً.
الخامس: أن يكون عازماً على الخطبة، أي: أن يكون نظره نتيجة لعزمه على أن يتقدم لهؤلاء بخطبة ابنتهم، أما إذا كان يريد أن يجول في النساء، فهذا لا يجوز.
السادس: - وتخاطب به المرأة - ألا تظهر متبرجة أو متطيبة، أو ما أشبه ذلك من التجميل الذي فيه نوع غرر؛ لأنه ليس المقصود أن يرغب الإنسان في جماعها حتى يقال: إنها تظهر متبرجة، فإن هذا تفعله المرأة مع زوجها =1

..................................  = حتى تدعوه إلى الجماع، ولأن في هذا فتنة، والأصل أنه حرام؛ لأنها أجنبية منه، ثم في ظهورها هكذا مفسدة عليها لأنه إن تزوجها ووجدها على غير البهاء الذي كان عهده رغب عنها، وتغيرت نظرته إليها، لا سيما وأن الشيطان يبهي من لا تحل للإنسان أكثر مما يبهي زوجته، ولهذا تجد بعض الناس - والعياذ بالله - عنده امرأة من أجمل النساء، ثم ينظر إلى امرأة قبيحة شوهاء؛ لأن الشيطان يبهيها بعينه حيث إنها لا تحل له، فإذا اجتمع أن الشيطان يبهيها، وهي - أيضاً - تتبهى وتزيد من جمالها، وتحسينها، ثم بعد الزواج يجدها على غير ما تصورها، فسوف يكون هناك عاقبة سيئة.
السابع: أن يغلب على ظنه الإجابة؛ فإن قيل: كيف يغلب على ظنه الإجابة؟ فالجواب: الله - سبحانه وتعالى - جعل الناس طبقات، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ 1. فلو تقدم أحد الكنَّاسين إلى بنت وزير، فالغالب عدم إجابته، وكذلك إنسان كبير السن زمِن، أصم، يتقدم إلى بنت شابة جميلة، فهذا يغلب على ظنه عدم الإجابة 2.

وَلا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلاَّ أَنْ لا يُسْكَنَ إِلَيْهِ (1)،  (1)

قوله «وَلا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلاَّ أَنْ لا يُسْكَنَ إِلَيْهِ»:

أي لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة أخيه، وهذا قول عامة أهل العلم، ومعنى أن يخطب على خطبة أخيه؟ أن يعلم أن فلانًا خطب بنت فلان فيأتي إلى هذا الولي فيخطب المخطوبة وقد خطبت من أخيه المسلم فلا يجوز.
والحكمة في هذا: لما يحصل من العداوة والشحناء؛ دليل ذلك حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَلا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ» 1. لكن يجوز للخاطب الثاني أن يخطب مخطوبة الخاطب الأول في أحوال: الحالة الأولى: أن يأذن الخاطب الأول، لأن هذا حق له، فإذا أذن فيه جاز له ذلك، والقاعدة في ذلك ما ترتب على المأذون فيه فلا شيء فيه وفي قولٍ أخر فلا ضمان عليه.
الحالة الثانية: أن يترك الخاطب الأول، فيقول: كنت خطبت بنت فلان أو فلانة بنت فلان والآن تركتها، فإذا ترك فلا بأس للخاطب الثاني أن يخطب.
الحالة الثالثة: يقول المؤلف: «ألا يُسكنَ إليها أو ألا يُسكنُ إليه»؛ يعني أي ما زالوا في التفاوض أو لم يقبلوا وما زالوا في طور البحث فلا حرج=

..................................  =للخاطب الثاني أن يخطب.
وهناك وجه آخر في هذه المسألة: أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب بعد وجود الخطبة من الخاطب الأول إلا أن يجيبوه ويردوا عليه بالنفي، أما إن كانوا في طور البحث فإن هذا من باب تلقي الركبان؛ وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تلقي الركبان، ونهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبة أخيه كل ذلك لحِكمٍ المقصود بها إزالة العداوة والشحناء، ومعلوم أن الخاطب الأول لو علم أن الخاطب الثاني خطب وهو يعلم أنه متقدم لخطبتها لغضب لذلك ولحصل من العداوة والبغضاء ما الله به عليم، وهذا هو الراجح.
الحالة الرابعة: أن يجهل الحال، أي أن يجهل الخاطب الثاني الحال، فإن جهل الخاطب الثاني الحال فلا حرج أن يخطب، دليله ما ثبت في أن فاطمة بنت قيس خطبها معاوية بن أَبى سفيان وأَبو جهم بن حذيفة فاستشارت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتَقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ «انْكِحِي أُسَامَةَ».
فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ 1، وهذا يدل على أنه لا بأس للخاطب أن يخطب إذا كان يجهل حال وفعل الخاطب الأول.

وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ (1)،  (1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»:

الخِطبة بكسر الخاء مصدر خطب، يقال: خطب المرأَة خِطبةً وخَطبًا، واختطبها، إِذَا طَلَبَ أَنْ يتزوجها، واختطب القوم فلانًا إِذا دعوه إِلى تزويج صاحبتهم.
الفرق بين «الخِطبة»، و «الخُطبة»: أن الخُطبة: هي الكلمة التي يخطب بها الخطيب، مثل خُطبة الجمعة.
والخِطبة: بكسر الخاء هي طلب التزوج من المرأة، قال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (1). وقوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»: التصريح معناه أن يقول ما لا يحتمل غير النكاح، مثل أن يقول: «أريد أن أتزوجك»، «أريد أن أنكحك»، «أريد أن أخطبك»، أو «زوجيني نفسك»، أو يقول للولي: «زوِّجني ابنتك»، أو ما أشبه ذلك، فهذا التصريح، وغير التصريح وهو الذي يسمى التعريض فسيأتي في كلام المؤلف بيانه.

وقول المؤلف: «لا يجوز التصريح في المعتدة»: يعني التي في عدة الغير، و

المعتدة تنقسم إلى قسمين: معتدة بائن، ومعتدة غير بائن

. أما المعتدة غير البائن: فهي المطلقة طلاقاً رجعياً، أي التي طلقها زوجها طلقتين وهي ما زالت في العدة، فلا يجوز في المعتدة الرجعية التعريض ولا التصريح بخطبتها لأنها ما زالت ذات زوج، فلا يجوز لأحدٍ أيًّا كان أن يتقدم لخطبتها.1

وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ (1)،  =أما المطلقة البائن: والمقصود المطلقة البائن التي لا تستطيع الرجوع إلى زوجها، وهي المتوفى عنها زوجها وهي في العدة، والتي طلقها زوجها ثلاث تطليقات، والتي فسخت من زوجها لأجل رضاع، إذا تزوجت أخاها من الرضاع ففسخ، وكذلك من لعان فيما لو لاعنت المرأة الزوج لا بأس أن تخطب تعريضًا إذا كان في عدة فسخ اللعان.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
فقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (1) مفهومه عليكم جناح إذا صرَّحتم.

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ»:

أي يحرم التصريح دون التعريض فيباح في المرأة التي فارقها زوجها في الحياة فراقاً بائناً لا يستطيع الرجوع إليها، وهي إما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات؛ أو مطلقة على عوض، أو مفسوخة فسخاً لا طلاقاً، كأن تكون وجدت في زوجها عيباً ففسخت النكاح، أو وجد هو بها عيباً ففسخ النكاح كما سبق، فهذه هي البائن التي بانت من زوجها فلا رجعة له عليها، فلا يجوز أن يخطبها صريحاً، والدليل قوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ=1

..................................  =بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} (1)، فمنطوق الآية نفي الجناح بالتعريض، ومفهومها ثبوت الجناح في التصريح، والتعريض مثل أن يبدي لها الرغبة بالخطبة، مثل أن يقول لها: «والله إن امرأة مثلك غنيمة»، أو: «إذا انقضت العدة فأخبريني»، أو: «لا تفوتيني نفسك»، أو: «إني في مثلك لراغب»، أو: «أم العيال كبرت وأنا محتاج لزوجة»، أو ما أشبه ذلك، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس وهي في عدة زوجها الذي طلقها ثلاث تطليقات فبت طلاقها، قال: لا تفوتينا بنفسك، هذا يدل على أن التعريض غير التصريح.

فائدة: خطبة المعتدة لها ثلاث حالات

:

الأولى: تحرم تصريحاً وتعريضاً.

الثانية: تجوز تصريحاً وتعريضاً.

الثالثة: تجوز تعريضاً لا تصريحاً.

تحرم تصريحاً وتعريضاً خطبة الرجعية من غير زوجها؛ لأنها زوجة، ولا يجوز لأحد أن يخطب زوجة غيره لا تصريحاً ولا تعريضاً، ومثلها المبانة بثلاث من زوجها.
وتباح الخطبة تصريحاً وتعريضاً لزوج أبان زوجته بغير الثلاث، بطلاق على عوض، أو فسخ.
ويحرم التصريح دون التعريض في خطبة المبانة من غير الزوج، والمعتدة=1

وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ (1)،  =من الوفاة.
وهل يجوز التصريح أو التعريض في خطبة المحرمة بحج أو عمرة؟ نقول: لا يجوز ذلك؛ لأنه لا يجوز عقد النكاح عليها.
إذاً القاعدة: «كل من لا يجوز العقد عليها فإنه تحرم خطبتها تصريحاً»، أما تعريضاً ففيه تفصيل (1).

(1)

قوله «وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ»:

شرع المؤلف في بيان أركان عقد النكاح، ولم يذكر من أركان النكاح إلا ركنًا واحدًا بقسميه وهما «الإيجاب والقبول»، وهما ركن واحد يسمى عند الفقهاء بالصيغة؛ والمؤلف لم يذكر إلا هذا الركن، ولم يذكر الركن الآخر وهما الزوجان الخاليان من الموانع كما ذكرهما غيره من الفقهاء؛ والمؤلف إنما ترك ذلك لوضوحه وظهوره لأنه لا يمكن أن يقول شخص تزوجت من غير زوج وزوجة، وقوله «إلا بإيجاب»: الإيجاب: هو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه.
فيقول - ولي المرأة -، كالأب، والأخ، وما أشبه ذلك: «زَوَّجْتك ابنتي»، «زوجتك أختي»، وسمي إيجاباً لأنه أوجب به العقد.
والقبول: هو اللفظ الصادر من الزوج، أو من يقوم مقامه، والذي يقوم=1

فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ (1)،  =مقام الولي هو الوكيل، وهو الذي أذن له بالتصرف في حال الحياة، أو هو من يؤذن له بإبرام العقد سواء كان قبولا أو إيجابًا، مثل أن يقول: «وكلتك أن تزوج بنتي».

  • فائدة: يقول بعض الفقهاء لابد أن يتقدم الإيجاب على القبول: فإن تأخر فإنه لا يصح، والطريق إلى تصحيحه أن يعاد القبول بعد الإيجاب؛ لأن القبول المتقدم وقع في غير محله، فإذا جاء الإيجاب وأردفناه بالقبول صح، والقول الراجح: أنه إذا تقدم القبول على وجه يحصل به فإنه يصح.

(1)

قوله «فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ»:

هذه هي الألفاظ التي ينعقد بها النكاح.
اللفظ الأول: «أَنْكَحْتُكَ»، والثاني: «زوجتك».
فلو قال في الإيجاب: «ملكتك»، أو «خذ بنيتي»، أو «أعطيتك ابنتي»، أو غير ذلك من الألفاظ غير لفظي النكاح والتزويج فإنه لايصح النكاح.
وكذلك القبول: يجوز أن يقول: «قبلت»، أو يقول: «قبلت هذا النكاح»، أو «قبلت هذا الزواج»، ولكنه لو قال: «قبلت هذا العطاء»، فإنه لا يصح، وهذا هو مذهب الحنابلة 1، ومذهب الشافعية 2، قالوا لأن ما سواهما لا يأتي على معنى النكاح فلا ينعقد به.
=

..................................  =ويستدلون أيضاً بأن لفظ الإنكاح والتزويج هما اللفظان الواردان في القرآن، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ 2، أما لفظ التزويج فقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ 3، هذا هو القول الأول.
القول الثاني في المسألة: أنه يجوز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية 4، والمالكية 5، وأحمد 6 في المنصوص عنه، بل قال أبو العباس بن تيمية 7: «لا أعلم نصًا لأحمد إلا بمثل هذا».
استدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، فلو قال الشخص: «وهبتك سيارتي بمائة ألف» صار بيعًا وليس هبة، فالعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني.

..................................  الدليل الثاني: أنه ورد في السنة ما يدل على عدم تخصيص هذين اللفظين، كما ثبت عند البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَأَىهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» 1. فدل ذلك أن الزواج يجوز بغير لفظي النكاح والتزويج، وهو التمليك.
الدليل الثالث: ولأن تلك العقود كالنكاح وغيرها ليست ألفاظها =

..................................  = تعبدية لا يجوز إلا بها، ولو كانت تعبدية لورد الشرع باختصاصها وخصوصها، فلما لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء من ذلك فالمرجع في ذلك إلى اللغة والعرف.
وكل ما أتى في الشرع من غير تحديد، فالعرف واللغة هما اللذان يحددانه، وقد دلّ على أن العرب والعجم يتزوجون «سواءً كانوا أعاجم أو عرب» على سنة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويصح العقد.
ولو كان المقصود اللفظ لبينه الشارع بيانًا شاملاً، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ فالقاعدة أن جميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفاً، سواء كانت باللفظ الوارد أو بغير اللفظ الوارد.
وسواء كان ذلك في النكاح أو في غير النكاح، هذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 1 كما سبق واختيار شيخنا -رحمه الله- 2. ولكن لابد أن تكون دلالة اللفظ العرفي دالة على المعنى الشرعي للنكاح، فلو قال: «آجرتك بنتي بألف ريال» فلا يصح؛ لأن الأجرة لا تستعمل في النكاح إطلاقاً، لكن لو قال: «أجرتك بنتي على صداق قدره ألف ريال» هنا يصح العقد؛ لأن فيه ما يدل على أن المراد بالأجرة هنا النكاح، وقد سمى الله تعالى المهر أجرة فقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 3.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بِخِطْبَةِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ - رضي الله عنه - الَّتِيْ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- التَّشَهُّدَ فِيْ الْحَاجَةِ: إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلاثَ آيَاتٍ (1) ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (آل عمران: 102)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ (النساء: 1)، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (الأحزاب: 7071} (1)،  (1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بِخِطْبَةِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ -رضي الله عنه- الَّتِيْ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- التَّشَهُّدَ فِيْ الْحَاجَةِ: إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا............. »: هذه هي خطبة الحاجة التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمها أصحابه كما يعلمهم التشهد في الصلاة، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفتتح خُطَبه بها، وكان السلف الصالح يقدمونها بين يدي دروسهم، وكتبهم، ومختلف شئونهم تأسيًّا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وهذه الخطبة يرويها أهل العلم غالباً في كتاب النكاح لتأكيد سنيتها في خطبة النكاح.
وهذه الخطبة على وجازة ألفاظها وقلة كلماتها فقد تضمنت معاني عظيمة، وكلمات جامعة فيها إظهار للعبودية والافتقار إلى الله عز وجل عند التأمل الدقيق فيها، ولها تأثيرها البالغ على النفوس إيماناً ومحبةً ورجاءً.

وَيُسْتَحَبُّ إِعْلانُ النِّكَاحِ (1)،  - فائدة: من المستحبات التي ذكرها بعض أهل العلم أنه يستحب أن يكون العقد مساء يوم الجمعة، لأن فيه دعوة مستجابة، فعن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: «فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ» (1)، قالوا فيستحب أن يعقد بعد صلاة العصر مساء يوم الجمعة كي يوافق هذه الدعوة.
والصواب أن يقال: إن تخصيص يوم الجمعة جائز ولكنه ليس بمستحب، ولا يوصف بأنه بدعة كما يقول البعض لأن كل فعل فعله الصحابة رضي الله عنهم فلا يوصف بالبدعية، بل هو دليل على الجواز، أما الاستحباب فلابد فيه من دليل.
وقد جاء في بعض الروايات من حديث أبي أمامة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ، وَصَامَ يَوْمَهُ، وَعَادَ مَرِيضًا، وَشَهِدَ جَنَازَةً، وَشَهِدَ نِكَاحًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (2)؛ ولكن هذا الحديث ضعيف فيه محمد بن حفص وهو ضعيف كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم.

(1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ إِعْلانُ النِّكَاحِ»:

ذهب عامة أهل العلم إلى أنه يستحب إعلان النكاح وإشاعته بين الناس، ومعنى إعلان النكاح هو إظهاره وإشهاره، إما بالأفراح وإما بالذكر والإعلان، بأن يقال: «فلان بن فلان=12

وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ لِلنِّسَاءِ (1)،  =تزوج فلانة بنت فلان»، أو يكون هناك فرح ويعزم الناس ويجتمعون، فهذا نوع من الإعلان.
ودليل إعلان النكاح والضرب عليه بالدف ما جاء عن محمد بن حاطب الجمحي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «فَصْلٌ مَا بَيْنَ الْحَلالِ، وَالْحَرَامِ الدُّفُّ، وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ» (1). قال المناوي في فيض القدير في شرحه لهذا الحديث: «أعلنوا النكاح: أي أظهروه إظهاراً للسرور، وفرقاً بينه وبين غيره من المآدب، وهذا نهي عن نكاح السِّرِ ثم ذكر الخلاف في كيفيته...، إلى أن قال: والأقرب إلى ظاهر الخبر أن المراد بالإعلان إذاعته وإشاعته بين الناس وأن الأمر للندب» (2).

(1)

وقوله «وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ لِلنِّسَاءِ»:

الدَّف: بالفتح وبالضم، أي ويستحب كذلك الضرب بالدف للأحاديث التي وردت بشأنه، وما ذكره المؤلف يشتمل على أمرين: أولاً: أن الذي يسنُّ الضرب به هو الدُّف، وهو غير الطبل والطار، فالدف يجعل الرق والجلد على وجه واحد منه، وأما الطبل والطار فيكون فيه الرَّق من الوجهين جميعاً، ولهذا اشترط الفقهاء في الدف أن لا يكون فيه حلق ولا صنوج، وأخرجوا من ذلك الطبول، فقالوا: لا تسن في النكاح.12

..................................  ثانياً: قوله «للنساء» أنه للنساء خاصة دون الرجال، وفي رواية في المذهب التسوية.
قال في الفروع: «وظاهر نصوصه وكلام الأصحاب التسوية» 1، أي أنه لا فرق بين النساء والرجال، وأن الدف فيه للرجال كما هو للنساء؛ ولما فيه من الإعلان، وإن كان الغالب أن الذي يفعل ذلك النساء، والذين قالوا بتخصيصه بالنساء وكرهوه للرجال، يقولون: لأن ضرب الرجال بالدف تشبه بالنساء، لأنه من خصائص النساء.
قال شيخنا: «المسألة راجعة للعرف، فإذا كان العرف أنه لا يضرب بالدف إلا النساء، فحينئذٍ نقول: إما أن يكره، أو يحرم تشبه الرجال بهن، وإذا جرت العادة بأنه يُضرب بالدف من قبل الرجال والنساء فلا كراهة؛ لأن المقصود الإعلان، وإعلان النكاح بدف الرجال أبلغ من إعلانه بدف النساء؛ لأن النساء إذا دففن فإنما يدففن في موضع مغلق، حتى لا تظهر أصواتهن، والرجال يدفون في موضع واضح بارز، فهو أبلغ في الإعلان، وهذا ظاهر نص الإمام أحمد -رحمه الله- وكلامِ الأصحاب حتى «المنتهى» الذي هو عمدة المتأخرين في مذهب الإمام أحمد، ظاهره العموم وأنه لا فرق بين الرجال والنساء في مسألة الدف 2.

..................................

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بما سبق

:

- الفائدة الأُولى: اشتراط الفحص الطبي قبل الزواج: للتأكد من خلو الزوجين من الأمراض المعدية،

جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي بشأن هذه القضية ما يلي 1: «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من: 19 - 23/ 10/1424 هـ الذي يوافقه: 13 - 17/ 12/2003 م، قد نظر في موضوع: «أمراض الدم الوراثية»، ومدى مشروعية الإلزام بالفحوص الطبية للراغبين في الزواج، واستمع إلى البحوث المقدمة في الموضوع من بعض أعضاء المجلس والمختصين، وبعد العرض والمناقشة المستفيضة من قبل أعضاء المجلس والباحثين والمختصين، اتخذ المجلس القرار التالي: أولاً: إن عقد النكاح من العقود التي تولى الشارع الحكيم وضع شروطها، ورتب عليها آثارها الشرعية، وفتحُ الباب للزيادة على ما جاء به الشرع كالإلزام بالفحوص الطبية قبل الزواج وربط توثيق العقد بها أمر غير جائز.
ثانياً: يوصي المجلس الحكومات والمؤسسات الإسلامية بنشر الوعي بأهمية الفحوص الطبية قبل الزواج، والتشجيع على إجرائها، وتيسير تلك =

..................................  =تلك الفحوصات للراغبين فيها، وجعلها سرية لا تفشى إلا لأصحابها المباشرين».

  • الفائدة الثانية: من قام بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج: للتأكد من الإنجاب كما يحصل من بعض الأفراد ثم تبين له من الفحوصات أنه لا يمكنه الإنجاب نقول لهذا الشخص: أولاً: ينبغي له أن يتزوج ما دام قادراً على المهر والنفقات، وقضاء وطره من الزوجة؛ عملا بالسنة وإعفافاً لفرجه، والتعاون على شؤون الحياة، وتحقيقاً للروابط بينه وبين من يصاهرهم، إلى غير ذلك من حكم مشروعية النكاح.
    ثانياً: قد يكون ما بُني على الكشف الطبي والتحليل من الحكم بعدم الإنجاب خطأ، وعلى تقدير أنه صواب فقد تكون الموانع من الإنجاب لعلل تزول بالعلاج ونحوه من الأسباب الكونية، وقد تزول بمحض قضاءً وقدراً وليس ذلك على الله بعزيز، فقد أصلح الله تعالى زوجة زكريا فأنجبت له يحيى عليهما الصلاة والسلام، استجابة لدعائه وإكراماً له، وقد أنجبت سارة إسحاق لإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، مع كبر سنهما وطول الأمد على امرأته عقيما.
    ثالثاً: على المسلم أن يأخذ بالأسباب الكونية المادية، وبالأسباب المعنوية، كالدعاء واللجوء إلى الله، ولا ييأس من روح الله، فإنه لا ييأس من=

..................................  =روح الله إلا القوم الكافرون، وعليه أن يخبرهم بالواقع قبل العقد؛ لأن هذا عيب ظهر له بالفحص.

  • الفائدة الثالثة: في حكم إجراء عقد النكاح عن طريق وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت، والهاتف، وصفحات المجلات، وغير ذلك: وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم المعاصرون: وقد اعتنت الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج والأعراض أكثر من غيرها من عقود المعاملات، ولذلك يرى بعض الفقهاء عدم الاعتماد في عقود النكاح في القبول والإيجاب على المحادثات الهاتفية والإنترنت وغير ذلك تحقيقاً لمقاصد الشريعة ومزيداً من العناية في حفظ الفروج والأعراض، فعقد الزواج يعتبر من أخطر العقود التي يتعامل بها الإنسان في حياته، وقد سماه الله تعالى ميثاقاً غليظاً، ويترتب عليه مصير الزوجين وأبنائهما من بعد، ولابد في عقد النكاح من توافر أركانه وشروطه التي سبق بيانها.
    وإذا كان لا يجزيء في عقد النكاح مجرد التوقيع على العقد المكتوب حيث يلزم تلفظ الولي بالإيجاب والزوج بالقبول وإلا اعتبر العقد باطلاً بمعنى أن عقد النكاح لا يتم إلا بالإيجاب: وهو اللفظ الصادر من ولي المرأة بقوله «أنكحتك»، أو «زوجتك»، وبالقبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج، وهو قوله: «قبلت هذا النكاح»، كما مرّ بنا فإنه يلزم لصحة عقد الزواج وجود الزوجين في مجلس العقد مع الشاهدين، وذلك =

..................................  =للتأكد من شخصية الزوجين وسماع الصيغة، وذلك لا يتوفر في إجراء العقد عن طريق الأجهزة الحديثة كالإنترنت لعدم التحقق من طرفي العقد الزوجين الحقيقيين، فضلاً عن كون الشاهدين غير مطلعين على حقيقة القبول والإيجاب، وصدوره من الزوجين أو من غيرهما، وهذا يؤدي للغش والتغرير خاصة بالمرأة.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما يلي: «نظراً إلى ما كثر في هذه الأيام من التغرير والخداع، والمهارة في تقليد بعض الناس بعضاً في الكلام، وإحكام محاكاة غيرهم في الأصوات حتى إن أحدهم يقوى على أن يمثل جماعة من الذكور والإناث صغاراً وكباراً، ويحاكيهم في أصواتهم وفي لغاتهم المختلفة محاكاة تلقي في نفس السامع أن المتكلمين أشخاص، وما هو إلا شخص واحد، ونظراً إلى عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج والأعراض، والاحتياط لذلك أكثر من الاحتياط لغيرها من عقود المعاملات - رأت اللجنة أنه ينبغي ألا يعتمد في عقود النكاح في الإيجاب والقبول والتوكيل على المحادثات التليفونية، تحقيقاً لمقاصد الشريعة ومزيد عناية في حفظ الفروج والأعراض حتى لا يعبث أهل الأهواء ومن تحدثهم أنفسهم بالغش والخداع» 1. قلت: ويمكن لهذا الشخص إذا اضطر على ذلك إجراء النكاح عن طريق التوكيل، فيوكل الزوج أو الولي من يعقد له أمام الشاهدين.

بابُ وِلايَةِ النِّكاحِ

(1) لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ (2)  (1)

قوله «بابُ وِلايَةِ النِّكاحِ»:

بعد ما انتهى من أركان النكاح شرع في شروط النكاح، وأول شرط ذكره المؤلف هو: الولي، وسيأتي تعريفه إن شاء الله.
والوِلاية في النِّكاح: عرفها بعض أهل العلم بأنها سلطة شرعيّة، لعصبة نسب، أومن يقوم مقامهم، يتوقَّف عليها تزويج من لم يكن أهلاً لعقده.
(2)

قوله «لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ»:

تعددت أقوال الفقهاء في تعريف الولي، فمن ذلك ما قاله الشوكاني «الوليُّ هو الأقرب من العصبة من النسب، ثم من السبب، ثم من عصبته، وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام من الأولياء، فإذا لم يكن ثمّ ولي أو كان موجوداً وعضل انتقل الأمر إلى السلطان» 1. وقال في الإقناع: «أولى النّاس بإنكاح المرأة أبوها، ثم أبوه أي جدها لأبيها، ثم أخوها، ثم بنوه، ثم الأقرب فالأقرب من عصبتها، ثم معتقها، ثم عصبته، ثم السلطان فهو ولي من لا ولي لها» 2. وقال ابن حزم: «ولا يحلُّ للمرأة نكاحٌ، ثيباً كانت أو بكراً إلا بإذن وليها: الأب، أو الإخوة، أو الجدّ، أو الأعمام، أو بني الأعمام، وإن=

..................................  =بعدوا، والأقرب فالأقرب أولى، وليس ولد المرأة ولياً لها... » 1. من خلال تعريفنا السابق للولاية وما ذكره الفقهاء آنفاً يمكننا أن نقول بأن الولي: هو من ولاه الشارع أمر تزويج من لا يجوز أن يزوج نفسه بنفسه كالمرأة والصغير، وقد اتفق الفقهاء جميعاً على مشروعيته إلا أنهم قد اختلفوا في حكم اشتراط الولي على قولين: القول الأول: ذهب إليه جمهورُ أهلِ العلم 2 سلفاً وخلفاً إلى اشتراط الولي في النكاح، وقالوا لا يصحُّ النكاحُ إلا بولي، واستدلوا بما يلي: أولاً: من القرآن الكريم: 1 - قوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا.... ﴾ 3، وجه الدلالة من الآية أنّه تعالى خاطب بالنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء فكأنه قال لا تُنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين، «وأنكح» فعل متعدٍ يتعدى إلى الغير، والخطاب للأولياء فدل هذا على أن النكاح راجع إليهم، ولذلك خوطبوا به، فيكون هذا دليلاً على أن المرأة لا يمكن أن تزوج نفسها، بل لابد من أن ينكحها غيرها.
قال القرطبي: «وفي هذه الآية دليل بالنصّ على أنه لا نكاح إلا بولي» 4.

..................................  2 - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْن أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 1. وجه الدلالة من الآية: قولُه خطاباً للأولياء: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وهذا الإسناد في الخطاب للأولياء دالٌّ على أنّ الأمر موكلٌ إليهم في التزويج لا إلى مولياتهم، فلو لم يكن الولي شرطاً لكان عضله لا أثر له.
قلت: ولهذه الآية سبب نزول أخرجه الشيخان، وهذا لفظ البخاري قال: عن الحسن قال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قال: «حدثني معقل بن يسار أنّها نزلت فيه قال: زوّجتُ أُختاً لي من رجل فطلّقها، حتى إذا انقضت عدتُها جاء يخطُبها، فقلتُ له: زوّجتُك وأفرشتُك وأكرمتُك فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأةُ تريدُ أن ترجع إليه فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقلتُ: الآن أفعلُ يا رسول الله قال: فزوّجها إياه» 2. قال الحافظ ابن حجر: «وهي أصرحُ دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تُزوّج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمرُه إليه لا يُقالُ: إنّ غيرَه منعه منه 3. وقال القرطبيُ: ففي الآية دليلُ على أنّه لا يجوزُ النكاحُ بغير ولي لأنّ=

..................................  =أُختَ معقل كانت ثيباً، ولو كان الأمرُ إليها دون وليها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل، فالخطاب إذاً في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، وأنّ الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن 1. 3 - قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ.. ﴾ 2. قال ابن سعدي: «يأمرُ تعالى الأولياء والأسياد بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم من لا أزواج لهم من رجال ونساء، ثيباتٍ وأبكاراً» 3. وقال ابن حزم: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 4، وهذا خطاب للأولياء لا للنساء 5. 4 - قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ 6، قال القرطبي: «وممّا يدل على هذا أيضاً من الكتاب أي اشتراط الولي قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾، فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال ولو كان إلى النساء لذكرهن» 7.

..................................  الأدلة من السنة: 1 - ما ذكره المؤلف وهو حديث أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نكاح إلا بولي» 1، «لا» نافية للجنس، والنفي هنا للصحة أي: لا نكاح صحيح إلا بولي وليس على الوجود؛ لأنه قد تتزوج امرأة بدون ولي.
فلو قال قائل: لِمَ لا نقول لا نكاح كامل إلا بولي، وحمل النفي على نفي الكمال لا على نفي الصحة.
قلنا هذا غير صحيح؛ لأنه متى أمكن حمله على نفي الصحة كان هو الواجب؛ لأنه ظاهر اللفظ، ونحن لا نرجع إلى تفسير النفي بنفي الكمال، إلا إذا دل دليل على الصحة، ولأن الأصل في النفي انتفاء الحقيقة واقعاً أو شرعاً، والقاعدة في ذلك أن النفي يحمل على نفي الوجود، فإن تعذر فنفي الصحة، فإن تعذر فنفي الكمال.
2 - عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا الْوَلِيُّ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ» 2.

..................................  =أما الآثار الواردة عن الصحابة فمن ذلك ما جاء عن ابن جريج قال: «كانت عائشة إذا أرادت نكاح امرأة من نسائها، دعت رهطاً من أهلها، فتشهدت، حتى إذا لم يبق إلا النكاح قالت: «يا فلان! أنكح فإن النساء لا يُنْكِحن» 1. وعن عائشة قالت: «كان الفتى من بني أختها إذا هويَ الفتاة من بني أخيها، ضربت بينهما ستراً وتكلمت، فإذا لم يبق إلا النكاح قالت: يافلان! أنكح، فإن النساء لا ينكحن» 2. القول الثاني: قولُ الحنفية 3 فقد ذهبوا إلى أنه لا يُشترط الولي أصلاً، ويجوز أن تُزوِّج المرأةُ نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤاً، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي التي ذكرناها آنفاً على الصغيرة، أما الْبالغة العاقلة فيجوزُ مباشرة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقًا - أَي من كفءٍ، أَو من غير كفءٍ - إِلا أَنه خلاف المستحب.
قلت: ولهم أدلة أخرى يحتجون بها.
والراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من كون الولي شرطاً لصحة عقد النكاح.

..................................  =قال الإمام الترمذي: «والعملُ في هذا الباب على حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا نكاح إلا بولي» عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ منهم عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم.
وهكذا رُوي عن بعض فقهاء التابعين أنهم يقولون: «لا نكاح إلا بولي» منهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشُريح, وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم» (1). قلت: وهذا أيضاً هو قول شيخنا (2)، وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة (3).

فائدة: في الشروط المعتبرة في الولي

: 1 - كمال الأهلية: ولا يكون ذلك إلا بالبلوغ والعقل والحرية، فلا ولاية للصبي، والمجنون، والمعتوه «ضعيف العقل»، والسكران، وكذا مختل النظر بهرَم «وهو كبر السن»، أو خبَل «وهو فساد في العقل»، والرقيق، لأنه لا ولاية لأحد من هؤلاء على نفسه، لقصور إدراكه وعجزه في غير الرقيق فلا تكون له ولاية على غيره؛ لأن الولاية تتطلب كمال الحال.
وأما الرقيق فلأنه مشغول بخدمة مولاه، فلا يتفرغ للنظر في شؤون غيره.12

جارٍ التحميل