وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 45-84

..................................  2 - اتفاق دين الولي والمولى عليه: فلا ولاية لغير المسلم على المسلم، ولا للمسلم على غير المسلم، أي فلابد أن يكون دين الولي والمرأة واحداً، سواء كان دين الإسلام أو غير دين الإسلام؛ وذلك لانقطاع الولاية بين المختلفين في الدين، ويدل على انقطاع الولاية أنه لا يتوارث أهل ملتين، فإذا انقطعت الصلة بالتوارث، فانقطاعها بالولاية من باب أولى، فعلى هذا يزوج النصراني ابنته النصرانية، وكذلك يزوج اليهودي ابنته اليهودية، وعلى هذا فقس.

  • فائدة: وهل يزوج المسلم ابنته النصرانية؟ على خلاف بين الفقهاء: والراجح عندي أنه إذا كان الولي أعلى من المرأة في دينه فلا بأس أن يزوجها؛ فمن كان أقرب إلى الأمانة فهو أولى، فإذا كانت امرأة نصرانية، لها عم نصراني، وأخ نصراني، وأب مسلم، فعلى القول الراجح عندي أن الولي هو أبوها المسلم، ولذا كان الأب أولى من غيره في الولاية للنكاح لأنه أشد الناس نظراً لمصلحة المرأة، وإذا كنا نشترط في الولي المسلم العدالة، وهي أخص من الإسلام فاشتراط الإسلام أولى.
    3 - الذكورية: اشترط جمهور الفقهاء 1 أن يكون الولي ذكراً، فلا تثبت ولاية الزواج للأنثى؛ لأن المرأة لا يثبت لها ولاية على نفسها، فعلى غيرها أولى.
    =

..................................  =وقال الحنفية 1: ليست الذكورة شرطاً في ثبوت الولاية، فللمرأة البالغة العاقلة ولاية التزويج بالنيابة عن الغير، بطريق الولاية أو الوكالة.
4 - العدالة: وهي استقامة الدين، بأداء الواجبات الدينية، والامتناع عن الكبائر: كالزنا، والخمر، وعقوق الوالدين، ونحوها، وعدم الإصرار على الصغائر، وقد اختلف الفقهاء في اشتراط العدالة في الولي: فعند الشافعية 2 على المذهب، وعند الحنابلة 3 أنها شرط في الولي، فلا ولاية لغير العدل وهو الفاسق، ولأنها ولاية تحتاج إلى النظر وتقدير المصلحة، فلا يستبد بها الفاسق كولاية المال، ويكفي العدالة الظاهرة، فيكفي مستور الحال؛ لأن اشتراط العدالة ظاهراً وباطناً فيه حرج ومشقة ويفضي إلى بطلان غالب الأنكحة.
ويستثنى من هذا الشرط: السلطان، يزوج من لا ولي لها، فلا تشترط عدالته للحاجة، والسيد يزوج أمته، فلا تشترط عدالته؛ لأنه تصرف في أمته، كإيجارها ونحوه.
وذهب الحنفية 4، والمالكية 5 إلى أن العدالة ليست شرطاً في ثبوت الولاية، فللولي عدلاً كان أو فاسقاً تزويج ابنته أو ابنة أخيه مثلاً؛ لأن=

..................................  =فسقه لا يمنع وجود الشفقة لديه ورعاية المصلحة لقريبه، ولأن حق الولاية عام، ولم ينقل أن ولياً في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده منع من التزويج بسبب فسقه.
قلت: الصواب في هذه المسألة: ما اختاره شيخنا 1 -رحمه الله- أنه لا بد أن يكون الولي مؤتمناً على موليته، هذا أهم الشروط؛ وذلك لأنه يتصرف لمصلحة غيره، فاعتبر تحقيق المصلحة في حق ذلك الغير، أما عدالته ودينه فهذا إليه هو، وكثير من الآباء تجده فاسقاً من أفسق عباد الله، يشرب الخمر، ويزني، ويحلق لحيته، ويشرب الدخان، ويُعامل بالغش، ويغتاب الناس، وينم بين الناس، لكن بالنسبة لمصلحة بنته لا يمكن أن يفرط فيها أبداً.
5 - الرشد: وهو من أهم الشروط التي يجب توافرها في الولي.
والرشد في اللغَة: الصلاح، وإصابة الصواب، والاستقامة على طريق الحق، مع تصلب فيه، وهو خلاف الغي والضلال، ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن المعنى اللغوي.
فهو في العقد بأن يكون بصيراً بأحكام عقد النكاح، بصيراً بالأكْفَاء، ليس من الناس الذين لا يعرفون الأكفاء ومصالح النكاح، وهذا في الحقيقة هو محط الفائدة من الولاية؛ لئلا تضيع مصالح المرأة.

..................................  وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط: فالشافعية 1 على المذهب، والحنابلة 2 في ثبوت الرشد في الولاية؛ لأن المحجور عليه بسفه لا يلي أمر نفسه في الزواج، فلا يلي أمر غيره.
وقال الحنفية 3، والمالكية 4 ليس الرشد الذي هو بمعنى حسن التصرف في المال شرطاً في ثبوت الولاية، فيصح للسفيه ولو محجوراً عليه أن يتولى تزويج غيره.
لكن يستحب عند المالكية أن يكون التزويج من السفيه ذي الرأي بإذن موليته، وبإذن وليه، فإن زوج ابنته مثلاً بغير إذن وليه، ندب أن ينظر الولي لما فيه المصلحة، فإن كان صواباً أبقاه وإلا رده، فإن لم ينظر فهو ماض.
والراجح من القولين: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول فيشترط أن يكون الولي راشداً في العقد، ولكن يكون كما رجحه شيخ الإسلام 5 -رحمه الله- حيث قال: «الرشد في كل مقام بحسبه، فالرشد في البيع شيء والرشد في النكاح شيء آخر، وهكذا.
فالرشد في النكاح: أن يكون عارفاً بالكفء، وعارفاً بمصالح النكاح، وإن كان غير رشيد في بيعه وشرائه ولكنه رشيد في النكاح، ولا شك أن اشتراط الرشد في النكاح أولى من اشتراطه في البيع=

وَشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ (1)،  = فإن استحلال الفرج وما يترتب على النكاح من آثارٍ أولى من خروج شيء من ملكيته من الأشياء المالية».

(1)

قوله «وَشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ»:

الشهادة لغة: مصدر.
أصله شَهِدَ، كَعَلِمَ، وقد تسكن هاؤه (1)، والشين، والهاء، والدال أصل يدل على حضور، وعلم، وإعلام، يقول ابن فارس: «لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، ومن ذلك الشهادة تجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام، يقال: شَهِدَ، يشهد، شهادةً» (2). واصطلاحاً: عرفت الشهادة عند الفقهاء بعدة تعريفات، واختلفت التعاريف بسبب اختلاف نوع الأداء، فإن كان إخباراً بحق للغير فهو الشهادة، وإن كان بحق للمخبر على آخر فهو الدعوى، أو بالعكس وهو الإقرار، فالشهادة هي: الإخبار بما علمه الشاهد، أما الشهادة في عقد النكاح فليست إخباراً، وإنما هي تحمل للشهادة أولاً لصحة العقد، ثم أداء لها في مجلس القضاء عند الحاجة، فلا تكون الشهادة ملزمة بدون القضاء.

فائدة: حكم الإشهاد على عقد النكاح

: اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على عقد النكاح، وسبب الخلاف يرجع إلى أمرين:12

..................................  الأمر الأول: هو المقصود من الشهادة في النكاح، هل هي حكم شرعي يجب امتثاله والعمل به، أم يقصد بها التوثيق وسد ذريعة الاختلاف التي قد تنشأْ بين الزوجين؟ فمن قال إنها حكم شرعي، قال إن الشهادة شرط في صحة عقد النكاح، ومن قال: إنها توثيق لم يشترط الشهادة في عقد النكاح، كالرهن والكفالة لا تشترط في البيوع.
الأمر الثاني: الذي بسببه حصل الاختلاف: هو الاختلاف في تصحيح أحاديث اشتراط الشهادة في عقد النكاح، فمن صححها أو بعضها قال باشتراط الشهادة، ومن رأى عدم صحتها قال بخلاف ذلك، وبسبب ما ذكرناه حصل الخلاف بين الفقهاء في الشهادة على عقد النكاح على قولين: القول الأول: أن الشهادة شرط لصحة عقد النكاح: وهذا قول الحنفية 1 والشافعية 2، وهو المشهور عن الإمام أحمد 3، وقال به من الصحابة أمير المؤمنين عمر 4، وعلي 5، وعبد الله بن عباس 6 رضي الله عنهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن، =

..................................  =والنخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي 1، وهو اختيار سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 2، وسماحة شيخنا ابن باز 3، وهو اختيار اللجنة الدائمة 4، استدل أصحاب هذا القول بعدة أحاديث تدل على اشتراط الشاهدين في عقد النكاح، منها: 1 - عن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ» 5، ففي هذا الحديث نص صريح على نفي صحة النكاح إلا بالشاهدين كما أنه لا يصح إلا بولي.
2 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَكُونُ نِكَاحٌ إِلا بِوَلِيٍّ وشاهدينِ، وَمَهْرٍ مَا كَانَ قَلَّ أَمْ كَثُرَ» 6، وهذا دليل ظاهر على وجوب الشاهدين في عقد النكاح.
3 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نِكَاحَ إلا بِأَرْبَعَةٍ خَاطِبٍ=

..................................  =وَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ» 1. 5 - روي عن الحسن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يحل نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل» 2، قال الشافعي -رحمه الله-: هذا وإن كان منقطعاً دون النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: هو الفرق بين النكاح والسفاح 3. ثانياً: استدلوا أيضاً بآثار مروية عن عدد من الصحابة منها: 1 - عن الحسن وسعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» 4. 2 - وروي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: «هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت» 5. قال الزركشي: وخص النكاح - والله أعلم - باشتراط الشهادة، دون غيره من العقود، لما فيه من تعلق حق غير المتعاقدين وهو الولد 6. 3 - عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «لا نكاح إلا بولي ولا نكاح=

..................................  =إلا بشهود» 1. ثالثاً: من المعنى قالوا: إن اشتراط الشهادة في النكاح آكد من اشتراطها في البيع؛ لأن النكاح يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد؛ لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه بخلاف البيع، ولأن في اشتراط الشهادة في عقد النكاح احتياطاً للأبضاع، وصيانة للأنكحة عن الجحود.
القول الثاني: أن الشهادة ليست شرطاً في صحة عقد النكاح، وهذا هو قول الإمام مالك 2، ورواية عن الإمام أحمد 3، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 4، وشيخنا -رحمه الله- 5، استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أولاً: استدلوا بالعموميات: 1 - بعموم قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 6، فلم يذكر الله تعالى الشهادة، فيبقى النص على الإطلاق ولا تشترط الشهادة.
2 - وبعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 7، والنكاح من العقود التي يجب الوفاء بها دون شهود.

..................................  ثانياً: من السنة: 1 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أَقَامَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ، وَلا لَحْمٍ أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَأُلْقِيَ فِيهَا مِنَ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَقَالُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ» 1. وجه الاستدلال: أنهم لم يستدلوا على تزويجها إلا بالحجاب مما دل على عدم اشتراط الإشهاد في عقد النكاح.
ثالثاً: استدلوا بآثار رويت عن بعض الصحابة، أن ابن عمر زوج بلا شهود، وهو من أشد الصحابة رضي الله عنهم تمسكاً بالسنة، رابعاً: استدلوا أيضاً بعدة تعليلات وأقيسة، منها: 1 - قياس النكاح على الرهن والكفالة في عدم اشتراط الإشهاد فيها بجامع أن كلاً منها عقد توثيق.
2 - قالوا: ولأن كل شخص لا يحتاج إليه في إيجاب ولا قبول لم يكن حضوره شرطاً في انعقاد النكاح كالزوجة وسائر الأجانب.

..................................  بيان الراجح من القولين: بعد عرض الأدلة لكلا القولين مستوفاة فالذي يتبين لي رجحانه هو القول الأول القاضي باشتراط الشهادة في عقد النكاح، وذلك لعدة أسباب منها: 1 - أن أحاديث اشتراط الشهادة كثيرة، وقد ذكرت بعضها، وقد رويت بطرق مختلفة وأسانيد متعددة؛ لذا يظهر لمن تأمل أسانيد الأحاديث وطرقها ومتابعاتها أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج بها، فأقل ما يقال في الشهادة في عقد النكاح أنها ثابتة بأحاديث حسنة.
2 - اشتراط الشهادة في عقد النكاح له فوائد عدة، منها: أولاً: إثبات النكاح عند العقد وصيانة له عن الجحود، خصوصاً ونحن في زمن تهاون فيه كثير من الناس في التقاء الزوجين قبل الدخول ببعضهما، وأحياناً الخلوة بها والخروج معها وقد يواقعها؛ مما استدعى الأمر معه إلى إثبات النكاح عند العقد، وليس عند الدخول.
ثانياً: أن من المقرر عند الفقهاء أن الأصل في الأبضاع الحرمة، فإذا تعارض دليلان أحدهما موجب للحل والآخر موجب للحرمة رجح الموجب للحرمة للأصل.
ثالثاً: الناس يختلفون في إعلان النكاح بحسب أعرافهم وواقعهم، وقد يطرأ عليهم ما يمنع من إعلانه، ثم إن ضابط الإعلان مختلف فيه، فكان =

وَأَوْلى النَّاسِ بِتَزْوِيْجِ الحُرَّةِ أَبُوْهَا، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا، ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلُوْا (1)،  =اشتراط الشهادة في العقد أولى من عدمه؛ لأن الشهادة لا مجال فيها للتفاوت أو الاختلاف.
رابعاً: أن عدم اشتراط الشهادة في عقد النكاح انتشار لنكاح السر، وناهيك عما فيه من مفاسد وأضرار على الأفراد والمجتمعات، ولا سيما هذا الواقع الذي كثر فيه التحايل على الحرام وماتت الغيرة في نفوس فئة من المسلمين، بل وانتشرت الدياثة التي تأباها الشريعة والفطر المستقيمة.

(1)

قوله «وَأَوْلى النَّاسِ بِتَزْوِيْجِ الحُرَّةِ أَبُوْهَا، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا، ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلُوْا»:

أي أن الأب هو المقدم في باب الولاية على النكاح لأنه أشد شفقة وأكمل نظراً من غيره، فيقدم الأب حتى على الأبناء، وفي رواية عن الإمام أحمد 1 أن الأبناء يقدمون على الأب، وهو مذهب الإمام مالك 2 قالوا: لأنهم أقرب عصبة من الأب.
والصحيح الأول لأن نظر الأب أكمل وشفقته أشد، وهو مذهب جمهور العلماء.
وقوله «ثم أبوه» الأولى أن يقال: ثم الوصي بعد الأب، أي بعد موت الأب، فإذا أوصى الأب أن تكون ولاية بناته لفلان الأجنبي عنهم، أو لأحد أولاده دون غيره، أو لأحد أخواله مع وجود أبنائه ونحو ذلك فإن=

ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهَا (1)،  =الولاية تكون للوصي، كالتوكيل في الحياة، فكما أن الأب لو وكل رجلاً في نكاح بناته فيصح اتفاقاً فكذلك في الوصية بعد الموت، ولأنه أقوى نظراً من غيره، وغالباً لا يجعل الوصية إلا ممن يرى أن إنكاحه أصلح من إنكاح غيره، ثم بعد الوصي أبو الأب يعني الجد وإن علا، والجد هنا هو الجد للأب، أما الجد للأم فلا لأنه ليس من العصبة بل هو من ذوي الأرحام كما تقدم في باب الفرائض، وفي رواية عن الإمام احمد (1)، وهو مذهب المالكية (2) أن الابن يقدم على الجد.
والذي يترجح عندي هو ما ذهب إليه المؤلف، أي أن الجد يقدم على الابن أيضاً لأنه أكمل نظراً، ولما له من الإيلاد المشابه للأب فيه، ثم يلي الجد ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا.
وقوله «ثم ابنه وإن نزل»، أي: بنو الابن؛ احترازاً من بني البنت فإنه لا ولاية لهم.

(1)

قوله «ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهَا»:

أي ثم يلي هؤلاء المذكورين الأقرب فالأقرب من عصباتها على ترتيبهم في الميراث لأن الولاية لدفع العار عن النسب والنسب في العصبات، وقدّم الأقرب فالأقرب لأنه أقوى فقدم كتقديمه في الإرث، ولأنه أشفق فقدم كالأب.
=12

ثُمَّ مُعْتِقُهَا، ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ (1)،  =فالأقرب مثلاً بعد من ذكرهم المؤلف الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، وهكذا، ولا يزوجها من ليس من العصبة فلا يزوجها أخوها من الأم؛ لأنه من ذوى الأرحام.
ولا يزوجها الخال، ولا يزوجها جدها أبو الأم، وذلك لأنه من ذوى الأرحام، لو كان لها خال وأخ من الأم ولها ابن ابن ابن عم فإن ابن العم يزوجها ولو كان بعيداً لأنه من العصبة.
فإذا تساوى الناس في الدرجة يعني مثل أخوين أو ثلاثة لأبوين، فأيهما يقدم؟ المعروف عند العامة ابتداءً يقدم الكبير، وهذا ليس له أصل.
وقال بعض أهل العلم يقدم صاحب الدين والخلق، ثم الأسن.
والأظهر: أنه يقدم صاحب الدين، فإن لم يكن فللمرأة أن تختار من يكون ولياً لها فتقول: أريد فلاناً أن يعقد لي، فإن تنازعوا في ذلك أقرع بينهم وذلك لزوال الخصومة بينهم

(1)

قوله «ثُمَّ مُعْتِقُهَا، ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ»:

أي فإن كانت هذه المرأة معتقة وعُدِمَ من سبق ذكرهم فإن المعتق أولى من السلطان، فإن عُدِمَ المعتق فيكون وليها في عقد النكاح الأقرب فالأقرب من عصباته، أي أقرب عصبته نسباً على حسب ترتيبهم في الميراث، فيقدم ابن المولى على أبيه، ثم إن عُدم فعصبة المولى نسباً.

ثُمَّ السُّلْطَانُ (1)،  (1)

قوله «ثُمَّ السُّلْطَانُ»:

أي فإن عدم هؤلاء جميعاً فإنً السلطان يكون ولياً لمن لا ولي له لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإن اشتجروا أي الولي وموليته فالسلطان ولي من لا مولى له»، والسلطان هو الإمام الأعظم أو نائبه، وكان نواب الإمام فيما سبق في هذه المسائل القضاة، أما الآن فنائبه وزير العدل، ونائب وزير العدل المأذون في الأنكحة.
وأيهما يقدم مأذون الأنكحة، أو الأخ لأم؟ مأذون الأنكحة يقدم على أخيها من أمها، بل على أبي أمها، فلو كانت هذه المرأة لها أبو أم قد كفلها منذ الصغر، وهو لها بمنزلة الأب، وخطبت فلا يتولى زواجها، بل يتولى زواجها مأذون الأنكحة.
فإذا قدرنا أننا في بلد كفر، والسلطان لا ولاية له، فنقول: السلطان إذا لم يكن أهلاً للولاية، فمن كان له الرئاسة في هذه الجالية المسلمة فهو الذي يتولى العقد؛ لأنه ذو سلطان في مكانه.

  • فائدة: النساء اللاتي يسلمن في بلاد كافرة وأولياؤهن كفار: يتولى ذلك رئيس المركز الإسلامي، فإن تعذر عدم وجود السلطان أو المركز الإسلامي فإنها توكل عدلاً ينكحها، وقد روى البخاري معلقاً أن «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ لأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ» 1. فهنا فوضت أمرها إليه، فإذا انعدم السلطان فلها أن تفوض أمرها إلى عدل.

وَوَكِيْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ يَقُوْمُ مَقَامَهُ (1). وَلا يَصِحُّ تَزْوِيْجُ الأَبْعَدِ مَعَ وُجُوْدِ الأَقْرَبِ مِنْهُ (2)،  (1)

قوله «وَوَكِيْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ يَقُوْمُ مَقَامَهُ»:

غائباً أَو حاضراً ويشترط في وكيل الولي ما يشترط فيه لأنه نائبه وقائم مقامه، وقد تضمن هذا صحة التوكيل في النكاح ولا إشكال في ذلك، فقد وكل النبي أبا رافع في تزويج ميمونة (1)، ووكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة (2)، وظاهر إطلاقه أنه لا يشترط إذن المرأة في التوكيل، ولا نزاع في ذلك إن كان الولي مجبراً، فإن لم يكن مجبراً فعلى خلاف الأظهر عندي عدم الاشتراط.
(2)

قوله «وَلا يَصِحُّ تَزْوِيْجُ الأَبْعَدِ مَعَ وُجُوْدِ الأَقْرَبِ مِنْهُ»:

أي إذا زوج الأبعد من غير عذر من الأعذار التي ستأتي، فلا يصح النكاح كالأخ مع وجود الأب، أو زوجها ابن عمها مع وجود عمها في البلد فلا يصح النكاح، أو زوجها القاضي لا يصح، ولو زوجها جارها لا يصح من باب أولى.
وإذا كان وليها القريب - والعياذ بالله - لا يصلي نهائياً، فزوَّجها البعيد فإنه يصح؛ لأن القريب ليس أهلاً للولاية، فالذي لا يصلي لا ولاية له؛ لأنه كافر، والعياذ بالله فلا يصح النكاح.
وعن الإمام أحمد أنه موقوف على إجازة الولي كالبيع، وفيه نظر للفارق بين النكاح والبيع بدليل أن المرأة لا يحل لها أن تنكح نفسها =12

..................................  =بإذن وليها فكذلك إذا أنكحها غيره وإن كان الولي قد أذن بذلك، فإذا استوى الوليان كأن يكون لها إخوة هم أولياؤها، فأي واحد منهم أنكح صح إنكاحه لأنهم كلهم أولياء لها، وكذا لو كان لها أبناء عم درجتهم واحدة.
فإن أذنت لواحدٍ تعين ولم يصح نكاح غيره، والمستحب أن يقوم الأفضل ثم الأسن، فإن تشاحنوا في ذلك أقرع بينهم.

ف

إن زوجها وليان هذا زوج وهذا زوج فأي الوليين يكون نكاحه صحيحاً وتكون المرأة زوجة له؟

للعلماء في ذلك مذهبان: المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: أنه إن عرف من عقد له على المرأة أولاً فهي له، وهو الأحق بها، سواء دخل بها الثاني أم لا 1. وحجتهم على ذلك: أن هذا مروي عن علي بن أبي طالب 2، ولأن الزوج الثاني تزوج امرأة قد أصبحت في عصمة رجل آخر، فكان زواجه بها باطلاً، كما لو علم أن لها زوجاً 3. المذهب الثاني: إن عرف الزوج الأول ولم يدخل بها الثاني فهي للأول، وإن دخل بها الثاني فهي له، وهذا مذهب عطاء، ومالك 4.=

..................................  =وحجة هؤلاء: أن هذا قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- 1، وأجيب: بأن عمر قد خالفه علي -رضي الله عنه- ولا يقدم قول صحابي على آخر دون دليل، فسقط الاستدلال به حينئذ.
الراجح: الذي يبدو أن قول الجمهور هو الأولى؛ لما رواه أحمد وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأَوَّل مِنْهُمَا» 2. قلت: وإن كان الحديث فيه ضعف فالترمذي حسنه، وعلى اعتبار ضعفه إلا أن العمل على ذلك، قال أبو عيسى: «حديث سمرة حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً، إذا زوج أحد الوليين قبل الآخر فنكاح الأول جائز ونكاح الآخر مفسوخ» 3. ولأن نكاح الثاني على المرأة قد صادف امرأة قد أصبحت متزوجة، فعقده عليها باطل، كما لو علم أنها متزوجة، ودخوله بها لا يغير حقيقة الأمر، كما لو دخل بها وهو يعلم أنه قد عقد عليها غيره قبله، ويجب لها المهر على الثاني بدخوله عليها، لاستمتاعه بها، فإن جهل السابق أو=

إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ صَبِيًّا، أَوْ زَائِلَ العَقْلِ، أَوْ مُخَالِفًا لِدِيْنِهَا، أَوْ عَاضِلاً لَهَا، أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيْدَةً (1)،  =علم فنسي فالمشهور في مذهب الإمام أحمد (1) أن النكاحين يفسخان جميعاً، ولهما نصف المهر يقترعان عليه.
وعن الإمام أحمد (2) -رحمه الله- أنه يقرع بينهما فمن خرجت قرعته فهو زوجها ولكن يجدد العقد للوطء، وهذا هو الأصح لأن القرعة تفعل حيث استوت الحقوق فلا مرجح لأحدهما على الآخرفإنه يقرع بينهما، فإذا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته فهو زوجها ويجدد العقد للوطء.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ صَبِيًّا، أَوْ زَائِلَ العَقْلِ، أَوْ مُخَالِفًا لِدِيْنِهَا، أَوْ عَاضِلاً لَهَا، أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيْدَةً»:

هذه جملة من

الأعذار التي يصح فيها النكاح إذا قُدم فيها الأبعد على الأقرب في ولاية النكاح.

أولها: أن يكون الولي غير بالغ فتنتقل إلى الأبعد البالغ، فلو كان أخوها غير بالغ ولها ابن أخ بالغ فالولاية لابن أخيها البالغ، وهكذا لعدم أهلية الولاية.
الثاني: أن يكون الولي زائل العقل بجنون ونحوه، فإن الولاية تنتقل الى غيره لعدم أهليته في الولاية، ولأن الجنون مانع من صحة التصرف للنفس، فإذا كان كذلك فإنه مع الغير من باب أولى وأحرى.12

..................................  الثالث: ألا يكون دين الولي والمرأة واحداً، سواء كان دين الإسلام أو غير دين الإسلام؛ وذلك لانقطاع الولاية بين المختلفين في الدين وقد سبق بيان ذلك في الشروط المعتبرة في الولي.
الرابع: أو عاضلاً لها لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 1، والعضل في اللغة: المنع.
وفي اصطلاح الفقهاء: «هو أن يمنع الولي المرأة كفئًا رضيته»، يعني رجلاً كفؤاً في دينه، وفي خُلُقه، وفي ماله، خطب هذه المرأة من أبيها، أو من أخيها، ورضيت المرأة به فمنعها، زوَّجها الأبعد فيزوجها أخوها، أو عمها أو ابن أخيها مثلاً؛ وذلك لأنه ليس له الحق في المنع، فهو ولي يجب عليه أن يفعل ما هو الأصلح لموليته، فإذا لم يفعل انتقل الحق إلى غيره.
الخامس: أو غائباً غيبة بعيدة، فإذا غاب الولي غيبة بعيدة فحينئذٍ تنتقل إلى الأبعد.
وقد اختلف العلماء في هذه المسافة؟ ولهذا قال المؤلف -رحمه الله- «أو غائبًا غيبة بعيدة»، وللفقهاء كلام طويل؛ بعضهم قدر ذلك بمسافة قصر، وفسرها بعضهم بأنها التي لا تقطع إلا بكلْفة ومشقة، وقال بعضهم إن ضابط الغيبة هو: التي تفوت بها مصلحة المخطوبة أو يفوت بها كفء راغب لها.

وَلا وِلايَةَ لأَحَدٍ عَلى مُخَالَفَةٍ لِدِيْنِهِ إِلاَّ الْمُسْلِمُ إِذا كَانَ سُلْطَانًا، أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ (1)،  قلت: والذي يظهر لي أن هذا يختلف باختلاف الأزمان، ففيما سبق كانت المسافات بين المدن لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، والآن بأسهل السبل، فربما لا يحتاج إلى سفر، فيمكن يخاطب بالهاتف، أو يكتب الأب بالفاكس وكالة ويرسلها بدقائق، فالمسألة تغيرت.
فالصواب أن يقال: أنه متى أمكن مراجعة الولي الأقرب فهو واجب، وإذا لم يمكن وكان يفوت به الكفء فليزوجها الأبعد، وعلى كل حال فالأمر مرجعه إلى العرف حسب نظر الحاكم.

(1)

قوله «وَلا وِلايَةَ لأَحَدٍ عَلى مُخَالَفَةٍ لِدِيْنِهِ إِلاَّ الْمُسْلِمُ إِذا كَانَ سُلْطَانًا، أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ»:

استثنى المؤلف أمرين من الموافقة في الدين: الأمر الأول: المسلم إذا كان سلطانًا فالسلطان المسلم يجوز أن يزوج كتابية لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا الْوَلِيُّ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ» 1، وقد سبق الإشارة لذلك في شروط الولي.
الأمر الثاني: قال: أو سيدَ أمةٍ؛ يعني أن يكون لشخص أمة فأراد أن يزوجها وهي كافرة رجلاً كافراً فلا حرج أن يعقد هذا الولي عليها؛ =

..................................  = لأنه مالك لها، وله إذا ملكها أن يعقد عليها.

مسألة: هل يصح أن يكون الولي زوجاً؟

نعم يصح، فلو كان ابن عم يريد أن يتزوج بنت عمه، وليس لها أحد أقرب منه جاز.
لكن ماذا يقول عند العقد؟ هل يقول: «زوجت نفسي بنت عمي»، ويُحْضر الشهودَ، ويقول: «أشهدكم أني زوجت نفسي بنت عمي؟ »، أو يكفي دون ذلك؟ الجواب: لو أحضر شهوداً، وقال: «أشهدكم أني زوجت نفسي بنت عمي» صح، ويجوز أن يقول: «أشهدكم أني تزوجتها إذا كانت حاضرة»، وشهدوا على رضاها، ونظير هذا السيد يقول لأمته: «أعتقتك وجعلت عتقك صداقك»، فهذا ليس فيه إيجاب ولا قبول، لكنه يكفي عن الإيجاب والقبول.

فَصْلٌ فِيْ الاِسْتِئْذَانِ فِي النِّكَاحِ

(1) وَلِلأَبِ تَزْوِيْجُ أَوْلادِهِ الصِّغَارِ، ذُكُوْرِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَبَنَاتِهِ الأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الاِسْتِئْذَانِ فِي النِّكَاحِ»:

شرع المؤلف -رحمه الله- في

بيان الشرط الرابع من شروط النكاح

وهو رضاء الزوجين، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز إجبار الرجل على نكاح من لا يريده، وكذلك المرأة لا يجوز إجبارها على نكاح من لا تريده كما سيأتي في كلام المؤلف، دليل ذلك: عن نافع بن جبير بن مطعم قال: آمَتْ خَنْسَاءُ بِنْتُ خِذَامٍ فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِىَ كَارِهَةٌ فَأَتَتِ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: زَوَّجَنِي أَبِى وَأَنَا كَارِهَةٌ وَقَدْ مَلَكْتُ أَمْرِى وَلَمْ يُشْعِرْنِى.
فَقَال «لا نِكَاحَ لَهُ انْكِحِى مَنْ شِئْتِ» (1)، وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أن أصول الشريعة تقتضيه وذلك لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ: أَنْ تَسْكُت» (2)، لكن يستثنى من ذلك ما سيذكره المؤلف قريباً إن شاء الله.
(2)

قوله «وَلِلأَبِ تَزْوِيْجُ أَوْلادِهِ الصِّغَارِ، ذُكُوْرِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَبَنَاتِهِ الأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ»:

هؤلاء مستثنون من الاستئذان الأول: وهم أولاده الذكور=12

..................................  =العقلاء الذين هم دون البلوغ والكبار المجانين فله تزويجهم سواء أذنوا أو لم يأذنوا، وسواء رضوا أم لا.
هذا على الصحيح من المذهب (1)، ووجه ذلك بالنسبة للذكور: أولاً: لأن الأب له ولاية على مال ابنه لقوله -صلى الله عليه وسلم- «أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ إِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلادِكُمْ» (2)، وإذا كان للأب تولي مال أبناءه فله أن يتولى تزويجهم ذكوراً وإناثاً.
ثانياً: أنه إذا جاز للأب أن يأخذ من مال ابنه بغير رضا، جاز له أن يزوجه بغير رضاه، لأن في تزويجه مصلحة أعظم من أخذ المال.
أما الإناث فإنهن ينقسمن إلى ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: من كان منهن دون التاسعة

، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع 3 على جواز أن يزوجها الأب من غير إذنها، واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين «عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهْيَ بِنْتُ تِسْعٍ =12

..................................  = وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا» (1). فإن عقد عليها قبل التسع ولم يدخل عليها إلا بعد البلوغ فإن لها الخيار.
المرتبة الثانية: وهي من كانت دون البلوغ وفوق التسع، وهذه على قولين: الأول: وهو ما ذهب إليه عامة الفقهاء (2) أن الأب له أن يزوجها بغير إذنها، واحتجوا لذلك بحديث عائشة -رضي الله عنه- المتقدم وقالوا: لا فرق بين التسع والثمان والعشر، وقالوا أيضاً: بأنها صغيرة ولا تعلم ولا تعي.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد (3)، وهي اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- (4) أنه لا يجوز للأب أن يزوج ابنته بعد التسع إلا برضاها، وهذا هو الأظهر.

المرتبة الثالثة: وهي البنت البكر

البالغة فهل للأب أن يزوجها بغير رضاها؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: الأول: ما ذهب إليه المالكية 5، والشافعية 6، والحنابلة 7 وهو جواز=1234

..................................  =ذلك؛ أي للأب أن يزوج ابنته البالغة العاقلة الرشيدة من غير رضاها، واحتجوا لذلك أيضاً بحديث عائشة المتقدم.
القول الثاني: وهو ما ذهب إليه الحنفية 1، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 2، اختارها شيخ الإسلام 3، وشيخنا -رحمه الله- 4، أنه لا يجوز للأب أن يزوج ابنته البالغ إلا بإذنها ورضاها.
قلت: والقول الثاني هو الراجح عندي، فلا يجوز لأب ولا غيره أن يزوج البكر البالغة العاقلة إلا برضاها لقوله -صلى الله عليه وسلم- «وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» 5، والقول بجواز الإجبار دون الرضا مخالف لظاهر النص، بل يصبح الاستئذان لا فائدة منه.

  • فائدة: قال صاحب الإنصاف: أولاً: واعلم أن في تزويج الأب الصغار عشر مسائل: أحدها: أولاده الذكور العقلاء الذين هم دون البلوغ والكبار المجانين له تزويجهم سواء أذنوا أو لا، وسواء رضوا أم لا، بمهر المثل أو بزيادة عليه على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب.

..................................  المسألة الثانية: أولاده الذكور العاقلون البالغون ليس له تزويجهم، يعني بغير إذنهم بلا نزاع إلا أن يكون سفيهاً ففي إجباره وجهان، إلى أن قال: قلت: والأولى الإجبار إن كان أصلح له.
المسألة الثالثة: ابنته البكر التي لها تسع سنين له تزويجها بغير إذنها ورضاها بلا نزاع، وحكاه ابن المنذر إجماعاً.
المسألة الرابعة: البكر التي لها تسع سنين فأزيد إلى ما قبل البلوغ له تزويجها بغير إذنها على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وذكر الرواية الثانية، في المذهب التي اختارها شيخ الإسلام كما سبق بيانه.
المسألة الخامسة: البكر البالغة له إجبارها أيضاً على الصحيح من المذهب مطلقاً وعليه جماهير الأصحاب، إلى أن قال: فعلى المذهب يستحب إذنها وكذا إذن أمها، قاله في التنظيم وغيره.
المسألة السادسة: البكر المجنونة له إجبارها مطلقاً على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب.
المسألة السابعة: الثيب المجنونة الكبيرة له إجبارها على الصحيح من المذهب.
المسألة الثامنة: الثيب العاقلة التي هي دون تسع سنين له إجبارها على الصحيح من المذهب وقطع به كثير من الأصحاب، وقيل ليس له=

وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ البَالِغَةِ (1)، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيْجُ البَالِغِ مِنْ بَنِيْهِ وَبَنَاتِهِ الثُّيَّبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ (2)،  =إجبارها.. إلى أن قال: قلت: فعلى هذا لا تزوج البتة حتى تبلغ تسع سنين فيثبت لها إذن معتبر.
المسألة التاسعة: الثيب العاقلة التي لها تسع سنين فأكثر ولم تبلغ فأطلق المصنف جواز إجبارها وجهين، وذكر الخلاف في ذلك.
المسألة العاشرة: البنت البالغة العاقلة ليس له إجبارها بلا نزاع (1). هذا ما ذكره المؤلف.
قلت: وقد سبق بعض ما جاء في الإنصاف حول هذه المسائل مع بيان الراجح فيها.

(1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ البَالِغَةِ»:

ذكرنا الخلاف في حكم إجبار البكر البالغة وقلنا بأن الواجب هو استئذان الولي البكر البالغة.
فقول المؤلف «وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ البَالِغَةِ» هذا كلام غير مسلَّم، فزواج البنت بغير رضاها ومع كراهيتها مخالف للأصول والمعقول كما سبق ذكره.
فإذا كان وكيلها لا يستطيع أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها فكيف يكرهها على مباضعة ومعاشرة من تكره معاشرته.

(2)

قوله «وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيْجُ البَالِغِ مِنْ بَنِيْهِ وَبَنَاتِهِ الثُّيَّبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ»:

قد سبق بيان ما ذكره المؤلف فليس للأب تزويج الذكور البالغين وبناته الثيب البالغات إلا بإذنهم.1

وَلَيْسَ لِسَائِرِ الأَوْلِيَاءِ تَزْوِيْجُ صَغِيْرٍ وَلا صَغِيْرَةٍ، وَلا كَبِيْرَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِهَا، وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وَإِذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ (1)؛  - فائدة: سائر الأولياء غير الأب لا يجوز لهم أن يزوجوا البنت سواء كانوا أجداداً أو أخوة أو أوصياء: كلهم لا يجوز لهم أن يزوجوا البنت صغيرة كانت أو بالغة إلا بعد إذنها، فلو زوج الولي إذا كان أخاً أخته وهي دون تسع بغير رضاها فلا يصح النكاح لاشتراط الرضا فيه، وأما كون الأب يزوج البنت التي دون التسع بغير رضاها فإنما هو مراعاة للأبوة ولأن شفقته عليها وحرصه على ما فيه مصلحتها أقرب وأقوى من غيره.

(1)

قوله «وَلَيْسَ لِسَائِرِ الأَوْلِيَاءِ تَزْوِيْجُ صَغِيْرٍ وَلا صَغِيْرَةٍ، وَلا كَبِيْرَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِهَا، وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وَإِذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ»:

سبق الإشارة إلى ذلك في الفائدة السابقة فغير الأب كالجد والأخ والعم ونحوهم ليس لهم تزويج الذكر الصغير وكذلك البنت الصغيرة فضلاً عن الكبيرة ليس لأحد من هؤلاء إجبارهم على نكاح من لا يرغبون بل لا بد من رضاهم لأن الإجبار حق يختص به الأب والسيد فقط، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
وذهب الشافعية 1، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 2 اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية 3 إلى جعل الجد كالأب، وفي رواية 4 أخرى عن الإمام أحمد أنه للأولياء تزويج الصغيرة, ولها الخيار إذا بلغت.
=

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «الأيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» (1)،  =وقوله «وإذن الثيب الكلام» فيه فائدتان: الأولى: فيه معنى الاستئمار المذكور في الحديث، فالمعنى لا يعقد على المرأة الثيب إلا بعد طلب الأمر منها, وأمرها به.
ومعنى قولنا «طلب الأمر منها» هو أن يأتي إليها الولي فيقول تقدم إليك فلان للزواج منك فتقول نعم زوجني منه أو ترفض الزواج منه، فلا بد من كلامها.
ومعنى قولنا «الأمر به»: هو أن يتقدم إليها شخص فتقول لوليها زوجنى من فلان فيزوجها منه، أما البكر فلغلبة حياءها فقد اكتفى الشارع منها بما هو أخف من الأمر وهو الإذن، أو السكوت دليلاً على رضاها.
الثانية: فيه معنى الثيب، وهي التي زالت بكارتها بجماع من نكاح صحيح، أو بزنا مع رضا فإن كان الزنا حصل بالإكراه فعلى المذهب تعد ثيباً لزوال البكارة منها.
والصواب: أن الزنا مع إكراه لا تعد فيه المرأة ثيباً وذلك لانتفاء التلذذ بالجماع ولو زالت بكارتها لأنها مكرهة فلا بد من إذنها.

(1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِيْ نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»

وَلَيْسَ لِوَلِيِّ امْرَأَةٍ تَزْوِيْجُهَا بِغَيْرِ كُفْئِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا (1)،  =فوائد عظيمة منها: 1 - النهي عن نكاح الثيب قبل استئمارها وطلبها ذلك، وقد ورد النهي بصيغة النفي ليكون أبلغ فيكون النكاح بدونه باطلاً.
2 - النهي عن نكاح البكر قبل استئذانها، ومقتضى طلب إذنها أن نكاحها بدونه باطل.
3 - لا يكفي في استئمار الثيب واستئذان البكر مجرد الإخبار بالزواج، بل لابد من تعريفها بالزوج تعريفاً تاماً، عن عمره، وعن جماله، ومكانته، ونسبه، وغناه، وعمله، وغير ذلك مما فيه مصلحة لها.

(1)

قوله «وَلَيْسَ لِوَلِيِّ امْرَأَةٍ تَزْوِيْجُهَا بِغَيْرِ كُفْئِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا»:

شرع المؤلف في بيان حكم الكفاءة في عقد النكاح، والكفاءة معناها: المساواة أي بأن تكون الزوجة مساوية أو كفئاً للزواج.
وقد اختلف الفقهاء في تعريف الكفاءة: فقال بعضهم: الكفاءة: هي مساواة الرجل للمرأة في الأمور المعتبرة في النكاح.
وقال آخرون: الكفاءة: هي أمر يوجب عدمه عاراً.
وقال آخرون: الكفاءة: وهي المساواة في الدين والنسب.
وهذا هو الأوجه عندي؛ أي أن الكفاءة تكون في الدين والنسب، والمراد بالدين أداء الفرائض واجتناب النواهي، فلا يكون الفاسق والفاجر =

..................................  =زوجاً للعفيفة لأنه يؤثر عليها في دينها وأخلاقها، فإذا كان الزوج مثلاً معروفاً بالزنا، ولم يتب فإنه لا يصح أن يزوج بالعفيفة، وإذا كانت الزوجة معروفة بالزنا, ولم تتب فإنه لا يصح أن تزوج لا من الزاني ولا من غيره، أما إذا كان الزوج يشرب الدخان أو يسمع الأغاني ويحلق لحيته والزوجة كذلك تشرب الدخان وتسمع الأغاني وتستعمل النمص فهذا يخل بالدين وينقص الإيمان بلا شك، ولكن يصح العقد؛ فليس بشرط أن يكون الزوج أو الزوجة عدلين، فلو شرط ذلك لفات النكاح على كثير من الناس.
أما الكفاءة في النسب: يعنى أن يكون الإنسان نسيباً أي له أصل في قبائل العرب، فهذا ليس شرطاً في صحة النكاح على الصحيح من أقوال أهل العلم، فمتى كان الرجل كفئاً للمرأة في الدين والخلق فإنه يزوج ولا حق للأولياء في فسخ العقد دليل ذلك: 1 - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوج زينب بنت جحش القرشية زيد بن حارثة الذي كان مولى، ومعلوم أن قريشاً أعلى نسباً من غيرهم.
2 - أن بلال بن رباح -رضي الله عنه- تزوج أخت عبد الرحمن بن عوف، وتزوجت فاطمة بنت قيس القرشية أسامة بن زيد بن حارثة وهو من الموالي.
وعلى ذلك نقول بأن الكفاءة والنسب ليست شرطاً في النكاح

فائدة: هل الكفاءة شرط في لزوم العقد؟

بمعنى أن الولي إذا زوج ابنته رجلاً ذا خلق ودين ولكنه ليس كفئاً لها لأنه أعجمي فهل يصح العقد؟

..................................  =نقول ذهب الحنابلة (1) إلى أن للأولياء أن يطلبوا الفسخ، لأنه يعد عاراً عليهم.
وذهب عامة أهل العلم (2)، واختاره شيخ الإسلام (3) إلى أن الولي إذا زوج ابنته ممن ترضاه وكان ذا خلق ودين، فإنه ليس للأولياء طلب الفسخ، وهذا هو الصحيح للأدلة التى ذكرناها قريباً, فلو كان للأولياء حق لاستأذنوا، فلما لم يستأذنوا دل على أنهم ليس لهم حق.
وأيضاً من الأدلة على ذلك أن المقداد بن الأسود الكندي تزوج ضباعة بنت الزبير وهي قرشية وبنت عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا يدل على أنه لا بأس بأن يتزوج العربي غير العربية، وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (4).

فائدة: في زواج الخضيري من القبيلية والعكس

: لما كانت هذه المسألة تثار كثيراً وهي بمكان في بعض المجتمعات كان لابد من إلقاء الضوء عليها فنقول: أولاً: سبق أن ذكرنا أن جمهور الفقهاء اختلفوا في الصفات المعتبرة في الكفاءة فمنهم من اعتبر النسب، ومنهم من اعتبر الحرفة والصنعة، =1234

..................................  =ومنهم من اعتبر اليسار والغني.
والراجح كما ذكرنا: أن الكفاءة المعتبرة هي الدين فقط، فلا يزوج الكافر بالمسلمة، ولا الفاسق بالعفيفة.
قال ابن القيم -رحمه الله- في الهدي: «فصل في حكمه -صلى الله عليه وسلم- في الكفاءة في النكاح»، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم﴾ 1، وقال تعالى: ﴿إِنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ 2، وقال: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 3. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ 4، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا فَضْلَ لِعَرَبىٍّ عَلى عَجَمِي، وَلا لِعَجَمِيِّ عَلى عَرَبي، ولا لأَبْيَضَ عَلى أَسْوَدَ ولا لأسود عَلى أبْيَضَ، إِلاَّ بِالتَّقْوَى، النّاسُ مِنْ آدَمَ، وآدَمُ منْ تُرابٍ»، وقال: «إِنَّ آلَ بنِي فُلانٍ لَيْسُوا لي بِأَوْليَاءَ، إِنَّ أَوْلِيائي المتَّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وأَيْنَ كَانُوا»، وجاء في الحديث «إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضُوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلاَّ تَفْعَلوه، تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ» 5. قالوا: يا رسولَ الله، =

..................................  =وإن كان فيه؟ فقال: «إذَا جَاءَكُم مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوه»، ثلاث مرات.
وقال النبىُّ -صلى الله عليه وسلم- لبني بَيَاضَة «أَنْكِحُوا أَبا هِنْدٍ، وأَنْكِحُوا إلَيْهِ»، وكان حجَّاماً.
وزوَّج النبىُّ -صلى الله عليه وسلم- زينبَ بنتَ جَحْشٍ القُرشية مِن زيد بن حارثة مولاه، وزوَّج فاطمة بنت قيس الفِهرية القرشية من أسامة ابنه، وتزوَّج بلالُ ابن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال الله تعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِين والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ 1، وقد قال تعالى: ﴿فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 2، فالذي يقتضيه حُكمُه -صلى الله عليه وسلم- اعتبارُ الدِّين فى الكفاءة أصلاً، وكمالاً، فلا تُزوَّجُ مسلمةٌ بكافر، ولا عفيفةٌ بفاجر، ولم يعتبرِ القرآنُ والسنةُ فى الكفاءة أمراً وراءَ ذلك، فإنه حرَّم على المسلمة نكاحَ الزاني الخبيثِ، ولم يعتبر نسباً ولا صِناعة، ولا غِنىً ولا حريَّةً، فجوَّز للعبد القِنَّ نكاحَ الحرَّةِ النسيبة الغنيةِ إذا كان عفيفاً مسلماً، وجوز لغير القرشيين نكاحَ القرشيات، ولغير الهاشميين نكاحَ الهاشميات وللفقراءِ نكاحَ الموسرات» 3. قال شيخنا -رحمه الله- «ومن ذلك أيضاً ما يجري بين الناس الآن من كون القبيلية لا تتزوج بخضيري، والخضيري لا يتزوج بقبيلية، والخضيري: =

..................................  =هو الذي لا ينتسب لقبيلة من قبائل العرب، لكن لما كان أصله غير قبيلي صاروا يسمونه خضيري والآخر قبيلي، فمن العادات الباطلة أنه لا يزوج قبيلي بخضيرية ولا خضيري بقبيلية.
فأما الأول وهو ألا يزوج قبيلي بخضيرية، فما علمت أحداً من العلماء قال به إطلاقاً؛ لكن قال بعض العلماء: إنه لا تزوج القبيلية بخضيري إذا عارض بعض الأولياء، وإن كان هذا القول مرجوحاً لكنه قد قيل به، أما الأول فلم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم، وهذه من العادات السيئة التي ينبغي أن تمحى من أفكار الناس.
ويقال: أليست هذه الخضيرية أو هذا الخضيري أليس حراً؟ صحيح أن الأمة المملوكة لا يتزوجها الحر بنص القرآن إلا بشروط، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 1. لكن امرأة حرة نقول: لا يتزوجها الحر، في دين من؟ ولهذا كان قول بعض العلماء: إنه لا تزوج القبيلية برجل خضيري إذا عارض بعض الأولياء، بل غلا بعض العلماء: وقال: لا يصح النكاح أصلاً، فإن هذه أقوال ضعيفة لا معول عليها، فالمؤمنون بعضهم لبعض أكفاء، المسلمون تتكافأ دماؤهم وتتكافأ أحوالهم، ولا دليل على التفريق» 2 =

..................................  =قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- لما سئل عن هذه المسألة: «والخضيري في عرف الناس في نجد خاصة ولا أعرفها إلا في نجد هو الذي ليس له قبيلة معروفة ينتمي إليها, أي ليس معروفاً بأنه قحطاني أو تميمي أو قرشي لكنه عربي ولسانه عربي ومن العرب وعاش بينهم ولو كانت جماعته معروفة.
والمولى في عرف العرب: هو الذي أصله عبد مملوك ثم أعتق، والعجم هم الذين لا ينتسبون للعرب يقال: عجمي, فهم من أصول عجمية وليسوا من أصول عربية, هؤلاء يقال لهم أعاجم.
والحكم في دين الله أنه لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى سواء سمي قبلياً، أو خضيرياً، أو مولى، أو أعجمياً، كلهم على حد سواء.
لا فضل لهذا على هذا، ولا هذا على هذا إلا بالتقوى; كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي إلا بالتقوى ولا فضل لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى».
وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 1. لكن من عادة العرب قديماً أنهم يزوجون بناتهم للقبائل التي يعرفونها ويقف بعضهم عن تزوج من ليس من قبيلة يعرفها, وهذا باق في الناس.

..................................  =وقد يتسامح بعضهم, يزوج الخضيري والمولى والعجمي, كما جرى في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-, فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوج أسامة بن زيد بن حارثة -رضي الله عنه- وهو مولاه وعتيقه زوجه فاطمة بنت قيس رضي الله عنها وهي قرشية, وكذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وهو من قريش زوج مولاه سالماً بنت أخيه الوليد بن عتبة ولم يبال لكونه مولى عتيقاً.
وهذا جاء في الصحابة رضي الله عنهم وبعدهم كثير, ولكن الناس بعد ذلك خصوصاً في نجد وفي بعض الأماكن الأخرى قد يقفون عن هذا ويتشددون فيه على حسب ما ورثوه عن آباء وأسلاف, وربما خاف بعضهم من إيذاء بعض قبيلته إذا قالوا له: لم زوجت فلاناً, هذا قد يفضي إلى الإخلال بقبيلتنا وتختلط الأنساب وتضيع إلى غير ذلك, قد يعتذرون ببعض الأعذار التي لها وجهها في بعض الأحيان ولا يضر هذا, وأمره سهل.
المهم اختيار من يصلح للمصاهرة لدينه وخلقه, فإذا حصل هذا فهو الذي ينبغي سواء كان عربياً أو عجمياً أو مولى أو خضيرياً أو غير ذلك, هذا هو الأساس, وإذا رغب بعض الناس أن لا يزوج إلا من قبيلته فلا نعلم حرجاً في ذلك» 1. قلت: وبهذا نعلم أن الذي ينبغي على الآباء أو الأولياء أن ينظروا إلى=

وَالعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاء (1)،  =حال الخاطب فإن كان صالحاً مستقيماً فليزوجوه, فإن صاحب الدين هو الذي يحفظها ويرعاها, إن أحبها أكرمها, وإن كرهها لم يظلمها.
وإذا كنا نقرر ذلك أن الأصل هو جواز أن يكون الخضيري زوجاً للقبيلية والعكس كذلك، وأنه ينبغي العمل على إزالة هذه العادة السيئة إلا أننا نقول لو كان زواج الخضيري من القبيلية سيؤدي إلى مشاكل ونزاع بين أفراد القبيلة فينبغي تجنب ذلك إخماداً لنار الفتنة ودرءًا للشر وقطعاً لدابر الفوضى وحماية للأعراض والأبدان، بل لو أن ابن العم إذا تزوج بنت عمه ترتب على ذلك مشاكل، فيمنع ذلك درءًا للفتنة وسداً لباب الفرقة.

(1)

قوله «وَالعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاء»:

ما ذكره المؤلف هنا هو أصل لحديث أخرجه البزار وغيره من حديث معاذ بن جبل، وأخرجه البيهقي من حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الْعَرَب بَعضهم لبَعض أكفاء، رجل لرجل، وَحي لحي، وقبيلة لقبيلة، والموالي مثل ذَلِك إلاّ حائك أَو حجام» 1، وهذا الحديث ضعيف جداً، بل قال بعضهم بأنه موضوع قال صاحب العلل المتناهية هذا الحديث لا يصح، وعلى هذا فالراجح أن العرب كغيرهم لعموم قوله تعالى: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» 2.

وَلَيْسَ العَبْدُ كُفُءَ الحُرَّةِ، وَلا الفَاجِرُ كُفُءَ العَفِيْفَةِ (1)،

ذكر بعض الفوائد

: الفائدة الأولى: قال العلماء الكفاءة المساواة: هي أن يتساوى الزوجان في خمسة أشياء: 1 - الدِّين: فالفاجر ليس كفوءاً للمرأة الصالحة.
2 - المنصب: وهو النسب؛ فالأعجمي ليس كفوءاً للعربي.
3 - الحرية: فالعبد المملوك ليس كفوءاً للحرة.
4 - الصنعة أو الحرفة: فصاحب الصنعة الدنيئة ليس كفوءاً لصاحب الصنعة الشريفة.
5 - اليسار: فالمعسر ليس كفوءاً لصاحب المال الموسر، وقد سبق بيان ذلك مع الراجح.

  • الفائدة الثانية: ذكر المؤلف أن المرأة إذا رضيت بمن هو غير كفء لها جاز ذلك: وهذا أحد الروايتين في المذهب، فالرواية الأولى لا يصح، والثانية يصح، وهذا هو الصواب فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوج ابنة عمته زينب بنت جحش مولاه زيد بن حارثة وقد سبق ذكر ذلك.

(1)

قوله «وَلَيْسَ العَبْدُ كُفُءَ الحُرَّةِ، وَلا الفَاجِرُ كُفُءَ العَفِيْفَةِ»:

أي من الأمور المعتبرة في الكفاءة أيضاً الحرية والعفة، فالعبد الذي بقي على الرق ليس كفءً للحرة وكذلك المرأة العفيفة لا تزوج بالرجل الفاجر الزاني لأن العفة في الكفاءة شرط فيها أي في حصول الكفاءة فلا يتزوج الرجل الفاجر وهو الزاني من المرأة العفيفة فلو زوج العفيفة بالفاجر فهل يصح النكاح؟ =

جارٍ التحميل