وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 165-195

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوْطِ أَنْ تُوَفُّوْا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوْجَ» (1)، وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ (2)،  (1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوْطِ أَنْ تُوَفُّوْا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوْجَ»

(1): هذا الحديث متفق عليه من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-، وهو عمدة في هذا الباب يؤخذ منه بعض الفوائد، ومنها: 1 - وجوب الوفاء بالشروط التي التزم بها أحد الزوجين لصاحبه كما ذكر المؤلف كاشتراط البقاء في دارها، أو بلدها، أو ألا يتسري عليها، وغير ذلك من الشروط المعتبرة لمصلحة أحد الزوجين.
2 - أن وجوب الوفاء شامل لجميع الشروط التي هي من مقتضي العقد والتي من مصلحة أحد الزوجين.
3 - أن الوفاء بشرط النكاح آكد من الوفاء بغيرها لأن عوضها استحلال الفروج.

(2)

قوله «وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ (2)، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ»:

نكاح المتعة عرفه المؤلف هنا بأن يتزوج الرجل المرأة إلى مدة، أو يقول لها: «أمتعينى نفسك»، فتقول: «أمتعتك»، سواء قدر المتعة بمدة معلومة كأن يقول: «أتمتع بك يوماً، أو شهراً، أو سنة»، =12

..................................  =ونحو ذلك, أو كانت المدة مجهولة كقوله: «أتمتع بك موسم الحج»، أو «ما أقمت في البلد»، أو «حتى يقدم زيد»، فإذا انقضى الأجل المحدد وقعت الفرقة بغير طلاق.
حكم هذا النوع من الأنكحة, اختلف الفقهاء في نكاح المتعة على قولين: الأول: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية 1، والمالكية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4 أنه يحرم هذا النوع من الأنكحة بل هو باطل، واستدلوا على ذلك بحديث سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِى الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَىْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» 5، واستدلوا أيضاً بحديث عن على بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْمُتْعَةِ قَالَ: «وَإِنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلَمَّا أُنْزِلَ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ نُسِخَتْ» 6، بمعنى أن المتعة ترتفع من=

..................................  =غير طلاق ولا فرقة ولا يجرى التوريث بينهما, مما دلّ على أن المتعة ليست بنكاح ولم تكن المرأة فيها زوجة للرجل.
وأيضاً احتجوا بما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- قَالَ: «إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِى أَوَّلِ الإِسْلامِ كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ وَتُصْلِحُ لَهُ شَيْئَهُ حَتَّى إِذَا نَزَلَتِ الآيَةُ ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَكُلُّ فَرْجٍ سِوَى هَذَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ» 1. القول الثاني: أن المتعة جائزة، وهو رواية عن ابن عباس، وعليها أكثر أصحابه عطاء وطاووس، وبه قال ابن جريح، وحكى ذلك عن أبي سعيد الخدري، وجابر، وإليه ذهب الشيعة لأنه قد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن فيها, وروي عن عمر أنه قال: «مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْهَى عَنْهُمَا: مُتْعَةُ الْحَجِّ، وَمُتْعَةُ النِّسَاءِ» 2، واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا أَلا نَسْتَخْصِى فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ =

وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ لِذلِكَ (1)،  = لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}» (1). والصحيح المقطوع به: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول للدلالة الواضحة التي ليس فيها لبس، ولقوة الأدلة على تحريمها، ثم إن من نظر إلى مقاصد النكاح لوجد أن النكاح إنما شرع لأغراض ومقاصد قد ذكرناها في أول كتاب النكاح, ومن نظر إلى نكاح المتعة وجد أنه بعيد كل البعد عن مقاصد النكاح الشرعية, ولذا نجد أن أكثر الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن الزبير، وأبي هريرة، وغيرهم، وسائر التابعين من السلف الصالح كلهم يحرمونها.
قال الإمام الترمذي: «باب تحريم نكاح المتعة»، وذكر حديث علي المتقدم ثم قال: حديث علي حديث حسن صحيح, والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم، إنما روي عن ابن عباس شيء من الرخصة في المتعة ثم رجع عن قوله حيث أُخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأقر أكثر أهل العلم على تحريم المتعة، وهو قول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق» (2).

(1)

قوله «وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ لِذلِكَ»:

أي وإن شرط المولى أو اشترط الناكح أن يطلق المرأة في وقت معين بطل العقد=12

..................................  =لأن القاعدة العامة في ذلك أن كل نكاح مؤقت بعمل أو زمن فإنه نكاح متعة لا يجوز, وما ذكره المؤلف هنا نكاح المؤقت.
وهل هناك فرق بينه وبين نكاح المتعة؟ الجواب: لا فرق بينهما من حيث الحكم لأنها كلها متعة عند عامة أهل العلم، أما من جهة اللفظ فقد يفرق بينهما بأن يقال نكاح المتعة هو الذي يكون بلفظ التمتع كأن يقول لها: «أعطيتك كذا على أن أتمتع بك يوماً أو شهراً أو سنة»، ونحو ذلك، أما النكاح المؤقت فهو الذي يكون بلفظ التزويج، والنكاح، وما يقوم مقامها، ويقيده بمدة فيقول لها: «أتزوجك عشرة أيام ثم أطلقك»، وهو غير صحيح كما سبق.

- فائدة: في النكاح بنية الطلاق:

تعريفه

: هو أن يتزوج الرجل المرأة وهو يضمر في نيته طلاقها من غير علم المرأة أو وليها بذلك.
حكمه: اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من الزواج: فذهب الحنفية 1، والمالكية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4 على القول الصحيح عندهم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 5 إلى أنه إذا=

..................................  =تزوج الرجل المرأة بنية طلاقها بعد شهر أو أكثر أو أقل، فالنكاح صحيح، وهو أيضاً اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 1، وبه أفتت اللجنة الدائمة 2. ومما قاله سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- عندما سئل عن النكاح بنية الطلاق وصدور فتوى من اللجنة الدائمة بخصوصه قال -رحمه الله-: «نعم لقد صدر فتوى من اللجنة الدائمة وأنا رئيسها بجواز النكاح بنية الطلاق إذا كان ذلك بين العبد وبين ربه, إذا تزوج في بلاد غربة ونيته أنه متى انتهى من دراسته، أو من كونه موظفاً وما أشبه ذلك أن يطلق فلا بأس بهذا عند جمهور العلماء, وهذه النية تكون بينه وبين الله سبحانه, وليست شرطاً، والفرق بينه وبين المتعة: أن نكاح المتعة يكون فيه شرط مدة معلومة كشهر، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، ونحو ذلك, فإذا انقضت المدة المذكورة انفسخ النكاح, هذا هو نكاح المتعة الباطل, أما كونه تزوجها على سنة الله ورسوله، ولكن في قلبه أنه متى انتهى من البلد سوف يطلقها, فهذا لا يضره، وهذه النية قد تتغير، وليست معلومة، وليست شرطاً، بل هي بينه وبين الله فلا يضره ذلك, وهذا من أسباب عفته عن الزنا والفواحش, وهذا قول جمهور أهل العلم, حكاه عنهم صاحب المغني موفق الدين ابن قدامة -رحمه الله-» 3.

..................................  القول الثاني: وهو ما ذهب إليه الأوزاعي، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد 1 أنه يحرم، وهذا هو قول شيخنا 2 -رحمه الله- «مع صحة العقد», «وذلك لأن المتزوج نوى مدة معينة وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» 3، ولأن فيه غشاً للزوجة وأهلها, فإنهم ربما لو كانوا يعلمون أنه لن ينكحها نكاح رغبة وبقاء لم يزوجوه، فلو ظنوا أنه إنما تزوجها مادام في هذا البلد ثم يتركها إذا سافر لم يزوجوه, وإن أخبرهم بقصده وبما يضمره في نيته صار نكاح متعة, فالنكاح بهذه النية أي نية الطلاق يحرم من هذه الناحية لا من ناحية كونه نكاح متعة، وعلى هذا يكون حراماً».
قلت: والأظهر عندي ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني أي يحرم الزواج مع صحة العقد بنية الطلاق لما يترتب عليه من غش الزوجة وغش أهلها, والأصل في كل ما يحصل فيه غش وخداع أنه يحرم وما ذهب إليه الأئمة وغيرهم وإن كانوا قد أباحوه إلا أن قواعد الشريعة تصادم ما ذهبوا إليه، وأظن لو أن أحداً من هؤلاء الأئمة الأعلام عاش هذا الزمان الذي نحن فيه لم يتردد طرفة عين في تحريمه, والذي أراه لمن أراد أن يتزوج حسب هذا النوع من الزواج أنه لا ينوي مفارقة المرأة,=

..................................  =بل ينوى البقاء معها متى أمكن وينوى المحافظة على كل ما فيه ود بين الزوج وزوجته, فإن حصل ما يعارض ما نواه فله أن يفارقها, وهذا بلا شك يتماشى مع أصول وقواعد الشريعة التي جاءت بالحفاظ على الأُسر من الضياع, والسعي إلى تأليف القلوب بين أفراد المجتمعات, وإلا فإن من يتربص بالأُمة شراً أخذ يطعن في أحكام الشريعة بسبب هذا النوع من الأنكحة أعنى النكاح بنية الطلاق, فإننا نسمع عن الحكايات التى تحصل من أبناء المسلمين ضعاف النفوس وضعاف الإيمان الذين انتهزوا هذه الفرصة - أي فرصة من قال بالجواز -، وذهب إلى البلاد غير الإسلامية, وتزوج بنية الطلاق مرة واثنتين وثلاثة خلال عام واحد في العطلة الصيفية، هذا كله جعل الغرب الكافر ينتقدون شريعة الإسلام ويتهمونها بأنها تبيح الغش والخداع والظلم من جراء هذا النوع من الأنكحة.
فالحاصل أنني أقول لمن اضطر إلى الذهاب خارج البلاد إما للدراسة أو التجارة أو نحو ذلك إن أردت الزواج من نساء هذه البلاد المسافر إليها فيلزمك ما يلي: 1 - أن تنوى بقلبك عدم مفارقة هذه المرأة التي تريد الزواج منها.
2 - أن تسعى بكل ما تملك أن تبقى زوجة لك.
3 - يلزمك عند الزواج بها إحضار وليها وتوثيق عقد الزوجية وكل ما يلزم للنكاح الصحيح المعتبر.

..................................  4 - إذا حصل أي عارض من العوارض التى لا تتمكن منها من البقاء مع المرأة فلا مانع من فراقها شأنها بذلك شأن أي زواج آخر.

  • فائدة: ذكر بعض أهل العلم بعض الفوارق بين نكاح المتعة والنكاح بنية الطلاق منها: 1 - أن نكاح المتعة يتم بالاتفاق بين الولي والزوجة، أو بين الزوجة ومن يرغب في نكاحها على الأجل المضروب بينهما للنكاح, وتقع الفرقة بينهما بمجرد انقضاء الأجل، أما الزواج بنية الطلاق فيفرق بين الزوجين بطلاق بائن وعدة واجبة.
    2 - أن المرأة في نكاح المتعة لا حق لها سوى الأجر - المسمى صدقاً - بخلاف المتزوجة ممن ينوى طلاقها, فلهذه الحق في الميراث والمتعة في العدة وسائر حقوق الزوجة على زوجها.
    3 - عدة المطلقة من نكاح من يضمر نية الطلاق كعدة مثيلاتها من بنات جنسها, وأما المتعة فللمرأة بعد انقضاء أجل متعتها عدة خاصة تخالف عدة المطلقة, ومن مات عنها زوجها من المسلمات.
    4 - أن الزواج بنية الطلاق قابل للاستمرار والديمومة إذا أراد الزوج وغيَّر نيته، أما في المتعة فلا حق للزوج في الاستمرار مع زوجته, ولا حق لها في ذلك بعد انقضاء الأجل المضروب بينهما, بل تجب الفرقة فوراً.

..................................  -

فائدة: في حكم زواج المسيار

: أولاً: نقول شرع الله تعالى الزواج لأهداف متعددة, منها تكاثر النسل, والحفاظ على النوع الإنساني, وإنجاب الذرية, وتحقيق العفاف، وصون الإنسان عن التورط في الفواحش والمحرمات، ومنها التعاون بين الرجل والمرأة على شؤون العيش وظروف الحياة والمؤانسة, ومنها إيجاد الود والسكينة والطمأنينة بين الزوجين, ومنها تربية الأولاد تربية قوية في مظلة الحنان والعطف, وغير ذلك من الأمور التى من أجلها شرع الزواج قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ 1. ثانياً: صورة زواج المسيار: صورة هذا الزواج هو أن يشترط الزوج على المرأة التي يرغب في الزواج منها أن لا يقسم بينها وبين نسائه بالتساوي أو لا ينفق عليها, أولا يسكنها, وقد يشترط أن يكون لها النهار دون الليل وهو ما يسمى «بالنهاريات»، وقد تكون المرأة هي المبادرة بإسقاط حقوقها, فقد تكون صاحبة مال ومسكن فيسقط عنه, وقد ترضى بالنهار دون الليل كما سبق, وقد ترضى بعدد أيام دون أيام ضرائرها وغير ذلك, وهذا الإسقاط للحقوق من كلا الطرفين لا يجعل النكاح محرماً وإن كرهه بعض أهل العلم لكنه لا يخرج عن الجواز لاستكماله شروط وأركان =

وَنَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا (1)،  = النكاح، لكن يكون إسقاط الحقوق بعد العقد، أي بعد أن تملك المرأة الحق، أما قبل ذلك فلا حق لها.

(1)

قوله «وَنَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا»

..................................  =بعضهم من تفسير نافع وليس خاصاً بالابنة بل كل مولية» (1).

اختلاف الفقهاء في نكاح الشغار

: اتفق الفقهاء على عدم جواز نكاح الشغار لكن اختلفوا في النهي هل هو للتحريم أم للكراهة؟ وهل هو باطل أم لا؟ نقول ذهب جمهور الفقهاء 2 إلى أن النكاح باطل.
وذهب الحنفية 3 إلى أن النكاح صحيح غير أنه مكروه تحريماً وللمرأة مهر المثل.
قلت: والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو بطلان نكاح الشغار، والنهي في الحديث يعود على نفس العقد بالإبطال، والعلة في النهي هي خلو العقد من المهر.
فإن اتفقا على أن يتزوج كل واحد منهما موليته على أن يكون هناك مهر لكل منهما فهل يجوز؟ قولان: الأول: لا يجوز مطلقاً سواء كان بمهر أو بدون مهر لعموم الخبر، وجعل تفسير الشغار من كلام الراوي ليس من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولأنه قد يفقد عدم الرضا من المرأة، فقد لا ترضى بأن يكون هذا الرجل زوجاً لها وبالتالي يفقد ركناً من أركانه وهو الرضا، ولأن تزويج الولي=1

وَلَعَنَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاثاً؛ لِيُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا (1)،  =موليته إنما كان من أجل مصلحته هو, لا مصلحة موليته، والقاعدة في النكاح «أن التصرف بالرعية منوط بالمصلحة»، فالتحريم لأجل وجود الشرط ولو وجد معه مهر.
القول الثاني: وهو صحة النكاح إن كان هناك مهر بينهما لقوله في الحديث السابق «ليس بينهما صداقاً»، فإذا وجد الصداق صح العقد، والذي يظهر لى والله أعلم أنه إذا كان المهر هو مهر مثلها لم ينقص, والمرأة قد رضيت بالزواج وهو كفء لها فإنه يصح أي إذا اجتمعت فيه شروط ثلاثة وهي: «الكفاءة - مهر المثل - الرضا»، فمتى تحققت هذه الشروط فلا بأس بذلك، وهذا اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).

(1)

قوله «وَلَعَنَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (2)، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاثاً؛ لِيُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا»:

هذا أيضاً نوع أخر من الأنكحة الباطلة.
والمحلل: هو الذي ينكح المطلقة ثلاثاً بشرط التحليل لمن طلقها ونكاح التحليل باطل, سواء كان التحليل مشروطاً في العقد صراحة أو نواه الزوج, أو الزوجة على الراجح من أقوال أهل العلم، ويدخل معهم=12

..................................  =أيضاً الولي إن كان قد تواطأ في هذا النكاح، فإن قاصد التحليل والمتواطئ عليه لا يخرج عن مسمى المحلل، ولأن القصد في العقود معتبر, والأعمال بالنيات, قال شيخ الإسلام: «ولا يصح نكاح التحليل ونية ذلك كشرطه» (1).

و

هل يقع نكاحاً صحيحاً مع حصول الإثم أم هو نكاح باطل يوجب فسخ النكاح؟

قولان لأهل العلم: الأول: أنه نكاح صحيح وإن كان موجباً للإثم، وهذا قول أبي حنيفة 2، والشافعية 3, لأن العقد الظاهر قد استكمل أركانه وشروطه الشرعية، فهي بذلك تحل بوطء الزوج الثاني للأول.
وذهب المالكية 4، والحنابلة 5 إلى أن الزواج بقصد التحليل باطل, ولا تحل المرأة بهذا الزواج لزوجها الأول، واستدلوا لذلك بالحديث المتقدم وعملاً بقاعدة سد الذرائع.
قلت: وهو الراجح عندي, فالنكاح بنية التحليل نكاح باطل وبه لا تحل المرأة لزوجها الأول، ولأن في ذلك استحلالاً للزنا باسم النكاح, فإن قول المحلل تزوجت هذه المرأة, أو قبلت هذا الزواج وهو غير مبطن=1

..................................  =لحقيقة النكاح, ولا يقصد أن تكون زوجة له, ولا هي مريدة لذلك، ولا الولي فقد توسل باللفظ الشرعي إلى ما فيه مقصود العقد, وهو عود المرأة إلى زوجها المطلق.

بابُ العُيُوْبِ الَّتِيْ يُفْسَخُ بِهَا النِّكاحُ

(1)  (1)

قوله «بابُ العُيُوْبِ الَّتِيْ يُفْسَخُ بِهَا النِّكاحُ»:

أي باب في بيان ما يثبت به الخيار ومالا يثبت به.
والعيوب: جمع عيب, وهو نقص بدني أو عقلي في أحد الزوجين يمنع من تحصيل مقاصد الزواج والتمتع بالحياة الزوجية.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: العيوب التي يفسخ بها النكاح هل هي مخصوصة بأشياء معينه معدودة؟

المشهور من المذهب كما سيذكره المؤلف أنها مخصوصة بأشياء معدودة وما سواه ولو كان أولى بالنفور فليس بعيب.
والصحيح: أن العيوب في النكاح مضبوطة بضابط محدد وهو ما يعده الناس عيباً يفُوت به الاستمتاع أو كماله.
قال ابن القيم -رحمه الله-: «والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار» 1، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 2، وشيخنا -رحمه الله- 3, فالأصل في عقد النكاح السلامة من العيوب كغيره من العقود ولذا فيثبت الفسخ بكل عيب يمنع من=

..................................  =مقصود النكاح كما ذكر ابن القيم -رحمه الله-، وعلى ذلك لا تكون العيوب محددة بعدد معين, وعلى القاضي أن يجتهد فلا يفسخ النكاح إلا بعيب يذهب معه مقصود النكاح.

- الفائدة الثانية: لم يرد في السنة أحاديث صحيحة تبين موضوع العيوب في النكاح،

وإنما غالب ما اعتمد عليه الفقهاء في هذا الباب آثار مروية عن الصحابة.

الفائدة الثالثة: العيوب في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام

: القسم الأول: قسم مشترك بين الزوجين، مثل الجنون والجذام والبرص.
القسم الثاني: قسم يختص به النساء دون الرجال وهو كل عيب يمنع استمتاع الرجل بزوجته، وسيأتي في كلام المؤلف الأمثلة على ذلك.
القسم الثالث: ما يختص بالرجال دون النساء مثل العُنَّة والجب، وسيأتي قريباً إن شاء الله.

الفائدة الرابعة: ما يترتب على العيوب من أحكام

: 1 - أنه يجوز للمتضرر فسخ النكاح.
2 - أن الفسخ أو الخيار يكون على التراخي لا الفورية، بمعنى أن الزوج إذا وجد عيباً في المرأة أو العكس، فللمتضرر الذي وجد العيب في صاحبه الخيار, ولا يسقط هذا الخيار إلا بأمور ثلاثة: أـ الرضا الصريح.

مَتَى وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الآخر مَمْلُوْكاً، أَوْ مَجْنُوْناً، أَوْ مَجْذُوْمًا، أَوْ أَبْرَصَ (1)،  ب - الاستمتاع مع وجود العيب.
ج - تمكين المرأة لزوجها مع وجود العيب، ولا يكفي التمكين إلا أن يكون مقروناً بما يفهم معه الرضا، فقد يكون التمكين عن كره، أو عدم رضا، أو خوف من الزوج، ونحو ذلك.
3 - أن يكون الفسخ بحكم حاكم.

- الفائدة الخامسة: إذا تزوج الرجل بالمرأة فوجد بها عيباً فلا يخلو من حالين:

الأول: أن يعلم بالعيب قبل الدخول فله أن يفسخ من غير مهر.
الثاني: ألا يعلم بالعيب إلا بعد الدخول فلها المهر بما استحل من فرجها, وإن غُرّ ولم يعلم بالعيب إلا بعد الدخول فله الرجوع على من غرّه.
(1) قوله «مَتَى وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الآخر مَمْلُوْكاً، أَوْ مَجْنُوْناً، أَوْ مَجْذُوْباً، أَوْ أَبْرَصَ»: هذه جملة من العيوب المشتركة بين الزوجين التى متى وجدت في أحد الزوجين جاز له الفسخ فمن هذه العيوب.
الرق: فمتى تزوج الحر امرأة فبانت أمة أو العكس، أي تزوجت الحرة رجلاً حراً فبان عبداً مملوكاً فلها الفسخ لعدم الكفاءة بين الزوجين.
الجنون: وهذا مذهب جمهور أهل العلم، أي أن الجنون عندهم يعتبر عيباً يفسخ به النكاح، فإذا وجد أحد الزوجين في الآخر جنوناً فإنه يثبت له الخيار وذلك لفوات الاستمتاع المقصود منه، هذا إذا عدم العلم بالجنون حال العقد لثبوت الخيار، أما العالم به فلا خيار له.

أَوْ وَجَدَهَا الرَّجُلُ رَتْقَاءَ (1)، أَوْ وَجَدَتْهُ مَجْبُوْباً (2)،  الجذام: هو مرض تتآكل منه الأعضاء وتتساقط وهو عيب بلا شك, ولا يسلم من هذا المرض في الغالب أحد، وهو أيضاً معيب.
وقد جاءت السنة بالأمر بالفرار ممن أصيب به.
وهذا المرض يثبت به خيار الفسخ لكل واحد من الزوجين لأنه يثير نفرة في النفس تمنع قربانه ويخشى تعديه إلى النفس والنسل فيمنع الاستمتاع.
وذهب الحنفية (1) إلى أن الجذام لا يثبت به الخيار للزوجين.
البرص: داء معروف، وهو بياض يقع في ظاهر الجلد, يبقع الجلد ويذهب دمويته، فإذا أصيب أحد الزوجين بالبرص فله فسخ الزواج بوجوده سواء كان قبل الدخول أو بعده.

(1)

قوله «أَوْ وَجَدَهَا الرَّجُلُ رَتْقَاءَ»:

الرَتَق: بفتح الراء والتاء، ومعناه انسداد محل الجماع باللحم، أي أن يكون فرجها مسدوداً بأصل الخلقة لا يسلكه الذكر.
فإذا وجد الرجل المرأة رتقاء فله الفسخ إن لم يكن علم بذلك لأنه عيب يمنع من استيفاء مقصود النكاح.

(2)

قوله «أَوْ وَجَدَتْهُ مَجْبُوْباً»:

المجبوب هو الذي قطع ذكره, فإذا وجدته مجبوباً, فلها فسخ النكاح لأن الجب يمنع المقصود بعقد النكاح وهو الوطء، ولأنه عيب لا يرجى زواله.1

فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ ذلِكَ (1)، وَلا يَجُوْزُ الفَسْخُ إِلاَّ بِحُكْمِ حَاكِمٍ (2)،  (1)

قوله «فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ ذلِكَ»:

الضمير في «له» يعود على الزوجين، أي فلكل من وجد عيباً في صاحبه من العيوب التي سبق ذكرها فسخ النكاح إن لم يكن علم بذلك قبل العقد، فإن علم به بعد العقد فله حالتان: الأولى: أن يكون علمه بعد العقد وقبل الدخول، فإن كان العيب في المرأة فسخ العقد ولا مهر للمرأة لغشها وغررها فهي التي غرّت الزوج، أما إن كان العيب من قبل الرجل فالصحيح أنه إن فسخ قبل الدخول فللمرأة نصف المهر لأن الزوج هو السبب فبغشه وخداعه حصل العقد.
الثانية: أن يكون علمه بالعيب بعد الدخول فلها المهر بما استحل من فرجها ويرجع به على من غرّ، والتغرير إما أن يكون من الزوجة كأن يكون بها عيب أخفته عن وليها، والولي عقد ودخل الزوج ووجد العيب فالغار الزوجة، ووليها ليس عليه شيء لأنه لا يعلم، وإن كان الولي عالماً وهي عالمة أيضاً فيكون الرجوع إما عليهما بالتساوي وإما على الولي, لأن الغرور المباشر إنما حصل من قبل الولي.

(2)

قوله «وَلا يَجُوْزُ الفَسْخُ إِلاَّ بِحُكْمِ حَاكِمٍ»:

ذكرنا سابقاً أنه يترتب على العيوب في النكاح أمور ثلاثة، وهي: 1 - جواز فسخ النكاح للمتضرر.
2 - ثبوت الخيار على التراخي.

..................................  3 - أن يكون الفسخ بحكم حاكم، وهذا الأخير هو مراد المؤلف هنا, أي لا يتم فسخ النكاح إلا بحكم حاكم، فمتى ثبت العيب وطلبت أن يفسخ العقد فلا يتم الفسخ إلا بحكم الحاكم وهو القاضي وذلك لقطع النزاع الذي قد يحصل بسبب ذلك, ولأن بعض العيوب مما هو مختلف فيه وحكم الحاكم يرفع الخلاف، ولأنه عقد نكاح فيحتاط له أكثر.
وقول آخر في المسألة: أنه متى فسخ العقد بلا نزاع بين الزوجين فلا حاجة إلى رفعه إلى القاضي, أي لا يحتاج إلى الذهاب إلى القاضي إلا عند النزاع لرفع الخلاف, أما إذا اتفقا على ذلك فلا حاجة للحاكم.
والصواب عندي: أنه لابد أن يكون عن طريق الحاكم لأنه يحتاج إلى اجتهاد ونظر وكتابة وتوثيق, فإذا رفع أحدهما الأمر إلى القاضي وطلب الفسخ نظر في الأمر ثم حكم له حسب ما بينهما من شروط.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: إذا تم الفسخ فإن كان بعد الخلوة أو الدخول فعلى المرأة العدة, وإن كان قبل ذلك فلا عدة عليها لأن كل فراق بين الزوجين قبل الخلوة فإنه لا عدة فيه.
  • الفائدة الثانية: الولي له أن يمنع من ابتداء عقد النكاح, ولا يمنع من استدامته لأن الاستدامة أقوى من الابتداء, فللولي أن يمنع المرأة من الزواج بالمجنون والأبرص والمجذوم ابتداءً, لكن لو لم يعلم إلا بعد =

وَإِنْ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ زَوْجَهَا عِنِّيْنٌ لا يَصِلُ إِلَيْهَا، فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تُرَافِعُهُ (1)،  = العقد فليس له أن يرفعه, وليس له أن يجبرها على الفسخ.

- الفائدة الثالثة: هل العقم يعد عيباً؟

اتفق جمهور الفقهاء على أن العقم ليس عيباً يثبت به الخيار في طلب الفسخ إذا وجده أحد الزوجين في الآخر، وقال بعضهم: يستحب لمن فيه العقم أن يعلم الآخر قبل العقد, ولا يجب عليه ذلك.
والأقرب: أنه عيب إن كان في الرجل يثبت به الفسخ للمرأة لأن من أعظم مقصود النكاح هو الولد فهو عيب.
أما المرأة العقيم فليس للرجل الفسخ لأنه يجوز له أن يتزوج الثانية، والثالثة، والرابعة، وله أن يطلقها.

- الفائدة الرابعة: هل الغيرة المفرطة من الزوج أو الزوجة من العيوب التى يفسخ بها النكاح؟

الصواب: أن ذلك لا يحصل به الفسخ.
(1)

قوله «وَإِنْ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ زَوْجَهَا عِنِّيْنٌ لا يَصِلُ إِلَيْهَا، فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تُرَافِعُهُ»:

العِنِّين هو العاجز عن الوطء في القُبل لعدم انتشار الآلة، وسمى العنين بذلك للين ذكره وانعطافه، مأخوذ من عنان الدابة.
والعنة: قد تكون بسبب مرض أصاب الرجل، أو لضعف خلقته، أو لكبر سنه، فمتى كان الرجل عاجزاً عن الجماع فللمرأة فسخ النكاح لأن العنة معنى لا يمكن معه الوطء الذي هو مقصود النكاح الأعظم.
=

..................................  =لكن متى ادَّعت المرأة على زوجها ذلك أي لم يقربها، فإن أقر بذلك فإنه يؤجل سنة عند جمهور أهل العلم (1)، واستدلوا على ذلك بقضاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فإنه قال: «يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً» (2)، فتأجيله سنة عذر كاف, ولأن العُنَّة قد تكون بسبب مرض, فضربت سنة لكى يتبين أنه عنة لا مرض.
وذهب الشافعية (3) أنه لا يؤجل سنة إلا إذا طلبت الزوجة، فإن سكتت لم تضرب المدة.
وخلاصة القول هنا أن المرأة إذا أدَّعت على الرجل كونه عِنيناً فإن اعترف فتثبت عنته بإقراره, وإن لم يعترف بدعواها عليه بل أنكر فسيأتي في كلام المؤلف, أنه لا يقبل قولها إلا ببينة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (4).

و

هل التعويل على السنة الميلادية أم السنة الهلالية؟

الجواب: على السنة الهلالية وتبدأ منذ التحاكم لا من منذ الزواج ولا=1234

فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا، خُيِّرَتْ فِي الْمَقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ (1)، فَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهَ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتَهُ قَبْلَ نِكَاحِهَا (2)، أَوْ قَالَتْ: رَضِيْتُ بِهِ عِنِّيْنًا فِيْ وَقْتٍ (3)،  =من وقت الدعوى.
قال ابن عبد البر: «ولا أعلم بين الصحابة خلافاً في أن العنين يؤجل سنة من يوم يرفع إلى السلطان» (1)

(1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا، خُيِّرَتْ فِي الْمَقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِه»:

أي فإن لم يصبها خلال السنة التي ضربت له فلها الخيار بين البقاء معه أو فسخ النكاح لأنه بذلك تثبت عنته, فإن جامع ولو مرة واحدة خلال السنة فهل يعد عنيناً؟ سيأتي في كلام المؤلف بيان ذلك إن شاء الله.
(2)

قوله «فَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهَ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتَهُ قَبْلَ نِكَاحِهَا»:

أي إن اختارت الفراق فلها ذلك ويتولى الحاكم الفراق بينهما كما سبق إلا أن تكون قد علمت بعيبه قبل النكاح ورضيت فليس لها المطالبة به بعد ذلك لدخولها على بصيرة بأمره، كما لو باع سلعة بها عيب فعلم المشترى العيب ورضي به فليس له المطالبة بعد ذلك.
(3)

قوله «أَوْ قَالَتْ: رَضِيْتُ بِهِ عِنِّيْنًا فِيْ وَقْتٍ»:

وهذا كالذي قبله، وزيادة عليه أنها علمت ورضيت بكونه عنيناً فليس لها بعد العقد أن تطالب بحقها لدخولها على العيب بعلم وبصيرة ورضا، إلا أنه ينبغي أن يفرق=1

وَإِنْ عَلِمَتْ بَعْدَ العَقْدِ وَسَكَتَتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا (1)، وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتِيْ أَوْ رَضِيَتْ بِيْ بَعْدَ عِلْمِهَا، فَأنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا (2)، وَإِنْ أَصَابَهَا مَرَّةً، لَمْ يَكُنْ عِنَّيْنًا (3)،  =بين البكر والثيب في ذلك، فإن قالت البكر رضيت به عنيناً لم يقبل قولها، أما الثيب فإن لها ذلك لأنها تدرك ما لم تدركه البكر.

(1)

قوله «وَإِنْ عَلِمَتْ بَعْدَ العَقْدِ وَسَكَتَتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا»:

أي لم يسقط حقها في المطالبة إذا علمت بأنه عنين بعد العقد مباشرة، والفرق بين هذه والتي قبلها أنه في الحالة التى قبلها علمت بأنه عنين ورضيت بذلك فيسقط حقها بعد العقد ولا خيار لها إجماعاً لأنها هي التي أسقطت حقها، أما هذه فلم تعلم بذلك إلا بعد العقد فلها المطالبة بالفسخ وإن كان بعد العقد.
(2)

قوله «وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتِيْ أَوْ رَضِيَتْ بِيْ بَعْدَ عِلْمِهَا، فَأنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا»:

القول قولها لأنه أقر بعنته، ولأن الأصل عدم العلم والرضا.
(3)

قوله «وَإِنْ أَصَابَهَا مَرَّةً، لَمْ يَكُنْ عِنَّيْنًا»:

أي وإن أصاب الرجل المرأة مرة واحدة منذ أن دخل بها فليس بعنين.
فالفقهاء رحمهم الله يرون أن العنة توجد مع الرجل ولا تحدث خلال حياته، والواقع يخالف ذلك، فهناك من يصابون بأمراض، وحوادث، ويفقدون الشهوة نهائياً، أو يكوون ظهورهم ويحصل عندهم العُنَّة.
=

وَإِنِ ادَّعَى ذلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ (1)، فَإِنْ كَانَتْ عَذْرَاءَ، أُرِيَتِ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ وَرُجِعَ إِلى قَوْلِهِنَّ (2)،  =ولذا نقول ما ذهب إليه الفقهاء في هذه المسألة مذهب ضعيف يخالف الواقع, فإن العُنَّة تحدث بلا ريب والإنسان معرض لفقد قواه كلها أو بعضها.
فالصواب في هذه المسألة: أنه متى ثبتت العنة ولو طارئة وعلم أنها لن تعود شهوة النكاح فللمرأة الفسخ, أما إذا كانت العنة أمراً طارئاً يزول فلا تمكن من الفسخ لعدم اليأس من قدرته على الجماع، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).

(1)

قوله «وَإِنِ ادَّعَى ذلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ»:

أي إن ادعى أنه وطئها فأنكرت ما ادعاه فهنا لا بد من إثبات دعواه ونفي ما تدعيه فقال المؤلف.
(2)

قوله «فَإِنْ كَانَتْ عَذْرَاءَ، أُرِيَتِ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ وَرُجِعَ إِلى قَوْلِهِنَّ»:

أي إن ادعت المرأة عُنة زوجها فادعى أنه وطئها وقالت أنها عذراء أُريت النساء الثقات, فإن شهدن بعذرتها فالقول قولها لأن الوطء يزيل عذرتها.
وقول المؤلف «النساء الثقات»: يستفاد منه أن ما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء، وما كان تحت الثياب، والرضاع، والبكارة، والثيوبة، والحيض لا يشهد فيه غير النساء.
واشترط المؤلف كونهن ثقات للبعد عن التهمة وللعمل بالأحوط.

و

هل تكفي امرأة واحدة أم يشترط أكثر من ذلك؟

=1

وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّباً، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ (1)،  =على روايتين، والصحيح أنه يكفي فيه امرأة واحدة، وهو المذهب، وعليه الأكثر (1). قال شيخ الإسلام: «قال أصحابنا والاثنتان أحوط من المرأة الواحدة» (2).

لكن

هل تستحلف المرأة؟

يحتمل وجهين: الأول: أنها تستحلف لإزالة هذا الاحتمال كما يستحلف سائر من قلنا القول قوله.
الثاني: أنها لا تستحلف لأن ما يبعد جداً لا يلتفت إليه.
قلت: ولعل الأولى أن تحلف المرأة التى أقرت بعذرتها لزوال احتمال الكذب, ولأن النساء عادة عواطفهن تميل إلى بعضهن، فإن لم يشهد للمرأة أحد, فالقول قوله لأن الأصل السلامة في الرجال وعدم العيوب, فإن ادعت أن البكارة إنما أزيلت بغيره كأن يكون عن زنا عياذاً بالله، فالقول قوله أيضاً لأن الأصل عدمه، فإن ثبت أنها عذراء أجِّل سنة كما سبق بيانه في أول هذا الباب.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّباً، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ»:

أي وإن ادعى الرجل أنه أصابها فأنكرت ثم بان من قبل النساء الثقات أنها ثيب فالقول قوله لأن هذا يتعذر إقامة البينة عليه، ولأن الوطء يزيل عذرتها, فعدمها يدل على الوطء.12

..................................  =وقوله «فالقول قوله مع يمينه»: لأن الأصل بقاء النكاح والمرأة تدعى رفعه, وهو يدعى ما يوافق الأصل، فكان القول قوله كما لو أدعى الوطء في العُنَّة, ولأن هذا أمر خفي ولا يعلم إلا من جهته فقبل قوله فيه، أما كونه يلزمه اليمين لأن ما تدعيه المرأة محتمل فوجب نفيه باليمين.

فَصْلٌ فِيْ التَّفْرِيْقِ لِلْعِتْقِ

(1) وَإِنْ عَتَقَتِ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ، خُيِّرَتْ فِيْ الْمُقَامِ مَعَهُ وَفِرَاقِهِ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ التَّفْرِيْقِ لِلْعِتْق»:

أي هذا فصل فيما يحصل به التفريق بسبب العتق, فالتفريق بين الزوجين يكون بفقد شرط من الشروط أو بوجود عيب من العيوب، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً ومما يحصل به الفراق كذلك إذا عتقت الأمة فلها فسخ النكاح إذا كان زوجها عبداً كما قال المؤلف.
(2)

قوله «وَإِنْ عَتَقَتِ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ، خُيِّرَتْ فِيْ الْمُقَامِ مَعَهُ وَفِرَاقِهِ»:

هذا بإجماع أهل العلم، قال ابن قدامة «أجمع أهل العلم على هذا، ذكره ابن المنذر وابن عبد البر, وغيرهما، والأصل فيه حديث بريرة» 1. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبَّاسٍ يَا عَبَّاسُ أَلا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ رَاجَعْتِهِ»، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ تَأْمُرُنِي قَالَ إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ: قَالَتْ لا حَاجَةَ لِي فِيهِ» 2, فلو كان حراماً ما خيّرها -صلى الله عليه وسلم-، ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت عبد، فكان لها الخيار كما لو=

وَلَهَا فِرَاقُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ (1)، فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلِ اختيارهَا أَوْ وَطْئِهَا بَطَلَ خِيَارُهَا (2)، وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهَا، أَوْ عَتَقَ كُلُّهَا وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَلا خِيَارَ لَهَا (3)،  =تزوجت حرّة على أنه حرٌّ فبان عبداً, فإن اختارت الفسخ فلها فراقه, وإن رضيت المقام معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك لأنها أسقطت حقها.

(1)

قوله «وَلَهَا فِرَاقُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ»:

لأن فراق بريرة لم يكن بحكم حاكم, فلم يعلم به النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد وقوعه منها, ولأن هذا الحكم مجمع عليه فلا يحتاج إلى اجتهاد فلم يفتقر إلى حكم الحاكم.
(2)

قوله «فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلِ اختيارهَا أَوْ وَطْئِهَا بَطَلَ خِيَارُهَا»:

أي فإن أُعتق العبد وهو زوجها قبل اختيارها فلا خيار لها للتساوي في الحرية، وكذلك إن وطئها بعد أن عتقت وقبل أن تختار الفسخ أو عدمه فلا خيار لها سواء علمت أن لها الخيار أو لم تعلم، ويستدل على ذلك بما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَنه قال: «إِذَا أُعْتِقَتْ الأَمَةُ فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، إِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَلا خِيَارَ لَهَا، وَلا تَسْتَطِيعُ فِرَاقَه» (1)، وجاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: «إِنْ قَرِبَكِ فَلا خِيَارَ لَكِ» (2). (3)

قوله «وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهَا، أَوْ عَتَقَ كُلُّهَا وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَلا خِيَارَ لَهَا»:

أي إن عتق نصف الأمة أي سارت مبعضة، وكذلك لو عتقت كلها وكان زوجها حراً فلا خيار لها، وهذا قول أكثر أهل العلم، ذلك لأنها كافأت=12

..................................  = زوجها في الكمال.
وقال بعض أهل العلم: بل لها الخيار كذلك إن كان زوجها حرٌّ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- خيَّر بريرة وزوجها حرٌّ, ولأنها كملت بالحرية, فكان لها الخيار كما لو كان زوجها عبداً.
وذهب شيخنا (1) -رحمه الله- إلى أن لها الخيار مطلقاً إذا عتقت, وجعل الموجب للخيار العتق, لا أنها ساوت الزوج, وذلك لأنها حين كانت أمة كانت مغلوبة على أمرها.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: المعتبر في السنة التى سيمهل فيها العنين هي السنة القمرية:

لأن الله تعالى ربط الأحكام بالأهلة، وقد قيل في الحكمة من ذلك لتمر عليه الفصول الأربعة إذ قد ينشط في بعضها ويعجز في بعضها, و

هل التأجيل سنة تشريع أو قضاء؟

يحتمل هذا وهذا، فإن كان تشريعاً فلا مجال لتغيره, وإن كان قضاء فهو اجتهاد يتغير من وقت لأخر.

  • الفائدة الثانية: إذا رضيت الزوجة بمن فيه عيب فلا إثم عليها: ولكن لو منعها وليها من ذلك فمن حقه لأن في زواجها ضرر قد يتعدى للولد، ثم إن في زواجها من هذا المعيب تكديراً على أهلها وتنغيصاً عليهم.1
جارٍ التحميل