وَالرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ مَا دَخَلَ الحَلْقَ مِنَ اللَّبَنِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِارْتِضَاعٍ مِنَ الثَّدْيِ، أَوْ وَجُوْرٍ، أَوْ سَعُوْطٍ (1)،
=ولم يرد دليل على التحريم من الرضاع بالمصاهرة، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (1)، وفرق بين النسب وبين المصاهرة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ (2).
وأيضاً مما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (3)، وقوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ (4)، وهذا الإطلاق لا يدخل فيه زوجة الابن من الرضاع، ولا أم الزوجة من الرضاع، ولا بنت الزوجة من الرضاع.
والراجح من الأقوال: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.
(1)
قوله «وَالرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ مَا دَخَلَ الحَلْقَ مِنَ اللَّبَنِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِارْتِضَاعٍ مِنَ الثَّدْيِ، أَوْ وَجُوْرٍ، أَوْ سَعُوْطٍ»:
بدأ المؤلف ببيان صفة اللبن التي يحصل به الرضاع وهو ما كان عن طريق الحلق سواء دخل بارتضاع من الثدي أو وجور أو سعوط، والوجور: هو أن يصب اللبن في فم الطفل، والسعوط: هو أن ينقط اللبن في الأنف فيثبت الحكم، وكذلك لو جُبِّنَ=1234
مَحْضًا كَانَ، أَوْ مَشُوْبًا إِذَا لَمْ يُسْتَهْلَكْ (1)، وَلا يَحْرُمُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ ثَلاثَةٍ (2)، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لَبَنُ امْرَأَةٍ، بَكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّباً (3)، =عند جمهور الفقهاء، بل قال بعضهم: حتى لو حقن عن طريق الدبر، فكل ذلك يثبت به التحريم، وذلك لأن هذه المذكورات أعنى السعوط، والوجور، والجبن، والحقن كل ذلك يحصل به الرضاع, والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
(1)
قوله «مَحْضًا كَانَ، أَوْ مَشُوْبًا إِذَا لَمْ يُسْتَهْلَكْ»:
أي سواء كان اللبن محضاً يعني صافياً أي خرج من صدر المرأة إلى فيِّ الطفل, أو كان اللبن مشوباً وهو الممزوج بالماء، أو الممزوج بلبن صناعي, فهو أيضاً ينشر الحرمة والمحرمية بشرط أن يكون هذا المخلوط مازال يسمى لبناً, فإن وضع هذا اللبن في إناء فيه ماء كثير فإنه لا ينشر الحرمة ولا المحرمية لأنه لا يسمى لبناً في العرف، ولا في العادة، بل يسمى ماء متغيراً، وكذلك إذا خلط بلبن صناعي.
فالحاصل أن اللبن إذا خلط بغيره سواء كان ماءً أو لبناً صناعياً أو غير ذلك إذا كان باقياً ظاهراً فإنه ينشر الحرمة، وإن كان اللبن الصناعي هو الأكثر وهو الغالب فإنه لا ينشر الحرمة، هذا معنى كلامه -رحمه الله-.
(2)
قوله «وَلا يَحْرُمُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ ثَلاثَةٍ»:
أي لا يحصل الرضاع المحرم إلا بتحقق هذه الشروط الثلاثة.
(3)
قوله «أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لَبَنُ امْرَأَةٍ، بَكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّباً»:
هذا هو الشرط الأول، فلا تتحقق الحرمة والمحرمية في الرضاع إلا إذا كان اللبن من=
..................................
=امرأة، فإن كان من رجل فلا يحصل به الرضاع، ولابد أن يكون هذا اللبن ثاب من حمل، وقد سبق الخلاف في ذلك وبيَّنَّا أن الراجح أنه لا يشترط أن يكون اللبن قد ثاب من حمل.
وقول المؤلف «يَكُوْنَ لَبَنُ امْرَأَةٍ، بَكْرًا» مع أن المذهب لا يرى أن الرضاع لا يحصل إلا بأن يكون قد ثاب من حمل، فالمراد بالبكر هنا التي حملت من زنى أو وطئت بشبهة، فهي على المذهب لا تزال بكراً لأن النكاح هو ما كان من عقد صحيح لا من عقد فاسد, فالفاسد لا اعتبار له في النكاح.
وهذا معنى كلامه «بكراً»: أي موطوءة بزنا أو بشبهة، فلو زنى بإمرأة فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن, فهذا اللبن ثبت به حكم الرضاع, لكن لما كان النكاح نكاحاً باطلاً فلا يكون الزاني أباً له من الرضاع، فكما أن النسب لا يثبت بالنكاح المحرم فكذلك الرضاع.
وكذلك المرأة الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد, فالموطوءة بشبهة هي التى يطأها يظنها زوجته فينتج عن هذا الوطء حمل وثاب من هذا الحمل لبن, فإذا رضع من هذا اللبن طفل, فإن هذه المرأة الموطوءة بشبهة تكون أماً له, والواطئ يكون أباً له، وكذلك الموطوءة بعقد فاسد وهو الذي يفقد شرطاً من شروط عقد النكاح كالنكاح بغير ولي، فهو نكاح فاسد ولكن يثبت فيه حكم الرضاع فتكون المرضعة أماً له, ويكون الواطئ=
أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا (1)، فَأَمَّا لَبَنُ البَهِيْمَةِ أَوِ الرَّجُلِ أَوِ الخُنْثَى المُشْكِلِ، فَلا يُحَرِّمُ شَيْئاً (2)، =أباً له, أما النكاح الباطل كمن نكح امرأة في عدتها فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن فرضع منه الطفل فالحكم يثبت لأنه قد رضع من هذه المرأة وهي ذات لبن, لكن لا يكون الناكح نكاحاً باطلاً أباً له من الرضاع، فكما أن النسب لا يثبت فكذلك الرضاع.
(1)
قوله «أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا»:
أي وكذلك لبن الميتة يثبت به التحريم, فلو أنه رضع أربع رضعات من امرأة وهي حية، ثم رضع منها الخامسة وهي ميتة فإن هذا الرضاع مؤثر لأنه يسمى رضاعاً ويحصل به ما يحصل بلبن الحيَّة، وهذا مذهب الجمهور (1).
وفي رواية عند الإمام أحمد (2) التوقف في حكمه.
ومذهب الشافعي (3) لا ينشر الحرمة لأنه لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم يتعلق به التحريم كلبن الرجل, ولأن هذا شيء نادر والله تعالى يقول: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (4)، والميتة لا ترضع, فالآية تدل على فعل واقع من المرضعة، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله-.
(2)
قوله «فَأَمَّا لَبَنُ البَهِيْمَةِ أَوِ الرَّجُلِ أَوِ الخُنْثَى المُشْكِلِ، فَلا يُحَرِّمُ شَيْئاً»:
أما البهيمة فواضح فيها، وقد سبق بيان ذلك, فإذا رضع طفلان من بهيمة=1234
الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْحَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ وَكانَ قَبْلَ الفِطَامِ» (1)،
=واحدة كل واحد رضع خمس رضعات فلا يكونان أخوين، وكذلك الرجل لا تثبت به الحرمة ولا المحرمية.
وكذلك الخنثى المشكل وهو من له آلة ذكر وآلة أنثى ولم يتبين أهو ذكر أم أنثى لأنه جائز أن يكون ذكراً، والذكر لم يخلق لبنه لغذاء المولود، والنادر لا حكم له.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْحَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ وَكانَ قَبْلَ الفِطَامِ»
..................................
=الفِطَامِ» 1.
وجه الدلالة أن الفطام لا يكون في الغالب قبل الحولين أو أثناء الحولين، ولهذا قال الترمذي 2: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئاً.
القول الثاني في هذه المسألة: هو قول شيخ الإسلام 3، وابن القيم 4، واختاره شيخنا 5 أن العبرة بالفطام، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو كان بعد الحولين, وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين.
واستدلوا لذلك بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْي وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» 6.
والراجح عندي: هو القول الأول, فالرضاع المعتبر ما كان في الحولين الأولين من عمر الطفل, وأما الرضاع بعد الحولين فلا اعتبار له في الشرع وهذا اختيار اللجنة الدائمة 7.
الثَّالِثُ: أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أُنْزِلَ فِي القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ مِنْ ذلِكَ خَمْسٌ وَصَارَ الأَمْرُ إِلى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُوْمَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالأَمْرُ عَلى ذلِكَ 1، (1)
قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أُنْزِلَ فِي القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ مِنْ ذلِكَ خَمْسٌ وَصَارَ الأَمْرُ إِلى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُوْمَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالأَمْرُ عَلى ذلِكَ»
(1): هذا هو الشرط الثالث، أي أن يكون المرتضع قد رضع خمس رضعات، دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها الذي ذكره المؤلف، وفي لفظ لهذا الحديث: «لا يُحَرِّمُ دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ» 2.
ولا خلاف بين الفقهاء في أن خمس رضعات فصاعداً يحرمن.
لكن اختلفوا فيما دون الخمس:
فذهب الحنفية 3، والمالكية 4، وهو رواية عن الإمام أحمد 5 أن قليل الرضاع وكثيره يحرم وإن كان مصَّة واحدة, فالشرط في التحريم أن يصل اللبن إلى جوف الطفل مهما كان قدره، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: =
..................................
= ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 1. فقد علَّق الله تعالى التحريم باسم الرضاع، فحيث وُجِدَ وجد حكمه وورد الحديث موافقاً للآية وهو قوله «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» 2، حيث أطلق الرضاع ولم يطلق العدد، وأيضاً احتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري من حديث عقبة بن الحارث قال: «تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ بِنْتَ فُلانٍ فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا وَهِيَ كَاذِبَةٌ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ قُلْتُ إِنَّهَا كَاذِبَةٌ قَالَ: «كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا دَعْهَا عَنْكَ» 3، فلم يستفصل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عدد الرضعات.
القول الثاني في المسألة: اعتبار الخمس رضعات في التحريم فما دونها لا يحرم، وهذا قول الشافعي 4، وأحمد 5، وهو قول ابن حزم 6، واختيار شيخ الإسلام 7، وابن القيم 8، واختاره شيخنا 9، وهو قول اللجنة الدائمة 10، واحتج أصحاب هذا القول بما ذكره المؤلف.
..................................
قلت: وهذا هو الراجح، أي لا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات لصريح ما استدلوا به من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو صحيح محكم، ومن آخر ما نقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته.
أما أدلة أصحاب القول الأول: أي القائلين ما دون الخمس يحرمن، فهي أدلة مطلقة لا تفيد في بيان العدد.
وأدلة أصحاب القول الثاني سيقت في بيان عدد الرضعات فهي مقيدة, وقد تقرر في أصول الفقه أن المطلق يحمل على المقيد، فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» 1 هي أدلة مطلقة تحمل على المقيد بخمس رضعات لقول عائشة رضي الله عنها: «فَنُسِخَ مِنْ ذلِكَ خَمْسٌ وَصَارَ الأَمْرُ إِلى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُوْمَاتٍ يُحَرِّمْنَ» 2.
وقد ذهب أبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر، وداود الظاهري 3 بأن الذي يُحرِّم الثلاث رضعات وما دونها لا يحرِّم، واحتجوا لقولهم بحديث «لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلا الْمَصَّتَانِ» 4، فمنطوقه أن الثنتين لا تنشر الحرمة، وأن ما زاد عليها ينشر الحرمة.
وَلَبَنُ الفَحْلِ مُحَرِّمٌ (1)، فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلاً وَالأُخْراى طِفْلَةً صَارَا أَخَوَيْنِ لِأَنَّ اللِّقَاحَ وَاحِدٌ (2)، =قلت: وهذا أيضاً استدلال لا يسلَّم لصراحة حديث عائشة في اشتراط الخمس لنشر الحرمة، فدلالة حديث عائشة صريحة بخلاف ما استدل به أصحاب هذا القول.
- فائدة: ما هي الخمس رضعات التي تؤثر؟ أو ما هو حد الرضعة؟ نقول حد الرضعة ما كانت منفصلة عن أختها بزمن بيِّن يظهر فيه الانفصال، وبناءً على ذلك لو تحول الطفل من ثدي المرضعة لأنه سمع صوتاً أو حولته إلى ثديها الآخر, أو تركه لبكاءٍ, فهذا لا يخرجها عن كونها رضعة، ولا يشترط أن تكون كل رضعة في يوم، بل ربما تكون الرضعة الأولى في الساعة الواحدة, والرضعة الثانية في الساعة الثانية هكذا، فإن عاد للثدي مرة ثانية, فرضعتان، وهكذا، ولو في مجلس واحد لأن الشارع اعتبر العدد ولم يحدد الرضعة فنرجع هنا إلى العرف.
(1)
قوله «وَلَبَنُ الفَحْلِ مُحَرِّمٌ»:
أي إذا أرضعت إمرأة طفلاً صار الرضيع ولد من نسب لبنها إليه، ويسمى لبن الفحل لأن اللبن هو من الحمل الذي هو منه.
(2)
قوله «فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلاً وَالأُخْراى طِفْلَةً صَارَا أَخَوَيْنِ لأَنَّ اللِّقَاحَ وَاحِدٌ»:
أي إذا كان لزيد زوجتان أحدهما تسمى خديجة والأخرى تسمى عائشة فأرضعت خديجة طفلاً وأرضعت عائشة طفلة فإنهما يكونان أخوين من الرضاعة لأن اللبن لبن الفحل =
وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلَةً ثَلاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا الأُخْراى رَضْعَتَيْنِ صَارَتْ بِنْتًا لَهُ دُوْنَهَا (1)،
= مع أن من أرضعته خديجة لا يقول لعائشة أمي من الرضاعة، وكذلك من أرضعته عائشة لا يقول لخديجة أمي من الرضاعة وهذا معنى قول -رحمه الله-.
فالحاصل أن من أرضعته إحدى زوجات الرجل فإنه يصير ولداً له وأخاً لأولاده من هذه المرأة التي أرضعته، وأخاً لأولاده من غيرها عند جمهور أهل العلم لأن لبن الفحل مؤثر وأولاده من غير هذه المرأة اشتركوا مع الرضيع من أب واحد.
وهناك قول آخر أن لبن الفحل لا يؤثر, ولكن الصحيح بلا شك أنه يؤثر.
(1)
قوله «وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلَةً ثَلاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا الأُخْراى رَضْعَتَيْنِ صَارَتْ بِنْتًا لَهُ دُوْنَهَا»:
هذه المسألة على وجهين في المذهب 1:
الأول: ما ذكره المؤلف أنه صار أباً لها لأنها ارتضعت خمس رضعات ثلاث من هذه واثنتان من الأخرى، فكمل رضاعها من لبنه فصار أباً لها.
الوجه الثاني: أنه لا يصير أباً لها لأنه رضاع لم تثبت له الأمومة، فلم تثبت به الأبوة كلبن البهيمة، والأول أرجح.
فَلَوْ كَانَتِ الطِّفْلَةُ زَوْجَةً لَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا (1)، وَلَزِمَهُ نِصْفُ صَدَاقِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِمَا أَخْمَاسًا (2) وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا (3) - فائدة: وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف يلغز فيها الفقهاء فيقولون: «من له أب ولم يكن له أم؟ »، وقد سبق الإشارة إلي ذلك في أول باب الرضاع.
(1)
قوله «فَلَوْ كَانَتِ الطِّفْلَةُ زَوْجَةً لَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا»:
أي إذا أرضعت زوجتيه هذه الطفلة التي عقد عليها فإنه ينفسخ النكاح بذلك لأنها صارت بنتاً له من الرضاعة وزوجاته لا يحرمن عليه.
(2)
قوله «وَلَزِمَهُ نِصْفُ صَدَاقِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِمَا أَخْمَاسًا»:
وذلك لأن العقد انفسخ قبل الدخول، والقاعدة في ذلك أن كل من طلق قبل الدخول فإنه يلزمه نصف المهر، ولما كانت الزوجتان هما السبب في حصول هذا الفسخ فإن الزوج يرجع عليهن بالصداق أخماساً، فلو كان الصداق قدره أربعون ألفاً فيكون نصفه عشرين، فيرجع بهذه العشرين على زوجتيه، فيقال لإحداهن كم أرضعت الطفلة؟ فإن قالت ثلاث كان عليها اثني عشر ألفاً، والأخرى مرتين فيلزمها ثمانية آلاف وذلك لأنهن كن السبب في فسخ النكاح، هذا معنى كلامه -رحمه الله- يرجع به عليهما أخماساً.
(3)
قوله «وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا»:
أي لم ينفسخ نكاح زوجتيه لأنهن لم يكن أماً للبنت لأن كل واحدة منهن أرضعتها دون الخمس رضعات، فلم تكن أماً لها، ولذا لا ينفسخ نكاحهما.
وَلَوْ أَرْضَعَتْ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ الطِّفْلَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثَلاثاً مِنْ لَبَنِهِ، وَاثْنَتَيْنِ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهِ، صَارَتْ أُمًّا لَهَا وَحَرُمَتَا عَلَيْهِ، وَحَرُمَتِ الطِّفْلَةُ عَلى الرَّجُلِ الآخر عَلى التَّأْبِيْدِ (1)، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الطِّفْلَةُ امْرَأَةً لَهُ، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الْمُرْضِعَةِ (2)، (1)
قوله «وَلَوْ أَرْضَعَتْ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ الطِّفْلَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثَلاثاً مِنْ لَبَنِهِ، وَاثْنَتَيْنِ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهِ، صَارَتْ أُمًّا لَهَا وَحَرُمَتَا عَلَيْهِ، وَحَرُمَتِ الطِّفْلَةُ عَلى الرَّجُلِ الآخر عَلى التَّأْبِيْدِ»:
هذه المسألة يلغز فيها بمن له أم وليس له أب من الرضاع.
وصورة هذه المسألة: أن ترضع هذه المرأة بنتاً من زوجها الأول ثلاث رضعات, ثم يطلقها زوجها وهي حامل، فلما أن طلقها ووضعت حملها انتهت عدتها بوضعها للحمل ثم لم تلبث أن تزوجت بآخر فحملت منه ووضعت فثاب منها اللبن من الزوج الثاني فأرضعتها رضعتين فهنا تصير الطفلة بنتاً لهذه المرأة التى أرضعتها خمس رضعات وهذه الطفلة ومن أرضعتها تحرم على الأول لكون من أرضعتها أم زوجته, والطفلة بنت زوجته أما الثاني فتحرم عليه لأنها ابنة زوجته أي هي ربيبته.
(2)
قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الطِّفْلَةُ امْرَأَةً لَهُ، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الْمُرْضِعَةِ»:
لأنها إنما انفسخ نكاحها في المسألة التي قبلها لأنها صارت أم زوجته, وهذا المعنى مفقود فيما إذا لم تكن الطفلة امرأة له, وهذا واضح.
وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ الْمُرْضِعَةُ طِفْلاً، فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَحَرُمَتْ عَلى صَاحِبِ اللَّبَنِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلائِلِ أَبْنَائِهِ (1)، (1)
قوله «وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ الْمُرْضِعَةُ طِفْلاً، فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَحَرُمَتْ عَلى صَاحِبِ اللَّبَنِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا؛ لأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلائِلِ أَبْنَائِهِ»:
صورة هذه المسألة
: رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاث تطليقات فانتهت عدتها ولا يزال في ثديها لبن من زوجها الأول, ثم تزوجت هذه المرأة طفلاً ثم أرضعت هذا الطفل الذي تزوجها خمس رضعات حرمت على الطفل لأنها صارت أماً له، هذا بالإجماع فيفسخ العقد، وتحرم كذلك على صاحب اللبن أي الزوج الأول لأنها صارت زوجة ابنه من الرضاع وقد قال الله تعالى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ﴾.
وقد سبق الخلاف في هذه المسألة أعنى هل يثبت الرضاع بالمصاهرة؟ ورجحنا ثبوته بها، فالحاصل أن هذه المرأة تحرم على الطفل لأنها صارت أماً له, وحرم عليها زوجها الأول صاحب اللبن تحريماً مؤبداً لأنها صارت زوجة ابنه الذي رضع من لبنه.
فَصْلٌ فِيْ تَحْرِيْمِ النِّكاحِ وَفَسْخِهِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ
(1) وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ كَبِيْرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَصَغِيْرَةً، فَأَرْضَعَتِ الكَبِيْرَةُ الصَّغِيْرَةَ، حَرُمَتِ الكَبِيْرَةُ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصّغِيْرَةِ (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ تَحْرِيْمِ النِّكاحِ وَفَسْخِهِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ»:
هذا الباب عقده المؤلف لبيان انتشار الحرمة بلبن غير لبن الزوج الذي سيتزوج وما ذكره المؤلف هنا ينبغي التنبه له، لأنه من الأُمور التي ينبغي لطالب العلم أن يستحضر ذهنه فيها.
(2)
قوله «وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ كَبِيْرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَصَغِيْرَةً، فَأَرْضَعَتِ الكَبِيْرَةُ الصَّغِيْرَةَ، حَرُمَتِ الكَبِيْرَةُ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصّّغِيْرَةِ»:
صورة هذه المسألة
: أن يتزوج رجل امرأة كبيرة, وهذه المرأة الكبيرة لم يدخل بها وإنما عقد عليها فقط، وتزوج كذلك بصغيرة ولم يدخل بها، فأرضعت المرأة الكبرى المرأة الصغرى فإنه تحرم عليه المرأة الكبيرة ويثبت له نكاح الصغيرة لأنه حينما أرضعت الكبرى الصغرى صارت الصغرى بنتاً لها, وهو قد تزوج اثنتين فيكون قد تزوج الأم وابنتها, ولا يجوز للرجل أن يجمع بين الأم والبنت, ولماذا قلنا بأنه تكون له الصغرى دون الكبرى؟ لأنه كما سبق أن الرجل إذا عقد على البنت ولم يدخل بها حرم عليه نكاح أم البنت، أما لو عقد على المرأة ولم يدخل بها جاز أن يطلقها وأن يتزوج بابنتها، فهو لم يدخل بالكبرى وقد أرضعت الكبرى الصغرى فنقول ينفسخ نكاح الكبرى ويثبت نكاح الصغرى.
وَإِنْ كَانَتَا صَغِيْرَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْهُمَا الكُبْراى، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الصَّغِيْرَتَيْنِ (1)، وَإِنْ كُنَّ ثَلاثاً فَأَرْضَعَتْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْضَعَتَيْنِ أَوَّلاً، وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ كَانَتَا صَغِيْرَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْهُمَا الكُبْراى، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الصَّغِيْرَتَيْنِ»:
صورة هذه المسألة
: أن يتزوج الرجل ثلاث نساء كبرى، وصغرى، وصغرى أخرى، فجاءت الزوجة الكبرى فأرضعت الصغيرتين وهو لم يدخل بالكبرى، فإن الكبرى تحرم عليه لأنها صارت أم زوجتيه, وينفسخ كذلك نكاح الصغيرتين لأنه جمع بين أختين في عصمته, فإذا انفسخ النكاح جاز له أن يتزوج إحداهما إن شاء بعد فسخ العقد, وقال بعض العلماء: بل يفسخ نكاح الأولى ويبقى نكاح الثانية، والأول هو الأقرب.
(2)
قوله «وَإِنْ كُنَّ ثَلاثاً فَأَرْضَعَتْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْضَعَتَيْنِ أَوَّلاً، وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ»:
أما وجه تحريم الكبرى عليه فإنها صارت أم زوجته ويحرم أن يجمع بين المرأة وأمها لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
أما كون انفساخ النكاح للصغيرتين لأنهن أخوات وقد حرم الشارع أن يجمع بين الأختين، وثبت نكاح الثالثة لأن رضاعها بعد انفساخ نكاح التى أرضعتها وهي الكبيرة وبعد انفساخ نكاح الصغيرتين اللتين قبلها فلم تصادف أخواتها في نكاح، فهي صارت أختاً للصغيرتين لكن بعد انفساخ نكاحهما فيبقى نكاحها هي.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَهَا مَعًا، انْفَسَخَ نِكَاحُ الثَّلاثِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَةً (1)، (1)
قوله «وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَهَا مَعًا، انْفَسَخَ نِكَاحُ الثَّلاثِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَةً»:
أي إن أرضعت الكبرى إحدى زوجات الرجل منفردة ثم أرضعت اثنتين بعد المرتضعة الأولى أرضعتهن معاً يعني أن تلتقم كل واحدة منهن ثدياً فتمصانه معاً فإنه ينفسخ نكاح الجميع لأنهن صرن أخوات في النكاح ولا يجوز الجمع بين الأخوات من الرضاع كما لا يجوز الجمع بينهن في النسب، وهذا أحد القولين في المسألة.
وفي رواية أخرى في المذهب (1) ينفسخ نكاح الأولى والثانية بالاجتماع، ثم ينفسخ نكاح الاثنتين بالاجتماع أيضاً.
وقوله «وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَةً» لأن تحريمهن تحريم لمنع الجمع بين الأختين, فإذا انفسخ نكاحهن عاد من شاء منهن بنكاح جديد، هذا كله إذا كان مجرد عقد دون دخول.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْراى، حَرُمَ الكُلُّ عَلَيْهِ عَلى الأَبَدِ»:
لأنه كما سبق إذا دخل بالأم حرم عليه أولادها تحريماً مؤبداً وهم بذلك أصبحوا من الربائب المدخول بأمهن والدخول بالأمهات يحرم البنات كما سبق, وأما الكبيرة فلأنها صارت من أمهات نسائه.1
وَلا مَهْرَ لِلْكُبْراى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (1)، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الأَصَاغِرِ، يَرْجِعُ بِهِ عَلى الكُبْراى (2)، (1)
قوله «وَلا مَهْرَ لِلْكُبْراى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا»:
هذا فيه إرجاع إلى المسألة التي ذكرها المؤلف أنفاً، فهو رجع بنا إلى المسألة الأولى وهي إن رضعت بقية زوجاته الأصاغر ولم يدخل بها.
والقاعدة في ذلك أن «كل من أفسد نكاح امرأة قبل الدخول، فللزوج أن يرجع بالمهر عليه»، أي على من أفسد النكاح.
والمرأة الكبرى هي التي أفسدت نكاح الأصاغر بسبب إرضاعهن منها فلا يعطيها شيئاً من المهر، هذا إذا كان قبل الدخول أما بعد الدخول فقد قال المؤلف.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الأَصَاغِرِ، يَرْجِعُ بِهِ عَلى الكُبْراى»:
أي لها مهرها لأنه قد دخل بها فاستقر المهر عليه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لا وَلِىَّ لَهُ» 1.
وعليها أيضاً نصف مهر الأصاغر لأنه لم يدخل بهن، لكن يرجع بهذا النصف على الكبرى التي أفسدت عليه الأصاغر.
وكونه يرجع به عليها للقاعدة المذكورة أنفاً «أن كل من أفسد نكاح امرأة قبل الدخول, فللزوج أن يرجع بالمهر عليه».
وَلَوْ دَبَّتِ الصُّغْراى إِلى الكُبْراى وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرَّمَتْهَا عَلى الزَّوْجِ، وَلَهَا نِصْفُ مَهْرِهَا عَلَيْهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلى الصُّغْراى، إِنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُوْلِ (1)، (1)
قوله «وَلَوْ دَبَّتِ الصُّغْراى إِلى الكُبْراى وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرَّمَتْهَا عَلى الزَّوْجِ، وَلَهَا نِصْفُ مَهْرِهَا عَلَيْهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلى الصُّغْراى، إِنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُوْلِ»:
صورة هذه المسألة
: رجل تزوج بامرأتين إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة فجاءت الصغرى فدبت - أي سَارَتْ وحَبَتْ - حتى التقمت ثدي الكبرى وهي نائمة أو مغمى عليها أو مجنونة، وهذا اللبن الذي في الكبرى من زوج آخر, أي جاءت الصغرى إلى الكبرى ورضعت منها وهي نائمة لا تشعر بها فرضعت خمس رضعات مشبعات, فإن هذه الصغرى حرمت الكبرى على زوجها لأنها أصبحت أماً لزوجته الصغرى، ولكونه لم يدخل بها فينفسخ نكاحها - يعنى الصغرى - لأنها ربيبة لم يدخل بأمها.
أما إن كان قد دخل بالكبرى فإنه ينفسخ نكاح الصغرى لأنها ربيبة دخل بأمها، وكذلك الكبرى حرمت عليه تأبيداً لأنها من أمهات نسائه.
أما المهر فإن كان قبل الدخول فللكبرى نصف المهر لأنه لم يدخل بها ويعود به على الصغرى لأنها هي التي أفسدت عليه الكبرى وسبقت القاعدة في ذلك، ولا مهر للصغرى لأنها هي التي أفسدت نكاح نفسها.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهَا مَهْرُهَا كُلُّهُ، لا يَرْجِعُ بِهِ عَلى أَحَدٍ (1)، وَلا مَهْرَ لِلصُّغْراى (2)، وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: هِيَ أُخْتِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ وَلَهَا الْمَهْرُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، أَوْ نِصْفُهُ إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ (3)، (1)
قوله «وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهَا مَهْرُهَا كُلُّهُ، لا يَرْجِعُ بِهِ عَلى أَحَدٍ»:
أي إن كان ما قامت به الصغرى من ارتضاع من الكبرى وهي نائمة أو مغمى عليها ونحو ذلك بعد الدخول فإنه كما سبق حرمتا عليه جميعاً، ويترتب مع الحرمة المهر لا يرجع به على أحد منهما لأنه استقر بالدخول، ولأن المهر هنا لأجل الاستمتاع ولأجل استحلال البضع.
(2)
قوله «وَلا مَهْرَ لِلصُّغْراى»:
لأنها هي التى أفسدت نكاح نفسها.
(3)
قوله «وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: هِيَ أُخْتِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ وَلَهَا الْمَهْرُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، أَوْ نِصْفُهُ إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ»:
أي إذا نكح امرأة ثم قال بعد العقد وقبل الدخول هي أختي من الرضاع، فإن هذا القول يوجب فسخ النكاح لأنه أقر على نفسه بما يوجب فسخ النكاح، مثل لو أقر على نفسه بأنه طلق زوجاته الثلاث تطليقات، لكن يكون للمرأة نصف المهر إن كان لم يدخل بها أو المهر كاملاً لمن دخل بها وذلك بما استحل من فرجها هذا إذا كذبته أي كذبت دعواه أنه أخوها من الرضاع، فإن صدقته فليس لها من المهر شيء لأنها أقرت ببطلان العقد ولأنه عقد عليها وهي أخته، وكون المهر باطلاً لأن ما بني على باطل فهو باطل.
وخلاصة هذه المسألة
: أن الرجل إذا ادَّعى على زوجته أنه أخوها من=
وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِيْ قَالَتْ: هُوَ أَخِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، فَأَكْذَبَهَا وَلا بَيِّنَةَ لَهَا، فَهِيَ امْرَأَتُهُ فِي الحُكْمِ (1)،
=الرضاع فلا يخلو من أمرين:
أولاً: أن تكون دعواه بعد العقد وقبل الدخول، فإن صدقته فلا مهر لها لاتفاق الطرفين على أن النكاح باطل، والنكاح الباطل لا أثر له، وإن كذبته فلها نصف المهر لأن الفرقة إنما جاءت من قبل الزوج وكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول فعليه نصف المهر.
ثانياً: أن تكون دعواه بعد الدخول فلها المهر كاملاً سواء صدقته أو كذبته لوجوب المهر واستقراره بالدخول، وقد سبق بيان كون المهر من أجل الاستمتاع بالبضع واستحلاله.
لكن يبقى النكاح هل يبطل أم لا يبطل؟
نقول: إن صدقته فإنه يبطل بلا شك, وإن كذبته بطل النكاح في حقه ولم يبطل في حقها ويلزم الزوج بأن يطلق.
فإذا قال الزوج لماذا أطلق وأنا أعتقد أنها ليست بزوجة؟
نقول: لأنها تعتقد أنها زوجة وباعتقادها هذا لا يحل لها أن تنكح زوجاً أخر، ولأنها تعتقد إنها مع زوجها فلا يمكن أن تنفك عنه إلا بطلاق وحينئذ يجبر على الطلاق.
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِيْ قَالَتْ: هُوَ أَخِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، فَأَكْذَبَهَا وَلا بَيِّنَةَ لَهَا، فَهِيَ امْرَأَتُهُ فِي الحُكْمِ»:
أي إن كانت هي التي قالت إنه أخي من الرضاع فلا يخلو من حالين:
..................................
الحال الأول: إن كان قبل الدخول فسخ نكاحه ولا مهر لها لأنها هي التي تسببت في ذلك سواء صدقها أو لم يصدقها.
الحال الثانية: أن يكون ذلك بعد الدخول بها وكذبها، فهذه الحالة إن كان لها بينة في ذلك فيفسخ العقد ولا مهر لها لا قبل الدخول ولا بعده لأنها أقرت وأثبتت أن النكاح باطل هذا إذا كان قبل الدخول, أما إن كان بعد الدخول فإن كانت عالمة قبل العقد فلا مهر لها لأنها أقرت على نفسها بالزنا فلا مهر لها لقول -صلى الله عليه وسلم-: «مَهْرُ الْبَغِىِّ خَبِيثٌ» 1 وإن أنكرت وقالت لم أعلم إلا بعد الدخول وعندي بينة فلها المهر لأنه حينئذ يعتبر نكاح شبهة فتستحق المهر كاملاً وتكون زوجته حكماً أي ظاهراً.
لكن كيف تكون زوجته وهي تعتقد أنها حرام عليه؟
نقول هنا كما قلنا سابقاً: الزوج لا يعتقد ذلك والواجب عليها حينئذ أن تفتدي من زوجها بكل ما تستطيع لأنه لا يحل لها أن تمكنه من نفسها, وهي تعتقد أنه ليس بزوج.
والذي يجب على الزوج القيام به أن يعتبر زوجته في حكم الناشز، ليس لها نفقة ولا قسم إن كان معه زوجة أخرى، ويعطى المهر إن كان قد أعطاها إياه, فإن تحاكما إلى القضاء, فإن القاضي يحكم على أنها=
..................................
=زوجته لأن الأصل بقاء النكاح, ودعوى الرضاع دعوى لإبطال النكاح والأصل الصحة حتى يقوم الدليل على الفساد.
وأيضاً لو قبل القاضي دعواه في الرضاع لأسقط حق زوجته، ولا يمكن لأحد أن يقبل قوله في إسقاط حق غيره إلا ببينة.
وأيضاً لو قبل دعواها بأنه أخوها من الرضاع أو قبل دعوى كل امرأة قالت إن زوجها أخوها من الرضاع لحصل شر كثير.
فكل امرأة تريد فراق زوجها ستقول أنه أخوها من الرضاع, أما في الباطن فإن كانت أخته من الرضاع فالنكاح باطل, وإن لم تكن أخته فهو صحيح ظاهراً وباطناً.
ذكر بعض الفوائد
المتعلقة بالرضاع:
الفائدة الأولى: فيمن يكره الرضاع منها
: كره الإمام أحمد الارتضاع من لبن الفاجرات والمشركات، وقال عمر ابن الخطاب وعمر بن عبد العزيز: اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية لأنه ربما أفضى إلى شبه أمه المرضعة في الفجور, ولأنه يخشى أن يميل إلى مرضعته في الدين, ويكره كذلك الارتضاع من لبن الحمقاء كي لا يشبهها الولد في الحمق, فإنه يقال: «إن الرضاع يغير الطباع» (1).
الفائدة الثانية: حق الأم في أجرة الرضاع
: للأم طلب أجرة المثل =1
.................................. =بالإرضاع سواء كانت في عصمة الأب أم خلية لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 1، وإلى هذا ذهب الشافعية 2، والحنابلة 3. وذهب الحنفية 4: إلى أنها إن كانت في عصمة الأب أو في عدته فليس لها طلب الأُجرة, لأن الله تعالى أوجب الرضاع ديانة مقيداً بإيجاب رزقها على الأب بقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 5، وهو قائم برزقها حالة بقائها في عصمته أو في عدته، بخلاف من لم تكن في عصمته ولا في عدته، وهذا هو الراجح عندي.
- الفائدة الثالثة: من قرارات اللجنة الدائمة، لا يجوز شرعاً استحلاب الأمهات والاحتفاظ بحليبهن وتغذية طفل آخر به، لما في ذلك من الجهالة المؤدية إلى هتك حرمات الرضاع التى يقع التحريم بها شرعاً من جهة المرضعة.
ومن جهة صاحب اللبن ومن جهة الرضيع إذا أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ=
.................................. =وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (1)، وبناء على ذلك لا يجوز إنشاء بنك لجمع حليب النساء لإرضاعه للأطفال المحتاجين لذلك (2).
الفائدة الرابعة: هل تثبت الأبوة بعد الطلاق والموت؟
نقول: نعم؛ تثبت الأبوة ولو بعد الطلاق أو الموت, فإذا طلق الرجل زوجته أو مات عنها ولها لبن فأرضعت به طفلاً قبل أن تتزوج فالرضيع ابن المطلق أو الميت, ولا تنقطع نسبة اللبن إليه بموته أو طلاقه فإذا تزوجت بعد العدة زوجاً وولدت منه فاللبن بعد الولادة للثاني, سواء انقطع وعاد أم لم ينقطع لأن اللبن تبع للولد، والولد للثاني، وإن لم تلد من الثاني وبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص فهو للأول سواء حبلت من الثاني أم لم تحبل, لأن اللبن كان للأول ولم يجد ما يجعله من الثاني فبقى للأول, وإن حبلت من الثاني وزاد اللبن بالحمل فقد اختلف في ذلك الفقهاء وقيل: إن اللبن لكليهما, لأن زيادة اللبن عند حدوث الحمل ظاهر في أنه من الثاني, وبقاء لبن الأول يقتضي كون أصله منه فوجب أن يضاف إليهما.12
.................................. -
الفائدة الخامسة: إذا شك في وجود الرضاع أو عدمه أو شك في كماله خمس رضعات
وهذا كثير جداً وليس هناك بينة، فلا يثبت الرضاع لأن الأصل عدمه لكن ينبغي ألا يكون بينهما نكاح احتياطاً للفروج لوجود شبهة الرضاع.
الفائدة السادسة: يثبت الرضاع بشهادة امرأة مرضية في دينها معروفة
بالصدق: وهذا رأى شيخ الإسلام (1) وغيره، فمتى قالت المرأة أنها أرضعت فلاناً أو فلانة خمس رضعات ثبت له حكم الرضاع من دون شهود، وقيل: لابد من الشهود.
الفائدة السابعة: لو أدخل اللبن بحقنه مع الدبر فهل ينشر المحرمية؟
قولان للفقهاء: ذهب الإمام أبو حنيفة 2، والشافعي 3، وأحمد 4 أنها لا تحرم, لأن هذا ليس برضاع ولا يحصل به التغذي فلم ينشر الحرمة.
القول الثاني: وهو مذهب مالك 5 أنها تحرم.
والصحيح: القول الأول لعدم إنبات اللحم وإنشاز العظم بذلك، وهذا هو قول ابن قدامة 6 في المغني.1
.................................. -
الفائدة الثامنة: الحرمة تنتشر على المرتضع وفروعه فقط
: أما أصوله وحواشيه، وأخواته، وإخوانه فلا علاقة لهم في التحريم، وقد سبق ذلك.
الفائدة التاسعة: هل الدم ينشر المحرمية؟
نقول: لا ينشر الدم المحرمية سواء تبرعت المرأة للرجل أو تبرع الرجل للمرأة، فلا علاقة للدم في التحريم بل ذلك خاص باللبن فقط.
بابُ نِكاحِ الكُفاَّرِ
(1) لا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ (2)، (1)
قوله «بابُ نِكاحِ الكُفار»:
هذا الباب في بيان أنكحة الكفار والمقصود بهم عموم الكفار سواءً كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم كالوثنيين والمجوس وغيرهم، والمقصود بهذا الباب هو بيان حكم ما عقدوه فيما بينهم من الأنكحة حال كفرهم، وهل وما يقرون عليه فيما لو أسلموا أو ترافعوا إلينا.
فائدة: أنكحة الكفار معتبرة في شرعنا بشرطين
:
الأول: أن يعتقدوه حلالاً في شرعهم، ويصححوه في دينهم, فالمجوس مثلاً يعتقدون حل نكاح المحارم فنعتبرهم على ما هم عليه.
الثاني: أن يترافعوا إلينا، فإذا لم يترافعوا إلينا فلا نتعرض لأنكحتهم, فأهل الذمة الذين يعيشون في بلاد المسلمين بالشام ومصر وغيرها من بلاد المسلمين لو تزوجوا بنكاح غير موافق لأنكحة المسلمين فلا نتدخل ما لم يترافعوا إلينا.
(2)
قوله «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ»:
سبق أن أشرنا إلى ذلك أي لا يجوز لمسلمة أن تنكح كافراً أيًّا كان كتابياً كان أو غير كتابي لقوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 2، ولأن في نكاح المؤمنة الكافر خوف=
وَلا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إِلاَّ الحُرَّةَ الكِتَابِيَّةَ (1)، وَمَتَى أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ الكَافِرَانِ مَعًا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا (2)، =وقوع المؤمنة في الكفر, لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادة يتبعن الرجال فيما يرون من الأفعال ويقلدونهم في الدين، ولذا أشار الله تعالى في آخر الآية بقوله ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (1) أي يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار.
(1)
قوله «وَلا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إِلاَّ الحُرَّةَ الكِتَابِيَّةَ»:
أي وكذلك لا يحل لمسلم نكاح الكافرة إلا الحرة الكتابية لكن بشرط أن تكون عفيفة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (2)، فالمحصنة هنا هي العفيفة، فيجوز نكاح الكتابية سواء كانت ذمية أو مستأمنة، لكن له من الأضرار الشيء الكثير، فمتى وجدت الحاجة فالأصل الجواز لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (3)، لكن يستثنى الكتابية الحربية, وكذا الأمة الكتابية إلا إذا لم يجد الطّول وخاف على نفسه الزنا.
(2)
قوله «وَمَتَى أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ الكَافِرَانِ مَعًا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا»:
أي إذا أسلم من تزوج الكتابية وبقيت هي على دينها فإنهما يبقيان على نكاحهما لعدم وجود المانع لأن المسلم يجوز له أن=123
وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا (1)،
=يتزوج بالكتابية ابتداءً، وكذلك إن أسلم الزوجان الكافران معاً، بأن تلفظا بكلمة الإسلام معاً أي في لحظة واحدة منهما فهما على نكاحهما لأنه لم يسبق أحدهما الأخر.
والقول الآخر في هذه المسألة هو: أن الإسلام في المجلس كالإسلام في وقت واحد، فإذا قال الرجل: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله»، ثم قالت المرأة بعده ذلك فهما على نكاحهما، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «يدخل في المعية لو شرع الثاني قبل أن يفرغ الأول» (1).
وقيل: هما على نكاحهما إن أسلما في المجلس، وهو احتمال في المغني (2).
قلت: وهو الصواب لأن تلفظهما بالإسلام دفعة واحدة فيه عسر، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (3).
(1)
قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا»:
أي إن أسلم أحد لزوجين الكافرين غير الكتابيين كالمجوسيين يسلم أحدهما قبل الدخول بطل النكاح، لأنه أدى إلى اختلاف في الدين فيمنع الإقرار على النكاح لقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 4، فإن أسلمت زوجة كتابي أو غير كتابي قبل الدخول, فلا نكاح لأن المسلمة لا تحل لكافر وقد سبق.123
أَوِ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ المُسْلِمَيْنِ (1)، وَإِنْ كَانَ ذلِكَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، فَأَسْلَمَ الكَافِرُ مِنْهُمَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا (2)، (1)
قوله «أَوِ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ المُسْلِمَيْنِ»:
أي وكذلك إن أرتد أحد الزوجين قبل الدخول فإن العقد يبطل في الحال لاختلاف الدين، فإن كانت هي المرتدة فلا مهر لها, وإن كان هو المرتد فلها نصف المهر.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ ذلِكَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، فَأَسْلَمَ الكَافِرُ مِنْهُمَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا»:
أي وإن أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين, أو زوجة كتابي أو غيره أسلمت بعد الدخول فإنه يوقف أمر التفريق بينهما على إسلام الآخر في العدة.
فإن أسلم الآخر قبل انقضاء العدة فهما على النكاح، وإن لم يسلم الآخر وتخلف حتى انقضت عدتها عدة المرأة فينفسخ النكاح في قول عامة أهل العلم لقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 1.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المرأة لا ينفسخ نكاحها بعد انقضاء عدتها, بل هي بالخيار, إن شاءت تزوجت, وإن شاءت انتظرت زوجها حتى يسلم ثم ترجع إليه.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 2، وابن القيم 3، واستدلوا لذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ردّ ابنته زينب على أبي العاصي بعد ست سنين بالنكاح =
وَإِلاَّ تَبَيَّنَا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ مُنْذُ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمُا (1)، وَمَا سُمِّيَ لَهَا وَهُمَا كافِرَانِ فَقَبَضَتْهُ فِيْ كُفْرِهَا، فَلا شَيْءَ لَهَا غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا (2)، = الأول ولم يحدث نكاحها (1)، وهذا هو الأقرب عندي، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2). فالحاصل أن المرأة إذا أسلمت بعد الدخول وانقضت العدة لا نقول انفسخ النكاح، فقبل انقضاء العدة لا يمكن أن تتزوج لأنها في عدة الغير فتحبسها عن الزواج, وبعد انقضاء العدة هي بالخيار إن شاءت تزوجت وإن شاءت انتظرت حتى يسلم زوجها الأول, فلعله يسلم فترجع إليه بلا عقد جديد.
(1)
قوله «وَإِلاَّ تَبَيَّنَا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ مُنْذُ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمُا»:
أي وإن لم يسلم الزوج فقد انفسخ النكاح منذ إسلام الزوجة أي منذ اختلاف دينهما، والعدة تبدأ منذ اختلاف دينهما، فمتى انتهت عدتها من زوجها فلها أن تنكح من الغد زوجاً آخر.
(2)
قوله «وَمَا سُمِّيَ لَهَا وَهُمَا كافِرَانِ فَقَبَضَتْهُ فِيْ كُفْرِهَا، فَلا شَيْءَ لَهَا غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا»:
المسمى للمرأة إما إن يكون حلالاً كالدراهم والأراضي وغيرها، وإما أن يكون حراماً كالخمور والخنازير والمعازف وغير ذلك=12
وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، أَوْ نِصْفُهُ حَيْثُ وَجَبَ ذلِكَ (1)، =فإذا سمى الزوج لزوجته مهراً وهما كافران فقبضت ما سماه لها فلا شيء لها حتى وإن كان المسمى بينهما حراماً, كأن يقول لها لك دانة خمر أو لك من الخنزير كذا فإنها إذا قبضته فلا مهر لها ثانياً، لأنها قبضته فلا شيء لها غيره لأن الله تعالى أقر ما قبض، وهو باطل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (1)، فما قبضوه قبل العلم في حكم الصحة فلا يلزم إعادته مرة ثانية.
(1)
قوله «وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، أَوْ نِصْفُهُ حَيْثُ وَجَبَ ذلِكَ»:
أي وإن لم تقبض المهر وكان مسمى بينهم وكان حراماً كخمر أو خنزير ونحو ذلك ولم تقبضه فإنه يقوَّم كم يساوي هذا الخمر لمن يستحله ثم تعطى قيمته، وهذا أحد القولين في المسألة؛ أي تعطى مهر المثل.
القول الثاني: في المسألة أنه يقدر الحرام صحيحاً ثم يعطاه، أي ينظر كم يقدر هذا القطيع من الخنزير ثم تعطاه, وهكذا فيما قدره لها من المهر الحرام.
والقول الأول: هو الأقرب؛ فهم يعاملون معاملة المسلمين في أنكحتهم, فإن كان قد دخل بها فلها مهر مثلها إن لم تقبض المهر قبل الدخول، فإن فارقها قبل الدخول وقد جعل لها مهراً من حرام كخمر أو معازف أو خنزير ونحو ذلك فلها نصف مهر المثل.1
فَصْلٌ فِيْ حُكْمِ فَسْخِ نِكاحِ الإِمَاءِ
(1) وَإِنْ أَسْلَمَ الحُرُّ وَتَحْتَهُ إِمَاءُ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَكَانَ فِيْ حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلى الإِسْلامِ مِمَّنْ لا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ حُكْمِ فَسْخِ نِكاحِ الإِمَاءِ»:
سبق أن ذكرنا أن المسلم لا يجوز له أن ينكح الإماء إلا بشروط ثلاثة:
الأول: ألا يجد ثمن الحرة.
الثاني: أن يخاف على نفسه العنت.
الثالث: أن تكون الأمة مسلمة.
وقد ذكر الله تعالى هذه الشروط بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (1)، وقد سبق بيان ذلك.
(2)
قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ الحُرُّ وَتَحْتَهُ إِمَاءُ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَكَانَ فِيْ حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلى الإِسْلامِ مِمَّنْ لا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ»:
ذكرنا الأحوال التي يحل للمسلم أن ينكح فيها الإماء فمتى فقدت هذه الشروط المذكورة فلا يجوز له أن ينكح الإماء, فإذا أسلم الحر الكافر وكان تحته إماء فأسلمن معه فلا يخلو من حالين:1
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهُنَّ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ مَنْ تَعُفُّهُ، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ (1)،
الحالة الأولى: أن يكون ممن تنطبق عليه الشروط أي شروط جواز نكاح الإماء وهي:
1 - خوف العنت كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (1).
2 - أن تكون الأمة مسلمة كما في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
3 - العجز عن طول حرة أو أمة، وهذا مفهوم الآية السابقة، فمتى أسلم الحر ولم تقم فيه هذه الشروط فإنه يفرق بينهما وذلك لفساد النكاح.
الحالة الثانية: أن يسلم وتحته إماء وتنطبق عليه الشروط السابقة هذا ما ذكره المؤلف بقوله.
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهُنَّ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ مَنْ تَعُفُّهُ، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ»:
أي إذا كان ممن يحل له نكاح الإماء وهو من توفرت فيه الشروط السابقة فإنه يحل له الإمساك بواحدة تعفه ثم يفارق سائرهن، فإن كانت لا تعفه واحدة فله أن يختار منهن من تعفه، وفي رواية أخرى لا يختار إلا واحدة.
والصواب: ما ذهب إليه المؤلف وهو أنه يمسك منهن بمن تعف نفسه، فإن كان ممن لا تعفه واحدة أمسك بأخرى، وإن كان ممن لا تعف نفسه إلا بثلاث فله ذلك لأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص.1
بابُ الشُّرُوْطِ فِيْ النِّكاحِ
(1) (1)
قوله «بابُ الشُّرُوْطِ فِيْ النِّكاحِ»:
أي باب في الشروط التى يضعها المتعاقدان أو أحدهما في عقد النكاح التي له فيها عوض، و
الفرق بين شروط النكاح والشروط في النكاح
ما يلي:
أولاً: أن شروط النكاح من وضع الشارع أي هي التي وردت نصوص الكتاب والسنة باشتراطها وهي التي سبق ذكرها كاشتراط الولي ورضا الزوجين وغير ذلك مما سبق اشتراطه، أما الشروط في النكاح فهي من وضع العاقد وهو الذي شرطها:
ثانياً: أن شروط النكاح يتوقف عليها صحة النكاح، أما الشروط في النكاح فلا يتوقف عليها صحة النكاح إنما يتوقف عليها لزومه وإمضاؤه فيبقى فيه الخيار، فلمن فات شرطه فسخ النكاح.
ثالثاً: أن شروط النكاح لا يمكن إسقاطها بخلاف الشروط في النكاح فإنه يمكن إسقاطها ممن هي له.
رابعاً: أن شروط النكاح لا تنقسم إلى صحيح وفاسد، والشروط في النكاح تنقسم إلى صحيح وفاسد.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: الشروط في النكاح: لا بد أن تكون مقارنة للعقد أو سابقة عليه
لا لاحقة به، فمحلها إما في صلب العقد أو قبله لا بعده، فلو قال الولي أي ولي المرأة زوجتك ابنتي على أن لا تتزوج عليها، =
.................................. =فهذا مقارن للعقد، أو حين يتقدم لخطبتها قال له ذلك فاتفقا على ذلك، فإن هذا الشرط يعتبر لأن العقد الذي حصل مبني على ما سبق من الشروط.
الفائدة الثانية: الأصل في جميع العقود الصحة حتى يقوم دليل على المنع
: دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ 2، وكذا ما سيذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث.
- الفائدة الثالثة: الشروط في النكاح: تنقسم الشروط في النكاح إلى قسمين: صحيح، وفاسد.
أولاً: الشرط الصحيح: وهو كل شرط لا يستلزم وقوعاً في محرم ولا يستلزم التحريم, ولا يخالف مقصود الشارع ولا مقصود العقد.
مثال ذلك: أن تشترط الزوجة البقاء في دار أمها، أو دار أبيها، أو ألا تسافر معه، أو أن تستمر في دراستها، أو أن تستمر في وظيفتها، أو أن تستمر في حضانة ابنها أو بنتها من زوج أخر، وغير ذلك من الشروط.
فهذه الشروط معتبرة لأنها لا تستلزم وقوعاً في محرم ولا تخالف مقصود الشارع ولا مقصود العقد.
فإن اشترطت عليه ما يخالف الشرع كأن تقول أتزوجك على أن أكشف=
..................................
=وجهي ولا تأمرني بغطاء الوجه، فهذا شرط محرم لا يجوز, وقولنا لا يخالف مقصود الشارع بمعنى أنه لا يلزم وجود دليل من الكتاب والسنة على هذا الشرط ولكن يلزم ألا يخالف الكتاب والسنة كما لو اشترطت عليه طلاق ضرتها، فهذا شرط يخالف مقصود الشارع لورود الشريعة بالنهي عن ذلك, وقولنا لا يخالف مقصود العقد أي يعود على أصل العقد بالبطلان مثل لو اشترطت عليه ألا يستمتع بها، فإن هذا الشرط يخالف مقصود العقد.
ثانياً: الشرط الفاسد وهو كل شرط خالف الكتاب والسنة أو خالف مقصود العقد دليل ذلك حديث بريرة وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ» 1.
ومعنى قوله «ليس في كتاب الله» أي كل شرط خالف ما جاء في كتاب الله فهو باطل, فالشرط الذي جاء به الكتاب والسنة مما فيه استيفاء الحقوق لا مانع منه, وهذه الشروط الفاسدة تنقسم إلى قسمين:
الأول: شرط فاسد مفسد أي يبطل النكاح، وهي أربعة أشياء سيذكرها المؤلف قريباً.
الثاني: شرط فاسد غير مفسد أي لا يبطل النكاح، وهي الشروط التي=
إِذَا اشْتَرَطَتِ الْمَرْأَةُ دَارَهَا (1)، أَوْ بَلَدَهَا (2)، =يشترطها الزوجان أو أحدهما كالخيار في النكاح أو المهر أو شرطاً أو أحدهما عدم الوطء, أو شرط الزوج عدم المهر, أو النفقة, أو قسم لها أقل من ضرتها أو أكثر، أو يشترط أن يعزل عنها ونحو ذلك، فهذه الشروط وغيرها لا يبطل العقد بها لأنها فاسدة تخالف أصل العقد, فالأصل في عقد النكاح الديمومة والبقاء والاستمرار والاستمتاع، فمتى اشترط فيه ما يخالف ذلك، فالشرط فاسد لا يؤثر على العقد.
(1)
قوله «إِذَا اشْتَرَطَتِ الْمَرْأَةُ دَارَهَا»:
بدأ المؤلف في بيان الشروط الصحيحة التي يجب على الزوج الوفاء بها وإن لم يفِ فلها الفسخ، فمن ذلك إذا اشترطت عليه البقاء في دارها أو شقتها أو البقاء في دار أبيها فوافق على ذلك فلما تزوجها أراد أن يخل بهذا الشرط فلها فسخ النكاح.
(2)
قوله «أَوْ بَلَدَهَا»:
أي وكذلك إن اشترطت عليه البقاء في بلدها دون السفر بها إلى مكان أخر فيجب عليه الوفاء بهذا الشرط, فإن خالف فلها فسخ النكاح, دليل ذلك عن عبد الرحمن بن غنم قال: شهدت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أتي في امرأة جعل لها زوجها دارها، فقال عمر: لها شرطها، فقال رجل: إذا يطلقننا، فقال عمر: «إِنَّمَا مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ» 1.
أَوْ أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا (1)، أَوْ أَنْ لا يَتَسَرَّى (2)، (1)
قوله «أَوْ أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا»:
أي وكذلك إذا اشترطت عليه ألا يتزوج عليها فلها شرطها.
فإن تزوجها على هذا الشرط فلا يجوز له أن يتزوج عليها, بل إن تزوج فإنه يكون آثماً, لأنه خانها في هذا الشرط.
وكذلك يكون لها الخيار إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت فسخت العقد ولا يلزم طلاق الزوج فأمرها بيدها لأن المرأة ما رضيته زوجاً إلا بهذا الشرط.
(2)
قوله «أَوْ أَنْ لا يَتَسَرَّى»:
التسري سبق تعريفه وهو إعداد الأمة بأن تكون موطوءة، و
الفرق بين التسري والتزوج
أن التسري الوطء بملك اليمين والتزوج عقد النكاح.
فإذا اشترطت المرأة على زوجها أن لا يتسرى عليها زوجها فقَبِل ذلك فلا يجوز للزوج أن يتسرى عليها, فإن فعل فلها الفسخ.
وذهب بعض الفقهاء إلى صحة النكاح وبطلان الشرط.
والصحيح الأول، فإذا كان للزوج الحق أن يتزوج أكثر من واحدة وأسقط هذا الحق فما المانع من صحة هذا الشرط؟
فالحاصل أن ما ذكره المؤلف هنا كاشتراط ألا يتزوج عليها وألا يخرجها من دارها أو بلدها, أو لا يتسرى عليها كل ذلك من الشروط الصحيحة المعتبرة التي متى خالف فيها الزوج فللمرأة فسخ النكاح.