وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 261-286

فَصْلٌ فِيْ تَعْلِيْقِ العِتْقِ عَلى شَرْطٍ

(1) وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، فِيْ وَقْتٍ سَمَّاهُ (2)، أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلى شَرْطٍ (3)، عَتَقَ إِذا جَاءَ الوَقْتُ أَوْ وُجِدَ الشَّرْطُ (4)، وَلَمْ يَعْتِقْ قَبْلَهُ (5)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ تَعْلِيْقِ العِتْقِ عَلى شَرْطٍ»:

سبق أن عرفنا الشرط وقلنا بأنه في اللغة العلامة, ومنه قوله تعالى ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا﴾ (1)، أي علامتها.
أما

تعريفه عند الأصوليين

: فهو ما يلزم من عدمه العدمُ، ولا يلزم من وجوده الوجود فالوضوء للصلاة مثلاً يلزم من عدمه عدم الصلاة لأنه شرط لصحة الصلاة, ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة فقوله «تعليق العتق على شرط»، يلزم منه عند وجود الشرط وجود العتق الذي علق عليه.
(2)

قوله «وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، فِيْ وَقْتٍ سَمَّاهُ»:

كقوله أنت حر إذا جاء شهر رمضان عتق إذا جاء الشهر.
(3)

قوله «أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلى شَرْطٍ»:

كقوله إن قدم زيد فأنت حر, فإنه لا يعتق حتى يقدم زيد، ونحو ذلك.
(4)

قوله «عَتَقَ إِذا جَاءَ الوَقْتُ أَوْ وُجِدَ الشَّرْطُ»:

وذلك لحصول الشرط الذي علق عليه العتق.
(5)

قوله «وَلَمْ يَعْتِقْ قَبْلَهُ»:

أي فلا يعتق حتى يجئ الشرط, لأن المعلق على شرط ينعدم عند عدمه, ويعتق عند وجوده, لوجود السبب لكن بشرط أن يكون في ملكه عند حصول الشرط فإن خرج من ملكه لم يعتق لقوله -صلى الله عليه وسلم- =1

وَلا يَمْلِكُ إِبْطَالَهُ بِالقَوْلِ (1)، وَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيْهِ (2)، وَمَتَى عَادَ إِلَيْهِ، عَادَ الشَّرْطُ (3)، وَإِنْ كَانَتْ الأَمَةُ حَامِلاً حِيْنَ التَّعْلِيْقِ وَوُجِدَ الشَّرْطُ، عَتَقَ حَمْلُهَا (4)،  = «وَلا عِتْقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» (1).

(1)

قوله «وَلا يَمْلِكُ إِبْطَالَهُ بِالقَوْلِ»:

أي لا يبطل التعليق بقوله: أبطلت ما علقت عليه العتق، لأنها صفة لازمه ألزمها نفسه, فلا يملك إبطاله كالنذر والتدبير.
(2)

قوله «وَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيْهِ»:

أي وللسيد بيع العبد المعلق عتقه على شرط قبل حصول الشرط وله التصرف فيه بهبة، وبيع، وجعالة، وإجارة، ونحو ذلك لأن ملكه باق عليه، لكون العتق لا يقع إلا بعد وجود الشرط كما سبق بيان ذلك.
(3)

قوله «وَمَتَى عَادَ إِلَيْهِ عَادَ الشَّرْطُ»:

أي متى عاد العبد المعلق عتقه على شرط أو صفة إلى سيده عاد إليه الشرط، كأن يبيعه أو يهبه ثم يعود إلى سيده بعد بيعه فإنه يعود إليه بشرطه.
فإذا وجد الشرط وهو في ملكه عتق, لأن الشرط تحقق وهو موجود في ملكه، فوجب العتق, كما لو لم يزل ملكه عنه.

(4)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ الأَمَةُ حَامِلاً حِيْنَ التَّعْلِيْقِ وَوُجِدَ الشَّرْطُ، عَتَقَ حَمْلُهَا»:

أي إذا كانت الأمة المعلق عتقها على الشرط أو صفة حاملاً حين التعليق ووجود الشرط، تبعها حملها فعتق معها، لأنه تابع لها، فهو كعضو من أعضائها.1

وَإِنْ حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ فِيْمَا بَيْنَهُمَا، لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا (1).  (1)

قوله «وَإِنْ حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ فِيْمَا بَيْنَهُمَا، لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا»:

أي إذا حملت ووضعت حملاً بين مدة التعليق ووجد الشرط لم يعتق حملها، أي أن الحمل لم يحصل في حال التعليق ولا في حال العتق فلم يعتق.

بابُ التَّدْبِيْرِ

(1) إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِيْ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ صَارَ مُدَبَّرًا (2)، يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ (3)،  (1)

قوله «بابُ التَّدْبِيْرِ»:

التدبير في اللغة: من دبر الرجل عبده تدبيراً: إذا أعتقه بعد موته، والتدبير في الأمر: النظر إلى ما تئول إليه عاقبة الأمر، أما تعريفه الشرعي فلا يخرج عن تعريفه اللغوي السابق: فهو عتق العبد عن دبر وهو ما بعد الموت، سمي بذلك لأنه ينفذ في دبر الحياة.
(2)

قوله «إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِيْ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ صَارَ مُدَبَّرًا»:

هذه هي بعض الألفاظ التي يحصل بها التدبير, فالتدبير يثبت بكل لفظ يفيد إثبات العتق للملوك بعد موت سيده، كأن يقول لعبده معلقاً أنت حر بعد موتى أو إذا مت فأنت حر, أو قد دبرتك أو أنت مدبر ونحو ذلك من الألفاظ التي تدل صراحة على لفظ التدبير, لكن لابد أن تكون هذه الصيغ صادرة ممن له أهلية التدبير وحكمه حكم الوصية, فلا يصح التدبير إلا ممن تصح وصيته.
(3)

قوله «يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ»:

أي يعتبر لعتق المدبر خروجه من ثلث مال سيده يوم موته لأنه تبرع بعد الموت أشبه الوصية، فإذا كان ثمن هذا العبد يساوى ثلث مال سيده عند موته أو أقل من ثلثه، فإن هذا العبد يعتق وكذلك لا يعتق إلا بعد الدين إن كان سيده مات وعليه دين، فإذا مات السيد والعبد مدبر قيمته عشرة آلاف ريال وعليه دين يبلغ عشرة ألاف ريال، فإن العبد لا يعتق لأن الدين مقدم عليه, ولهذا باع النبي -صلى الله عليه وسلم- العبد المدبر لقضاء دين سيده وقال «أنت أحوج به»، وإذا دبر سيده عبده وقيمة=

وَلا يَعْتِقُ مَا زَادَ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ (1)، وَلِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَوَطْءُ الجَارِيَةِ (2)،  =العبد عشرة ألاف ريال, وعليه دين يبلغ خمسة آلاف ريال, وليس له سوى هذا العبد, فنصفه للدين ويعتق ثلث النصف الباقي أي سدس جميعه, والباقي للورثة.
ولو دبر عبداً وقيمته عشرة آلاف ريال, وليس عنده إلا خمسة آلاف ريال، فالجميع خمسة عشر ألفاً، فثلثها خمسة آلاف يستسعى العبد لتحصيله حتى يتحرر بشرط أن لا يكون مشقوق عليه كما سبق ذكره.

(1)

قوله «وَلا يَعْتِقُ مَا زَادَ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ»:

أي فإن زادت قيمة العبد المدبر أكثر من ثلث تركة سيده, فلا يعتق هذا العبد إلا إذا أجازه الورثة، وحكمه في ذلك حكم الوصية، وقد سبق بيان حكمها.
(2)

قوله «وَلِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَوَطْءُ الجَارِيَةِ»:

اختلف الفقهاء في المدبر هل يجوز بيعه أم لا؟

فقال أبو حنيفة 1: لا يجوز بيعه إذا كان التدبير مطلقاً، وإن كان مقيداً بشرط كأن يقول إن مرضت بعته فبيعه جائز.
وقال مالك 2: لا يجوز بيعه في حال الحياة, ويجوز بعد الموت إن كان على السيد دين.
وقال الشافعي 3: يجوز بيعه على الإطلاق سواء كان مطلقاً أو مقيداً.
وعن الأمام أحمد 4 روايتان: أحدهما كما ذكر المؤلف، وهي كمذهب =

وَمَتَى مَلَكَهُ بَعْدُ، عَادَ تَدْبِيْرُهُ (1)، وَمَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ (2)، وَالْمُكَاتَبَةُ (3)،  =الشافعي، والأخرى: بشرط أن يكون على السيد دين واختارها الخرقي (1). والصحيح: أنه لا يباع إلا في الدين وحاجة صاحبه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما باعه لحاجة صاحبه كما في حديث جابر -رضي الله عنه- قال إن رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر فأحتاج، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟، فَبَاعَهُ مِنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ» (2).

(1)

قوله «وَمَتَى مَلَكَهُ بَعْدُ، عَادَ تَدْبِيْرُهُ»:

أي إذا باع السيد العبد المدبر ثم عاد إليه بإرث أو فسخ رجع التدبير, لأنه علق عتقه على وفاته، فإذا باعه أو نحوه ثم عاد إليه عادت الصفة.
(2)

قوله «وَمَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ»:

وما ولدت أي أن وطئت المدبرة من غير سيدها فأولدت فله حكمها، لأن الولد جزء من الأم فتبعها كبقية أجزائها، فيعتق بموت السيد، فإذا مات هذا السيد وعتقت أمهم بموته, عتقوا هم كذلك، لأن الولد جزء من الأم كما سبق.
(3)

قوله «وَالْمُكَاتَبَةُ»:

المكاتبة: هي التي كاتبت سيدها على العتق، وسيأتي باب المكاتب بعد هذا الباب إن شاء الله.
ومعنى كلام المؤلف -رحمه الله- أن المكاتبة إذا وطئت من غير سيدها إما من نكاح أو غيره فولدها من غير سيدها تابع لها موقوف على عتقها، فإن عتقت بالأداء أو الإبراء عتق, وإن فسخت كتابتها وعادت إلى الرق عاد رقيقاً، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.12

وَأُمُّ الوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، فَلَهُ حُكْمُهَا (1)، وَيَجُوْزُ تَدْبِيْرُ المُكَاتَبُ وَكِتَابَةُ المُدَبَّرِ (2)، فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ (3)، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، عَتَقَ إِنْ حَمَلَ الثُّلُثُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ (4)،  = وقال بعض الفقهاء في ولد المكاتبة هو عبد قن لا يتبع أمه لأن الكتابة غير لازمة من جهة العبد فلا تسرى إلى الولد كالتعليق بالصفة.

(1)

قوله «وَأُمُّ الوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، فَلَهُ حُكْمُهَا»:

أم الولد: هي التي أتت من سيدها بولد وهي رقيقة حتى يموت سيدها، فإذا مات سيدها عتقت بموته.
ومعنى كلامه -رحمه الله- أن أم الولد إذا ولدت بعد ثبوت حكم الاستيلاد لها من غير سيدها - من زوج غيره -، فحكم ولدها حكمها أنه لا يعتق بموت سيدها ويجوز فيه من التصرفات ما يجوز فيها ويمتنع فيه ما يمتنع فيها، أما ما ولدته من سيدها فهو حر منذ ولادته.

(2)

قوله «وَيَجُوْزُ تَدْبِيْرُ المُكَاتَبُ وَكِتَابَةُ المُدَبَّرِ»:

أي يجوز تدبير المكاتب وهو العبد الذي كاتب سيده على مال معين يعتق بأدائه إليه قال المؤلف «ويجوز تدبيره».
قال ابن قدامه في المغنى: لا نعلم فيه خلافاً, لأنه تعليق عتق بصفة, وهو يملك إعتاقه.
أما كتابة المدبر كأن يقول له إن دخلت الدار فأنت حر ثم كاتبه على العتق فهذا أيضاً جائز, لأن التدبير إن كان عتقاً بصفة لم يمنع الكتابة, ولأن التدبير والكتابة سببان للعتق فلم يمنع أحدهما الأخر كتدبير الكاتب.
(3)

قوله «فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ»:

أي إذا أدى المكاتب ما كاتب عليه سيده من المال عتق وبطل تدبيره.
(4)

قوله «وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، عَتَقَ إِنْ حَمَلَ الثُّلُثُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ»:

أي إذا مات السيد قبل أن يؤدي العبد المدبر الذي كاتب سيده أو المكاتب الذي دبره سيده قبل أن يؤدي هذا العبد ما عليه عتق بالتدبير لأن هذا شأن المدبر=

وَإِلاَّ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ (1)، وَسَقَطَ مِنَ الكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ (2)، وَهُوَ عَلى الكِتَابَةِ بِمَا بَقِيَ (3)، وَإِنِ اسْتَوْلَدَ مُدَبَّرَتَهُ بَطَلَ تَدْبِيْرُهَا (4)، وَإِنْ أَسْلَمَ مُدَبَّرُ الكَافِرِ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ، حِيْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا (5)،  = المدبر، لكن بشرط أن يحمل الثلث ما بقى من كتابته كما سبق ذكره.

(1)

قوله «وَإِلاَّ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ»:

أي إذا كان ثلث مال الميت أقل مما كاتب عليه هذا المملوك فينظر كم يبلغ ثلث مال الميت من قيمة هذا المملوك وقت وفاة هذا السيد, فيعتق من المملوك بقدر هذا الثلث وقد مثلنا لذلك سابقاً.
(2)

قوله «وَسَقَطَ مِنَ الكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ»:

أي وسقط من الكتابة بقدر ما عتق منه بالتدبير لانتفاء محلها بالعتق.
(3)

قوله «وَهُوَ عَلى الكِتَابَةِ بِمَا بَقِيَ»:

أي هذا المملوك يستمر في المكاتبة فيؤدي لورثة مالكه ما بقى من دين الكتابة لبقاء الرق فيه, فإن سدد جميع ما بقى صار حراً.
(4)

قوله «وَإِنِ اسْتَوْلَدَ مُدَبَّرَتَهُ بَطَلَ تَدْبِيْرُهَا»:

أي إن وطء السيد مدبرته فجاءته بولد فإنه يبطل تدبيرها وصارت أم ولد، لأن الاستيلاد أقوى من التدبير فإنها تعتق من رأس المال, وإن لم يملك غيرها وكذلك سواء كان عليه دين أو لم يكن فوجب أن يبطل التدبير كما أن النكاح يبطل بملك اليمين.
(5)

قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ مُدَبَّرُ الكَافِرِ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ حِيْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا»:

أي إذا أسلم العبد المدبر أو أسلمت أم ولده وكان سيدهم كافراً فإنه يؤمر بإزالة ملكه عنهم وأجبر عليه لئلا يبقى الكافر مالكاً للمسلم كغير المدبر، وهذا أحد القولين في المسألة.
والقول الأخر هو ما ذكره المؤلف أن يحال بينهما فيجعل في يد عدل ويلزم بنفقته حتى يعتق بموته.

وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ كَسْبِهِمَا (1)، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا كَسْبٌ، أُجِبرَ عَلى نَفَقَتِهِمَا (2)، فَإِنْ أَسْلَمَ، رُدَّا إِلَيْهِ (3)، وَإِنْ مَاتَ عُتِقَا (4)، وَإِنْ دَبَّرَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ وَهُوَ مُوْسِرٌ، لَمْ يَعْتِقْ سِوَى مَا أَعْتَقَهُ (5)، وَإِنْ أَعْتَقَهُ فِيْ مَرَضِ مَوْتِهِ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيَهُ، عَتَقَ جَمِيْعُهُ (6).  (1)

قوله «وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ كَسْبِهِمَا»:

إن كان لهما كسب, وما فضل من كسبهما كان لسيدهما, وإن أُعوز فعليه تمامه.
(2)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا كَسْبٌ أُجِيْرَ عَلى نَفَقَتِهِمَا»:

أي فإن لم يكن لهما كسب فإن السيد يجبر على النفقة عليهما لأنهما ملكه ونفقة المملوك على سيده.
(3)

قوله «فَإِنْ أَسْلَمَ، رُدَّا إِلَيْهِ»:

أي فإن أسلم ردا إليه أي العبد المدبر وأم ولده لأن المانع هو كفره وقد زال.
(4)

قوله «وَإِنْ مَاتَ عُتِقَا»:

أي إن مات السيد فإنهما يعتقان.
(5)

قوله «وَإِنْ دَبَّرَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ وَهُوَ مُوْسِرٌ، لَمْ يَعْتِقْ سِوَى مَا أَعْتَقَهُ»:

أي لو دبر شركاً له - وهو الجزء - في عبد فإنه لا يسري إلى نصيب شريكه ولو كان موسراً، وهذا بخلاف العتق، وقد سبق لأن التدبير تعليق للعتق على صفة, فلم يسر ولأن التدبير وصية وهي لا تسري.
(6)

قوله «وَإِنْ أَعْتَقَهُ فِيْ مَرَضِ مَوْتِهِ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيَهُ، عَتَقَ جَمِيْعُهُ»:

أي وإن أعتق شركه وهو في مرض الموت المخوف وثلثه يتحمل قيمة باقية وعتق جميعه, لأن عتق الشخص لجزء من عبده موجب للسراية فيعتق عليه كله.

بابُ المُكاتَبِ المُكَاتَبَةُ: شِرَاءُ العَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ فِيْ ذِمَّتِهِ (1)، وَإِذَا ابْتَغَاهَا العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصَّدُوْقُ مِنْ سَيِّدِهِ, اسْتُحِبَّ لَهُ إِجَابَتُهُ إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِيْنَ يَبْتَغُوْنَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوْهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيْهِمْ خَيْرًا﴾ (2)،  (1) قوله

###: «بابُ المُكاتَبِ.
المُكَاتَبَةُ: شِرَاءُ العَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ فِيْ ذِمَّتِهِ»: هذا هو

تعريف المكاتبة

، وسميت بذلك لأن الغالب ألا تقع بين العبد وسيده, وقوله «شِرَاءُ العَبْدِ نَفْسَهُ» أولى بلا شك من قول بعض الفقهاء كما هو في زاد المستقنع - بيع العبد نفسه - لأن الأول أوضح وأبين.
وقوله «بِمَالٍ فِيْ ذِمَّتِهِ» أي بمال مؤجل في ذمة العبد، وهل تصح بمال حال؟ نقول: نعم؛ وكلام المؤلف خرج مخرج الغالب حيث أن العبد في الغالب لا يملك ما يفدي به نفسه من سيده حالاً بل يكاتبه ثم يبحث عن مال المكاتبة, لكن إن حصل عليه في الحال جاز له أن يوفيه كما هو الحال في حديث بريرة فقد كاتبت أهلها على تسع أواق ثم جاءت تستعين بعائشة رضي الله عنها فقالت إن أراد أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت 1.

(2)

قوله «وَإِذَا ابْتَغَاهَا العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصَّدُوْقُ مِنْ سَيِّدِهِ, اسْتُحِبَّ لَهُ إِجَابَتُهُ إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِيْنَ يَبْتَغُوْنَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوْهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيْهِمْ خَيْرًا﴾»:

بين المؤلف هنا المكاتبة وأنها تستحب، لكن اشترط أهل العلم لسنيتها شروطاً سنذكرها لاحقاً، وجمهور الفقهاء اتفقوا على أن المكاتبة مستحبة لأن العبد قد يقصد بها الاستقلال والاكتساب والتزوج فيكون أعف له كما سيأتي إن شاء الله من بيان الحكمة في مشروعيتها.

..................................  =وذهب بعض الفقهاء إلى أنها واجبة إذا طلبها العبد واحتجوا لذلك بقوله تعالى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (1)، فالأمر عندهم للوجوب.
وفي رواية للإمام أحمد أنها واجبة إذا طلبها العبد المكتسب الصدوق، وهذا هو الأظهر والله أعلم، وذلك لأن الشريعة تحرص وتتشوف إلى الحرية.

أما عن

الحكمة في مشروعية المكاتبة

: فهي إنما شرعت لمصلحة الطرفين السيد والعبد, فالسيد يستفيد منها من جهتين: الأول: أنها عمل من أعمال البر المندوبة التي يثاب عليها.
الثاني: أن في فيها نفعاً دنيوياً لما يحصل عليه السيد من مال المكاتبة.
أما العبد فإنه بالمكاتبة يرفع عنه الرق ويتمتع بالحرية التي تجعله حراً في تصرفاته وأفعاله وليس لأحد عليه سلطان.

وقول المؤلف «إِذَا ابْتَغَاهَا العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصَّدُوْقُ»: هذه هي

الشروط المعتبرة في المكاتبة

فيشترط في العبد المكاتب أن يكون: 1 - مكتسباً: أي قادراً على الكسب، فإن كان عاجزاً عن التكسب أي لا يستطيع أن يعمل فلا تسن.
2 - الصدق: وهو أن يكون صالحاً في دينه فيعلم منه سيده الصلاح في الدين والصدق في قوله وعمله، لأنه لو كان غير ذلك ازداد بعتقه فساداً ويخشى أن يميل بعاطفته إلى الكفر، لأن أغلب الرق في صدر الإسلام كان من أسرى الحرب المعادين لدين الله, قال تعالى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، أي صلاحاً في الدين وكسباً.1

وَيُجْعَلُ الْمَالُ عَلَيْهِ مُنَجَّمًّا (1)، فَمَتَى أَدَّاهَا، عَتَقَ (2)، وَيُعْطَى مِمَّا كُوْتِبَ عَلَيْهِ الرُّبُعُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى ﴿وَآتُوْهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ﴾ قَالَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه-: هُوَ الرُّبُعُ (3)، وَالمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ (4)، إِلاَّ أَنَّهُ يَمْلِكُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالسَّفَرَ، وَكُلُّ مَا فِيْهِ مَصْلَحَةُ مَالِهِ (5)،  (1)

قوله «وَيُجْعَلُ الْمَالُ عَلَيْهِ مُنَجَّمًّا»:

أي على أقساط محدودة، ويجوز كذلك أن يكون حالاً كما سبق.
(2)

قوله «فَمَتَى أَدَّاهَا، عَتَقَ»:

أي فمتى أدى المكاتب ما كاتب عليه سيده فإنه يعتق لأن الكتابة عقد لازم من جهة السيد لا يملك فسخها.
(3)

قوله «وَيُعْطَى مِمَّا كُوْتِبَ عَلَيْهِ الرُّبُعُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى ﴿وَآتُوْهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ﴾ قَالَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه-: هُوَ الرُّبُعُ»:

أي يسقط عنه سيده من دين الكتابة الذي اتفقا عليه الربع تخفيفاً عنه لهذه الآية والأمر فيها للوجوب, ومعناها: أي أعطوا من تكاتبونهم من الزكاة، أي التصرفات التي يستعينون بها على أداء ما اتفقتم عليه من مال المكاتبة للتحرر من الرق.
واختلفوا في القدر المعين هل هو الربع أو أقل أو أكثر؟ الصواب: أنه لا يتقدر بأمر معين.
(4)

قوله «وَالمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ»:

وهذا هو قول عامة أهل العلم, فالمكاتب لا يعتق ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي جميع ما عليه من مال الكتابة، فإن بقى عليه شيء ولو كان درهماً فهو عبد تجري عليه أحكام الرقيق.
(5)

قوله «إِلاَّ أَنَّهُ يَمْلِكُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالسَّفَرَ، وَكُلُّ مَا فِيْهِ مَصْلَحَةُ مَالِهِ»:

أي مع كونه مازال رقيقاً إلا أنه يستثنى له أمور منها: البيع والشراء: فهو مع سيده في البيع والشراء كالأجنبي وذلك لأنه عقد=

وَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ وَلا التَّزَوُّجُ وَلا التَّسَرِّيْ، إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (1)،  =الكتابة لتحصيل العتق ولا يحصل إلا بأداء عوضه وهو متعذر إلا بالاكتساب، ولا شك أن أقوى ما يكون به الاكتساب هو البيع والشراء.
وكذلك مما يملكه المكاتب السفر قريباً كان أو بعيداً فلا يشترط إذن السيد في سفره لأن السفر وسيلة لتحصيل مقصوده وهو العتق، فقد يكون في سفره مصلحة له تعينه على التكسب لأداء دين الكتاب.
فبالجملة المكاتب يملك كل ما فيه مصلحة ماله كالإجارة والاستنجار وأخذ الصدقة لأنه غريم, وسقى الزرع وحصاده، ونحو ذلك مما هو مباح ويعينه على سداد دينه.

(1)

قوله «وَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ وَلا التَّزَوُّجُ وَلا التَّسَرِّيْ، إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ»:

أي لا يكون للمكاتب هذه الأمور الثلاثة إلا بإذن من سيده: الأول: ليس له التبرع من ماله، فلا يحق له أن يهب أحداً شيئاً من ماله ولا يحق له التصدق ولا أن يهدي أحداً منه شيئاً لما في ذلك من الضرر على سيده, وذلك لأن التبرع بذلك يفوت عليه تحصيل العتق بسداد الدين فلم يصح.
الثاني: ليس له كذلك التزوج إلا بإذن من سيده، وذلك لما يحتاجه الزواج من كلفه مادية كمهر ونفقة من كسبه على زوجته، وربما عجز فرّق مرة أُخرى فيرجع إلى سيده ناقص القيمة, فإن أذن له سيده بذلك صح.
الثالث: التسري, أي ولا يجوز للمكاتب التسري، والتسري هو أن يشترى المكاتب أمة ويجامعها لأن في ذلك ضرراً على سيده ويفوت عليه مصلحة العتق, ولأن ملكه للأمة غير تام فمنع منه كالزواج.

وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ اسْتِخْدَامُهُ وَلا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (1)، وَمَتَى أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلى مَالِهِ، فَعَلَيْهِ غَرَامَتُهُ (2)، وَيَجْرِيْ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، كَالأَجَانِبِ (3)، إِلاَّ أَنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعُ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ (4)، وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ (5)،  (1)

قوله «وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ اسْتِخْدَامُهُ وَلا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ»:

أي لا يملك السيد أخذ شيء من مال المكاتب، وليس له كذلك أن يستخدمه لأن ذلك يفوت عليه التكسب الذي يحصل به العتق.
(2)

قوله «وَمَتَى أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلى مَالِهِ، فَعَلَيْهِ غَرَامَتُهُ»:

أي متى تعدى السيد على المكاتب بأخذ شيء منه أو جنى عليه أو جنى على ماله فعليه غرامته وذلك لتعديه على ملك غيره بأخذه منه أو أتلافه له.
(3)

قوله «وَيَجْرِيْ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، كَالأَجَانِبِ»:

أي يجرى الربا بين السيد وبين عبده المكاتب شأنهما شأن غيرهما من الأحرار، فلا يجوز أن يتعامل أحدهما مع الأخر بمعاملة ربوبية فلا يبيع سيده درهماً بدرهمين هذا في شأن المكاتب, أما إن كان الرقيق غير مكاتب لم يجر الربا بينه وبين سيده، لأن المال كله لسيده.
(4)

قوله «إِلاَّ أَنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعُ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ»:

هذا مستثنى مما قبله, فيجوز للمكاتب أن يعجل لسيده بعض المال المكاتب ويسقط عنه الباقي وهذا أحد القولين في المسألة.
(5)

قوله «وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ»:

أي ليس للسيد وطء من كاتبها على العتق لزوال ملكه عن استخدامها, فإن اشترط ذلك في عقد الكتابة جاز ولبقاء أصل الملك, وإنما منع من وطئها لحقها ولأن بضعها من جملة منافعها، فإذا استثنى نفعه صح كما لو استثنى منفعة، فإذا اشترطه جاز كما لو أشترط خدمتها.
وقيل لا يجوز أختاره ابن عقيل 1.

وَلا بِنْتِهَا وَلا جَارِيَتِهَا (1)، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا (2)، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَ أُمَّ وَلَدٍ (3)، فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ (4)، وَمَا فِيْ يَدِهَا لَهَا إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ (5).  (1)

قوله «وَلا بِنْتِهَا وَلا جَارِيَتِهَا»:

أي وليس للسيد أن يطأ ابنة مكاتبته لأنها تابعة لأمها موقوفة معها، وكذلك يحرم عليه أن يطأ أمة مكاتبته التي تملكها، وكذلك الأمة التي يملكها مكاتبه لا يحل له كذلك وطؤها لأنه لا يملكها.
(2)

قوله «فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا»:

هذا

ما يترتب على وطء السيد مكاتبته أو ابنتها أو جاريتها

من غير شرط فيترتب عليه ما يلي: 1 - أنه لا حد عليهما.
2 - عدم العذر إن كانا عالمين بالتحريم، وإن كان جاهلين عُذرا، وإن كان أحدهما عالماً والأخر جاهلاً، لم يعذر العالم وعذر الجاهل.
3 - أن عليه مهر مثلها سواء أكرهها أو طاوعته، لأنه عوض منفعتها فوجب لها كما لو أستخدمها.

(3)

قوله «وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ»:

أي إن وطء الحر أمته المكاتبة فحملت منه فأولدت صارت أم ولد وذلك لأنها أمة له ما بقى عليها درهم, فيكون ولدها حر من مملوكه.
(4)

قوله «فَإِنْ أَدَّتْ، عَتَقَتْ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ»:

أي إن أدت المكاتبة التي وطأها سيدها فأولدها إن أدت ما كاتبت عليه فإنها تعتق، فإن أدت البعض ومات سيدها قبل الأداء فإنها تعتق أيضاً لأنها أم الولد تعتق بموت سيدها.
(5)

قوله «وَمَا فِيْ يَدِهَا لَهَا إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ»:

نقول بأن أم الولد عند=

وَيَجُوْزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا اشْتَرَتْ بَرِيْرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، بِأَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (1)، وَيَكُوْنُ فِيْ يَدِ مُشْتَرِيْهِ مُبْقًى عَلى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ (2)،  =وفاة سيدها ما تملكه من مال له أحوال: الأول: أن يكون ما في يدها قد زاد عن دين الكتابة، فهو ملك لها لأن المال الذي بيد المكاتب مما يزيد عن دين الكتابة له.
الثاني: أن يكون المال الذي بيدها عند وفاة سيدها لم يكن زائداً عن دين الكتابة فإن هذا المال يكون للورثة, لأن أم الولد لا تملك مالاً, لأنها مملوكه لسيدها فما بيدها فهو لسيدها.
قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ» أي إلا أن تعجز أم الولد عن أداء أقساط الكتابة فإن الكتابة تبطل وتعتق وعتقها هنا عتق قهري.

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا اشْتَرَتْ بَرِيْرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، بِأَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -»:

أي لو أن الرجل كاتب عبده وأراد أن يبيعه بعد الكتابة فإن هذا يجوز ويستدل على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها حيث اشترتها من أهلها بعد أن كاتبتهم فأجازها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقرها على ذلك, بل أذن لها باللفظ فقال لها «خذيها واشترطي لهم الولاء».
واختلف الفقهاء في هذه المسألة - أي بيع المكاتب - على أقوال الجواز والمنع، والتفصيل بين أن يبيعه للمعتق فيجوز أو للاستخدام فيمتنع.
والصحيح: هو الجواز كما سبق.

(2)

قوله «وَيَكُوْنُ فِيْ يَدِ مُشْتَرِيْهِ مُبْقًى عَلى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِه»:

أي يبقى الأمر على ما كان عليه فلا يجوز لسيده الجديد أن يبطل كتابته لأن سبب العتق قد انعقد, فلا يملك مشتريه إبطال الكتابة فيبقى العبد على كتابته فيقوم مشتريه=

فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ وَوَلاؤُهُ لِمُشْتَرِيْهِ (1)، وَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ (2)، وَإِنِ اشْتَرَى المُكَاتَبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأَوَّلِ وَبَطَلَ الثَّانِيْ (3)،  =مقام مكاتبه الأول، فإن رغب العبد عند سيده الثاني أن يكون عنده عبداً ويلغي ما كاتب عليه سيده الأول فإنه يجوز له ذلك ويكون ذلك بأن لا يؤدي النجوم التي عليه يعني لا يؤدي القيمة التي أتفق عليها مع سيده الأول، فإن عجز عاد كما كان كما سيأتي في كلام المؤلف.

(1)

قوله «فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ وَوَلاؤُهُ لِمُشْتَرِيْهِ»:

أي إن أدى المكاتب ما عليه لسيده فإنه يعتق جبراً على الثاني لأن سيده الثاني لا يملك فسخ الكتابة كما سبق، لأن الكتابة عقد جائز من قبل العبد لازم من جهة السيد، وقد سبق أن ذكرنا ذلك, وبعد عتقه يكون الولاء للمشتري فإن اشترط السيد الأول أن يكون الولاء أنه لا يصح ولو رضي الثاني كما في قصة بريرة مع عائشة رضي الله عنها في كتابتها.
(2)

قوله «وَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ»:

أي وإن عجز المملوك المكاتب عن أداء ما كاتب عليه سيده فإنه يعود عبداً كما كان من قبل.
(3)

قوله «وَإِنِ اشْتَرَى المُكَاتَبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأَوَّلِ وَبَطَلَ الثَّانِيْ»:

لا خلاف بين أهل العلم في أن المكاتب يصح شراؤه للعبيد والمكاتب يجوز بيعه على ما ذكرنا، فإذا اشترى أحدهما الأخر صح شراؤه وملكه لأن التصرف صدر من أهله في محله وسواء كانا مكاتبين لسيد واحد أو لاثنين، فإن عاد الثاني فاشترى الذي اشتراه لم يصح لأنه سيده ومالكه وليس للملوك أن يملك مالكه لأنه يفضي إلى تناقص الأحكام إذ أن كل واحد منهما يقول لصاحبه أنا سيدك ولي عليك مال الكتابة تؤديه إلى، وإن=

فَإِنْ جُهِلَ الأَوَّلُ مِنْهُمَا، بَطَلَ البَيْعَانِ (1)، وَإِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ، بَطَلَتِ المُكَاتَبَةُ (2)، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَهُ، فَهُوَ عَلى كِتابَتِهِ يُؤَدِّيْ إِلى الوَرَثَةِ، وَوَلاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ (3)، وَالكِتَابَةُ عَقْدٌ لازِمٌ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا (4)،  =عجزت فلي فسخ كتابتك وردك إلى أن تكون رقيقاً وهذا تناقص في الأحكام.

(1)

قوله «فَإِنْ جُهِلَ الأَوَّلُ مِنْهُمَا، بَطَلَ البَيْعَانِ»:

أي فإن لم يعلم السابق منهما فسد البيعان ويرد كل واحد منهما إلى كتابته لأن كل واحد منهما مشكوك في صحة بيعه فيرد إلى اليقين, كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما فسد النكاح.
(2)

قوله «وَإِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ، بَطَلَتِ المُكَاتَبَةُ»:

أي تنفسخ الكتابة بموت المكاتب ويموت عبداً وما في يده لسيده إذا كان لم يخلف وفاء لسيده, لأن المكاتب عبد ما بقى عليه من كتابته شيء وفد سبق، فإن كان المكاتب حلف وفاء فإنه يعطى لسيده ما بقى من دين الكتابة, وما زاد فلورثة المكاتب.
(3)

قوله «وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَهُ، فَهُوَ عَلى كِتابَتِهِ يُؤَدِّيْ إِلى الوَرَثَةِ، وَوَلاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ»:

أي فإن مات السيد قبل مكاتبه فإنه لا ينفسخ عقد الكتابة كما سيأتي قريباً لأن عقد الكتابة عقد لازم من جهة السيد جائز من جهة العبد فلا سبيل إلى فسخ العقد، وهذا لا خلاف فيه لكن يجب على المكاتب أن يؤدي ما بقي عليه من دين الكتابة إلى الورثة، ويكون الولاء لسيده لأنه هو الذي أنعم عليه بالعتق حين كاتبه فكان الولاء له.
(4)

قوله «وَالكِتَابَةُ عَقْدٌ لازِمٌ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا»:

سبق أن ذكرنا أن الكتابة عقد جائز للمكاتب لازم من جهة السيد.

وَإِنْ حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيْزُهُ (1)،  =وذهب المؤلف هنا إلى أنها عقد لازم من الطرفين، وهذا أحد القولين في المسألة قياساً على سائر العقود اللازمة.

(1)

قوله «وَإِنْ حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيْزُهُ»:

النجم: هو الوقت الذي يحل فيه الأداء، ومعنى كلامه -رحمه الله- أي إن حل نجم من نجوم الكتابة فلم يؤده العبد لسيده فلسيده تعجيزه، أي جعله عاجزاً أي ينسب المكاتب إلى نفسه عجزه عن الأداء, فيكون لسيده الحق في الفسخ لأنه حق له.
وفي رواية 1 للإمام أحمد أنه لا يعجز حتى يحل نجمان, وفي رواية أخرى 2 لا يعجز يقول قد عجزت.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إنظار السيد لمكاتبه لمدة يمكنه السداد فيها إذا طلب المكاتب ذلك, كأن يطلب التأجيل لمدة يسيره أو يكون له مال في بلد آخر، أو عنده سلعة عرضها للبيع ونحو ذلك فإن عجز عن السداد فللسيد إلغاء هذه الكتابة ورد المكاتب رقيقاً.
والأقرب عندي: أنه لا يعجزه حتى يقول قد عجزت، أي حتى يظهر عجزه ويبين فكونه يعجز عن سداد قسط أو قسطين ولم يظهر عجزه فإنه من الممكن أن يقضي ما عليه دليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- «ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» 3، وفي كونه عجز عن قسط واحد يحق للسيد الفسخ هذا فيه مشقة ظاهرة عليه، ومعلوم أن تخلف المدين عن القسط والقسطين والثلاثة يحصل عادة فكذلك المكاتبة إذا فالراجح أنه لا يعجزه حتى يظهر عجزه ويبين.

وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ، بُدِئَ بِجِنَايَتِهِ (1)، وَإِنِ اخْتَلَفَ هُوَ وَسَيِّدُهُ فِيْ الكِتَابَةِ (2)، أَوْ عِوَضِهَا (3)، أَوِ التَّدْبِيْرِ (4)، أَوِ الاِسْتِيْلادِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِيْنِهِ (5).  (1)

قوله «وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ، بُدِئَ بِجِنَايَتِهِ»:

أي وإن جنى المكاتب على غيره فقتل أحداً أو جرحه تعلقت جنايته برقبته، ويبدأ بأرش الجانية قبل دين المكاتبة لأن أرش الجناية متعلق برقبته ودين الكتابة متعلق بذمته، ولأن دين الكتابة غير مستقر ودين الجناية مستقر فيقدم.
(2)

قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ هُوَ وَسَيِّدُهُ فِيْ الكِتَابَةِ»:

أي إن اختلف المكاتب مع سيده في الكتابة فقال العبد «كاتبتني»، فأنكر سيده الكتابة أو العكس قدَّم قول السيد مع يمينه، لأن الأصل ملكه العبد وكسبه.
(3)

قوله «وْعِوَضِهَا»:

أي اختلفا في عوض الكتابة بأن قال السيد «كاتبتك على ألفين»، وقال العبد «على ألف»، قُدّم قول السيد مع يمينه، لأن الاختلاف في الكتابة فكان القول قول السيد.
(4)

قوله «أَوِ التَّدْبِيْرِ»:

سبق تعريف التدبير وقلنا بأن التدبير هو أن يقول السيد لعبده «إذا مت فأنت حر»، فإن ادعى العبد أن سيده دبره فأنكر القول السيد فالقول قول السيد مع يمينه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (1). (5)

قوله «أَوِ الاِسْتِيْلادِ، القَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِيْنِهِ»:

أي لو اختلفا في الاستيلاد كأن يكون المكاتب جارية وأتت بولد من سيدها فقالت «ولدته زمن الكتابة فهو موقوف معي»، وقال السيد «بل قبل الكتابة فهو لي»، أو اختلفا بأن =1

..................................  =ادعت الجارية أنها حملت من سيدها وأنجبت منه مولوداً فأصبحت أم ولد وأنكر سيدها ذلك وليس عندها بينة على دعواها فالقول قول سيدها مع يمينه لأن الأصل عدم هذه الأمور كلها.

بَابُ حُكْمِ أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ

(1) إِذَا حَمَلَتِ الأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا فَوَضَعَتْ مَا تَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ (2)،  (1)

قوله «بَابُ حُكْمِ أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ»:

أي باب أحكام أمهات الأولاد، والمراد بهن من أتت من سيدها بولد لكن بشروط سيأتي ذكرها في كلام المؤلف.

فائدة: لا خلاف بين الفقهاء في إباحة التسري ووطء الإماء

لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين﴾ (1)، وقد كانت مارية القطبية أم ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي أم إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم- التي قال فيها أعتقها ولدها وكانت هاجر أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام سرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكان لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أمهات أولا، أوصى لكل واحدة منهن بأربعمائة, وكان لعلي -رضي الله عنه- أمهات أولاد ولكثير من الصحابة، وكان على بن الحسين, والقاسم بن محمد, وسالم بن عبد الله من أمهات أولاد.

فائدة: روى أن الناس لم يكونوا يرغبون في أمهات الأولاد

حتى ولد علي بن الحسين, والقاسم بن محمد, وسالم بن عبد الله فرغب الناس فيهم.
(2)

قوله «إِذَا حَمَلَتِ الأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا فَوَضَعَتْ مَا تَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ»:

هذا هو الشرط الأول لتصير الموطوءة أم ولد، فلابد أن يكون ما حملته هذه الأمة قد تبين فيه شيء من خلق الإنسان أي تبين فيه اليدان والرجلان والرأس وهذا يكون بعد بلوغ ثمانين يوماً, أما قبل ذلك فلا يمكن أن يخلق, لأن الجنين في بطن أمه يكون في الأربعين الأولى نطفة وفي الثانية علقة, وفي الثالثة مضغة مخلقة وغير مخلقة, إذاً لا يمكن أن يبدأ التخطيط =1

صَارَتْ بِذَلِكَ أُمُ وَلَدٍ (1). تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا (2)، وَمَادَامَ حَيًّا، فَهِيَ أَمَتُهُ، أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ الإِمَاءِ، فِيْ حِلِّ وَطْئِهَا وَمِلْكِ مَنَافِعِهَا وَكَسْبِهَا وَسَائِرِ الأَحْكَامِ (3)،  = إلا بعد الثمانين، فبعد الثمانين يمكن أن يخلق وفي التسعين الغالب أنه مخلق.

(1)

قوله «صَارَتْ بِذَلِكَ أُمُ وَلَدٍ»:

صارت جواب - إذا - يعنى إذا أولد السيد أمته بهذا الشرط المذكور، وهو أن تضع ما تبين فيه شيء من خلق الإنسان صارت أم ولد بذلك، وقول المؤلف «من سيدها» احترازاً من العبد فالعبد لا يملك، وكذلك احترازاً من المكاتب، فالمكاتب عبد فلو أولد أمته التي اشتراها ليتكسب بها إن صح أن يجامعها فإنها لا تكون أم ولد, إنما إذا أولد الحر الأمة.
(2)

قوله «تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا»:

يعنى تعتق عتقاً قهرياً على الورثة بموت سيدها, وان لم يكن له تركه غيرها, فهي مقدمة على كل شيء حتى الدَّين والوصية, دليل ذلك ما رواه مالك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» (1). (3)

قوله «وَمَادَامَ حَيًّا، فَهِيَ أَمَتُهُ، أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ الإِمَاءِ، فِيْ حِلِّ وَطْئِهَا وَمِلْكِ مَنَافِعِهَا وَكَسْبِهَا وَسَائِرِ الأَحْكَامِ»:

أي ما دام سيد أم الولد حياً فهي أمته أحكامها أحكام الإماء فيحل له وطئها وإجارتها وكل ما ينتفع به منها لأنها مملوكة أشبهت الأمة، وكونه ينتفع منها مع كونها أم ولد لأن هذا الانتفاع لا ينافي انعقاد سبب الحرية فيها وكون ما كسبته لسيدها لأنها مملوكة كما سبق=1

إِلاَّ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ بَيْعَهَا وَلا رَهْنَهَا وَلا سَائِرَ مَا يَنْقُلُ المِلْكَ فِيْهَا أَوْ يُرَادُ لَه (1)،  =والمملوك لا يملك لقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (1)، وقوله «وَسَائِرِ الأَحْكَامِ» كالشهادة والحدود والدية وغير ذلك إلا ما استثناه المؤلف.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ بَيْعَهَا وَلا رَهْنَهَا وَلا سَائِرَ مَا يَنْقُلُ المِلْكَ فِيْهَا أَوْ يُرَادُ لَه»:

هذا مستثنى مما قبله فأُم الولد في أحكامها تكون كأحكام الأمة إلا أن هناك أموراً مستثناة منها: 1 - أن سيدها لا يملك بيعها, لأن بيعها قد ينقل الملك في رقبتها وهذا ينافي سبب انعقاد الحرية ويبطله، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب جمهور الفقهاء وعليه أكثر التابعين على أن السيد لا يجوز له في أم ولده التصرف بما ينقل الملك, فلا يجوز بيعها ولا وقفها ولا رهنها ولا تورث 2. وذهب شيخ الإسلام 3، وهو رواية في مذهب الأمام أحمد 4 أنه يجوز بيعها لما ثبت عن جابر -رضي الله عنه- قال: «بِعْنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبِى بَكْرٍ -رضي الله عنه- فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ -رضي الله عنه- نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا» 5، وفي لفظ «كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- فينا حي, لا يرى بذلك بأساً» 6.1

وَتَجُوْزُ الوَصِيَّةُ لَهَا وَإِلَيْهَا (1). وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا، فَعَلَيْهَا القِصَاصُ (2)،  =قلت: والمسألة فيها خلاف قوى، والراجح عندي ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، فإنه لا يجوز بيع أمهات الأولاد.
وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على ذلك، ولا يقدح في صحة ما جاء عن بعض الصحابة من الجواز لأنه قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة كما حكى ذلك بعض أهل العلم.

2 -

أنه لا يملك رهنها

لأن القصد من الرهن البيع في الدين ولا سبيل إليه إلا بذلك.
3 -

أنه لا يملك كل ما ينقل الملك فيها ولا يراد،

وهذه قاعدة أي جميع ما ينقل ملك أم الولد عن ملك سيدها التي ستعتق بموته، فإنه لا يملكه سيدها لمنافاته لما تنعقد به الحرية.
(1)

قوله «وَتَجُوْزُ الوَصِيَّةُ لَهَا وَإِلَيْهَا»:

وذلك لأن العبد يجوز الوصية له وإليه فمن باب أولى أم الولد، فلو أوصى شخص ببعض ماله بعد موته أن يصرف لها أو ينفق منه عليها, أو أوصى إليها شخص أن تتولى أم الولد تصريف أموال أولاده القاصرين فإن ذلك يصح.
(2)

قوله «وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا، فَعَلَيْهَا القِصَاصُ»:

إذا طلب ورثة سيدها ذلك وذلك لأن القتل العمد يستوي فيه جميع الجناة أحراراً كانوا أو عبيداً, فتعتق ويكون لورثته القصاص إن اختاروا ذلك، لكن ما ذكره المؤلف لا بد من تقييده بما إذا لم يكن لها منه ولد, فإن كان لها منه ولد لم يجب القصاص على الصحيح من المذهب 1.

وَإِنْ قَتَلَتْهُ خَطَأً، فَعَلَيْهَا قِيْمَةُ نَفْسِهَا (1)، وَتَعْتِقُ فِي الحَالَيْنِ (2). وَإِنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلاً، عَتَقَ الجَنِيْنُ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ قَتَلَتْهُ خَطَأً، فَعَليْهَا قِيْمَةُ نَفْسِهَا»:

أي إن قتلت أم الولد سيدها خطأ فإن عليها قيمة نفسها، وقيل: يلزمها الأقل من قيمتها أو ديته.
(2)

قوله «وَتَعْتِقُ فِي الحَالَيْنِ»:

أي تعتق في الخطأ والعمد لأنها أم ولد.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن أم الولد لا تعتق أصلاً, بل تنتقل ملكيتها إلى ورثة سيدها.
والأقرب والله أعلم أن أم الولد تعتق بموت سيدها، وهو قول جمهور أهل العلم وقد سبق.

(3)

قوله «وَإِنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلاً، عَتَقَ الجَنِيْنُ»:

أي لو وطئ الحر أمة في ملك غيره بنكاح أي بأن تزوجها ثم ملكها بشراء أو غيره حاملاً منه، عتق الجنين لكونه ابنه وقد دخل في ملكه، ويجوز له بيعها لأنها ليست أم ولد لأن هذا الحمل لم يحصل من وطئه حال كونها أمته, وإنما قبل ذلك أشبه ما لو اشتراها بعد الوضع، وهذا هو المذهب 1. وعنه أنها تصير أم ولد لأن في حرمة البعض أثراً في تحرير الجميع بدليل ما لو أعتق بعضها.
وفي رواية أخرى عنه 2 إن ملكها حاملاً صارت أم ولد فإنه في أثناء حملها أو وسطه إن وطأها فالماء يزيد في سمعه وبصره.

وَلَهُ بَيْعُهَا (1)،  (1)

قوله «وَلَهُ بَيْعُهَا»:

لأنها ليست بأم ولد في المذهب وعلى قول من قال بأنها لا تعتق مطلقاً أي سواء مات سيدها أو لم يمت قبله فله أن يبيعها، أما من جعلها أم ولد كما هو في إحدى الروايات المذكورة آنفاً فإنه ليس له بيعها.
والله أعلم انتهى الجزء الثالث بحمد الله ويليه الجزء الرابع ويبدأ ب

جارٍ التحميل