إِلاَّ أَنْ يُفْقَدَ فِيْ مَهْلَكَةٍ أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، فَيُنْتَظَرُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ ثُمَّ يُقْسَمُ (1)، وَإِنْ طَلَّقَ المَرِيْضُ فِيْ مَرَضِ المَوْتِ المَخُوْفِ امْرَأَتَهُ (2)، طَلاقًا يُتَّهَمُ فِيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا المِيْرَاثَ، لَمْ يَسْقُطْ مِيْرَاثُهَا (3)، يُتَّهَمُ فِيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا (4)، =بالأسباع، وإن تبين موته قبل موت مورثه رد الجميع على الأختين؛ لأنه كمال فرضهما، وللزوج والأختين أن يصطلحوا على الأربعة الزائدة على نصيب المفقود فيقتسموها؛ لأنها لا تخرج عنهم.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يُفْقَدَ فِيْ مَهْلَكَةٍ أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، فَيُنْتَظَرُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ ثُمَّ يُقْسَمُ»:
سبق الإشارة إلى ما ذكره المؤلف وقلنا بأن الصواب أن هذا يرجع إلى اجتهاد القاضي أي في ضرب المدة التي يضربها للمفقود.
(2)
قوله «وَإِنْ طَلَّقَ المَرِيْضُ فِيْ مَرَضِ المَوْتِ المَخُوْفِ امْرَأَتَهُ»:
سبق تعريف المرض المخوف وحده هو ما إذا مات فيه الإنسان فإن لم يستنكره الناس لأن الغالب أن من أصيب به فإنه يموت ومن ذلك الأمراض السرطانية أو الايدز أو مرض الحمى الشديدة ونحو ذلك فهذه أمراض مخيفة خطيرة مميتة.
(3)
قوله «طَلاقًا يُتَّهَمُ فِيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا المِيْرَاثَ، لَمْ يَسْقُطْ مِيْرَاثُهَا»:
وذلك معاملة له بنقيض قصده فهي ترثه وهو لا يرثها لأن البينونة جاءت منه فالحيل لا تبطل الحقوق.
(4) وفهم من قوله «يُتَّهَمُ فِيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا»: أنه إذا لم يتهم فإنها لا ترث منه من حين البينونة.
مثال ذلك: رجل مريض بالسرطان وهو من الأمراض المخيفة فطلبت منه زوجته أن يطلقها، أو قال لها اختاري لنفسك، فاختارت الطلاق، فهذا لا يتهم، فهنا لا ترثه لأنها هي التي طلبت واختارت لنفسها فراقه.
مَادَامَتْ فِيْ عِدَّتِهِ (1)، وَإِنْ كَانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، تَوَارَثَا فِيْ العِدَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيْ الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ (2)، (1)
قوله «مَادَامَتْ فِيْ عِدَّتِهِ»:
أي أنها إذا انقضت عدتها فإنها لا ترث.
والصحيح: أن المطلقة في مرض موته المخوف متهماً بقصد حرمانها، فترثه البائن في العدة وبعد العدة لأنه متهم، وكل من حاول إبطال حق مسلم فإنه يعامل بنقيض قصده، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1)، لكن يستثنى من ذلك أمران:
الأول: أن تتزوج المرأة فإنها إن تزوجت لا يمكن أن ترث من زوجين في وقت واحد وبزواجها فقد قطعت العلاقة بينها وبين الزوج الأول نهائياً، وذهب مالك (2) إلى أنها ترث ولو تزوجت، والصحيح القول الأول.
الثاني: أن ترتد هذه المرأة فإنها لا ترث، وقد سبق أن من موانع الإرث الردة عن الإسلام.
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، تَوَارَثَا فِيْ العِدَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيْ الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ»:
مفهوم كلام المؤلف أن الطلاق الرجعي لا يمنع الميراث سواء كان في الصحة أو في المرض لأن الرجعية زوجة لا تبين إلا بانقضاء عدتها، وما ذكره المؤلف ليس فيه خلاف بين أهل العلم.
قال ابن قدامة 3 «من غير خلاف نعلمه».12
وَإِنْ أَقَرَّ الوَرَثَةُ كُلُّهُمْ بِمُشَارِكٍ لَهُمْ فِيْ المِيْرَاثِ فَصَدَّقَهُمْ، أَوْ كَانَ صَغِيْرًا مَجْهُوْلَ النَّسَبِ (1)، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ أَقَرَّ الوَرَثَةُ كُلُّهُمْ بِمُشَارِكٍ لَهُمْ فِيْ المِيْرَاثِ فَصَدَّقَهُمْ، أَوْ كَانَ صَغِيْرًا مَجْهُوْلَ النَّسَبِ»:
هذا الباب يسمى بباب الإقرار بمشارك في الميراث، وهذا له أحوال:
الأول: إقرار جميع الورثة بهذا المشارك في الميراث فإنه يشاركهم في الميراث لكن بشرط وهو تصديقهم أي صدق المقر به الورثة أي لا بد من تصديقهم على أنه مشارك لهم في الميراث كما لو أقر له بمال، وكذلك إذا كان المقر به صغيراً أو مجنوناً مجهول النسب فإنه ينسب إليه - أي ينسب إلى الميت المقر به - وإن لم يصدقه لأن الصغير أو المجنون لا يعتبر قوله، لكن يشترط هنا ثلاثة شروط:
الشرط الأول: إمكان صدق الدعوى، أي أن يكون المقر به من الميت، بحيث يحتمل أن يولد لمثله، فلو أقر من له عشرون سنة أن هذا الذي عمره خمس عشرة سنة ابناً له فلا يصدق ولا يقبل لأنه لا يمكن حصول هذا.
الشرط الثاني: أن يكون المقر به مجهول النسب أي لا يعلم أنه فلان ابن فلان، فإن كان معلوم النسب فلا يقبل اقراره به، لأن اقراره به يستلزم ابطال نسب معروف.
الشرط الثالث: أن لا ينازع المقر في نسب المقر به، فإن نوزع فيه فليس الحاقه بأحدهما بأولى من الآخر.
(2)
قوله «ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ»:
أي ثبت نسب المشارك للورثة وذلك لأن الشريعة تتشوق إلى لحوق الأنساب وثبت كذلك إرثه إلا إذا وجد مانع من موانع الإرث المتقدمة.
وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَلَهُ فَضْلُ مَا فِيْ يَدِ الْمُقِرِّ عَنْ مِيْرَاثِهِ (1). (1)
قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَلَهُ فَضْلُ مَا فِيْ يَدِ الْمُقِرِّ عَنْ مِيْرَاثِهِ»:
هذه هي الحالة الثانية من أحوال المشارك وهي أن يقر بعض الورثة بمشاركته لهم في الميراث والبعض لم يقر فهنا يترتب على ذلك أُمور:
الأول: أنه لا يلحق نسبه، وهذا بالإجماع لأن النسب لا يتبعض فلا يمكن إثباته في حق المقر دون المنكر، ولا إثباته في حقهما.
الثاني: أنه له فضل ما في يد المقر عن ميراثه، فإن أقر أحد الأبناء بأخ مثله ولم يقر الآخر فإنه يكون له ثلث ما بيد المقر.
مثال ذلك: لدينا أخوان عمرو وزيد أقر زيد بأن خالداً أخوه ولم يقر عمرو بذلك فنقول بأن على زيد أن يعطي خالداً ثلث ما بيده لأنه الآن يقر بأن الورثة ثلاثة هو أحدهم أما عمرو فله نصف التركة لأنه لم يقر بثبوت أخوة خالد له، فإن أقر بأخت فلها خمس ما بيد زيد لأنه مقر بها بالإخوة فتقسم التركة على خمسة لزيد خمسان وعمرو خمسان وللأخت خُمس ما بيد المقر وهو زيد لأنه أقر بأنها أخت له.
- فائدة: إذا وجد دليل قاطع عن طريق البصمات الوراثية يُثبت قرابة من أقر بقرابته من المتوفى:
فإن ذلك يقدَّم على من نفاه من الورثة، ويثبت به نسبه وإرثه، وعكسه إذا وجد اختلاف بين فصيلة دم هذا الشخص وبين من نسب إليه مما يستحيل معه أن يكون ابناً، فإنه لا يثبت إليه ولا يرث منه.
بابُ الوَلاءِ
(1)
الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ (2)، وَإِنِ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (3)،
(1) قوله «بابُ الوَلا
(2) ءِ»: أي باب الميراث بالولاء، والولاء لغة: الملك.
وشرعاً: ثبوت حكم شرعي بعتق أو تعاطي سببه كاستيلاد وتدبير.
وقيل أيضاً في تعريفه: هو عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بتخليصه من الرق.
أما معناه: هو أن من أعتق عبداً أو أمة صار عاصباً لهذا المعتق فيستحق جميع أحكام التعصيب عند عدم العصبة من النسب فيرثه، ويكون ولياً له في النكاح ويتولى تغسيله، وتكفينه والصلاة عليه ودفنه عند موته وغير ذلك.
(3)
قوله «الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»:
أي من أعتق عبداً مملوكاً أو أمة استحق ولاؤها كما سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» 1»: هذا الحديث متفق عليه، وهو عمدة في هذا الباب، وله قصة.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أوق في تسع سنين في كل سنة أوقية فأعينيني فقلت لها إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة وأعتقك ويكون الولاء لي فعلت فذكرت ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فأتتني فذكرت ذلك قالت فانتهرتها فقالت لها الله إذا قالت فسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألني فأخبرته =
..................................
=فقال: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ فَإِنَّ الْوَلاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ».
فَفَعَلْتُ قَالَتْ ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَشِيَّةً فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ فُلانًا وَالْوَلاءُ لِي إِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» 1.
وقد أكثر أهل العلم من الكلام عليه، وأكثروا التصانيف في الكلام عليه وما يتعلق بفوائده.
ويستفاد من هذا الحديث جملة من الفوائد منها:
1 - قوله «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» يستفاد من التعبير بإنما إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، فلا ولاء لمن أسلم على يديه رجل.
2 - فيه جواز سعي المكاتب وسؤاله واكتسابه وتمكين لسيد له من ذلك، لكن محل الجواز إذا علمت جهة حل كسبه.
3 - فيه أن للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة ولا يشترط في ذلك عجزه خلافاً لمن شرطه.
4 - فيه دليل على أنه لا ولاء لغير المعتق، وأن من أسلم على يد رجل لم يكن له ولاؤه لأنه غير معتق.
5 - قوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» هذا إذا لم يكن له ورثة، أما إذا كان له ابن فهو أحق به، لأن الولاء لا يأتي إلا بعد عدم الميراث بالنسب، فإذا مات=
..................................
=العتيق وليس له ورثة من صلبه يحوزوا المال، فإنه يكون إلى المعتق وإذا لم يوجد معتق فإن ورثته يحلون محله ويقومون مقامه.
6 - في الحديث أيضاً أن البيع إذا اشتمل على شرط باطل فإن البيع صحيح والشرط باطل، فالبيع يتم والشرط باطل.
وقوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمَا» فيه إشارة إلى خلاف، فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فيرى الحنفية 1، والشافعية 2، وأحمد 3 في رواية عنه أنه لا يرث المعتق المعتَق مع اختلاف دينهما لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» 4، ولأنه ميراث يمنعه اختلاف الدين كميراث النسب ولأن اختلاف الدين مانع من الميراث فيمنعه مع صحة الولاء وثبوته.
وقال المالكية 5 إذا أعتق المسلم كافراً فيكون الميراث لبيت المال إلا أن يكون للمسلم أقارب كفار فيكون الولاء لهم.
والمذهب عند الحنابلة كما سبق فإنهم يثبتون ميراث المسلم من الكافر والكافر من المسلم بالولاء واحتجوا لذلك بحديث جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ» 6.
وَإِنْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِرَحِمٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيْرٍ أَوِ اسْتِيْلادٍ، فَلَهُ عَلَيْهِ الوَلاءُ (1)، وَعَلى أَوْلادِهِ مِنْ حُرَّةٍ مُعْتَقَةٍ أَوْ مِنْ أَمَتِهِ (2)، =والراجح من هذه الأقوال: أنه لا توارث بينهما مع اختلاف الدين وإن ثبت الولاء دليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (1)، وهذا هو اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-، وهو قول الحنفية، والشافعية، ورواية في مذهب أحمد كما سبق.
(1)
قوله «وَإِنْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِرَحِمٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيْرٍ أَوِ اسْتِيْلادٍ، فَلَهُ عَلَيْهِ الوَلاءُ»:
أي إذا عتق عليه بسبب رحم، كما لو ملك أباه أو ولده، أو أخاه ونحو ذلك فإنه يكون الولاء له، وكذلك - أو كتابة - أي إذا كاتبه بأن يبيعه على نفسه بأقساط فله عليه الولاء، وهذا قول كافة الفقهاء.
وقال بعضهم أنه لا ولاء على المكاتب لأنه أشترى نفسه من سيده فلم يكن له عليه ولاء.
والصحيح: القول الأول لحديث عائشة، وقوله «أو تدبيره» وذلك بأن يقول له إذا مت فأنت حر, «أو استيلاد» وذلك بأن تعتق عليه أمته باستيلاد بأن12
يتسراها - أي يجامعها - فتحمل منه ثم تلد ابناً أو بنتاً فإنها تعتق إذا مات, فهذه الأحوال الثلاثة كلها تكون للسيد المعتق ويرثه عنه عصبته بعد موته.
(2) قوله «وَعَلى أَوْلادِهِ مِنْ حُرَّةٍ مُعْتَقَةٍ أَوْ مِنْ أَمَتِهِ»: أي ويكون الولاء أيضاً للمعتقين على أولاد العتيق وأولادهم وإن سفلوا، لكن بشرط وهو أن يكونوا من زوجة حرة معتقة لأن الزوجة إن كانت حرة الأصل لم يكن على الأولاد ولاء, وكذلك يكون الحكم في أمة ثم أعتقت أو كانت أمة لهذا=
وَعَلى مُعْتِقِيْهِ وَمُعْتَقِيْ أَوْلادِهِ وَأَوْلادِهِمْ وَمُعْتِقِهِمْ، أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوْا 1، وَيَرِثُهُمْ إِذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ مِيْرَاثِهِمْ (2)، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ (3). وَمَنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّيْ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ فَفَعَلَ، فَعَلى الآمِرِ ثَمَنُهُ، وَلَهُ وَلاؤُهُ (4)،
=السيد, فإن ولاء أولاد هذا المعتق من هذه الزوجة يكون لهذا السيد الذي اعتق أباهم، لكن يشترط أن لا يكون قد جرى على هؤلاء الأولاد رق فأعتقوا فإن ولاءهم حينئذ يكون لمعتقهم.
(1) قوله «وَعَلى مُعْتِقِيْهِ وَمُعْتَقِيْ أَوْلادِهِ وَأَوْلادِهِمْ وَمُعْتِقِهِمْ، أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوْا»: أي ويكون له الولاء على من للعتيق ولاؤه, كعتيق, ومعتقي أولاده وأولادهم ومعتقيهم أبداً ما تناسلوا, وذلك لأنه ولى نعمته وبسببه عتقوا, ولأنهم فرع, والفرع يتبع أصله.
(2) قوله «وَيَرِثُهُمْ إِذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ مِيْرَاثِهِمْ»: سبق أن ذكرنا أن المعتق إذا مات فإنه يرثه سيده المعتق لكن بشرط عدم وجود إرث من النسب، فإن كان هناك وارث من النسب ولكنهم أصحاب فروض ولم يستغرقوا التركة كلها، فإن ما تبقى منها يكون للسيد المعتق.
(3) قوله «ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ»: الضمير في بعده يعود على السيد, والمعنى أن الولاء يكون لعصبة السيد بعد موته، الأقرب فالأقرب لأنه حق من حقوقه.
(4) قوله «وَمَنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّيْ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ فَفَعَلَ، فَعَلى الآمِرِ ثَمَنُهُ، وَلَهُ وَلاؤُهُ»: أي إذا قال إنسان لأخر, أعتق عبدك عني وعلى ثمنه فأعتقه صح العتق، وهذا بإجماع أهل العلم.
وعلى هذا الآمر ثمن العبد وله ولاؤه، لأنه أعتقه عنه بشرط العوض فهو نائب عنه في العتق كالوكيل.
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: عَنِّيْ، فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالوَلاءُ لِلْمُعْتِقِ (1)، وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ حَيٍّ بِلا أَمْرِهِ أَوْ عَنْ مَيِّتٍ، فَالوَلاءُ لِلْمُعْتِقِ (2)،
(1) قوله «وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: عَنِّيْ، فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالوَلاءُ لِلْمُعْتِقِ»: أي وإن قال أعتق عبدك وعليّ ثمنه دون أن يذكر كلمة عني فالثمن على القائل والولاء للمعتق، وإنما لزم الثمن للقائل لأنه جعل جعلاً لمن عمل عملاً وهو العتق، وقد عمل ذلك العمل فيلزمه الجعل، وإنما كان الولاء للمعتق لدخوله تحت قوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، والمسئول هو المعتق لا السائل لأنه لم يطالب بالعتق عنه.
(2) قوله «وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ حَيٍّ بِلا أَمْرِهِ أَوْ عَنْ مَيِّتٍ، فَالوَلاءُ لِلْمُعْتِقِ»: أما الحي فلا خلاف في المذهب في ذلك, وقال بعض أهل العلم إن ولاءه للمعتق عنه, والصحيح المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم لقوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (1)، ولأنه أعتق عبده بغير إذن غيره له فكان الولاء له، ولأن من شروط العتق الملك، ولا ملك للمعتق عنه, فالولاء تابع للملك.
أما إن كان العتق عن ميت فلا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون العتق عن واجب عليه ككفارة ظهار مثلاً فإن العتق يقع عنه يعني عن الميت كما سيأتي في كلام المؤلف وذلك لمكان الحاجة إلى ذلك، وهي الاحتياج إلى براءة ذمة الميت, وهل يكون الولاء له على قولين 1: الأول: يثبت الولاء له أيضاً لأن الكفارة ليس من شرطها الدخول في ذلك المكفر عنه.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَالوَلاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ (1)، وَإِذا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الحُرَّيْنِ حُرَّ الأَصْلِ، فَلا وَلاءَ عَلى وَلَدِهَمَا (2)، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا (3)،
الثاني: أن الولاء يثبت للمعتق، وهذا هو الصواب.
الأمر الثاني: أن يكون العتق في غير واجب فهنا يكون الولاء للمعتق بلا خلاف في المذهب.
(1) قوله «وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَالوَلاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ»: وذلك كأن يقول والد لولده أعتق عبدك عني، فإن الولاء يثبت للمعتق عنه، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال بعضهم: بل الولاء للمعتق إلا أن يعتقه عنه بعوض فيكون له الولاء ويلزمه العوض ويصير كأنه اشتراه ثم وكله في إعتاقه، أما إذا كان عن غير عوض فلا يصح.
والصحيح: القول الأول لأن مالك العبد أصبح وكيلاً عن الآمر في العتق كما لو أخذ عوضاً.
(2)
قوله «وَإِذا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الحُرَّيْنِ حُرَّ الأَصْلِ، فَلا وَلاءَ عَلى وَلَدِهَا»:
وهذا هو قول جمهور أهل العلم (1)، وذلك لأن الأم إن كانت حرة الأصل فالولد يتبعها فيما إذا كان الأب رقيقاً في انتفاء الرق والولاء، فلأن يتبعها في نفي الولاء وحده أولى, وإن كان الأب حر الأصل فالولد يتبعه فيما إذا كان عليه بحيث يصير الولاء عليه لمولى أبيه, فلأن يتبعه في سقوط الولاء عنه أولى.
(3)
قوله «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا»:
يعني الأبوين.
رَقِيْقًا، تَبِعَ الوَلَدُ الأُمَّ فِيْ حُرِّيَّتِهَا أَوْ رِقِّهَا، فَإِنْ كَانَتِ الأُمُّ رَقِيْقَةً 1، فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ 2،
(1) قوله «رَقِيْقًا، تَبِعَ الوَلَدُ الأُمَّ فِيْ حُرِّيَّتِهَا أَوْ رِقِّهَا، فَإِنْ كَانَتِ الأُمُّ رَقِيْقَةً»: وذلك لأن الولد يتبع الأم في الحرية والرق, لأنه انفصل من الأب نطفة لا قيمة لها ولا مالية ولا منفعة، وإنما اكتسب لبنها ومنيها، فلأجل ذلك تبعها كما لو أكل رجل تمراً في أرض رجل وسقطت نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة، فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأولاد يتبعون أباهم في الحرية والرق.
- فائدة: يستثنى في هذه المسألة ما يلي: 1 - إذا أشترط زوج أمة حرية أولادها فهم أحرار لقوله -صلى الله عليه وسلم- «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2).
2 - إذا كان هناك غرر وذلك بأن تزوج بامرأة شرطها أو ظنها حرة فتبين أنها أمة، فولدها حر ولو كان أبوه رقيقاً ويفديه.
3 - إذا كان قد تزوج بها زواج شبهة فولدها حر.
(2) قوله «فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ»: أي إن كانت الأم رقيقة وأعتق السيد أولادها.
= وأخرجه الترمذي - كتاب الأحكام - باب ما ذكر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصلح بين الناس (1352) عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه الدارقطني (3/ 27 - 28)، والحاكم (2/ 49 - 50) عن عائشة وأنس - رضي الله عنهما - بلفظ «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق»، وصححه النووي في المجموع (9/ 464)، والألباني في الإرواء (1303).
فَوَلاؤُهُمْ لَهُ وَلا يَنْجَرُّ عَنْهُ بِحَالٍ 1، وَإِنْ كَانَ الأَبُ رَقِيْقًا وَالأُمُّ مُعْتَقَةً، فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِمُ الوَلاءُ لِمَوْلىَ أُمِّهِمْ (2)، فَإِنْ عُتِقَ العَبْدُ، جَرَّ مُعْتِقُهُ وَلاءَ أَوْلادِهِ (3)، وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الأَوْلادِ أَباهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ (4)،
(1) قوله «فَوَلاؤُهُمْ لَهُ وَلا يَنْجَرُّ عَنْهُ بِحَالٍ»: أي فولاء أبناء هذه الأمة يكون للسيد ولا ينفك عن ذلك بحال لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (1).
(2) قوله «وَإِنْ كَانَ الأَبُ رَقِيْقًا وَالأُمُّ مُعْتَقَةً، فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِمُ الوَلاءُ لِمَوْلىَ أُمِّهِمْ»: أي إذا تزوج العبد معتقة لغير سيده فأولدها - أي أنجبت منه الولد - فإن ولاء ولدها ذكراً كان أو أُنثى واحداً كان أو أكثر لمولى أمه التي هي زوجة العبد، فيرثه ويعقل عنه، لكونه سبب الأنعام عليه, لأنه إنما صار حراً بسبب عتق أمه.
(3) قوله «فَإِنْ عُتِقَ العَبْدُ، جَرَّ مُعْتِقُهُ وَلاءَ أَوْلادِهِ»: أي فلو أعتق الأب سيده كما سبق ثبت له عليه الولاء وجر إليه ولاء أولاده عن موالى أمهم فيصير الولاء
على العتيق وأولاده لمعتق الأب, لأن الأب لما كان مملوكاً لم يكن يصلح وارثاً ولا ولياً في نكاح, فإذا عتق صلح الانتساب إليه, وعاد وارثاً وولياً, لأن الولاء فرع النسب, والنسب إلى الآباء دون الأمهات, وإنما ثبت لموالى الأم لعدمه من جهة الأب, فإذا أمكن عاد إلى موضعه.
(4) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الأَوْلادِ أَباهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ»: أي إذا أشترى أحد أولاد المعتقة الأحرار أباه الرقيق أو ملكه بهبة أو غيرها فإنه يعتق عليه بالملك، وهذا مجمع عليه عند عامة أهل العلم 2.
وَلَهُ وَلاؤُهُ وَوَلاءُ إِخْوَتِهِ، وَيَبْقَى وَلاؤُهُ لِمَوْلىَ أُمِّهِ 1، فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ فَمِيْرَاثُهُ بَيْنَ أَوْلادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (2)، فَإِذا مَاتَ عَتِيْقُهُ بَعْدَهُ، فَمِيْرَاثُهُ لِلذُّكُوْرِ دُوْنَ الإِنَاثِ (3)،
(1) قوله «وَلَهُ وَلاؤُهُ وَوَلاءُ إِخْوَتِهِ، وَيَبْقَى وَلاؤُهُ لِمَوْلىَ أُمِّهِ.
فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ»: جملة ما ذكره المؤلف هنا أن للولد ولاء أبيه لأنه عتق عليه بملكه إياه فكان له ولاءه لعموم قوله «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (1)، ويكون له كذلك ولاء أخوته من المعتقة, لأنهم تبع لأبيهم, فيثبت الولاء للولد على أبيه وأولاده ويبقى ولاء هذا الابن الذي ملك أباه وإخوته لموالي أمه ولا يجر ولاء نفسه منهم إليه, بل يستمر الولاء لهم, لأنه لو جره لثبت له على نفسه ولا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء كما أنه لا يرث نفسه.
(2) قوله «فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، فَمِيْرَاثُهُ بَيْنَ أَوْلادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»: أي إذا مات الأب المعتق وقد أعتق عبداً فميراث الأب الذي خلفه يكون بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين كما سبق بيان ذلك في ميراث الأولاد، فإن مات من أعتقه الأب فماذا يكون العمل؟ سيذكر ذلك المؤلف.
(3) قوله «فَإِذا مَاتَ عَتِيْقُهُ بَعْدَهُ، فَمِيْرَاثُهُ لِلذُّكُوْرِ دُوْنَ الإِنَاثِ»: أي يرثه أبناءه الذكور دون الإناث لأن الذكور عصبة بالنفس والإناث عصبة بالغير, والولاء إنما يكون لعصبة المعتق بالنفس لا بالغير فلو هلك أب كان ماله بين أبنه وبنته للذكر مثل حظ الأنثيين بالتعصيب لا بالولاء ولما هلك العبد وخلف ابن=
وَلَوِ اشْتَرَى الذُّكُوْرُ وَالإِناثُ أَبَاهُمْ فَعَتَقَ عَلَيْهِمْ 1، ثُمَّ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمِيْرَاثُهُمَا عَلى مَا ذَكَرْنا فِي الَّتِيْ قَبْلَهَا (2)، وَإِنْ مَاتَ الذُّكُوْرُ قَبْلَ مَوْتِ العَتِيْقِ، وَرِثَ الإِنَاثُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقْنَ مِنْ أَبِيْهِنَّ (3)،
=مولاه وبنت مولاه كان ماله لأبن مولاه دون بنت مولاه لأنه أقرب عصبة مولاه ولا خلاف في ذلك، حتى قال مالك (1) -رحمه الله- أنه سأل سبعين قاضياً من قضاة العراق عنها فأخطأوا فيها.
(1) قوله «وَلَوِ اشْتَرَى الذُّكُوْرُ وَالإِناثُ أَبَاهُمْ فَعَتَقَ عَلَيْهِمْ»: لأنه ذو رحم محرم، ويصير ولاءه للذكور والإناث، فمثلاً اشترى أبن معتق وبنت معتقه أباهم عتق عليها وصار ولاءه لهما نصفين، لكل واحد منهما نصف بحسب ما عتق عليه.
(2) قوله «ثُمَّ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمِيْرَاثُهُمَا عَلى مَا ذَكَرْنا فِي الَّتِيْ قَبْلَهَا»: أي يكون ميراثهم من أبيهم للذكر مثل حظ الأنثيين, وميراثهم ممن اشتراه أبوهم فأعتقه للذكور دون الإناث لأن الولاء إنما يكون للعصبة بالنفس لا بالغير وقد سبق ذكر ذلك.
(3) قوله «وَإِنْ مَاتَ الذُّكُوْرُ قَبْلَ مَوْتِ العَتِيْقِ، وَرِثَ الإِنَاثُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقْنَ مِنْ أَبِيْهِنَّ»: أي إذا مات الذكور الذين أعتقوا أباهم قبل موت عتيقهم, ورثه الإناث لعدم وجود العصبة بالنفس وهم الذكور، ويكون ميراث الإناث من مال عتيق أبيهم بقدر ما أعتقن من أبيهن, فإن بقي من التركة شيء فإنه يقسم بين الإناث وبين معتق الأم لأنه أولى من غيره.
ثُمَّ يُقْسَمُ البَاقِيْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مُعْتِقِ الأُمِّ، فَإِنِ اشْتَرَيْنَ نِصْفَ الأَبِ، وَكَانُوْا ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَيَيْنِ، فَلَهُنَّ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْمِيْرَاثِ، وَلِمُعِتِقِ الأُمِّ سُدُسُهُ؛ لِأَنَّ لَهُنَّ نِصْفَ الوَلاءِ 1، وَالبَاقِيْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مُعْتِقِ الأُمِّ أَثْلاثاً، وَإِنِ اشْتَرَى ابْنُ المُعْتَقَةِ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى العَبْدُ أَبَا مُعْتِقِهِ، فَأَعْتَقَهُ جَرَّ وَلاءَ مُعْتِقِهِ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُا مَوْلىَ الآخَرِ (2)، وَلَوْ أَعْتَقَ الحَرْبِيُّ عَبْدًا، فَسَبَاهُ العَبْدُ وَأَخْرَجَهُ إِلى دَارِ الإِسْلامِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلى الآخَرِ (3). (1) قوله «ثُمَّ يُقْسَمُ البَاقِيْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مُعْتِقِ الأُمِّ، فَإِنِ اشْتَرَيْنَ نِصْفَ الأَبِ، وَكَانُوْا ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَيَيْنِ، فَلَهُنَّ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْمِيْرَاثِ، وَلِمُعِتِقِ الأُمِّ سُدُسُهُ؛ لِأَنَّ لَهُنَّ نِصْفَ الوَلاءِ»: أي فإن كن اشترين نصف أبيهم، وكانوا ذكرين وأُنثيين، فلهن ما ذكره المؤلف وهو خمسة أسداس الميراث, ولمعتق الأم
سدسه، وذلك لأنه إذا لم يوجد عصبة للمعتق ورث معتق المعتق، والنساء يرثن من اعتقن وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
(2) قوله «وَالبَاقِيْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مُعْتِقِ الأُمِّ أَثْلاثاً، وَإِنِ اشْتَرَى ابْنُ المُعْتَقَةِ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى العَبْدُ أَبَا مُعْتِقِهِ، فَأَعْتَقَهُ جَرَّ وَلاءَ مُعْتِقِهِ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُا مَوْلىَ الآخَرِ»: لقوله «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (1)، فإذا اشترى ابن المعتق عبداً فأعتقه ثم هذا الذي أعتق اشترى أبا معتقه فأعتقه صار له الولاء على معتقه بولائه على أبيه لأن الولاء ينجر إلى معتق الأب، وقد سبق بيان ذلك.
(3) قوله «وَلَوْ أَعْتَقَ الحَرْبِيُّ عَبْدًا فَسَبَاهُ العَبْدُ وَأَخْرَجَهُ إِلى دَارِ الإِسْلامِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلى الآخَرِ»: أي إذا أعتق المحارب عبداً فأسلم ثم أسر هذا السيد المنعم على العبد بالإعتاق فأعتقه هذا العبد المعتق فلكل=
.................................. = واحد منهما ولاء صاحبه لعموم حديث عائشة المتقدم «إنما الولاء لمن أعتق»، فالسيد الذي أسر ثم عتق من قبل عبده يكون ولاءه لعبده، والعبد المعتق يكون ولاءه لسيده المنعم عليه بالعتق.
بابُ المِيْرَاثِ بِالْوَلاءِ
(1) الوَلاءُ لا يُوْرَثُ (2)، وَإِنَّمَا يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَةِ المُعْتِقِ (3)، (1)
قوله «بابُ المِيْرَاثِ بِالْوَلاءِ»:
سبق ذكر بعض الأحكام المتعلقة بهذا الباب, والميراث بالولاء هو ثالث درجات الإرث، إذا أول درجاته أصحاب الفروض، وثانيها العصبة بالنسب، وثالثها الميراث بالولاء, فالولاء موجب للميراث، ولكن
متى يكون الميراث بالولاء؟
نقول على ما ذكرناه سابقاً, لا ميراث بالولاء مع وجود أصحاب الفروض، فإذا استوفى أصحاب الفروض فروضهم ووجد للمعتق عصبة بالنسب كان لهم الميراث بالعصبة وليس للمعتق شيء, فإذا كان هناك أصحاب فروض وليس هناك عصبة بالنسب للمعتق الذي تحرر فيكون لصاحب الولاء الحق فيأخذ بقية المال بعد الفروض.
(2)
قوله «الوَلاءُ لا يُوْرَثُ»:
ذهب جمهور الفقهاء (1) أن العبد المعتق لا يرث من يعتقه لأنه لا قرابة بينهما وإنما الحق للولاء بالنسب في حق العتيق حيث أنعم على عبده بالإعتاق، فجوزي باستحقاقه الإرث صلة له وكرامة له، وهذا المعنى معدوم من العبد فلا قياس عليه, وحكي عن شريح وطاووس (2) أنهما ورثا العبد المعتق من سيده العتيق، وهذا خلاف ما ذهب إليه الجمهور.
(3)
قوله «وَإِنَّمَا يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَةِ المُعْتِقِ»:
فينظر إلى أقرب عصبات العتيق يوم موت المعتق فيكون هو الوارث للمولى دون غيره كما أن السيد لو مات في تلك الحال ورثه وحده فإذا مات المولى وخلف أبن مولاه وأبن أبن مولاه =23
وَلا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الوَلاءِ (1)، إِلا مَا أَعْتَقْنَ (2)، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، وَكَذلِكَ كُلُّ ذِيْ فَرْضٍ إِلاَّ الأَبَ وَالجَدَّ لَهُمَا السُّدُسُ مَعَ الاِبْنِ وَابْنِهِ (3)، وَالوَلاءُ لِلْكُبْرِ (4)، = كان ميراثه لأبن مولاه لأنه أقرب عصبات سيده.
(1)
قوله «وَلا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الوَلاءِ»:
أي النساء لا يرثون بالولاء, وإنما الذي يرث بالولاء هو العتيق وعصبته المتعصبون به, والنساء لسن من العصبة بالنفس.
(2)
قوله «إِلا مَا أَعْتَقْنَ»:
أي النساء لا يرثن بالولاء إلا من أعتقنه لحديث عائشة رضي الله عنها «إنما الولاء لمن أعتق»، ولأن المعتقة منعمة بالإعتاق كالرجل فوجب أن تساويه في ذلك وكذلك ترث من أعتق عتيقها، فإذا أعتقت عبداً ثم ملك عبداً فأعتقه فإنها ترثه وذلك لأنها سبب في الإنعام عليه أشبه ما لو باشرته بالعتق، فإذا أعتق أبوها أو أخوها عبداً فليس لها من الولاد شيء, لكن إذا أعتقت فإن الولاء لها.
(3)
قوله «أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، وَكَذلِكَ كُلُّ ذِيْ فَرْضٍ إِلاَّ الأَبَ وَالجَدَّ لَهُمَا السُّدُسُ مَعَ الاِبْنِ وَابْنِهِ»:
أي وكذلك كل ذي فرض فإنهم لا يرثون بالولاء إلا من أعتقوه أو أعتقه من أعتقوه ويستثنى من ذلك الأب فيرث السدس مع الابن، لأنه عصبة في الجملة، فهو يرث السدس مع الابن في غير الولاء فناسب أن يكون في الولاء كذلك، وكذا الجد يستثنى فيرث مع الابن السدس أيضاً لأنه يرث ذلك مع الابن في عدم الولاء.
(4)
قوله «وَالوَلاءُ لِلْكُبْرِ»:
الكبر يضم الكاف وسكون الباء أي الأعلى، فالأعلى من ورثة المعتق يقال كبر قومه بالضم إذا كان أقربهم في النسب وهو أن ينتسب إلى جده الأكبر لأبيه أقل عدداً من باقي عشيرته، وليس المراد =
فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَتِيْقَهُ، فَمَاتَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ عَنْ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمَالُهُ لاِبْنِ المُعْتِقِ (1)، وَإِنْ مَاتَ الابنانِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ مَوْلاهُ، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا ابنا وَخَلَّفَ الآخَرُ تِسْعَةً، فَوَلاؤُهُ بَيْنَهُمْ عَلى عَدَدِهِمْ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ (2)،
=بذلك كبر السن، وإن شئت فقل في تعريف الكبر هو أقرب عصبة السيد إليه يوم موت عتيقه، وتفسير ذلك أن يعتق الرجل عبداً, ثم يموت ويخلف ابنين فيموت أحد الابنين ويخلف ابناً فولاء هذا العبد المعتق لابن المعتق، وليس لابن الابن شيء مع الابن.
مثال آخر: إذا خلف المعتق ابنين كبيراً وصغيراً فهما سواء فلو مات الكبير وخلف ابناً كبيراً أكبر من أخيه كان الولاء كله لأخيه الصغير لأنه ابن المعتق دون ولده الكبير.
(1)
قوله «فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَتِيْقَهُ، فَمَاتَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ عَنْ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمَالُهُ لاِبْنِ المُعْتِقِ»:
لأن الولاء كما سبق لأقرب عصبة المعتق والابن أقرب من ابن الابن.
(2)
قوله «وَإِنْ مَاتَ الابنانِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ مَوْلاهُ، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا ابنا وَخَلَّفَ الآخَرُ تِسْعَةً، فَوَلاؤُهُ بَيْنَهُمْ عَلى عَدَدِهِمْ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ»:
وهذا قول عامة أهل العلم كما سبق للكبر، فيكون الولاء على عددهم لكل واحد عشرة، فلو هلك بعد أبيهما، وقبل موت العتيق، وخلف أحدهما ابناً، وخلف الآخر تسعة، فيكون الولاء بينهم على عددهم لكل واحد عشرة لأن الجميع في القرب إلى السيد يوم مات العتيق على حد سواء، وهذا هو المذهب 1، وعليه أكثر أهل العلم.
وَإِذا أَعْتَقَتِ المَرْأَةُ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَلاؤُهُ وَعَقْلُهُ عَلى عَصَبَتِهَا (1)،
=وفي رواية في المذهب أن الولاء يورث كما يورث المال، وقد سبق الإشارة إلى ذلك، فعلى هذه الرواية (1) يكون لابن الابن النصف إرثاً عن أبيه، ويكون النصف الآخر بين بني الابن الآخر على تسعة وتصح من ثمانية عشر.
ولكن الرواية الأولى هي الأصوب لأن الولاء لا يورث كما سبق، فيكون الولاء للكبر كما سبق بيانه.
(1)
قوله «وَإِذا أَعْتَقَتِ المَرْأَةُ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَلاؤُهُ وَعَقْلُهُ عَلى عَصَبَتِهَا»:
أي يكون ولاء العبد المعتق وميراثه لابنها، لأنه أقرب عصبتها، إذا لم يكن له وارث، وعقله - أي الدية لو جنى بقتل على غيره - على عصبتها وابنها لأنه من العاقلة.1
بابُ العِتْقِ
(1) (1)
قوله «بابُ العِتْقِ»:
العتق في اللغة: خلاف الرق وهو الحرية, وعتق العبد يعتق عتقا, وأعتقته, فهو عتيق, ولا يقال عتق السيد عبده بل أعتق السيد عبده.
ومن معانيه الخلوص, ومنه سمي البيت العتيق لخلوصه من أيدي الجبابرة فلم يملكه جبار.
أما في الشرع فتعريفه: هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، والعتق مشروع بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، بل هو من أفضل القرب، قال تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 1، هذا في معرض بيان الكفارات، أما في معرض بيان بعض أفعال الخير فقال ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ 2 أي عتق رقبه.
أما السنة فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» 3، وفي لفظ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» 4، وقد أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم- الكثير من الرقاب, وكذا أبو بكر، وعمر، وغيرهم من الصحابة أعتقوا الكثير من الرقاب.
أما الإجماع فقد أجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به.
..................................
الحكمة في مشروعيته
:
رغب الإسلام في عتق الرقاب وحث على ذلك، بل جعله من أفضل القرب إلى الله تعالى، فقد جعله كفارة لجنايات كثيرة منها القتل، والظهار، والوطء في شهر رمضان، والحنث في الأيمان، وجعله النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الحديث المتقدم فكاكاً لمعتقه من النار وذلك لأن فيه تخليصاً للآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه، وتكميل أحكامه وتمكنه من التصرف في نفسه على حسب إرادته واختياره.
ومع حث الإسلام وترغيبه في فك الرقاب فقد جعل أيضاً قواعد في معاملة الرقيق, وهي قواعد تجمع بين العدالة والرحمة فضمن للرقيق الغذاء والكساء من أولياؤهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون, وحفظ كرامتهم واعتبار إنسانيتهم، ونذكر هنا جملة من النصوص التي تدل على ذلك:
1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» 1.
2 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- يحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلايَ، وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلامِي» 2، هذا كله فيه مراعاة لحق المملوك.
3 - ومن ذلك أيضاً أن المملوك الذي يعبد ربه ويطيع سيده وينصح لسيده جعلت الشريعة له أجرين حتى تمنى بعض الصحابة أن يكون مملوكاً لما جاء=
..................................
=في هذا الفضل العظيم فعن أَبُي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ».
4 - ومن الأحاديث التي جاءت في الشريعة لبيان حق المملوك ما رواه البخاري عن المعرور بن سويد قال «لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» 1.
بل هذا القرآن العظيم قد نطق بالإحسان إلى المملوك قال تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابن السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ 2، وبعد هذه الأدلة العظيمة التي تدل على عظمة الإسلام, وبيان الموقف العادل والمعاملة الرحيمة يأتي أعداء الإسلام من المستشرقين والماديين الملحدين فيصفون الإسلام بأنه يقر الرق، ويبارك ملاك الرقيق، ويروجون لباطلهم القائم على تصيد الشبهات الواهية, وتلفيق الأكاذيب والافتراء على الله تعالى وعلى شريعته وأحكام دينه.
وَهُوَ: تَحْرِيْرُ العَبْدِ (1)، وَيَحْصُلُ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ (2)، فَأَمَّا القَوْلُ، فَصَرِيْحُهُ لَفْظُ العِتْقِ وَالتَّحْرِيْرِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا (3)، فَمَتَى أَتَى بِذلِكَ، حَصَلَ العِتْقُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَمَا عَدَا هَذَا مِنَ الأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْعِتْقِ كِنَايَةٌ، لا يَعْتِقُ بِهِ إِلاَّ إِذا نَوَى (4)، (1)
قوله «وَهُوَ: تَحْرِيْرُ العَبْدِ»:
هذا هو معنى العتق فتحرير العبد أي جعله حراً وتخليصه من الرق.
(2)
قوله «وَيَحْصُلُ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ»:
وكذا يحصل بالسراية، فهذه طرق ثلاث لحصول العتق.
(3)
قوله «فَأَمَّا القَوْلُ، فَصَرِيْحُهُ لَفْظُ العِتْقِ وَالتَّحْرِيْرِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا»:
يحصل العتق بالقول في نوعين من الألفاظ
.
الأول: صريح اللفظ وهو ما لا يحتمل غير المراد كلفظ العتق، أو لفظ الحرية وما تصرف منهما كقوله «أعتقتك»، أو «أنت عتيق»، أو «أنت حر»، أو «أنت محرر»، ونحو ذلك من الألفاظ التي لا تحتمل غير مرادها، فمتى أتى بأي لفظ من هذه الألفاظ حصل العتق ولو لم ينوه.
النوع الثاني: أي النوع الثاني من ألفاظ العتق وهي ما يحتمل غير المعنى المراد وهذا يحتاج فيه إلى نية وهى ما تسمى بألفاظ الكناية, فهي تحتاج إلى نية لأنها هي التي تحدد المعنى المراد مثل قول «خليتك»، «أطلقتك»، «أذهب حيث شئت»، أو «لا سبيل لي عليك»، ونحو ذلك.
وسيأتي في كلام المؤلف قريباً بيان هذه الأنواع.
(4)
قوله «فَمَتَى أَتَى بِذلِكَ، حَصَلَ العِتْقُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَمَا عَدَا هَذَا مِنَ الأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْعِتْقِ كِنَايَةٌ، لا يَعْتِقُ بِهِ إِلاَّ إِذا نَوَى»:
أي وما عدا هذه الألفاظ الصريحة التي تدل على ألفاظ العتق فهي كناية تحتاج إلى نية، فقول السيد=
وَأَمَّا الفِعْلُ، فَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْه (1)، =لعبده لا سبيل لي عليك أو لا سلطان لي عليك أو أذهب حيث شئت وقد خليتك ونحوها من الألفاظ، وكذا الألفاظ الخفية «كا إذهب»، أو «أغرب عن وجهي»، فلا يحصل العتق بهذه الألفاظ إلاَّ بنية.
(1)
قوله «وَأَمَّا الفِعْلُ، فَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْه»:
هذا هو النوع الثاني الذي يحصل به العتق وهو الفعل، وهو أن يملك ذا رحم محرم، وهو الذي قدَّر أحدها ذكراً والآخر أنثى حرم نكاحه عليه للنسب كأبيه وأخيه، وعمته، فإذا ملكه بشراء ونحوه عتق عليه، لحديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» 1، وقال -صلى الله عليه وسلم- «لا يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» 2. لكن اختلف أهل العلم في القريب الذي يعتق على من يملكه؟ فذهب الحنفية 3، والحنابلة 4، إلى أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه للحديث المتقدم وهما الوالدان وإن علو من قبل الأب والأم جميعاً، والولد وإن سفل من ولد البنين والبنات، والأخوات والأخوة وأولادهم وإن سفلوا، والأعمام, والعمات والأخوال والخالات دون أولادهم.
وَمَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ، مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا، عَتَقَ كُلُّهُ (1)، وَإِنْ أَعْتَقَ ذلِكَ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ (2)،
=أما المالكية (1) فذهبوا إلى أن الذي يعتق بالقرابة هم الأبوان وإن علوا، والمولودون وإن سفلوا, والأخ والأخت مطلقاً شقيقين أو لأب أو لأم, فالذي يعتق عندهم بالملك الأصول والفروع والحاشية القريبة فقط, فلا عتق للأعمام والعمات, ولا الأخوال والخالات.
وذهب الشافعية (2) إلى أن الذي يعتق إذا ملك العتق عمود النسب أي الأصول والفروع ويخرج من عداهم من الأقارب كالأخوة والأعمام.
(1)
قوله «وَمَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ، مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا، عَتَقَ كُلُّهُ»:
هذا هو النوع الثالث التي يحصل به العتق وهو العتق بالسراية، وهو نوعان، هذا هو النوع الأول.
والمعنى: أن السيد لو أعتق جزءًا من رقيقه معيناً كيده ورجله ورأسه, أو مشاعاً كنصفه ونحو ذلك سرى العتق إلى باقية، فعتق كله.
(2)
قوله «وَإِنْ أَعْتَقَ ذلِكَ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ»:
هذا هو النوع الثاني الذي يحصل به العتق, وقياساً على سراية العتق فيما لو أعتق شركاً له في العبد كما سيأتي في كلام المؤلف قريباً.
والعتق بالسراية: هو أن يكون الرقيق مشتركاً بين مالكين فأكثر، فيعتق أحدهما نصيبه فإن باقيه يعتق، أي يسرى العتق على الباقي فيعتق عليه ولا يكون ذلك إلا إذا كان موسراً ولذا قال المؤلف.12
وَهُوَ مُوْسِرٌ بِقِيْمَةِ نَصِيْبِ شَرِيْكِهِ (1)، (1)
قوله «وَهُوَ مُوْسِرٌ بِقِيْمَةِ نَصِيْبِ شَرِيْكِهِ»:
هذا هو شرط سراية العتق، وهو أن يكون المعتق موسراً بهذه القيمة.
دليل ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه عنهما أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» 1، فإن كان من أعتق نصيبه معسراً فلا يسرى العتق ويكون العبد مبعضاً، وهذا قول جمهور أهل العلم.
وذهب الإمام أحمد 2 في رواية عنه إلى أن العبد يسعى في قيمة باقية ويعتق كله, وذلك بأن يطلب منه أن يعمل, وما حصل في يده دفعة إلى سيده الذي لم يعتق نصيبه.
واحتج لذلك بما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» 3.
وهذا هو الراجح, وهو اختيار ابن حزم 4، وشيخ الإسلام بن تيمية 5.
عَتَقَ كُلُّهُ وَلَهُ وَلاؤُهُ (1)، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيْبُ شَرِيْكِهِ (2)، وَإِنْ كانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِلاَّ حِصَّتُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِيْ عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيْمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» (3)، (1)
قوله «عَتَقَ كُلُّهُ وَلَهُ وَلاؤُهُ»:
أي أن الولاء يكون للمعتق دون باقي الشركاء لقوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (1). (2)
قوله «وَقُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيْبُ شَرِيْكِهِ»:
أي إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد مشترك بينهما، سرى العتق إلى الباقي وتكون قيمة الباقي يوم عتقه يدفعها الشريك المعتق لصاحبه - يعنى شريكه - الذي لم يعتق نصيبه.
(3)
قوله «وَإِنْ كانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِلاَّ حِصَّتُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِيْ عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيْمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»
..................................
= قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» 1.
فهذا الحديث والذي قبله ظاهرهما التعارض في الاختلاف في عتق العبد كله، مع إعسار مباشر العتق واستسعاء العبد.
فحديث ابن عمر الذي ذكره المؤلف ظاهره أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك, عتق نصيبه، فإن كان موسراً عتق باقيه وغرم لشريكه قيمة نصيبه، وإن كان معسراً لم يعتق نصيب شريكه, وصار العبد مبعضاً أي بعضه حر وبعضه رقيق.
أما حديث أبي هريرة فقد دل على أن المباشر لعتق نصيبه, إن كان معسراً عتق العبد كله أيضاً، ولكن يستسعى العبد بقدر قيمة نصيب الذي لم يعتق وتعطى له.
وقد أخذ بحديث ابن عمر جمهور أهل العلم, وأجابوا عن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، قالوا بأن هذه الزيادة مدرجة, قال ابن حجر -رحمه الله- في بلوغ المرام «وقيل: إِن السعاية مدرجة في الخبر» 2.
قلت: والصحيح أن الرواية غير مدرجة وذلك لاتفاق البخاري ومسلم على رفعها.
وللجمع بين الحديثين نقول: أما حديث ابن عمر وقوله -صلى الله عليه وسلم- «وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ=
وَإِنْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ ذِيْ رَحِمِهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ بَاقِيْهِ إِنْ كَانَ مُوْسِرًا (1)، إِلاَّ أَنْ يَمْلِكَهُ بِالْمِيْرَاثِ، فَلا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا مَلَكَ (2)، =مِنْهُ مَا عَتَقَ»، أي بإعتاق مالك الحصة حصته، وحصة شريكه تعتق بالسعاية فيعتق العبد بعد تسليم ما عليه ويكون كالمكاتب, ويكون ذلك بإختيار العبد لقوله «غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، فلو كان ذلك على جهة الإلزام، بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقة.
(1)
قوله «وَإِنْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ ذِيْ رَحِمِهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ بَاقِيْهِ إِنْ كَانَ مُوْسِرًا»:
أي من ملك جزءاً من ذي رحم بشراء أو هبة غير إرث لزمه أن يعتق باقيه إن كان موسراً، فإن كان معسراً فلا يعتق عليه إلا ما ملك وذلك أنه متى ملكه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله؛ لأنه عتق بسبب من جهته فأشبه إعتاقه بالقول.
(2)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَمْلِكَهُ بِالْمِيْرَاثِ، فَلا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا مَلَكَ»:
أي وإن ملك جزءًا من ذي رحم عتق عليه باقيه إن كان موسرا كما سبق إلا أن يملكه بالميراث فلا يعتق عليه إلا ما ملك وذلك أنه متى ملكه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله؛ لأنه عتق بسبب من جهته فأشبه إعتاقه بالقول.
فإن ملكه بالميراث لم يعتق منه إلا ما ملك موسرا كان أو معسرا؛ لأنه لا اختيار له في إعتاقه ولا بسبب من جهته.
وقيل: يعتق عليه نصيب الشريك إذا كان موسرا لأنه ملك بعضه أشبه ما لو ملكه بالشراء.