ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ (1)، ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبِ (2)، ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأُمِّ (3)، ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ العَمَّةُ (4)، (1)
قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ»:
أي إذا عدم ما سبق فإن الأحق بالحضانة الأخت لأبوين يعني الأخت الشقيقة, لتقدمها في الميراث ولقوة القرابة.
(2)
قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبِ»:
ثم الأخت لأب, لأن الولاية للأب, وهي أقوى في الميراث, وقيل: بل تقدم عليها الأخت لأم لأنها تدلى بالأم, والأم مقدمة على الأب.
(3)
قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأُمِّ»:
أي فإن عدم الأخوات الشقيقات والأخت لأب كانت الحضانة للأخت لأم.
(4)
قوله «ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ العَمَّةُ»:
أي فإن عدم جميع من سبق فإن الحضانة تنتقل للعمة إن وجدت، فإن عدمت فللخالة وتقديم العمة على الخالة رواية 1 في مذهب الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام 2، وغيره, لأن الولاية للأب, فكذا قرابته لقوته بها.
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد تقديم الخالة على العمة، قال صاحب المقنع 3 «ثم الخالة, ثم العمة في الصحيح عنه»، أي في الصحيح عن الإمام أحمد لأن الخالات يدلين بالأم لقوله -صلى الله عليه وسلم- «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» 4 =
ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنَ النِّسَاءِ (1)، ثُمَّ عَصَابَتُهُ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ (2)،
=وهذه الرواية هي قول جمهور أهل العلم (1)، أي تقديم الخالة على العمة في الحضانة.
قلت: والأقرب عندي هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن الخالة مقدمة على العمة في الحضانة لما رواه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما حكم بحضانة ابنة حمزة لخالتها أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب لما طالب جعفر بحضانتها، قال -صلى الله عليه وسلم- «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» (2).
(1)
قوله «ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنَ النِّسَاءِ»:
أي إذا عدم جميع من ذكرنا فإنه يكون الأحق بالحضانة أقارب المحضونة من جهة النساء فتقدم خالات أمه, ثم خالات أبيه, ثم بنات إخوته, ثم بنات أخواته، وهكذا.
(2)
قوله «ثُمَّ عَصَابَتُهُ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ»:
ثم تنتقل الحضانة للعصبة الأقرب فالأقرب, فيقدم الأخوة, ثم بنوهم, ثم الأعمام, ثم بنوهم, وهكذا.
- فائدة: لمّا كان ترتيب الحضانة لم تأت به نصوص الكتاب والسنة على الترتيب الذي ذكره أهل العلم فقد توقف بعض أهل العلم فيه، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله- «ولم يتحرر لي في الحضانة في تقديم بعض النساء على بعض ضابط تطمئن إليه النفس, إلا أنه يراعى مصلحة المحضون, وأن من تحققت فيه فهو أولى من غيره» 3.12
وَلا حَضَانَةَ لِرَقِيْقٍ (1)، وَلا فَاسِقٍ (2)، (1)
قوله «وَلا حَضَانَةَ لِرَقِيْقٍ»:
ذكرنا سابقاً أن من الشروط المعتبرة في الحاضن الحرية، فلا يصح أن يكون رقيقاً لانشغاله بخدمة سيده ولأنها ولاية, وليس هو من أهلها, وهذا مذهب الجمهور (1). وذهب بعض الفقهاء، وهو اختيار ابن القيم (2) إلى أنه لا تشترط الحرية لحصول الحضانة، قال ابن القيم -رحمه الله- (3) «وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه»، وهذا هو الأقرب عندي، فإذا كانت الأم من الرقيق فهي أحق بولدها من غيرها لأن الأم تجب لها الحضانة لما تتصف به من عظيم الشفقة وفرط المحبة, وشدة الحرص على المحضون, وهذه أمور غريزية لا يستطيع أن يؤثر فيها أي مؤثر بالغاً ما بلغ, لكن لابد لحصول الحضانة في الرقيق من إذن سيدها، فإذا أذن سيدها لها به فهي أحق بها من غيرها.
(2)
قوله «وَلا فَاسِقٍ»:
أي وتمنع الحضانة للفسق, وقد سبق اشتراط الأمانة في الدين في الشروط المعتبرة فلا حضانة لفاسق لأنه لا يوثق به في أداء الواجب من الحضانة لأنه يتأثر به, وينشأ عن طريقته, وهذا هو المذهب 4، وهو قول الجمهور 5.123
..................................
=ويرى ابن القيم أن الفسق لا أثر له على حق الحضانة حيث قال «ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانةَ للفاسقِ، فأيُّ فِسق أكبر مِن الكفر؟ وأينَ الضّررُ المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقَّع من الكافر، مع أن الصوابَ أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعاً، وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد.
ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتد العنتُ، ولم يزل منذ قام الإِسلام إلى أن تقومَ الساعة أطفال الفسّاق بينهم لا يتعرض لهم أحدٌ في الدنيا، مع كونهم الأكثرين.
ومتى وقع في الإِسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر واستمرارُ العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح، فإنه دائمُ الوقوع في الأمصار والأعصار، والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسقُ في الناس، ولم يمنع النبيِ -صلى الله عليه وسلم- ولا أحدٌ من الصحابة فاسقاً من تربية ابنه وحضانته له، ولا مِن تزويجه مولِّيته، والعادةُ شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته، ولا يُضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّرَ خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي، ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانة، وولاية النكاح، لكان بيانُ هذا للأمة من أهم =
وَلا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ (1)،
= الأمور، واعتناء الأمة بنقله، وتوارث العملِ به مقدّماً على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتصالُ العمل بخلافه.
ولو كان الفِسق ينافي الحضانة، لكان من زنى أو شرب خمراً، أو أتى كبيرةً، فرق بينه وبين أولاده الصغار، والتمِسَ لهم غيره والله أعلم» (1).
(1)
قوله «وَلا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ»:
أي ولا حضانة لزوجة أجنبي من المحضون, وظاهره ولو رضي الزوج، وهذا هو الصحيح من المذهب لقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عبد الله بن عمررضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» 2, والمراد بالأجنبي هنا هو من لم يكن من عصبات المحضون, فإذا تزوجت بقريب المحضون ولو كان غير محرم له كابن عمه لم تسقط حضانتها.
واختار ابن القيم 3 أن الحضانة لا تسقط إذا رضي الزوج, لأنها لم تسقط عنه إلا من أجل التفرغ لحقوق الزوج, فإذا رضي بالحضانة فالأم أحق بالحضانة.1
فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنَ الْحَضَانَةِ (1)،
- فائدة: يرى جمهور أهل العلم أن حضانة الأم تسقط بمجرد العقد عليها لأن النكاح هو العقد, فإذا عقد عليها فقد أصبح النكاح متحقق الوجود (1).
وذهب المالكية (2)، والحنابلة (3) إلى أن الحضانة لا تسقط عن الزوجة إلا بالدخول, لأن الدخول هو الذي يؤدي إلى انشغال الزوجة, وبسببه تتحول إلى التفرغ لحياتها الزوجية مما يصرفها عن حضانة الطفل.
وهذا هو الأقرب عندي لأن الزواج قبل الدخول وبعد العقد معرض للفشل حيث الاحتمالات, لاسيما إذا طالت المدة بينهما, والطفل يتضرر إذا نقل إلى أخرى, ثم أعيد إلى أمه.
لكن إن أحس الأب بأنها مفرطة في حق الطفل فله إسقاط حقها من الحضانة, ونقل الحضانة إليه.
(1)
قوله «فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنَ الْحَضَانَةِ»:
أي متى زال المانع الذي من أجله منعت عنه حق الحضانة فإنها تعود إليه, أي تعود إلى مستحقيها.
فإذا تاب الفاسق عادت إليه الحضانة, وإذا طلقت الأم عادت إليها الحضانة ولو كان طلاقاً رجعياً.123
وَإِذَا بَلَغَ الغُلامُ سَبْعَ سِنِيْنَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا (1)، (1)
قوله «وَإِذَا بَلَغَ الغُلامُ سَبْعَ سِنِيْنَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا»:
أي إذا بلغ الطفل سبع سنين كاملة فإنه يخيّر بين أبويه فيكون مع من اختار منهما، وهذا عند النزاع، دليل ذلك ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ: مَنْ يُخَاصِمُنِي فِي ابْنِي؟ فَقَالَ: يَاغُلامُ هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شئتَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ» 1. وقد قضى بذلك الصحابة رضوان الله عليهم فلم ينكر عليهم فكان إجماعاً، لكن يشترط لهذا التخير شرطان: الأول: أن يكون كل من الأبوين صالحاً للحضانة, فإن كان غير صالح لها كان كالمعدوم, ويتعين الآخر، وقد سبق بيان الشروط المعتبرة في الحاضن, وإن كانت الأم أحفظ من الأب وأغير قُدّمت عليه، ولا عبرة باختيار الصبي في هذه الحالة, لأنه ضعيف العقل, يؤثر البطالة واللعب, فإذا اختار من يساعده على ذلك فلا عبرة باختياره.
وَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا، فَأَبُوْهَا أَحَقُّ بِهَا (1)، وَعَلى الأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِه (2)، إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ الأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، فَتَكُوْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا (3)، الشرط الثاني: أن يكون الغلام عاقلاً, فإن كان معتوهاً فحضانته لأُمه ولو بلغ أكثر من عشر سنين لأنها أشفق عليه وأصبر وأقوم بمصالحه من أبيه.
(1)
قوله «وَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا، فَأَبُوْهَا أَحَقُّ بِهَا»:
أي إذا بلغت البنت سبع سنين فإن أباها أحق بها مطلقاً وليس لها التخيير, لأن البنت في هذا السن قد قاربت الصلاح للتزويج, والأب هو الأقدر على أن يتولى تزويجها، فيقدم في حضانتها على غيره، ولأن المقصود من الحضانة الحفظ, والأب أحفظ لها فتبقى عنده حتى الزواج.
(2)
قوله «وَعَلى االأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِه»:
أي يجب على الأب أن يطلب من يرضع ابنه إذا عدمت أمه, أو امتنعت عن إرضاعه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (1). (3)
قوله «إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ الأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، فَتَكُوْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا»:
أي إلا إذا شاءت الأم أن تقوم بإرضاعه لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ 2 ولأنها يعنى الأم أشفق بوَلِدِيها ولبنها امرأ, بل إذا رغبت في إرضاعه فهي أحق به من=1
سَوَاءٌ كَانَتْ فِيْ حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً (1)، =غيرها ويكون لها أجرة المثل إذا طلبت ذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (1).
(1)
قوله «سَوَاءٌ كَانَتْ فِيْ حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً»:
أي لأم الولد إرضاعه إذا شاءت أن ترضعه سواء كانت زوجة لأبيه أو مطلقة عنه ولها أجرة المثل.
قلت: أما في حالة كونها مطلقة أو بائناً منه بفسخ فلا خلاف أنها إن أرضعته فلها أجرة المثل, أما إذا كانت تحته فالراجح أنه ليس لها أجرة على إرضاعه لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ 2، فأوجب الله تعالى على الزوجة إرضاع ولدها, ولم يوجب لها سوى النفقة والسكنى, فدل ذلك على أنها لا تستحق أجرة على إرضاعها لولدها ما دامت زوجة لأبيه.
قلت: وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام 3.1
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلا مَالٌ، فَعَلى وَرَثَتِهِ أَجْرُ رَضَاعِهِ، عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ مِنْهُ (1)، (1)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلا مَالٌ، فَعَلى وَرَثَتِهِ أَجْرُ رَضَاعِهِ، عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ مِنْهُ»:
أي فإذا كان هذا الطفل لا أب له أي يتيم واسترضعت له امرأة فتكون أجرة هذه المرأة على الوارث لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 1، فأوجب تعالى على الوارث مثل ما أوجبه على أبيه عند عدم وجود الأب فتكون أجرة الرضاعة على لورثة على قدر ميراثهم فمن كان ميراثه من هذا الطفل الثلث أخرج ثلث أجرة الرضاعة والباقي على غيره على قدر إرثهم أيضاً.
بابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيْكِ
(1) وَعَلى الإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوْا (2)، (1)
قوله «بابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيْكِ»:
سبق أن ذكرنا في أول باب النفقة على المعتدات أن الأسباب الموجبة للنفقة ثلاثة:
1 - النكاح.
2 - النسب.
3 - المِلك.
وقد سبق بيان الأحكام المتعلقة بالنكاح, ثم ذكر المؤلف في هذا الباب ما بقي من الأسباب الموجبة للنفقة.
(2)
قوله «وَعَلى الإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوْا»:
أي ويجب على الإنسان النفقة على «وَالِدَيْهِ» يعني الأصول إذا كانا في حاجة إلى النفقة وكان الابن قادراً على الإنفاق «وَإِنْ عَلَوْا» كجده من جهة أبيه وجده من جهة أمه, وكذا جدته من جهة أبيه وجدته من جهة أمه، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ 1. ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما بل هو من أعظم الإحسان, وأيضاً قال تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ 2. لكن يشترط لوجوب النفقة على الأقارب شروط ثلاثة هي: 1 - أن يكونوا فقراء عاجزين عن الكسب لأن النفقة على سبيل المواساة فلا تستحق مع الغنى عنها كالزكاة.
..................................
2 - أن يكونوا وارثين بفرض أو تعصيب, كالأب والجد والأم والابن والمشهور أنه لا يشترط الإرث في نفقة الأصول والفروع, وإنما يشترط في نفقته غيرهما من الحواشي, وهو أن يكون المنفق وارثاً للمنفق عليه بفرض كالأخ لأم, أو تعصيب, كالعم وابن العم لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 1، أي على الرجل الذي يرث أن ينفق على مورثه حتى يستغني.
قلت: والراجح أن الإرث ليس شرطاً مطلقاً، فتجب نفقة من يرث بالرحم, كالعمة والخالة، وإنما الشرط الذي يلزم وجوده هو غنى المنفق وفقر المنفق عليه وكونه من الأقارب.
3 - أن يكون المنفق غنياً وذلك بأن يكون ما ينفقه على أقاربه فاضلاً عن قوت نفسه وزوجته حاصلاً في يده, أو متحصلاً من صناعة, أو تجارة, أو أجرة عقار ونحو ذلك, فإن لم يكن فاضلاً عن ذلك لم يجب عليه النفقة على قريبه لقوله -صلى الله عليه وسلم- «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَىْءٌ فَلأَهْلِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَىْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَىْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» 2. يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وعنه -صلى الله عليه وسلم- أيضاً أنه قال: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَدُ =
وَأَوْلادِهِ وَإِنْ سَفَلُوْا (1)، = الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» (1)، وعلى ذلك نقول بأن النفقة لا تجب من رأس المال, ولا من ثمن ملك, ولا من قيمة آلة صنعة, كمكائن نجارة أو حدادة فلا نفقة في قيمتها, لحصول الضرر بوجوب الإنفاق من هذه الأشياء, فإن لم يكن هناك ضرر من الإنفاق منها وجبت النفقة عليه كأن يكون رأس المال كثيراً جداً ولا يتأثر بالإنفاق فهنا تجب النفقة من رأس المال.
(1)
قوله «وَأَوْلادِهِ وَإِنْ سَفَلُوْا»:
أي الفروع أي ويجب كذلك الإنفاق على أولاده ذكوراً كانوا أو إناثاً إذا كانوا فقراء وعنده ما ينفق عليهم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» 2، ويجب كذلك أن ينفق على أبناء أولاده, كابن الابن, وابن البنت, وبنت الابن, وبنت البنت وإن نزلوا إذا كانوا فقراء وعنده ما ينفق عليهم لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ 3. وقد سبق دخول عموم أولي الأرحام في النفقة عليهم, والخطاب هنا ليس المقصود منه الوالد فقط بل المرأة كذلك إذا كانت غنية فيجب عليها الإنفاق على من ذكرناهم.1
وَمَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيْبٍ (1)، إِذَا كَانُوْا فُقَرَاءَ، وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ (2)، وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيْرِ وَارِثَانِ فَأَكْثَرَ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ (3)، (1)
قوله «وَمَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيْبٍ»:
سبق الإشارة إلى ما ذكر المؤلف هنا وقلنا بأنه لا يشترط في النفقة أن يكون ممن يرثه بفرض أو تعصيب فتجب نفقة من يرث بالرحم كالعمة والخالة لموافقته لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فلا يشترط هنا إلا غنى المنفق وفقر المنفق عليه وكونه من الأقارب, لوجوب صلتهم وتحريم قطيعتهم.
(2)
قوله «إِذَا كَانُوْا فُقَرَاءَ، وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ»:
هذان شرطان لوجوب النفقة على القريب، وقد سبق الإشارة إليهما.
(3)
قوله «وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيْرِ وَارِثَانِ فَأَكْثَرَ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ»:
أي عند المشاحة فيمن ينفق عليهم فالنفقة تكون على قدر إرثهم لأن الله تعالى علق وجوب النفقة على الإرث, والحكم يدور مع علته فبقدر الإرث يلزم بالنفقة.
مثال ذلك: رجل فقير له أم موسرة, وجد موسر فهنا يكون على الأم الثلث وعلى الجد الباقي وهو الثلثان لأنه لو مات ميت عن أم وجد من قبيل أبيه لورثه كما ذكرنا الأم الثلث والجد الباقي فتكون النفقة على الجد الثلثين والثلث على الأم، فإذا كانا ينفقان عليه يومياً فيكون على الأم نفقة يوم وعلى الجد نفقة يومين, وإذا كانت النفقة المقدرة يومياً ثلاثين ريالاً مثلاً فيكون على الأم عشرة ريالات وعلى الجد عشرون ريالاً =
إِلاَّ مَنْ لَهُ أَبٌ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلى أَبِيْهِ خَاصَّة (1)، = لكن لا يشترط في الأصول والفروع التوارث, فلو كانت الأم فقيرة وأبوها غني فيجب على الأب النفقة لأن الأصول والفروع لا يشترط فيها التوارث.
(1)
قوله «إِلاَّ مَنْ لَهُ أَبٌ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلى أَبِيْهِ خَاصَّة»:
كما سبق إلا الأب فإنه يتحمل نفقة ولده كلها, ولا يشاركه وارث أخر لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (1)، فأوجب على الأب نفقة الرضاع دون أمه، وأيضاً حديث هند المتقدم وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (2)، و
هل تجب النفقة على الأب مع وجود الابن الموسر؟
الجواب: نقول قولان:
الأول: وهو المذهب 3 أن النفقة تجب على الأب مع وجود الابن للولد كما لو كان للولد أب وابن موسران وهو معسر, فالنفقة على الأب أخذاً بظاهر الآية الكريمة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
القول الثاني: أنه لا يجب على الأب النفقة مع وجود الابن للولد والآية إنما جاءت في الرضيع, وليس له ابن, فينبغي أن يفرق بين الولد الصغير وغيره, فإن من له ابن يبعد أن لا تكون عليه نفقته وتكون على الأب=12
وَعَلى مُلاكِ الْمَمْلُوْكِيْنَ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ، وَمَا يَحْتَاجُوْنَ إِلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةٍ وَكِسْوَةٍ (1) فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوْا، أُجْبِرُوْا عَلى بَيْعِهِمْ، إِذَا طَلَبُوْا ذلِكَ (2)، =وحده, وهذا هو الأظهر أي عند وجود الابن فإنه لا يلزم الأب النفقة على ولده.
(1)
قوله «وَعَلى مُلاكِ الْمَمْلُوْكِيْنَ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ، وَمَا يَحْتَاجُوْنَ إِلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةٍ وَكِسْوَةٍ»:
أي ويجب النفقة كذلك للعبيد الأرقاء من قبل أسيادهم بأن ينفقوا عليهم وأن يكسوهم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ» (1)، وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (2). (2)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوْا، أُجْبِرُوْا عَلى بَيْعِهِمْ، إِذَا طَلَبُوْا ذلِكَ»:
أي إذا أبى السيد من الإنفاق على عبيده أجبره الحاكم على القيام بذلك لقيامه الممتنع من أداء الواجب, فإن أبى ألزمه ببيعه لأن بقاءه في يده مع ترك الإنفاق عليه ظلم والظلم تجب إزالته, ويكون الأمر ببيعه إذا طلب الرقيق ذلك.12
..................................
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: إذا طلب المملوك نكاحا
ً زوَّجه سيده أو باعه لقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 1، والأمر يقتضى الوجوب عند الطلب, وإن طلبت الأمة من سيدها ذلك أيضاً خُيِّر السيد بين وطئها أو تزويجها أو بيعها إزالة للضرر عنها.
- الفائدة الثانية: يجب على من يملك بهيمة علفها وسقيها وما يصلحها لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» 2.
ولا تحمل البهائم ما تعجز عنه لأن ذلك من التعذيب لها وهو غير جائز, ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها, لأن ولدها مقدم في هذه الحالة.
ولا يجوز لعن البهيمة، ولا ضربها في وجهها، أو وسمها فيه.
فإن عجز عن الإنفاق عليها وجب عليه بيعها، أو ذبحها إن كانت مما يؤكل أو تأجيرها ويكون تأجيرها من أجل الإنفاق عليها بالأكل ونحوه مما تحتاجه.
بابُ الوَلِيْمَةِ
(1) وَهِيَ: دَعْوَةُ العُرْسِ (2)، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِيْنَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (3)، (1)
قوله «بابُ الوَلِيْمَةِ»:
الوليمة: أصلها تمام الشيء واجتماعه، يقال: أولم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه، ثم نقلت إلى طعام العرس لاجتماع الرجل والمرأة، أو لاجتماع الناس لها.
والوليمة: هي اسم لكل طعام يتخذ لجمع الناس، وقيل هي اسم لطعام العرس خاصة لا تقع على غيره.
(2)
قوله «وَهِيَ: دَعْوَةُ العُرْسِ»:
هذا هو
تعريف الوليمة
، وقد سبق.
(3)
قوله «وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِيْنَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» 1»: هذا هو مذهب جمهور أهل العلم، أي أن الوليمة سنة مستحبة لأنه لم يرد نص يدل على وجوبها.
وفي قولٍ آخر أن الوليمة واجبة، واحتجوا لذلك بحديث عبد الرحمن بن عوف المتقدم، وأيضاً حديث بريدة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما خطب علي فاطمة رضي الله عنها قال «إِنَّهُ لا بُدَّ لِلْعُرْسِ مِنْ وَلِيمَةٍ» 2.
وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ» (1)، قلت: والأظهر عندي عدم الوجوب، وهو كما سبق قول الجمهور لكن ينبغي للمسلم القادر على أن يولم ألا يتركها لعموم الأخبار الواردة في ذلك ولأنها من تمام شكر الله تعالى على نعمة الزواج.
فائدة: لا يجوز التبذير في الولائم والإسراف
فيها: لعموم الأدلة التي جاءت بالنهي عن الإسراف والتبذير، ولما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة.
(1)
قوله -رحمه الله- «وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ»
.................................. القول الثاني: أنها سنة مستحبة وهو مذهب الحنفية 1، وقول للشافعية 2. القول الثالث: أنها فرض كفاية، وهو قول للشافعية 3، واستدل جميع الفقهاء ممن اختلفوا في حكمها بأحاديث منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» 4، وأيضاً حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا» 5، وأيضاً حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» 6. قلت: والراجح من الأقوال هو القول الأول، أي يجب إجابة دعوة الوليمة لظاهر الأحاديث المتقدمة، هذا إذا كانت الدعوة إلى الوليمة قد خصّ بها المدعو بعينه، أما إذا كانت الدعوة عامة دون تعيين فقد ذكر الفقهاء أن الإجابة في هذه الحالة تكون جائزة وليست بواجبة ولا مستحبة لأنه لم يعين شخصاً بعينه، لأنه لا يحصل كسر قلب الداعي بترك الإجابة، =
.................................. = وإذا كانت الدعوة عامة لأناس مخصوصين كمن حضروا في الجامع للصلاة استحبت الإجابة إذا كان عدمها سيتأذى به الداعي.
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: حكم الأكل من طعام الوليمة لمن حضر
: اختلف الفقهاء في وجوب الأكل من طعام الوليمة لمن حضرها وكان مفطراً: فذهب الجمهور إلى أن يستحب الأكل من طعام الوليمة، وذهب الظاهرية والشافعية في قول إلى وجوب الأكل منها لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «وإن كان مفطراً فليطعم»، ولأن المقصود منه الأكل فكان واجباً.
الفائدة الثانية: في حكم إفطار الصائم من أجل الوليمة
: الصائم لا يخلو إما أن يكون صومه واجباً أو تطوعاً، فإن كان واجباً أجاب الدعوة ولم يفطر، لكن يدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة في ترك الأكل.
والدليل على ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم»، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليصل» أي فليدعو، ولأن الفطر في الصوم الواجب لا يجوز، وإن كان صومه تطوعاً استحب له الفطر والأكل إذا كان في ذلك إجابة لأخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه، وإن أحب إتمام الصيام جاز له ذلك لحديث أبي هريرة المتقدم، فيدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة كما تقدم.
.................................. - الفائدة الثالثة: ذكر أهل العلم أنه لا حد لأقل ما يولم به ولا أكثره وأن المستحب في ذلك على حسب حال الزوج، قال القاضي عياض «وأجمعوا على أنه لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنها على قدر حال الزوج، وقد يتيسر على الموسر الشاة فما فوقها (1) فإن أولم بأكثر من شاة جاز، وإن أولم بشاة واقتصر على النص جاز، وإن أولم بما دون ذلك جاز لحديث أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أولم على صفية بحيس في قطع صغير (2)، وحديث صفية بنت شيبة قالت: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» (3).
الفائدة الرابعة: شروط وجوب الدعوة
:
أـ أن تكون هي الوليمة الأولى، فإذا تكررت لم تلزم.
ب - أن يكون الداعي مسلماً.
ج - أن لا يكون الداعي معروفاً بالفسق، والمجاهرة بالمعاصي، وأذية أهل الخير.
د - أن يعينه الداعي ويخصه بألا تكون الدعوة عامة.
هـ - أن لا يكون على الوليمة منكر.
وـ أن لا يخص الأغنياء دون الفقراء.123
وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَطْعَمَ، دَعَا وَانْصَرَفَ (1)، وَالنِّثَارُ وَالتِقَاطُهُ مُبَاحٌ مَعَ الكَرَاهَةِ (2)، وَإِنْ قُسِّمَ عَلى الحَاضِرِيْنَ، كَانَ أَوْلى (3)، ز - أن لا يكون للمدعو عذر فإن كان له عذر لم تجب إجابته لئلا يلحقه الضرر.
- الفائدة الخامسة: مما تخص به دعوة المدعو: أن يدعوه بعينه، أو يرسل له بطاقة ويسلمها له وهو يقصده بذلك، أما ما هو حاصل الآن أن تؤخذ قوائم للأسماء وتملأ البطاقات فهذا لا تلزم إجابة الدعوة له.
(1)
قوله -رحمه الله- «وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَطْعَمَ، دَعَا وَانْصَرَفَ»:
سبق الإشارة إلى ذلك، وقلنا بأن الصواب أن الأكل من طعام الوليمة مستحب لا يجب، بل الواجب إجابة الداعي وإن لم يحصل الأكل، فلا علاقة بين الإتيان ولزوم الأكل من الوليمة، فإذا لم يحب الأكل دعا لصاحب الوليمة ثم انصرف.
(2)
قوله -رحمه الله- «وَالنِّثَارُ وَالتِقَاطُهُ مُبَاحٌ مَعَ الكَرَاهَةِ»:
النثار: بكسر النون هو ما ينثر من النقود، أو الحلوى، أو غيرها أيام الزواج، أي ما يرمى به من النقود والحلوى يوم العرس، فهذا يكره، وكذا يكره التقاطه.
وإنما كره لما فيه من النهبة والتزاحم، وأخذه على هذا الوجه فيه دناءة وسخف وإسقاط مروءة، والله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها.
(3)
قوله «وَإِنْ قُسِّمَ عَلى الحَاضِرِيْنَ، كَانَ أَوْلى»:
أي وإن قسم ما أريد نثره من الحلوى والنقود أو غيره على الحاضرين ووزع عليهم بانتظام كان ذلك أولى.