وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 58-97

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الظِّهارِ»:

الظهار في اللغة: مأخوذ من الظهر، يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر منها, وهو أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أُمي لأن الظهر من الدابة موضوع الركوب.
أما تعريفه في الشرع: فهو تشبيه الرجل زوجته أو جزء منها بامرأة محرمة عليه تحريماً مؤبداً, أو بجزء منها يحرم عليه النظر إليه كالظهر، والبطن، والفخذ، ونحو ذلك.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: الأصل فيه: الأصل في الظهار: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ 1. ومن السنة: حديث «خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ, فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَشْكُو إِلَيْهِ, وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُجَادِلُنِي فِيهِ, وَيَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ, فَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَمِّكِ فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى أُنْزِلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ المجادلة إِلَى الْعَرْضِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: تُعْتَقُ رَقَبَةٌ, فَقَالَتْ: لا يَجِدُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: شَيْخٌ=

وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيْ (1)،  =كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصُومَ, قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَإِنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَنَا أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ, فَقَالَ: أَحْسَنْتِ, اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا, وَارْجِعِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ, قَالَتْ: وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا» (1).

الفائدة الثانية: في حكم الظهار

: الظهار محرم لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور﴾ (2), وهو من كبائر الذنوب لأن الله وصفه بأنه منكر من القول في هذه الآية, ومعنى الآية أنهم يقولون أمراً محرماً، ومنكراً، وكذباً منهم، يقولون بأن زوجاتهم كأمهاتهم، وهذا منكر وتحريم لما أحل الله.

  • الفائدة الثالثة: كان الظهار طلاقاً في الجاهلية, فلما جاء الإسلام أبطله وأنكره واعتبره يميناً يكفره, فيجب على المظاهر من زوجته أن لا يقربها حتى يكفِّر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

(1)

قوله «وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيْ»:

أي الظهار هو أن يقول المظاهر لامرأته أنت عليَّ كظهر أمي, أي ركوبك للنكاح حرام =12

..................................  =على كنكاح أمي، وهو كما سبق حرام لما ذكرناه من الأدلة, والظهار كما مر ليس بطلاق، فلو قال إنسان لامرأته: «أنت عليَّ كظهر أمي»، وأراد بالظهار الطلاق فإنه لا تقبل هذه النية, وذلك لعلتين.
الأولى: أننا لو قبلنا ذلك لرددنا حكم الظهار من الإسلام إلى الجاهلية، وهذا أمر لا يجوز لأن الإسلام أبطله.
الثاني: أنه مخالف لصريح اللفظ, وما خالف صريح اللفظ فغير مقبول.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: إذا قال الرجل لامرأته أنت علي كأمي هل يعد ظهاراً؟

الجواب: نقول هذا يرجع إلى نيته, فإن كان قد أراد به ظهاراً فهو ظهار, وإن كان أراد به المودة، والاحترام، والتبجيل فليس ظهاراً.

  • الفائدة الثانية: كره بعض الفقهاء أن يقول الرجل لزوجته يا أُختي يا بنتي, يا أُمي: أي أن يناديها ببعض محارمه لأن هذا اللفظ يشبه الظهار, وكذلك يكره عندهم أن المرأة تقول للزوج يا أخي, يا أبي ولو على سبيل الإكرام والاحترام لأنه أيضاً يشبه تحريم الزوج.
    قلت: والصواب أن هذا كله يجوز لأن المعنى معلوم وهو إرادة الإكرام والاحترام والتبجيل, بل هذه من العبارات التي توجب المودة والمحبة بين الزوجين، لكن في غيرها من الألفاظ ما يغني عنها.

- الفائدة الثالثة: ما الحكم إذا قال الرجل لزوجته أنت عليَّ حرام؟

الجواب: تحريم الزوج لزوجته مما اختلف فيه الفقهاء, اختلافاً كثيراً =

..................................  = وأرجح الأقوال فيه التفصيل: فإن نوى بقوله «أنت عليَّ حرام» الطلاق، أو الظهار، أو اليمين فالأمر على ما نواه, وإن لم ينو شيئاً, لزمه كفارة يمين, وهذا مذهب الإمام الشافعي 1. ويدل على ذلك أن هذا اللفظ يصلح أن يكون ظهاراً أو يميناً كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 2، وقوله ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ 3. فالمرجع في ذلك إلى النية فيما قال, فإن أراد به طلاقاً وقع طلاقاً, وإن أراد به ظهاراً وقع ظهاراً, وإن أراد به يميناً وقع يميناً لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهْىَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَقَالَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» 4. فإن قصد به المنع أو التصديق أو التكذيب, فإنه يجري مجرى اليمين ويكون حكمه حكم اليمين ويجري مجرى اليمين.

أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلى التَّأْبِيْدِ (1). أَوْ يَقُوْلَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأَبِيْ، يُرِيْدُ تَحْرِيْمَهَا بِهِ (2)، فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ (3)،  (1)

قوله «أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلى التَّأْبِيْدِ»:

أي يكون الظهار كذلك على من تحرم عليه على التأبيد, كأن يقول أنت علي كظهر أختي أو خالتي أو عمتي, وقوله «علي التأبيد» مفهومة أن الحرمة إلى أمد كأخت زوجته أو عمتها لا يكون التشبيه بها ظهاراً، وهو إحدى الروايتين (1) في المذهب، والمذهب أنها ظهار، وهو اختيار الخرقي, لأنه شبهها بمحرمة, فأشبه ما لو شبهها بأمه.
(2) قوله «أَوْ يَقُوْلَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأَبِيْ، يُرِيْدُ تَحْرِيْمَهَا بِهِ»: أي وكذلك من الظهار أن يقول لزوجته أنت علي كأبي يريد تحريمها لأنه شبهها بظهر من يحرم عليه على التأييد, أشبه لأم.
قلت: والراجح أن هذا ليس ظهاراً، وهو قول جمهور أهل العلم (2) لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل لاستمتاع الرجال, أشبه ما لو قال: «أنت علي كمال زيد».

(3)

قوله «فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ»:

أي فتحرم عليه زوجته حتى يكفر كفارة الظهار التي ذكر الله تعالى في كتابه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ=12

..................................  =يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (1)، فإذا كفَّر زال حكم التحريم, فإن وطئ قبل التكفير عصى ربه لمخالفته أمره, واستقرت الكفارة في ذمته, فلا تسقط بعد ذلك بموت ولا طلاق ولا غيره, وتحريم زوجته باق عليه حتى يكفِّر، وهذا هو قول عامة أهل العلم (2).

لكن

هل المنهي عنه الجماع ودواعيه, أم الجماع فقط؟

الجواب: قولان للفقهاء: الأول: أنه يحرم عليه الجماع ودواعيه، كالقبلة، والمعانقة، والاستمتاع بها دون الفرج، وهذا هو قول الحنفية 3، ومالك 4، ورواية في مذهب الإمام أحمد 5. القول الثاني: أن المحرم هو الجماع فقط، قال الإمام أحمد عن دواعي الجماع: «أرجو أن لا يكون به بأساً».
قلت: والأحوط عندي هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فيحرم عليه الجماع ودواعيه لأن هذا هو الأبرأ لذمته, ولأنه قد يقع في المنهي عنه وهو الجماع، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.12

بِتَحْرِيْرِ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (1)، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (2)،  (1)

قوله «بِتَحْرِيْرِ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»:

هذه هي كفارة «الظهار وهي على ثلاثة خصال»: الأولى: عتق رقبة من قبل أن يمس أحدهما الأخر بالجماع وما دونه كما سبق دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (1). فقوله «يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا»: أي يعودون إلى الجماع الذي حرموه على أنفسهم، وهذا هو المعنى الصحيح للآية

وقوله «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» أي تخليصها من الرق,

وهل يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة؟

الجواب: قولان للفقهاء: والراجح اشتراط كون الرقبة مؤمنة، وهذا قول مالك (2)، والشافعي (3)، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (4).

(2)

قوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»:

هذه هي الخصلة الثانية من خصال كفارة الظهار، وهي الصيام، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 5.1234

فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا (1)،  =ومن شرط الصيام كون الشهرين متواليين, لا يفطر فيهما إلا لعذر كان يتخلله فطر واجب كعيد, وأيام التشريق, أو يتخلله صيام فريضة كصوم رمضان, أو لمرض أو خوف, فإذا قطع الصيام لعذر فلا ينقطع التتابع, لأنه فطر بسبب لا يتعلق باختياره فإذا أخل بالتتابع لغير عذر استأنف لصيام.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: من تحايل على إسقاط شرط المتابعة كأن يؤخر الصيام إلى ذي الحجة حتى يستريح بفطره في يوم العيد وأيام التشريق فإن هذا لا يحل له.

الفائدة الثانية: من سافر لأجل أن يفطر حرم

عليه الفطر والسفر لأن أصل التتابع واجب، فإذا تحايل على إسقاطه ولو بشيء أباحه الشارع فإنه حرام.
(1)

قوله «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا»:

هذه هي الخصلة الثالثة من خصال كفارة الظهار وهي الإطعام، دليلها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ 1: أي فمن لم يستطع الصيام لأي سبب من الأسباب ككبر أو مرض، وغير ذلك من الأسباب التي سبقت في كتاب الصوم فعليه إطعام ستين مسكيناً, والآية دليل في اشتراط العدد، =

وَحُكْمُهَا وَصِفَتُهَا كَكَفَّارَةِ الجِمَاعِ فِيْ شَهْرِ رَمَضَانَ (1)، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ، عَصَى، وَلِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ الْمَذْكُوْرَةُ (2)،  =فلا يجوز أقل من ستين, فإن تعذر كرر الكفارة على الموجودين بقدر ستين مسكيناً.
والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجزئ التكفير بما يكون طعاماً للناس لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾، فذكر الأحكام ولم يذكر الله أي نوع يكون, فيرجع في ذلك لما جرى به العرف.
أما من حيث المقدار فهو مُدّ من البر, وهو ربع الصاع, والصاع يعادل «25 و 2»، أي كيلوين وربع.
والصواب في الإطعام أنه إذا غَدَّى المساكين أو عشاهم أجزأه لقوله تعالى ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾، ولم يذكر قدراً ولم يذكر جنساً, فما يسمى إطعام فإنه يجزئ.

(1)

قوله «وَحُكْمُهَا وَصِفَتُهَا كَكَفَّارَةِ الجِمَاعِ فِيْ شَهْرِ رَمَضَانَ»:

أي وكفارة الظهار في حكمها وصفتها ككفارة الجماع في شهر رمضان فهي كفارة مغلظة.
(2)

قوله «فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ، عَصَى، وَلِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ الْمَذْكُوْرَةُ»:

لا خلاف بين الفقهاء أن المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل أن يكفر عن ظهاره إذا كان فرضه في الكفارة العتق والصيام لقول الله تعالى في العتق والإطعام: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 1، فمن وطء زوجته قبل التكفير فقد=

..................................  =عصى الله تعالى لقوله تعالى في الآية: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 1، ووجه كون التحريم للوطء قبل المسيس لأنه سبحانه قدم التحرير والصيام قبل المسيس، فلو لم يحرم الوطء قبل المسيس لم يكن للأمر بتقديم التحرير والصيام قبل المسيس معنى.
فإن كان فرضه في الكفارة الإطعام فقد اختلف الفقهاء في جواز الوطء قبل الإطعام، والراجح أن ذلك لا يجوز أيضاً حتى يكفر قياساً على الكفارة بالتحرير والصيام، ولا تسقط الكفارة بالوطء قبل التكفير بل هي لازمة في حق المظاهر.
فإذا مات المظاهر أو الزوجة انتهى الظهار وانتهى حكمه باتفاق الفقهاء جميعاً, لأن موجب الظهار الحرمة, وهي متعلقة بالرجل والمرأة, فالرجل يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة التي ظاهر منها, والمرأة عليها ألا تُمَّكنه من نفسها حتى يكفر, ولا يتصور بقاء الحكم بدون ما تعلق به وهل تلزمه الكفارة بعد موته.
الجواب: أما إن وطئ قبل التكفير ثم مات ولم يكفر فلا تسقط بموته, أما إذا مات ولم يطأ فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب بعضهم 2 إلى أنها ثابتة في ذمَّة المظاهر حتى يؤديها، فإن مات سقطت عنه إلا إذا أوصى بها فتخرج من ثلث التركة.

وَمَنْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مِرَارًا، وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (1)،  =وذهب الشافعية (1)، والحنابلة (2) إلى أن كفارة الظهار لا تسقط بالموت, بل يؤديها الوارث عن الميت من التركة سواء أوصى أو لم يوص.
قلت: والصواب أنه إذا مات ولم يطأ أو ماتت المرأة قبل أن يطأها, أو فارقها قبل أن يطأها لم تجب الكفارة, فلا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء.

(1)

قوله «وَمَنْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مِرَارًا، وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ»:

أي من كرر الظهار قبل أن يكفر فعليه كفارة واحدة قياساً على الجماع في نهار رمضان وعلى اليمين بالله تعالى, فإنه لا يجب بتكريرها قبل التكفير كفارة ثانية, فكذا الظهار، ولأنه قول لم يؤثر تحريماً في الزوجة فلم تجب فيه الكفارة.
وقوله «ولم يكفَّر» يفهم منه أنه إذا قال: «أنت علي كظهر أمي» ثم كفر ثم أعاد عليها الظهار فإنه يلزمه التكفير مرة أخرى, لأن هذا الظهار غير الأول, ولأنه صادفه وذمته قد برئت من الظهار الأول, فيلزمه أن يعيد الكفارة.

  • فائدة: قال بعض أهل العلم إن كرر الظهار في مجلس واحد لزمته بكل ظهار كفارة، والصواب ما ذكره المؤلف.12

وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَةٌ (1)،  (1) قوله «وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَةٌ»: أي إن كان له أكثر من امرأة فقال لهن أنتن علي كظهر أمي فعليه كفارة واحدة, لأنه ظهار واحد, ولأن الظهار بكلمة تجب بمخالفتها الكفارة, فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة, كاليمين بالله.

قوله «وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَةٌ»:

بمعنى لو أنه ظاهر منهن بكلمات، يعني على عددهن بأن قال للأولى: «أنت علي كظهر أمي»,وللثانية «أنت علي كظهر أمي», وللثالثة كذلك، وللرابعة كذلك, فيلزمه أربع كفارات, لأنها أيمان متكررة على أعيان متعددة، فكان لكل واحدة كفارة لتعدد الظهار والمظاهر منها.
وفي رواية أخرى في المذهب 1 أنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة بناءاً على أن الكفارات تتداخل, كالأيمان إذا تكررت وموجبها واحد لزمه كفارة واحدة.
والأول هو الأظهر عندي لأنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة, فتعددت الكفارات, كما لو كفّر ثم ظاهر، وهذا قول عامة أهل العلم 2، بل حكى القرطبي 3 الإجماع على ذلك.

ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ حَرَّمَهَا (1)، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مُبَاحًا (2)، أَوْ ظَاهَرَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ حَرَّمَتْهُ، لَمْ يَحْرُمْ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ (3)،  (1)

قوله «ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ حَرَّمَهَا»:

أي إن قال لأمته: «أنت على كظهر أمي»، أو قال: «أنت علي حرام» لم يكن ذلك ظهاراً, فالأمة ليست من نسائه, فيكون تحريمها كتحريم المباح من ماله, فيكون فيه كفارة يمين كما سيذكر ذلك المؤلف.
(2)

قوله «أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مُبَاحًا»:

أي أو حرَّم شيئاً مباحاً, كما لو حرم على نفسه طعاماً أو شراباً أو ركوب سيارة, أو لبس ثوب أو نحو ذلك مما أباحه الله له فعليه كفارة يمين لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (1) (3)

قوله «أَوْ ظَاهَرَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ حَرَّمَتْهُ، لَمْ يَحْرُمْ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ»:

أي وإن ظاهرت المرأة من زوجها فقالت: «أنت علىَّ كظهر أبي»، أو قالت: «أنت حرام علىَّ»، فإنها لم تكن مظاهرة، ولم تحرَّم عليه بهذا الكلام، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وليس عليها كفارة ظهار، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 2، وجه الدلالة من الآية أن الخطاب فيها موجه إلى الرجال وليس للنساء لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾، ولم يقل: واللائي تظاهرون=1

وَالحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي الكَفَّارَةِ سَوَاءٌ (1)،  =منكم من أزواجهن، ثم إن التحليل والتحريم في النكاح بيد الرجل وليس بيد المرأة منه شيء، فهو حق للرجل، فلم تملك المرأة إزالته كسائر حقوقه، لكن يلزمها كفارة يمين فقط، لأنها حرمت ما أحل الله لها فهي داخلة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (1).

(1)

قوله «وَالحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي الكَفَّارَةِ سَوَاءٌ»:

أي إن العبد إذا ظاهر صح ظهاره على الصحيح من أقوال أهل العلم لدخوله في عموم الآيات, ولأنه يصح طلاقه, فإذا صح طلاقه صح ظهاره كالحر, غير أنه إذا ظاهر لا يلزمه إلا الصيام لأن العتق والإطعام لا يستطيعهما لكونه مملوكاً وماله الذي يمكنه من الإعتاق وكذا ماله الذي يمكنه من الإطعام ملك لسيده فلا يملك إلا الصيام فهو كالحر المعسر وأسوء حالاً منه (2).

- فائدة: في شروط الكفارة في الظهار:

يشترط في كفارة الظهار ما يلي: أـ يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة كما سبق وأن تكون سليمة من العيوب.
ب - ويشترط لصحة التكفير بالصوم أن لا يقدر على العتق، وأن يصوم شهرين متتابعين, وأن ينوى الصيام من الليل.
ج - يشترط لصحة التكفير بالإطعام القدرة على الإطعام, وأن يكون عدد المساكين ستين مسكيناً, وأن يدفع لكل مسكين ربع صاع مما يكون =12

..................................  =طعاماً، وقد سبق الإشارة إلى هذا كله.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: في الظهار المؤقت:

إذا قال لزوجته: «أنت عليَّ كظهر أُمي إلى الليل», أو «يوماً أو يومين»، فهو محل خلاف, والصواب أنه يأثم فيه ولكن إن لم يقربها في هذه المدة فلا كفارة عليه.

- الفائدة الثانية: إذا قال لزوجته أنت عليَّ كيد أمي

, أو كأصبع أمي فهو ظهار, وإذا قال كشعر أمي أو كسن أمي أي مما ينفصل فليس بظهار.

  • الفائدة الثالثة: يشترط في الزوج المظاهر أن يكون مسلماً عاقلاً قد انعقد زواجه من المرأة انعقاداً صحيحاً، وهل يقع من الصبي المميز؟ محل خلاف بين أهل العلم.

بابُ اللِّعَانِ

(1)  (1)

قوله «بابُ اللِّعَانِ»:

اللعن في اللغة: المباهلة, وهو مصدر لاعن يلاعن مأخوذ من اللعن وهو الطرد والإبعاد, والملاعنة بين الزوجين أن يقذف الرجل امرأته بالزنا, أو برجل أنه زنى بها, وسمي بذلك لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الأخيرة (1) وفي الاصطلاح: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن أو الغضب قائمة مقام حدا القذف في جانب الزوج ومقام حد الزنى في جانب الزوجة (2).

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: الأصل في مشروعية اللعان

الكتاب والسنة: دليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ﴾ 3. أما السنة: فحديث «عُوَيْمِرًا الْعَجْلانِيَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ=12

..................................  =فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا قَالَ سَهْلٌ فَتَلاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» 1.

  • الفائدة الثانية: يشترط لصحة اللعان ما يلي: 1 - أن يقذف الزوج زوجته بالزنا في القبل أو الدبر، أو ينفي حملها أو ولدها.
    2 - قيام الزوجية بين المتلاعنين, فلو قذف أجنبية ولم تكن لديه بينة حُد حد القذف, ولا يشترط الدخول بالزوجة، فلو قذف امرأته قبل الدخول بها جاز ملاعنتها بالإجماع 2. 3 - أن تكذبه الزوجة في قذفه لها ولا تكون لديه بينة على ما أدعاه ويستمر ذلك إلى انقضاء اللعان.
    4 - أن يكون الزوجان مكلفين؛ أي بالغين عاقلين كما سيذكر ذلك المؤلف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الصبي إذا قذف امرأته أنه لا يضرب ولا يلاعن 3. 5 - الإسلام أي يشترط لصحة اللعان إسلام الزوج، وهذا شرط عند الحنفية 4، والمالكية 5.

..................................  =وعند الشافعية 1، والحنابلة 2 يصح لعان غير المسلم لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، ولأن اللعان أيمان بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- «لَوْلا الأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» 3، والأيمان تكون من غير المسلمين كما في القسامة.
6 - أن يكون اللعان بالصيغة التي ورد بها الشرع.
7 - أن يكون بحضور السلطان أو نائبه.
8 - أن يكون في المسجد, لا يختلف الفقهاء في هذا لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لاعن بين المتلاعنين في المسجد.

  • الفائدة الثالثة: سبب اللعان: هو رمي الزوج زوجته بالزنا, سواء بشخص معين أو بغير معين كقوله: «يا زانية», فإذا حصل ذلك منه فله ثلاث حالات: الأولى: أن يقيم بينة شرعية, وهي أربعة شهود على صحة دعواه لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «الْبَيِّنَةُ، أَوْ حَدٌّ فِي =

إِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ (1)، الْبَالِغَةَ (2)،  =ظَهْرِكَ» (1)، فإذا أقام البينة أقيم على المرأة حد الزنا.
الثانية: ألا يكون بينة, ولكن تقر المرأة بذلك, فيقام عليها حد الزنا.
الثالثة: أن لا يكون بينة ولا إقرار, فيقام عليه حد القذف لعموم آية القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (2)، ولحديث ابن عباس المتقدم لكن جعل الله للأزواج مخرجاً فأنزل آيات اللعان, فإذا قذف زوجته وتعسر إقامة البينة فله أن يلاعن.

(1)

قوله «إِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ»:

المراد بالرجل هنا المكلف، وهو البالغ العاقل, فإذا كان غير مكلف فإنه لا يصح منه القذف.
وقوله «لامرأته» هذا قيد فإن كانت أجنبية عنه فلا يصح أن يكون لعاناً بل هو قذف إن أتى ببينة وإلا حد.
ويشترط لإقامة حد القذف عليه أن تكون المرأة محصنة فإن لم تكن محصنة عزر ولا لعان.

(2)

قوله «الْبَالِغَةَ»:

هذه هي الشروط المعتبرة في المرأة التي إذا تحققت في المرأة أجرى عليه حد القذف، وإذا لم يوجد منها شرط أو وصف لم يجب حد القذف: أولها: أن تكون بالغة, واشتراط البلوغ في المرأة إذا قذفها زوجها هو =12

العَاقِلَةَ (1)، الحُرَّةُ (2)،  = رواية في مذهب أحمد (1), وهو قول الشافعي (2)، وأصحاب الرأي (3), وذلك لأنه أحد شرطي التكليف, فأشبه العقل.
القول الثاني: وهو المذهب عند الحنابلة (4) أنه لا يشترط البلوغ في المرأة, وهذا هو اختيار أكثر الحنابلة, لأن غير البالغة حرة عاقلة عفيفة فأشبهت الكبيرة، وعلى هذا إذا قذف صغيرة فوق تسع سنين يعنى بلغت تسع سنين فأكثر ولم تبلغ, فإنهم يقولون يرجأ الأمر إلى أن تبلغ ثم تطالب بحقها, فإما أن تقر أو تنكر أو يقيم عليها البينة, أو يلاعن, ولعانها في هذه الحال لا يصح لعدم التكليف, ولا يمكن إهدار حقها من اللعان, فيوقف الأمر حتى تبلغ، وهذا هو الأظهر عندي.

(1)

قوله «العَاقِلَةَ»:

هذا هو الشرط الثاني في المرأة المحصنة فلابد أن تكون عاقلة وهذا باتفاق الفقهاء, لأن الحد إنما شرع للزجر عن أذية المقذوف, ومن فقد العقل لم يتأذ, فلا يحد قاذفه.
(2)

قوله «الحُرَّةُ»:

هذا هو الشرط الثالث في المرأة المحصنة، فلا بد أن تكون حرة.
نقل القرطبي 5 الإجماع على هذا الشرط، فإن كانت أمة كما سيأتي=1234

الْمُسْلِمَةُ (1) العَفِيْفَةُ (2)، بالزنا (3)، لَزِمَهُ الحَدُّ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ (4)،  = عزر إن لم يلاعن ولم يحد حد القذف وذلك لأن مرتبة العبد دون مرتبة الحر, ولأن الرق مناف للشهادة, واللعان شهادة مؤكدة باليمين.

(1)

قوله «الْمُسْلِمَةُ»:

هذا هو الشرط الرابع أي يشترط في المقذوفة إسلامها، فإن كانت غير مسلمة فلا يقام حد القذف على القاذف, ولا يجب عليه اللعان, لأن اللعان قائم مقام الحد.
وقد سبق الإشارة إلى هذا الشرط في شروط اللعان, مع ذكر الخلاف في ذلك.

(2)

قوله «العَفِيْفَةُ»:

هذا هو الشرط الخامس في المقذوفة لكي يقام على القاذف حد القذف أو وجوب الملاعنة بين الزوجين, وهذا شرط عند جميع الفقهاء لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (1)، والمحصنات في الآية هن العفيفات أي البريئة من تهمة الزنا.
(3)

قوله «بِالزِّنا»:

أي إذا قذف زوجته بالزنا, كأن يقول زنيتِ, أو يا زانية, أو زنى بك فلان، ونحو ذلك، فهذا هو القذف الذي يحصل به حد القذف, وحصول اللعان بين الزوجين.
(4)

قوله «لَزِمَهُ الحَدُّ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ»:

أي إذا قذف الرجل زوجته بالزنا ولم يكن له شهود لزمه حد القذف، وهو ثمانون جلدة لدخوله في عموم آية القذف ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم- =1

وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً أَوْ أَمَةً، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيْرُ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ (1)،  =لهلال ابن أمية «البينة أو حد في ظهرك»، ولزوم الحد عليه إن لم يلاعن, فإن لاعن فلا حد عليه كما سبق.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً أَوْ أَمَةً، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيْرُ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ»:

الصواب أن يقال «وإن كانت كتابية» لأنه لا يشترط في نكاح الكتابية أن تكون ذمية لأن الذمة تعقد لغير أهل الكتاب كالمجوس ومع ذلك لا يحل نكاح المجوسية.
ومراد المؤلف هنا أنه إن كانت زوجته كتابية أو أمة وقذفها بالزنا فقال: «يازانية», أو «أنت زانية», أو قال: «لقد زنى بك فلان»، فهنا لا يقام عليه حد القذف, بل يعزر إن لم يلاعن.
وقد سبق الإشارة إلى الخلاف فيما إذا كانت الزوجة غير مسلمة, وكذلك إذا كانت الزوجة أمة والتعزير على المشهور من المذهب 1 أنه لا يتجاوز عشر جلدات.
والصحيح: أن التعزير يكون بما يحصل به التأديب, سواء كان عشر جلدات، أو خمس عشرة، أو عشرين جلدة، أو أكثر لكن لا يصل الثمانين, لئلا نلحق ما دون الذي يوجب الحد بما يوجب الحد, ووجه التعزير عليه هنا لأنه أدخل عليهن الأذى والمساءاة بالقذف, ولا يحد لهن حداً كاملاً, لنقصانهن بذلك.

وَلا يُعَرَّضُ لَهُ حَتَّى تُطَالِبُهُ (1)، وَاللِّعَانُ أَنْ يَقُوْلَ بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ (2)، أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّيْ لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ، فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِيْ هَذِهِ مِنَ الزِّنَى، وَيُشِيْرُ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا، ثُمَّ يُوْقَفُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللهَ فَإِنَّهَا المُوْجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ فَلْيَقُلْ: وَإِنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِيْ هَذِهِ مِنَ الزِّنَى (3)،  (1)

قوله «وَلا يُعَرَّضُ لَهُ حَتَّى تُطَالِبُهُ»:

أي لا يُعرَّض الزوج إلى حد القذف ولا طلب اللعان منه حتى تطالبه زوجته بذلك, لأن ذلك حق لها, فلا يقام من غير طلبها كسائر حقوقها.
(2)

قوله «وَاللِّعَانُ أَنْ يَقُوْلَ بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ»:

أي وصفة اللعان هو أن يقول بحضرة القاضي ما سيذكره المؤلف قريباً, فيشترط لحصول اللعان أن يكون بحضرة الحاكم أو نائبه ونائبه هو القاضي وقد سبق أن ذلك شرط لحصول اللعان.
(3)

قوله «أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّيْ لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ، فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِيْ هَذِهِ مِنَ الزِّنَى، وَيُشِيْرُ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا، ثُمَّ يُوْقَفُ عِنْدَ الخَامِسَة، فَيُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللهَ فَإِنَّهَا المُوْجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ فَلْيَقُلْ: وَإِنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِيْ هَذِهِ مِنَ الزِّنَى»:

بدأ المؤلف ببيان صيغة اللعان, وصفته كما ذكر الله تعالى في كتابه، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ=

..................................  = شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ} 1. فيشهد الزوج لنفسه أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا, لتكون كل شهادة بشهادة رجل.
فيقول الزوج أربع مرات: «أشهد بالله أني صادق فيما رميت به زوجتي من الزنى», أو يقول: «أشهد بالله لقد زنت زوجتي»، ويعينها باسمها, أو يشير إليها إن كانت حاضرة.
فإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها إلى أبيها، فيقول: «زوجتي فلانة بنت فلان».
فإذا كانت الخامسة فإنه يوقف ويذكر بأن هذه الخامسة هي الموجبة باللعن وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
وقد روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر رجلاً عند المتلاعنين أن يضع يده على فيه عند الخامسة وقال إنها الموجبة» 2، وقد دلت الآيات على أنه يبدأ بشهادات الزوج, فلو بُدئ بشهادات المرأة لم يصح, لأنه خلاف المشروع, ولأن لعان الزوج بينة الإثبات, ولعانها بينة الإنكار, فلم يجز تقديمها.

وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَانِيْ بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ تُوْقَفُ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَتُخَوَّفُ، كَمَا خُوِّفَ الرَّجُلُ، فَإِنْ أَبَتْ إِلاَّ أَنْ تُتِمَّ، فَلْتَقُلْ: وَإِنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْمَا رَمَانِيْ بِهِ زَوْجِيْ هَذَا مِنَ الزِّنا (1)،  (1)

قوله «وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَانِيْ بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ تُوْقَفُ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَتُخَوَّفُ، كَمَا خُوِّفَ الرَّجُلُ، فَإِنْ أَبَتْ إِلاَّ أَنْ تُتِمَّ، فَلْتَقُلْ: وَإِنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْمَا رَمَانِيْ بِهِ زَوْجِيْ هَذَا مِنَ الزِّنا»:

أي إذا انتهى الرجل من لعانه تبدأ الزوجة به, وتقول كما ذكر المؤلف, فتقول في الأولى أشهد بالله أن زوجي فلان كاذب فيما رماني به من الزنا, تقول ذلك أربع مرات لتكون كل شهادة دافعة لما قبلها من شهادات زوجها, فإذا كانت الخامسة استوقفت وذكَّرت بما ذكر به الزوج, فإن أبت قالت أن غضب الله عليها إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به من الزنا, وخُصت المرأة بالغضب وهو أعظم من اللعن لأنها أقرب إلى الكذب في هذه القضية من زوجها, فإنها تعلم علم اليقين بحقيقة الحال, بخلاف الرجل فقد تقوم عنده شبهة قوية فيلاعن من أجلها، ولأن الزوج يبعد غاية البعد أن يقذف الزوجة بما لم يكن لأن عليه في ذلك عار كما عليها, فالزوج إن كان كاذباً لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف, وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم, لما في تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به.

ثُمَّ يَقُوْلُ الحَاكِمُ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا (1)، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَنَفَاهُ انْتَفَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلاً أَوْ مَوْلُوْدًا (2)،  (1)

قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ الحَاكِمُ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا»:

أي إذا تم اللعان بينهما, فإن القاضي يفرق بينهما تفريقاً مؤبداً لأن اللعان يوقع بين الزوجين من التقاطع والتباغض ما يوجب ألا يجتمعا بعدها.
وقوله «ثُمَّ يَقُوْلُ الحَاكِمُ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا» ظاهره أن الفرقة لا تقع بلعانهما, بل لا بد من تفريق القاضي, وهذا هو أحد الأقوال في المسألة، والقول الآخر أن الفرقة تقع بلعانهما دون النظر إلى تفريق القاضي، وهذا هو الأظهر عندي, وثمرة الخلاف أنه على القول بأنه لا بد من تفريق الحاكم تظل الزوجية قائمة ويجري بينهما التوارث بسبب الزوجية إذا مات أحدهما, وعلى القول بأن التفريق يكون بحصول اللعان دون النظر إلى حكم القاضي لا يكون شيء من ذلك.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَنَفَاهُ انْتَفَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلاً أَوْ مَوْلُوْدًا»:

أي فإن كان بين المتلاعنين ولد فنفاه الزوج أي نفى أن يكون ابنه فإنه ينتفي عنه سواء كان هذا الولد مولوداً أو ما زال حملاً ويلحق الولد بالأم, وهذا هو الأمر الثاني من الأمور المترتبة على اللعان وهو نفى الولد, فالأول كما سبق حصول الفرقة بينهما تفريقاً مؤبداً, والثاني نفى الولد عن الزوج, والثالث هو درء الحد عنهما جميعاً.
فالحاصل أنه إذا نفى الولد أثناء اللعان بأن ذكره صريحاً, انتفى كقوله أشهد بالله لقد زنت, وما هذا ولدى وتقول هي: أشهد بالله لقد كذب وهذا=

مَا لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِهِ، أَوْ وَجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلى الإِقْرَارِ بِهِ (1)،  = الولد ولده, فإذا تم اللعان بنفي الولد عنه ألحقه القاضي بأمه, وإذا ألحق بأمه فلا توارث بين النافي والمنفي, بمعنى عدم اعتبار قرابة الأبوة في الإرث, وكذا النفقة، ولو كان الولد المنفى باللعان بنتاً لم تحل للملاعن لأنها ربيبته في الجملة.

(1)

قوله «مَا لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِهِ، أَوْ وَجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلى الإِقْرَارِ بِهِ»:

أي فإن كان قد أقر بالولد أو وجد من الزوج ما يدل على الإقرار به ثم نفاه بعد إقراره أو بعد ما يدل على إقراره فإنه لا يصح نفيه له, مثل لو هُنئ به فسكت, فإنه لا ينتفي, لأن السكوت يدل على الرضا, وكذا لو علم بأن زوجته أتاها الطلق ثم قام فاشترى لوازم الولادة, أو دعي للولد فأمن الزوج على الدعاء فإن هذا كله إقرار بأبوته له, وذلك لأن من شرط صحة نفيه حالة علمه من غير تأخير إذا لم يكن هناك عذر, وفي رواية في المذهب (1) أن له تأخير نفيه ما دام في مجلس علمه.
قلت: والأظهر عندي أنه ينتفي عنه الولد بعد اللعان إذا لم يقر به, ولو لم ينفه.

- فائدة: إذا رجع الزوج بعد اللعان فأكذب نفسه فيما ادعاه من زناها

, أو ادعى أنه وهم, وأقر نسب ولدها الذي نفاه باللعان, فإنه يجب عليه حد القذف إن طلبت الزوجة ذلك, ويلحق الولد به, ويرثه, وهذا مجمع عليه.1

لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً لاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالأُمِّ (1)،  (1)

قوله «لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً لاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالأُمِّ»

فَصْلٌ فِيْ لُحُوْقِ النَّسَبِ وَمَنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ الَّتِيْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَلَدًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ (1)، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ لُحُوْقِ النَّسَبِ وَمَنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ الَّتِيْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَلَدًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ»:

هذا الفصل في بيان ما يثبت به لحوق النسب.
فذكر المؤلف هنا أنه إذا كان للرجل زوجة أو أمة مملوكة وقد وطئها فأتت منه بولد لمدة الإمكان منه, لحقه الولد وجرى بينهما جميع الأحكام من التوارث والخلوة والاختلاط وغير ذلك من الأحكام.

(2)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»

وَلا يَنْتَفِيْ وَلَدُ الْمَرْأَةِ إِلاَّ بِاللِّعَانِ (1)، وَلا وَلَدُ الأَمَةِ إِلاَّ بِدَعْوَى اسْتِبْرَائِهَا (2)،  =النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَأَىهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ.» وقوله -صلى الله عليه وسلم- «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»: أي: تابع للفراش, أو محكوم به للفراش, ويراد به صاحبه.
وقوله «وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»: العاهر هو الزاني، ومعنى له الحجر: أي له الخيبة, ولا حق له في الولد.
وهذا الحديث وما فيه من هذه القصة كانت قبل الإسلام أي في الجاهلية, فكانوا يضربون على الإماء ضرائب يكتمنها من فجورهن, ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه, فلما جاء الإسلام حرم هذه الأفعال ثم بين أن الولد إنما ينسب لصاحب الفراش وإن كان شبهه يشبه من ادعاه.

(1)

قوله «وَلا يَنْتَفِيْ وَلَدُ الْمَرْأَةِ إِلاَّ بِاللِّعَانِ»:

أي لا يمكن أن ينتفي ولد المرأة إلا إذا حصل هناك لعان بين الرجل والمرأة، أما بدونه فلابد أن ينسب الولد إلى أبيه شاء الرجل أم أبى.
(2)

قوله «وَلا وَلَدُ الأَمَةِ إِلاَّ بِدَعْوَى اسْتِبْرَائِهَا»:

أي إذا أراد أن ينفي عنه الولد من الأمة, فإنه لا ينتفي إلا أن يدعى استبراءها بعد وطئه, فإن ادعى ذلك فالقول قوله وينتفي ولدها عنه.
وقد سبق بيان ذلك في باب استبراء الإماء, ولا تكون هذه الأمة أم ولد له, لأن الاستبراء كاف للقطع بعدم حملها من جماع سيدها السابق.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ مِنْهُ (1)، مِثْلَ أَنْ تَلِدَ أَمَتُهُ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطْئِهَا، أَوِ امْرَأَتُهُ لأَقَلَّ مِنْ ذلِكَ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ مِنْهُ»:

هذا الولد الذي من زوجته أو أمته.
(2)

قوله «مِثْلَ أَنْ تَلِدَ أَمَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطْئِهَا، أَوِ امْرَأَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ ذلِكَ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا»

أي إن كان هذا الولد ولدته أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها, أو أتت به امرأته لأقل من ذلك أي أقل من ستة أشهر فإن هذا الولد لا ينسب إليه أي لا يلحقه, لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر, فمتى ولدته لأقل من ذلك علم يقيناً أنه من غير هذا الرجل.
وقول المؤلف «مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا» هذا أحد الأقوال في هذه المسألة، والقول الآخر أنه بمجرد العقد تكون المرأة فراشاً، فإن أتت به بعد العقد بستة أشهر ولم يحصل دخول فإنه ينسب له، وهذا لا شك قول ضعيف جداً.
والصواب في هذه المسألة: هو ما اختاره شيخ الإسلام 1، وابن القيم 2، وهو رواية في المذهب 3 أن المرأة لا تصير فراشاً إلا مع العقد والدخول المحقق, لا الإمكان المشكوك فيه.

أَوْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لا يُوْلَدُ لِمِثْلِهِ، كَمَنْ لَهُ دُوْنَ عَشْرِ سِنِيْنَ (1)، أَوِ الخَصِيِّ أَوِ الْمَجْبُوْبِ، لَمْ يَلْحَقْهُ (2)،  (1)

قوله «أَوْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لا يُوْلَدُ لِمِثْلِهِ، كَمَنْ لَهُ دُوْنَ عَشْرِ سِنِيْنَ»:

وكذلك لا يلحق الولد للزوج إذا كان الزوج ممن لا يولد له كمن كان دون عشر سنين, فإن الولد لا ينسب له لأن هذا السن لا يمكنه الوطء فيه, بل لو وطء لم يحصل منه إنزال لأنه لم يبلغ.
(2)

قوله «أَوِ الخَصِيِّ أَوِ الْمَجْبُوْبِ، لَمْ يَلْحَقْهُ»:

أي وكذلك الخصي الذي قطعت خصيتاه وبقي ذكره إذا حملت زوجته لم يلحق به حملها, لأن الخصيتين بهما يكون الولد بإذن الله تعالى, وكذلك إذا كان الزوج مجبوباً وهو من قطع ذكره إذا حملت زوجته فإن الولد لا يلحق به لأنه لا يستطيع الجماع.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: إذا أثبتت الفحوصات الطبية أن الزوج لا يمكن أن يولد لمثله لكون الحيوانات المنوية ضعيفة جداً ثم حملت زوجته فإن الولد ينسب لأن هذه الأُمور تسير تحت إرادة الله ومشيئته.
  • الفائدة الثانية: لا يجوز الاعتماد على البصمات الوراثية في نفي النسب, ولا يجوز تقديمها على اللعان, كما لا يجوز استخدامها بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعاً, بل ويجب على الجهات المختصة منع ذلك وفرض العقوبات الزاجرة عنه, لأن منع ذلك حماية للأعراض وصون للأنساب.

..................................  - الفائدة الثالثة: إذا كان الزوج بعيداً عن زوجته, أو لم يدخل بها أو كان قد دخل بها وكان قريباً منها ولم يجامعها فإنه لا يلحق الولد به لاستحالة حملها منه، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.

  • الفائدة الرابعة: من ثبت عُقمه عن طريق الفحوصات الطبية والتحليلات المخبرية الحديثة, فإنه لو حملت زوجته بمولود فالأصل أنه له، فكم من عقيم أثبت الطب عقمه وإذا به يرزقه الله الولد, فهذه الأمور مقدرة من عند الله، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ 1 وثبوت نسب الولد لأبيه هو حق لهذا الولد, لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» 2, وهذا الحق الذي للولد لا يسقط إلا بأن يلاعن أبوه أمه مستنداً في ذلك إلى سبب يعلمه هو, أما دعوى أنه لا ينسب لأبيه لكون الفحوصات الطبية والتحليلات المخبرية أثبتت أنه لا يولد لمثله فهذا خطأ لأن مبناه على الظن أما اليقين الحق فإن الله سبحانه هو الذي بيده كل شيء فكم من عقيم ولد له.

فَصْلٌ فِيْ ثُبُوْتِ النَّسَبِ بِقَوْلِ القَائِفِ

وَإِذَا وَطِئَ رَجُلانِ امْرَأَةً فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ الشَّرِيْكَانِ أَمَتَهَمَا فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ (1)،  (1) قوله «وَإِذَا وَطِئَ رَجُلانِ امْرَأَةً فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ الشَّرِيْكَانِ أَمَتَهَمَا فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ»: صورة هذه المسألة أن يطأْ المرأة رجلان كل منهما يظنها زوجته فحملت من هذا الوطء, أو وطء الشريكان أمتهما في طهر واحد فحملت الأمة من هذا الوطء فهنا ينتظر حتى تلد المرأة أو تلد الأمة ثم يعرض المولود على القافة.
وقد سبق تعريف القافة، وهم الذين يعرفون النسب بالشبه, وقد كانوا موجودين في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في قصة أسامة بن زيد مع زيد بن حارثة حينما قال مجزز المدلجي «إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» فسُّر النبي -صلى الله عليه وسلم- لشهادة هذا الرجل القائف الذي لا يعرفهما ولا يعرف أمرهما وذلك لما كانت قريشاً تطعن في نسب أسامة بن زيد بن حارثة لكون أُسامة أسود وأبوه زيد أبيض.
فالحاصل: أن القافة إذا نسبوا الولد إلى أحد الرجلين فإنه ينسب له، لكن في الوقت الحاضر وجدت وسائل حديثة يمكن الاستغناء بها عن القافة بل هي أشد دقة من القافة وهي ما تسمى بالبصمات الوراثية، فيمكن من خلالها ومن خلال الحمض النووي أن ينسب الولد إلى أبيه، فهي في الحقيقة قريبة من القطع بينما قول القافة مبني على الظن أو غلبة الظن.

أَوِ ادَّعَى نَسَبَ مَجْهُوْلِ النَّسَبِ رَجُلانِ (1)، وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ (2)، أَوْ تَعَارَضَ قَوْلُ القَافَةِ (3)، أَوْ لَمْ يُوْجَدْ قَافَةٌ، تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيُلْحَقَ بِمَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ مِنْهُمَا (4)،  (1)

قوله «أَوِ ادَّعَى نَسَبَ مَجْهُوْلِ النَّسَبِ رَجُلانِ»:

أي أن يكون هناك ولد لا أب له يعرف فيأتي رجلان فيدعي كل منهما أنه له ولا بينة لواحد منهما, فإن القافة تفصل بينهما فما نسبته القافة له فهو له.
وقد سبق أن العمل بالحمض النووي والبصمات الوراثية أولى في مثل هذه الحالات بل هو المتعين.

(2)

قوله «وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ»:

أي إن أُشكل أمر الولد ولا يمكن إلحاقه بأحد الرجلين.
(3)

قوله «أَوْ تَعَارَضَ قَوْلُ القَافَةِ»:

كأن يكون في مكان لا يوجد فيه قافة ففي هذه الحالات ماذا يكون العمل؟ قال المؤلف.
(4)

قوله «أَوْ لَمْ يُوْجَدْ قَافَةٌ، تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيُلْحَقَ بِمَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ مِنْهُمَا»:

أي ترك هذا الولد حتى يبلغ ثم يخيّر بين هذين الرجلين اللذين ادعياه فيلحق بمن انتسب إليه منهما.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا تعارض قول القافة، أو أشكل أمر الولد، أو لم يوجد قافة فإنه يقرع بين الرجلين، فمن خرجت قرعته لحق به، وهذا هو الأقرب، وذلك لقضاء علي -رضي الله عنه- فقد ثبت عن زيد بن أرقم قال: «أُتِىَ عَلِىٌّ -رضي الله عنه- بِثَلاثَةٍ وَهُوَ بِالْيَمَنِ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ اثْنَيْنِ أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ قَالا لا.
حَتَّى سَأَلَهُمْ جَمِيعًا =

وَلا يُقْبَلُ قَوْلُ القَائِفِ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَدْلاً، ذَكَرًا، مُجَرَّباً فِي الإِصَابَةِ (1)،  = فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ قَالا لا.
فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَي الدِّيَةِ، قَالَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» (1).

(1)

قوله «وَلا يُقْبَلُ قَوْلُ القَائِفِ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَدْلاً، ذَكَرًا، مُجَرَّباً فِي الإِصَابَةِ»:

هذه هي الشروط المعتبرة في القائف: فلابد أن يكون عدلاً لأن مثل هذه الأمور الحاجة للعدالة فيها أوجب من غيرها، فإنه يمكن أن يقوم القائف بإلحاقه لغير أبيه لهوىً في نفسه أو لخصومة بينهما ونحو ذلك فكانت العدالة مطلوبة.
وكذلك لا بد أن يكون ذكراً فلا يصلح أن يكون أُنثى.
مجرباً بالإصابة أي عنده شيء من الخبرة والمهارة فليس أي إنسان يقبل قوله في مثل هذه الأمور لأنها يترتب عليها أحكام شرعية.1

بابُ الحَضَانَةِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الحَضَانَةِ»:

الحضانة في اللغة: الضم إلى الحضن، وهي مأخوذة من الحضن وهو الجنب، أو ما بين العضدين من منطقة الصدر وما حولها.
سميت بذلك لأن الحاضنة تضم الطفل إلى حضنها.
أما في الشرع: فهي حفظ صغير ونحوه عما يضره, وتربيته بعمل مصالحه، وسبب الحضانة هو وجود فراق بين الزوجين.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: في حكم مشروعيتها

: الحضانة واجبة للطفل لأنه يهلك بتركها فوجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك، ونقل بعض العلماء الإجماع على وجوبها للصغير حتى يقوم بنفسه، ووجوبها على الكفاية إن قام بها قائم سقط الإثم عن الباقين.

الفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الحضانة

: لما كان الصغير والمجنون والمعتوه ومن في حكمهم لا يستطيعون رعاية أنفسهم ولا تربيتها لقصورهم اقتضت الحكمة مشروعية ولاية الحضانة لصيانة هؤلاء المحتاجين ورعاية شؤونهم وتربيتهم لا سيما في حالة فراق الزوجين وذلك رحمة بهم حتى لا يهلكوا أو يضيعوا فيصبحوا وبالاً على الأمة.

الفائدة الثالثة: المقصود بالحضانة ثلاثة أمور هي

: 1 - القيام بمئونة المحضون من طعامه، وشرابه، ولباسه، ومضجعه، وتنظيف جسمه.

..................................  2 - حفظه عما يؤذيه برعاية حركاته وسكناته في منامه ويقظته.
3 - تربيته بما يصلحه، سواء كان ذلك في دينه أو دنياه.

الفائدة الرابعة: في شروط الحضانة

: يشترط لحق المطالبة بالحضانة ما يلي: 1 - الإسلام: فلا بد أن يكون المطالب بحق الحضانة مسلماً، لأن الحضانة ولاية، ولا ولاية لكافر على مسلم، وخوفاً من فتنة المحضون في دينه بتعليمه الكفر وتربيته عليه وفي ذلك ضرر عليه.
2 - التكليف: يشترط في الحاضن أن يكون مكلفاً يعني بالغاً عاقلاً، فإن لم يكن كذلك فلا يستحق المطالبة بالحضانة.
3 - الأمانة في الدين: فلا حضانة لفاسق ولو كان أباً للمحضون كمدمن خمر، وسارق، ومستهتر بالزنا ونحو ذلك، لأن المحضون يتأثر بذلك.
4 - القدرة على القيام بالحضانة وذلك بالقيام بشؤون الطفل وما يتطلبه من تربية وغير ذلك من الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها في المقصود من الحضانة، فمن لم يكن قادراً على القيام بذلك لم يكن من أهل الحضانة.
5 - الرشد: وهو القدرة على حفظ مال المحضون وصيانته، فلا حضانة لسفيه مبذر لئلا يتلف مال المحضون.
6 - الحرية: فلا بد أن يكون الحاضن حراً، لأن الحضانة ولاية والرقيق ليس من أهل الولايات، لأن منافعه لسيده.

أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ أُمُّهُ (1)،  7 - انتفاء الأمراض المعدية: فيشترط خلو الحاضن من الأمراض المعدية خوفاً من انتقالها إلى المحضون وذلك كمرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز»، والبرص، والجذام، ونحو ذلك.
8 - عدم زواج الحاضنة: فإن كانت الأم التي تطالب بالحضانة متزوجة فإنها لا تستحق حضانة ابنها، وهذا مما لا يختلف فيه.
9 - يشترط في حق الرجل أن يكون لديه من هو صالح للحضانة كالزوجة أو سرية أو أمة لخدمة أو مستأجرة ونحو ذلك، لأن الرجل لا صبر له على تربية الأولاد كالنساء، فإن لم يكن عنده من يقوم بذلك انتقل الحق إلى غيره.
10 - يشترط في حال كون المحضون أنثى تشتهي والحاضن ذكراً أن يكون محرماً لها زمن الحضانة، فإن لم يكن كذلك فلا حق له في حضانة البنت لما يترتب على ذلك من المحظورات.

(1)

قوله «أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ أُمُّهُ»:

أي أحق الناس في المطالبة بالحضانة هي الأم ما لم تتزوج إذا توفرت فيها شروط الأهلية الأخرى التي سبق بيانها، وهذا مما لا يختلف فيه الفقهاء.
قال ابن المنذر «وأجمعوا أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح» 1، وكونها أولى به من غيرها لأنها أشفق وأرأف وأصبر وأقدر كمحافظتها على نفسها.

ثُمَّ أُمُّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ (1)، ثُمَّ الأَبُ (2)، ثُمَّ أُمُّهَاتُه (3)، ثُمَّ الجَدُّ (4)، ثُمَّ أُمُّهَاتُه (5)،  (1)

قوله «ثُمَّ أُمُّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ»:

أي فإن عدمت الأم أو سقطت حضانتها بنكاحها فإن الحضانة تنتقل إلى أم الأم، وهي جدة المحضونة من أمه لأنها في معنى الأم من حيث كمال الشفقة على المحضون.
وقوله «وَإِنْ عَلَوْنَ» أي إن عدمت أم الأم انتقلت إلى أم أم الأم أي جدة الأم.

(2)

قوله «ثُمَّ الأَبُ»:

أي عند عدم الأم أو أمهاتها إن علون تنتقل الحضانة إلى الأب لأنه أصل النسب وأقرب من غيره وأحق بولاية المال، وليس لغيره كمال شفقته، فرجح بها.
(3)

قوله «ثُمَّ أُمُّهَاتُه»:

أي أم الأب، لأنهن يدلين بعصبة قريبة، وقدِّمه على الجد، لأن الأنوثة مع التساوي توجب الرجحان.
(4)

قوله «ثُمَّ الجَدُّ»:

لأنه أب وبمنزلة الأب.
(5) قوله «ثُمَّ أُمُّهَاتُه»: لأنهن يدلين بمن هو أحق, وقدِّمن على الأخوات مع أدلائِهن بالأب لما فيهن من وصف الولادة, وكون الطفل بعضاً منهن.
قلت: ويرى شيخ الإسلام في الحضانة ترجيح جهة الأبوة على جهة الأمومة, وإنما رجحت الأم على الأب لأنها أنثى ولأنها أشفق على الطفل وأصبر عليه, وبناء على هذا فتترجح الجدة أم الأب على أم الأم, وترجح الأخت لأب عن الأخت لأم, لأن جهة الأبوة ترتبط برابطتي العصوبة والرحم بخلاف جهة الأمومة فإنها إنما ترتبط مع المحضونة برابطة الرحم.

جارٍ التحميل