وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مِنِ امْرَأَتِهِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّناً، كَإِصْبَعِهَا أَوْ يَدِهَا، طَلُقَتْ كُلُّهَا (1)،
=المذهب (1)، وهي قول الأحناف (2)، والشافعية (3) بل يتخير أيتهما شاء, قالوا: لأنه له ابتداء إيقاع الطلاق وتعيينه, وهنا قد أوقعه ولم يعينه فبقى له حق التعيين استيفاء لملكه.
والأرجح: هو القول الأول لأنه حق لإحداهما من غير تعيين فوجب بالقرعة كالسفر ببعض النساء, أما ما ذكروه فهو ضعيف, وذلك لأنه يملك الطلاق قبل إيقاعه وأما بعد إيقاعه فإنه ليس له فيه أي ملك, وكان له حق التعيين مع الإيقاع، أما وقد أوقعه ولم يعين فقد خرج عنه حق التعيين.
(1)
قوله «وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مِنِ امْرَأَتِهِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّناً، كَإِصْبَعِهَا أَوْ يَدِهَا، طَلُقَتْ كُلُّهَا»:
أي إن طلق عضواً، كأن يطلق يداً، أو رجلاً، أو كبداً من زوجته وقع الطلاق, لأنه لا يتبعض لا في ذاته, ولا في محله, فإذا قال «يدك طالق»، أو «رجلك طالق»، أو «أصبعك طالق»، فإنها تطلق كلها، أي فيسري الطلاق إلى جميعها مثل العتق كما سبق، فإنه إن أعتق جزءًا منه سرى العتق إلى جميعه، أو طلق منها جزءًا مشاعاً كالنصف والربع، فيقول «نصفك طالق»، فهذا جزء مشاع، فإنها تطلق كلها لأن الطلاق لا يتبعض.
=123
إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالشَّعْرَ وَالرِّيْقَ وَالدَّمْعَ وَنَحْوَهُ لا تَطْلُقُ بِهِ (1)، = فإن وجد في جزء من البدن سرى إلى كله، أو طلق جزء معيناً كأن يقول: «النصف الفوقاني فيك طالق»، فهذه كلها يحصل بها طلاقها كلها.
(1)
قوله -رحمه الله- «إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالشَّعْرَ وَالرِّيْقَ وَالدَّمْعَ وَنَحْوَهُ لا تَطْلُقُ بِهِ»:
أي إذا قال للمرأة «شعرك طالق»، أو «سنك طالق»، أو «ظفرك طالق»، أو قال: «ريقك طالق»، أو قال: «دمعك»، فإنها لا تطلق بهذه الأشياء التي تنفصل عن الإنسان مع سلامته من غير عطب، فإن الشخص قد يحلق شعره ويقلم أظفاره ويقلع سنه ولا يتضرر شيء من بدنه، وهذا أحد القولين في المسألة، وهو المذهب 1.
والقول الثاني: وهو قول المالكية 2، والشافعية 3 أن الطلاق يقع، لأن المذكور وهو الظفر، والشعر، والسن ونحوها مما استباحه الناس بالنكاح فيقع الطلاق بتطليقه.
والقول الأول هو الراجح لأن الأصل بقاء عصمة النكاح، وأيضاً لما ذكروه من الاستدلال فإن هذه الأشياء تنفصل مع السلامة بخلاف الأصبع واليد ونحو ذلك مما لا ينفصل إلا مع العطب فإنها تجرح البدن ويتأذى البدن بذلك.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيْقَةٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً (1)، (1)
قوله «وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيْقَةٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً»:
وذلك لأن الطلاق لا يتبعض، فإذا طلقها نصف طلقة أو ربع طلقة، فإنها تقع عليه طلقة واحدة.
بابُ الرَّجْعَةِ
(1) (1)
قوله -رحمه الله- «بابُ الرَّجْعَةِ»:
الرجعة في اللغة: اسم المرة من الرجوع بمعنى العود، وتفتح راؤها وتكسر والفتح أفصح.
والرجعة في الاصطلاح: إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد، أي أنه يراجعها ما دامت في العدة.
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: دليل مشروعية الرجعة
: الرجعة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 2، فإن المقصود بذلك الرجعة.
أما السنة: فحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» 3.
أما الإجماع: فقد أجمع الفقهاء على أن الحر إذا طلق الحرة دون الثلاث أو العبد إذا طلق دون الاثنتين وكان بغير عوض ولا أمر يقتضي بينونتها=
.................................. =أن له الرجعة في العدة نقل ذلك غير واحد من الفقهاء منهم ابن المنذر (1)، وابن حزم (2)، والموفق (3).
الفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الرجعة
: إن ارتجاع الزوج لزوجته باب من أبواب الإصلاح، لذلك نجد الشريعة الإسلامية قد نظمت أحكامها, ثم إن الحاجة تمسُّ إلى الرجعة لأن الإنسان قد يطلق امرأته ثم يندم على ذلك على ما أشار إليه الرب سبحانه وتعالى بقوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (4) فيحتاج إلى التدارك, فلو لم تثبت الرجعة لا يمكنه التدارك, لما عسى أن لا توافقه المرأة في تجديد النكاح ولا يمكنه الصبر عنها فيقع في الزنا.
الفائدة الثالثة: في شروط الرجعة
: سيأتي في كلام المؤلف -رحمه الله- شروط صحة الرجعة لكن نجملها هنا:
1 - أن تكون المرأة مدخولاً بها أو مخلواً بها.
2 - أن تكون بعد طلاق رجعي.
3 - أن يكون الطلاق بلا عوض.
4 - أن يكون النكاح صحيحاً.1234
وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، بَعْدَ الدُّخُوْلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ (1)،
5 - أن تكون الرجعة في العدة.
6 - أن يكون دون ما يملك من العدة.
7 - أن تكون الرجعة منجزة, أي لا يصح تعليقها على شرط كإذا جاء رأس الشهر فقد أرجعتك أو إن قدم أبوك فقد راجعتك ونحو ذلك لأنه استباحة فرج مقصود فأشبه النكاح.
قلت: وهذا الشرط في الرجعة فيه نظر، والذي يظهر لي أنه إذا كان التعليق لغرض مقصود فإنه يصح, لأن الأصل الحل.
(1)
قوله «وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، بَعْدَ الدُّخُوْلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ»:
شرع المؤلف في بيان ما يشترط في الرجعة فمن ذلك قوله «إذا طلق الرجل» فلا تكون الرجعة إلا بعد طلاق، فإن ذهبت إلى بيت أهلها لخصومة حصلت بينهما دون حصول طلاق ثم صالحها فلا تسمى رجعة, وهذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني: «بعد دخول» فإن لم تكن كذلك فلا يملك الزوج الرجعة لعدم وجوب العدة في حقها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ 1.
وقوله «لغير عوض»: هذا هو الشرط الثالث، والمراد به ما تدفعه المرأة فداءً عن البقاء مع زوجها, فإن كان الطلاق على عوض فلا رجعة,=
وَالرَّجْعَةُ: أَنْ يَقُوْلَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ رَاجَعْتُ زَوْجَتِيْ أَوْ رَدَدْتُهَا أَوْ أَمْسَكْتُهَا (1)،
= لأن العوض في الطلاق إنما جعل لتفتدي المرأة نفسها به من الزوج ولا يحصل ذلك مع ثبوت الرجعة والطلاق على عوض بينونة صغرى كما تقدم في الخلع.
وقوله «أقل من ثلاث أو العبد أقل من اثنتين»: هذا هو الشرط الرابع، أي لم يستكمل الزوج نصابه في عدد الطلقات وهي ثلاث طلقات للحر وطلقتان للعبد، وقد سبق بيان الخلاف فيما يملكه العبد من عدد الطلقات, فلا بد أن يكون الطلاق رجعياً فإن لم يكن طلاقاً رجعياً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره كما سبق.
وقوله «ما دامت في العدة» لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ (1)، أي للأزواج الحق بردهن في زمن التربص وهو العدة كما تقدم، وسيأتي بعد هذا الباب «باب العدة»، فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يكن قد أرجعها لم تحل له إلا بنكاح جديد.
(1)
قوله «وَالرَّجْعَةُ: أَنْ يَقُوْلَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ رَاجَعْتُ زَوْجَتِيْ أَوْ رَدَدْتُهَا أَوْ أَمْسَكْتُهَا»:
شرع المؤلف في بيان كيفية الرجعة, فذكر أول ما يكون بها وهو القول, فيقول بلسانه أني قد راجعت، أو أمسكت، أو رددت زوجتي، وسيأتي أيضاً أن الرجعة=1
..................................
=تكون كذلك بالفعل كأن يطأها.
وأيضاً تكون الرجعة بالإشهاد عليها: وقد اختلف الفقهاء في الإشهاد على الرجعة, فذهب الحنفية 1، والمالكية 2، والجديد في مذهب الشافعي 3، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد 4 إلى أن الإشهاد على الرجعة مستحب، فلو راجع زوجته ولم يشهد عليها صحت الرجعة, لأن الإشهاد مستحب، واحتج هؤلاء بما يلي:
1 - لأن الرجعة مثل النكاح من حيث كونها امتداداً له, ومن المتفق عليه أن استدامة النكاح لا تلزمها شهادة, فكذا الرجعة لا تجب فيها شهادة.
2 - الرجعة حق من حقوق الزوج، وهي لا تحتاج لقبول المرأة لذلك لا تشترط لها الشهادة لصحتها, لأن الزوج استعمل خالص حقه, والحق إذا لم يحتج إلى قبول أو ولي فلا تكون الشهادة شرطاً في صحته.
3 - أما أدلة من قال بوجوبها فهي محمولة على الاستحباب فقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 5، هذا أمر، والأمر في هذه الآية على الندب لا على الوجوب مثل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ 6، =
..................................
=واتفق جمهور الفقهاء على صحة البيع بلا إشهاد، فكذا استحب الإشهاد على الرجعة للأمن من الجحود، وقطع النزاع، وسد باب الخلاف بين الزوجين.
القول الثاني: هو ما ذهب إليه الشافعي 1 في القديم، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 2 بأن الإشهاد على الرجعة واجب لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 3، وأيضاً احتجوا بالأثر المروى عن عمران بن حصين «فَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ يَقَعُ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلاقِهَا، وَلا عَلَى رَجْعَتِهَا، فَقَالَ: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا، وَلا تَعُدْ» 4، وأيضاً قالوا لأن الرجعة استباحة بضع محرم فيلزمه الإشهاد.
قلت: والذي يظهر هو وجوب الإشهاد على الرجعة، لكن ليس بشرط في صحتها بل تصح الرجعة ولو لم يشهد وذلك بدلالة الآية في قوله=
..................................
=تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 1، ولحديث عمران بن حصين المتقدم, ولأن عدم الإشهاد على الرجعة ذريعة إلى كتمان الطلاق، فقد يطلق الرجل امرأته المرة الأُولى، ثم يطلقها الثانية ولا يشهد، ثم يطلقها الثالثة ولا يشهد، فيكتم الطلقتين الأُوليين فيسول له الشيطان إبقاءها عنده بخلاف ما إذا أشهد على الطلاق فإن الأمر يكون بيناً.
وأيضاً الإشهاد على الرجعة فيه صيانة وحفظ للحقوق, فلو أن الزوج توفى فجأة, كأن جاءته سكتة, أو جاءه حادث بعد أن أشهد على الرجعة فإنها زوجة, ويجب عليها الإحداد وحكمها حكم الزوجات، قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-: «وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه - يعنى الإشهاد - وفيه قوة» 2.
قال شيخنا -رحمه الله- 3 (4): «ويحتمل أن يقال في هذا تفصيل, إن راجعها بحضرتها فلا حاجة إلى إشهاد, وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد, لأنه إذا راجعها في غيبتها ولم يشهد, ربما تنكر وتقول: أبداً ما راجعتني إذا أعلمها وأخبرها بالمراجعة بعد انتهاء العدة وحينئذ يقع الإشكال,=
مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ (1)، وَلا صَدَاقٍ يَزِيْدُه (2)، وَلا رِضَاهَا (3)، =لأنه ليست المشكلة أنها تحرمه من المراجعة وإنما المشكلة أنها تحل لغيره, وهي مازالت في عصمته, فالصواب هذا التفصيل.
(1)
قوله «مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ»:
أي وتجوز الرجعة بلا ولي هذا بإجماع أهل العلم فلا يشترط إذن الولي لإرجاعها لأنها زوجته.
(2)
قوله «وَلا صَدَاقٍ يَزِيْدُه»:
ولا يشترط في إرجاعها زيادة عن الصداق الذي سمى منهما عند عقد النكاح.
(3)
قوله «وَلا رِضَاهَا»:
أي ولا يعتبر رضا المرأة في الرجعة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ 1، فجعل الحق لبعولتهن وهم الأزواج, ولأن الرجعة إمساك للمرأة بحكم الزوجية, فلم يعتبر رضاها في ذلك.
لكن يشترط أن يكون ارتجاع الزوجة للإصلاح وليس للإضرار, والسبب في ذلك أنه كان بعض الناس قبل شرعية هذا الحكم يطلِّق المرأة ثم يراجعها ثم يطلق المرأة ويتركها تعتد وقبل أن تخرج من عدتها يردها ثم يطلقها من جديد, ثم يتركها تعتد حتى إذا قربت من الخروج من عدتها ردها، وهكذا تبقى كالمعلقة لا زوجة ولا مطلقة كما قال تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ 2.
وَإِنْ وَطِئَهَا، كَانَ رَجْعَةً (1)، (1)
قوله «وَإِنْ وَطِئَهَا، كَانَ رَجْعَةً»:
ذكرنا فيما سبق أن الرجعة تحصل بالقول، وهذا بالاتفاق، لكن هل تحصل بالفعل وهو الوطء؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن الرجعة لا تحصل إلا بالقول, ولا تحصل بالفعل مطلقاً وهو قول الشافعي 1، ورواية عن الإمام أحمد 2, وهي ظاهر كلام الخرقي 3, لأن إعادة الزوجية بعد الطلاق إنشاء للزواج من وجه, فلابد فيها من القول, ولأن غير القول فعل من قادر على القول, فلم تحصل به الرجعة, كالإشارة من الناطق.
القول الثاني: أن الرجعة تحصل بالوطء، وهو رواية عن الإمام أحمد 4, وقول مالك 5، وأبي حنيفة 6, ولكنهم اختلفوا في اشتراط النية في الرجعة:
فقيل: لا تحصل الرجعة بالفعل إلا مع النية, وهو أن يجامعها بنية المراجعة، وهذه رواية عن الإمام أحمد 7، ومذهب مالك 8, لأن=
وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ (1)، =الفعل عند مالك ينزل منزلة القول مع النية، ولعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (1)، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (2) أن الرجعة تحصل بالوطء سواء نوى به الرجعة أو لا، اختارها ابن حامد والقاضي، وهي قول جماعة من السلف، وأصحاب الرأي (3). والصحيح عندي: أن الرجعة لا تحصل إلا بالوطء المقرون بالنية، فلا يكفي الوطء المجرد، بل لابد فيه من نية؛ قال شيخ الإسلام (4): «وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد».
(1)
قوله «وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ»:
أي في حكم الزوجات، والدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ 5، فسماه الله تعالى بعلاً مع أنه طلاق, إذاً فهي زوجة عليها ولها حكم الزوجات، فتجب لها النفقة ويلزمها طاعته, ويجوز أن تكشف له, فكل ما يجوز للزوجة مع الزوج يجوز لها مع زوجها إلا في مسائل قليلة منها: 1 - ليس لها حق القسم: فلا تطالب الزوج بليلة ويوم كزوجته الأخرى, لأنها انفصلت منه.1234
يَلْحَقُهَا الطَّلاقُ وَالظِّهَارُ (1)، وَلَهَا التَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا وَالتَّشَرُّفُ لَهُ (2)، 2 - يلزمها لزوم المسكن كالمتوفى عنها: فلا تخرج إلا في ضرورة كالليل, ولحاجة في النهار, وهذا على المذهب (1). والصواب: أنه لا يلزمها ذلك، بل لها أن تخرج كغيرها من سائر الزوجات، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).
(1)
قوله «يَلْحَقُهَا الطَّلاقُ وَالظِّهَارُ»:
أي له أن يطلقها ما دامت في عدتها, وكذلك له أن يظاهر منها ما دامت في عدتها، وكذا الإيلاء وذلك لأنها كما سبق في حكم الزوجات.
لكن إن طلقها في عدتها هل تستأنف العدة أم تبني على ما مضى؟
قولان لأهل العلم:
قيل: تحسب ما مضى وتضيف ما بقى, لأنهما طلاقان لم يتخللهما إصابة ولا خلوة، فلم يجب بهما أكثر من عدة, كما لو والى بينهما.
وقيل: يستأنف العدة لأنها طلقة واقعة في حق مدخول بها فاقتضت عدة كاملة كالأُولى, والقول الأول هو الأظهر (3).
(2)
قوله «وَلَهَا التَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا وَالتَّشَرُّفُ لَهُ»:
أي ولها أن تلبس أجمل الثياب، وتريه نفسها، وتتجمل له بكل ما يرغبه في ارتجاعها لأنها في حكم الزوجات.123
وَلَهُ وَطْؤُهَا وَالخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِهَا (1)، وَإِذَا ارْتَجَعَهَا، عَادَتْ عَلى مَا بَقِيَ مِنْ طَلاقِهَا (2)، وَلَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ (3)، (1)
قوله «وَلَهُ وَطْؤُهَا وَالخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِهَا»:
لأنه كما سبق زوج وهي مازالت في حكم الزوجات.
(2)
قوله «وَإِذَا ارْتَجَعَهَا، عَادَتْ عَلى مَا بَقِيَ مِنْ طَلاقِهَا»:
أي إن الرجعية التي راجعها زوجها, وهي التي طلقها أقل من ثلاث عادت إليه بما بقى من طلاقها بلا خلاف, وكذا لو عادت إليه بنكاح جديد قبل زواج ثان, فإن طلقها ثلاثاً فقضت عدتها, ثم نكحت غيره ثم تزوجها الأول فإنها ترجع إليه كنكاح جديد, أي فتعود له بطلقات ثلاث, لأن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث, ويهدم الثلاث.
(3)
قوله «وَلَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ»:
اختلف الفقهاء فيما إذا طلقها الأول طلقة واحدة أو طلقتين ثم نكحت غيره، هل تعود إليه بما بقى من الطلقات أو لزواجها من الثاني تهدم جميع ما كان من الطلقات؟ فالمالكية 1، والشافعية 2، والحنابلة 3 أنها تعود إليه بما بقى من الثلاث لأن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث، لأن وطء الثاني لا يحتاج =
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا إِذَا ادَّعَتْ مِنْ ذلِكَ مُمْكِنًا (1)،
= إليه في الإحلال للزوج الأول فيما دون الثلاث, فلا يغير حكم الطلاق, ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث, فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني، وهذا أيضاً رأى محمد بن الحسن (1) من الحنفية.
القول الثاني: قول أبي حنيفة (2)، وأبي يوسف، وهو رواية في مذهب أحمد (3) أن الزوج الثاني يهدم مطلقاً, فتعود بطلقات ثلاث للزوج الأول, سواء أكان زواجها بزوج ثان بعد الطلقتين أو بعد الثلاث, لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل, فيثبت حلاً يتسع ثلاث تطليقات كما يتسع لما دون الثلاث فأولى أن يهدم ما دونها، وقد سمّى النبي -صلى الله عليه وسلم- الزوج الثاني مُحِّلاً، وهو المثبت للحل في حديث: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (4).
(1)
قوله «وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا إِذَا ادَّعَتْ مِنْ ذلِكَ مُمْكِنًا»:
أي إذا اختلفا في انقضاء العدة كأن تكون ممن تحيض في الشهر ثلاث حيض فقالت هذه المرأة: «أنها انقضت عدتها»، أو قالت: «إنها لم تنقض»، أو خالفها الزوج في ذلك ولا بينة على ذلك فالقول قول المرأة لقوله تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ=1234
وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالقَوْلُ قُوْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا (1)، =فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (1)، فهذه الآية تشير إلى أن القول قولها لأن الله تعالى قال: ﴿يَكْتُمْنَ﴾، فلو قالت: لا يوجد حمل والعدة انقضت فالقول قولها، لأنه لولا أن القول قولها لم يكن لكتمانه أثر، إذاً فالقول قولها مع يمينها، لكن اشترط لذلك أن تكون دعواها ممكنه أو أمراً معقولاً كأن تدعي انقضاء العدة في شهرين، أو في ثلاثة أشهر، أو في شهرين ونصف فإن هذا ممكن، وكذلك إن ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر واحد وهذا ممكن، إذا قلنا أن أقل الحيض يوم وليلة وأقل الطهر ثلاثة عشر يوماً، فالقول قولها مع يمينها.
(1)
قوله «وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالقَوْلُ قُوْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا»:
ما ذكره المؤلف هنا يحصل كثيراً، فأحياناً تنقضي عدة المرأة ثم يدعي الزوج أنه راجعها في العدة، وأحياناً يكون ذلك بمكيدة من الزوج نفسه، فيريد أن يكيد للمرأة فإذا انقضت عدتها وأرادت أن تنكح زوجاً غيره ادعى أنه قد راجعها، فهنا نقول بأن القول قولها لأن الأصل عدم الرجعة، ولأن جانب العِدد يرجح على جانب الزوج، إلا إذا كانت هناك بينة مع الزوج كأن يكون قد أشهد على الرجعة فهنا القول قوله ويحكم له بالرجعة.1
فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ (1)، (1)
قوله «فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ»:
أي إن ادعى الزوج الرجعة بعد انقضاء عدتها وكانت له بينة على دعواه، وقد تزوجت المرأة غيره فإنها ترجع لزوجها الأول، لأنه تبين أنها لم تخرج من ذمته بعد، ولأنها لا زالت زوجة للزوج الأول، فترد إليه حتى لو وطئها الثاني ويكون الوطء وطئاً بشبهه ولا يلحقه إثم بهذا.
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: في حكم الرجعة في الطلاق البدعي
: المشهور في مذهب الإمام أحمد أن الرجعة في الطلاق البدعي تستحب لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عمر «مره فليراجعها»، ولأن ابتداء النكاح ليس بواجب، فاستدامته بالرجعة كذلك.
القول الثاني: أن الرجعة في الطلاق البدعي واجبة لأن قوله -صلى الله عليه وسلم- مره فليراجعها» أمر والأصل فيه للوجوب، ولأن الطلاق لما كان محرماً حال الحيض كما تقدم كانت استدامة النكاح فيه واجبة.
والحكمة من رجعتها ليقع الطلاق في زمن الإباحة وهو الطهر، وليزول الشيء الذي حرَّم الطلاق في الحيض لأجله.
- الفائدة الثانية: من خلال ما سبق نقول بأن المرأة الرجعية لا تخلو من أحوال ثلاث مع الطلاق: أـ إذا طلقها ثلاثاً ثم نكحت زوجاً غيره ثم عاد إليها زوجها الأول فهذا يعود إليها وله ثلاث تطليقات جديدة.
..................................
ب - أن يطلقها دون الثلاث ثم يراجعها أو يعقد عليها بعد انتهاء عدتها فهذه تعود إليه على ما بقى له من الطلاق، وهاتان الحالتان محل اتفاق بين أهل العلم.
ج - أن يطلقها أقل من ثلاث ثم تنتهي عدتها ثم تنكح زوجاً غيره ثم تعود لزوجها الأول وهنا محل خلاف، قيل: تعود إليه بما بقي له من الطلاق، وقيل: تعود إليه بثلاث جديدة.
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (من باب العدة إلى نهاية كتاب الجنايات) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء السابع مدار الوطن للنشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (من باب العدة إلى نهاية كتاب الجنايات)
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1432 هـ - 2011 م مدار الوطن للنشر - الرياض هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص. ب: 245760 فرع السويدي: هاتف: 4267177 - فاكس: 4267377 منطقة الرياض: 0503269316 المنطقة الغربية: 0504143198 المنطقة الشرقية: 0503193268 المنطقة الشمالية والقصيم: 0504130728 المنطقة الجنوبية: 0504130727 التوزيع الخيري: 0506436804 - 2831453 التسويق والمعارض الخارجية: 0506495625 البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com
بابُ العِدَّةِ
(1) (1)
قوله «بابُ العِدَّةِ»:
العدة: واحدة عدد بكسر العين, مأخوذة من عد المال أو الأيام أو غيرها عداً, إذا أحصى آحادها, والكمية المعدودة عِدة وعدة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرا﴾ (1)، فإذا أضيفت العدة إلى المرأة فالمراد أيام إقرائها لأنها كمية تعد وتحصى.
والعدة في الشرع: اسم للمدة التي تنتظر فيها المرأة, وتمتنع عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها, وقيل أيضاً في تعريفها: هي تربص محدد شرعاً, بسبب فرقة نكاح وما الحق به.
والمراد بالتربص: الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (2).
وقولنا «محدد شرعاً»: أي من قبل الشرع، وقولنا «وما الحق به» كوطء الشبهة فإنها تعتد مع أنه ليس بنكاح على أحد القولين، وهو المذهب.
حكم العدة
: العدة واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.
أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ 4. =12
..................................
=وقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 1، فهذه الآيات خبر بمعنى الأمر كما قال أهل العلم, وإنما جاء بصيغة الخبر لإقراره وتثبيته, كأنه أمر مفروغ منه.
أما دلالة السنة: فمن ذلك:
حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: «أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِىَّ طَلَّقَهَا ثَلاثًا ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ لَهَا أَهْلُهُ لَيْسَ لَكِ عَلَيْنَا نَفَقَةٌ.
فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَقَالُوا إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ» 2، وأيضاً حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلاثِ حِيَضٍ» 3.
أما الإجماع: فقد نقله غير واحد من الفقهاء.
وأما المعقول: فلأن الزوج يحتاج إلى مدة يفكر فيها ويراجع فيها أُموره، وكذا تحتاج المرأة لمدة يستبرئ فيها الرحم، وليعرف الزوجان عظم ما بينهما من عقد فلا يقدمان على إنهائه إلا بعد تروٍ وتفكير.
..................................
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: الحكمة في مشروعية العدة:
من خلال ما ذكرناه آنفاً يمكننا أن نتلمس الحكمة من مشروعية العدة فمن هذه الحكم:
1 - معرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب.
2 - إمهال الزوج مدة يتمكن من خلالها بمراجعة أموره، فقد يراجع مطلقته بعد أن يتروى.
3 - إحداد المرأة عقب وفاة زوجها احتراماً وتعظيماً لما كان بينهما من علاقة شرعية كريمة.
4 - التنبيه على عظم أمر النكاح حيث يحتاج إلى حل رباطه لصيغة معينة ثم لإعادته يحتاج إلى وقت معين.
5 - مصالح النكاح بالاستمرار فيه, فإن طرأ ما يعكر الصفو وتحتم فسخه فلا بد من مدة تتربصها المرأة لتحس بعظم الأمر وخطورته.
الفائدة الثانية: شروط العدة
: يشترط لوجوب العدة ما يلي:
1 - حصول الفرقة سواء بالطلاق، أو الخلع، أو الفسخ، أو بالموت.
2 - أن يسبق الفرقة حصول الوطء, لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ 1، وهذا بغير خلاف بين الفقهاء, أو حصول خلوة
يمكن فيها الوطء، وهذا عند جمهور الفقهاء 2. =
وَلا عِدَّةَ عَلى مَنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِي الحَيَاةِ قَبْلَ المَسِيْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوْنَهَا﴾ 1،
=وذهب الشافعية (1) في الجديد عندهم إلى أن العدة لا تجب بخلوة مجردة عن الوطء.
والصحيح كما سبق: أن الخلوة معتبرة في ثبوت العدة، ويشترط فيها أن يكون عالماً بها قادراً على الوطء، وأن تكون مطاوعة, وأن تكون المدة يمكنه فيها وطئها.
3 - أن يكون الزوج بالغاً أو ممن يولد لمثله.
4 - أن تكون الزوجة بالغة أو ممن يوطأ مثلها, فلو كانت ممن لا يوطأ مثلها كالتي دون تسع سنين فلا عدة للعلم ببراءة الرحم في حقها.
5 - أن يكون النكاح غير باطل.
(1)
قوله «وَلا عِدَّةَ عَلى مَنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِي الحَيَاةِ قَبْلَ المَسِيْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوْنَهَا﴾ 2»: جاء في بعض النسخ: «قَبْلَ المَسِيْسِ والْخُلْوَةِ»، والمراد بفرقة الحياة هي كما ذكرناه آنفاً يعني طلاقاً، أو خلعاً، أو فسخاً لسبب كعسر نفقة وعيب, ونحو ذلك.
فإذا فارقها قبل المسيس - وهو الجماع - أو الخلوة بها على القول الصحيح=
وَالْمُعْتَدَّاتُ يَنْقَسِمْنَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ (1) إِحْدَاهُنَّ: أَوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (2)، =فلا عدة عليها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (1)، قال ابن كثير (2) هذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها فتذهب وتتزوج من فورها من شاءت, ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها, فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضاً.
(1)
قوله «وَالْمُعْتَدَّاتُ يَنْقَسِمْنَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ»:
وإن شئت فقل ستاً، لكن المؤلف -رحمه الله- أدمج بعض الأقسام في بعض كما سيذكره في النوع الرابع, وهذه الأقسام إنما حددوها بهذا العدد من خلال الاستقراء والتتبع.
(2)
قوله «إِحْدَاهُنَّ: أَوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»:
هذا هو القسم الأول من المعتدات، وهي الحامل؛ فعدتها بوضع حملها سواء أكانت عن طلاق، أو وطء شبهة لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 3، ولأن القصد من العدة براءة الرحم، وهي تحصل بوضع الحمل.
=12
..................................
=لكن اختلف الفقهاء في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً:
فذهب جمهور الفقهاء 1 إلى أن عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل تكون بوضع الحمل, قلَّتْ المدة أو كثرت حتى لو وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها, فإن العدة تنقضي وتحل للأزواج.
واستدلوا على ذلك بهذه الآية: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 2، فقد جاءت الآية عامة في المطلقات ومن في حكمهن، والمتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً.
والآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ 3.
أيضاً استدلوا بحديث سبيعة بنت الْحارث الأَسلمية «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ، وَهْوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّىَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهْىَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ تُرَجِّينَ النِّكَاحَ فَإِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ =
..................................
= عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِى حِينَ أَمْسَيْتُ، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِى، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي» 1.
القول الثاني: هو قول علي وابن عباس في إحدى الروايتين عنه 2 أن الحامل المتوفي عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين وهو وضع الحمل أو مضى أربعة أشهر وعشر, فأيهما كان أخيراً تنقضي به العدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾, قالوا فإن الآية فيها عموم وخصوص من وجه، فالعموم أنها تشمل المتوفي عنها زوجها حاملاً كانت أو غير حامل.
وخاصة في المدة ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾, وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 3 فيها عموم وخصوص أيضاً, لأنها تشمل المتوفي عنها زوجها وغيرها وخاصة في وضع الحمل.
والجمع بين الآيتين والعمل بهما أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول لأنها إذا اعتدت بأقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن=
وَلَوْ كَانَتْ حَامِلاً بِتَوْأَمَيْنِ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَضَعَ الثَّانِيَ مِنْهُمَا (1)،
=اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة, فإعمال النصين معاً خير من إهمال أحدهما.
قلت: والراجح عندي هو ما ذهب إليه جمهور (1) أهل العلم، بل نقل بعضهم الإجماع على أن أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن, أي تنقضي عدتهن بوضع الحمل لعموم الآية: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، سواء كانت الحامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها, فإن كانت المتوفى عنها زوجها حاملاً وانتهت عدة الوفاة قبل ولادتها كان عليها أن تتربص بنفسها حتى تضع حملها, ولا خلاف في ذلك, وكذلك إذا وضعت حملها ولم يمضي عليه أربعة أشهر وعشراً، بل إذا وضعته بعد وفاته بلحظة فإنها تخرج من عدتها بوضعه كما في حديث سبيعة الأسلمية المتقدم.
(1)
قوله «وَلَوْ كَانَتْ حَامِلاً بِتَوْأَمَيْنِ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَضَعَ الثَّانِيَ مِنْهُمَا»:
هذا باتفاق أهل العلم؛ أي إذا كانت المرأة حاملاً بأكثر من ولد اثنين أو أكثر لم تنقضي العدة إلا بوضع الآخر 2, لأن الحمل اسم لجميع ما في الرحم, ولأن العدة إنما شرعت لمعرفة براءة الرحم من الحمل, فإذا علم وجود الولد الثاني أو الثالث فقد تُيقن وجود الموجب=1
وَالحَمْلُ الَّذِيْ تَنْقَضِيَ بِهِ العِدَّةُ وَتَصِيْرُ بِهِ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، مَا يَتَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ (1)،
=للعدة وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها, ولأنها لو انقضت عدتها بوضع الأول لأُبيح لها النكاح كما لو وضعت الأخر, وهذا كما سبق قول جمهور الفقهاء.
القول الثاني: هو ما ذهب إليه عكرمة وأبو قلابة والحسن البصري (1) إلى أن العدة تنقضي بوضع الأول ولكن لا تتزوج حتى تضع الأخر.
والصواب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا تنقضي عدة الحامل بتوأمين أو أكثر إلا بوضع الأخر.
(1)
قوله «وَالحَمْلُ الَّذِيْ تَنْقَضِيَ بِهِ العِدَّةُ وَتَصِيْرُ بِهِ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، مَا يَتَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ»:
أي إذا وضعت المرأة ما تبين فيه خلق الإنسان فقد خرجت من العدة, أما إذا وضعت ما ليس فيه خلق الإنسان, فإنها لا تخرج من العدة, وإنما تستمر في عدتها إن كانت من ذوات الحيض أو غيره, وما تبين به خلق الإنسان بأن تظهر مفاصله كيديه ورجليه, ورأسه مثلاً, فإذا وضعته بهذه الصفة انقضت عدتها.
أما إن وضعت من لم يتبين فيه خلق إنسان فلا عبرة بهذا الوضع، فلا بد أن تكون مخلقة, لأن المضغة قبل ذلك يحتمل أن تكون إنساناً ويحتمل أن تكون قطعة من اللحم، ولا حكم مع الاحتمال.1
.................................. -
فائدة: المدة التي يتبين فيها خلق الإنسان
ما بعد الثمانين يوماً لكن قد لا يتضح التخليق ما بين الثمانين والتسعين، لكن ما بعد التسعين يوماً في
الغالب أنه قد اتضح دل على ذلك حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ» 1، فدل هذا الحديث على أن طور المضغة إنما يكون بعد ثمانين يوماً، أي إنما يكون التخليق بعد الثمانين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ 2، فالتخليق يكون في طور المضغة لكن يكون مخلقاً وغير مخلق, ولما كان كذلك دلَّ على ما ذكرناه أن الغالب بعد التسعين يوماً يكون قد اتضح تخليقه.
والفائدة مما ذكرناه أنه يتوقف على تخليقه وعدم تخليقه أحكام تخص المرأة منها:
1 - أنه إن كان مخلقاً حُكم على الدم الخارج منها أنه دم نفاس فلا تصلى المرأة ولا تصم، وبه تنقضي عدة المرأة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، ولا يقربها زوجها بوطء، وغير ذلك من الأحكام التي قررتها الشريعة =
الثَّانِيْ: اللاَّتِيْ تُوُفِّيَ أَزْوَاجُهُنَّ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (1)، وَالإِمَاءُ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ (2)،
=الحائض والنفساء, أما إذا كان السقط غير مخلَّق أي كان أقل من الثمانين يوماً فإن الخارج من المرأة دم فساد لا تلتفت إليه المرأة، بل حكمها كالمرأة الطاهر تماماً تأتي بجميع العبادات ويجوز لزوجها أن يطأها وغير ذلك.
وقوله «وتكون به الأمة أم ولد»، أي متى وضعت الأمة ما في بطنها وإن كان سقطاً فإنها به تكون أم ولد وإن وضعته ميتاً ما دام أنه وضع مخلقاً.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: اللاَّتِيْ تُوُفِّيَ أَزْوَاجُهُنَّ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»:
هذا هو القسم الثاني من المعتدات، وهي التي توفى عنها زوجها ولم تكن حاملاً فإن عدتها كما ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (1). (2)
قوله «وَالإِمَاءُ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:
أي الإماء تكون عدتهن على النصف من عدة الحرة فتكون شهرين وخمسة أيام وذلك لأن الرق منَصَّف, وقد أجمع الصحابة على أن الأمة المطلقة عدتها على النصف من عدة الحرة وقاسوا عليها عدة المتوفى عنها زوجها, بل بعضهم حكى الإجماع على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت أمة تعتد بشهرين وخمسة أيام.
قال شيخنا -رحمه الله- «والحقيقة أن الآية يعني قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ=1
وَمَا قَبْلَ الْمَسِيْسِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ (1)،
=مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} (1) لو تمسك أحد بعمومها وبعموم المعنى لكان له وجه، وهو أرجح.
فالصواب أنه لا فرق بين الحرة والأمة, إلا إذا منع من ذلك إجماع, ولكن الإجماع لم يمنع منه, فإنه قد نقل عن الأصم والحسن أنهما كانا يريان ذلك» (2).
(1)
قوله «وَمَا قَبْلَ الْمَسِيْسِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ»:
أي وما قبل الدخول وما بعده سواء، أي سواء كان قد دخل بها أو لم يدخل فعدتها أربعة أشهر وعشراً.
وهل يشترط أن تكون ممن يوطأ مثلها وهو ممن يولد لمثله؟
الجواب: لا يشترط, ففي عدة الوفاة لا يشترط أيّ شرط؛ فلا يشترط وطء ولا خلوة ولا كبر, ولا صغر, ولا عقل ولا أي شيء، فمتى عقد عليها ثم مات عنها وجبت عليها العدة وتحادّ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ 3, فما قيدها بشيء, بل مجرد كونها زوجة, ولهذا ترث منه ويرث منها, ومن الأدلة على ذلك ما جاء عن ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، =12
الثَّالِثُ: الْمُطَلَّقَاتُ مِنْ ذَوَاتِ القُرُوْءِ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوْءٍ (1)، =فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لا وَكْسَ، وَلا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ، فَقَالَ: قَضَى فِينَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بِرْوَعِ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ ابْنُ مَسْعُودٍ» (1).
(1)
قوله «الثَّالِثُ: الْمُطَلَّقَاتُ مِنْ ذَوَاتِ القُرُوْءِ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوْءٍ»:
هذا هو القسم الثالث من المعتدات، وهن المطلقات في الحياة من ذوات القروء, والقرء: لغة مشترك بين الحيض والطهر، ويجمع على إقرء وقروء.
واختلف الفقهاء في تفسيره:
فيرى الحنفية 2، والحنابلة 3 أن المراد بالقرء الحيض, لأن الحيض معرف لبراءة الرحم، وهو المقصود من العدة, فالذي يدل على براءة الرحم إنما هو الحيض لا الطهر، ولقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 4، فنقلهن
عند عدم الحيض إلى الاعتداء بالأشهر, فدل على أن الأصل الحيض=1
..................................
=كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ 1، ولأن المعهود في الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال -صلى الله عليه وسلم- للمستحاضة «دَعِي الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» 2، وهو -صلى الله عليه وسلم- المعبر عن الله، وبلغة قومه أنزل القرآن.
وقال -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَانْظُرِي إِذَا أَتَى قُرْؤُكِ فَلا تُصَلِّى فَإِذَا مَرَّ قُرْؤُكِ فَتَطَهَّرِى ثُمَّ صَلِّى مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ» 3 وقالوا أيضاً: ولأن ظاهر قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 4 وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الإطهار لم يوجب ثلاثة لأنه يكتفي بطهرين وبعض الثالث فيخالف ظاهر النص.
ومن جعله الحيض أوجب ثلاثة كاملة فيوافق ظاهر النص فيكون أولى من مخالفته.
القول الثاني: هو قول المالكية 5، والشافعية 6 أن القرء هو الطهر, لأنه تعالى أثبت التاء في العدد «ثلاثة»، فدل على أن المعدود مذكر وهو الطهر, لا الحيضة, ولأن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 7، =
وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ (1)،
= أي في وقت عدتهن, لكن الطلاق في الحيض محرم كما تقدم في بحث الطلاق البدعي فيصرف الإذن إلى زمن الطهر.
والصحيح: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول, لاتفاقه مع الواقع والمقصود مع العدة, فالنساء ينتظرن عادة مجيء الحيض ثلاث مرات, فيتقرر انقضاء العدة, ولا يعرف براءة الرحم إلا بالحيض, فإذا حاضت المرأة دل على أنها غير حامل, وإذا استمر الطهر تبين غالباً وجود الحمل, وهذا اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
فالحاصل أن المرأة التي طلقها زوجها عدتها ثلاث حيض كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (2).
(1)
قوله «وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ»:
هذا بالاتفاق؛ بل نقل غير واحد من أهل العلم إجماع الصحابة 3 على أن عدة الأمة حيضتان، ولم يخالف في ذلك إلا ابن سيرين 4، وقد ورد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال «يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الأَمَةُ حَيْضَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرًا وَنِصْفًا» 5، فإن كانت العدة من طلاق وكانت الأمة ممن يحضن =12
الرَّابِعُ: اللاَّئِيْ يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيْضِ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ (1)،
= كانت عدتها قرأين, وهي حيضتان، وهذا لأن الرق منصف والحيضة لا تتجزأ فأكملت فصارت قرئين.
وقد أشار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى ذلك بقوله «لَوْ قَدِرْتُ أَنْ أَجْعَلَهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا, لَفَعَلْتُ» (1).
(1)
قوله «الرَّابِعُ: اللاَّئِيْ يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيْضِ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ»:
هذا هو القسم الرابع من المعتدات, من انقطع حيضها لكبر أو غيره, كاستئصال الرحم، فهذه في حكم الآيسات.
و
المرأة التي انقطع دم الحيض يمكن أن نقسمها إلى قسمين:
الأول: أن نعلم أنه لن يعود إليها الحيض كالكبيرة التي بلغت خمسين مثلاً, أو من أجريت لها عملية استئصال للرحم، فهذه نعلم جيداً أنها لن يعود إليها الحيض أبداً فهذه عدتها تكون كما أمر الله تعالى ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ 2. الثاني: أن تكون راجية لعود الحيض، فهذه تنتظر حتى يزول المانع ثم تعتد سنة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، وسيأتي مزيد ذلك إن شاء الله، وقيل: بل تعتد بثلاثة أشهر لأن الصحابة إنما حكموا بالسنة لمن لم تعلم سببه, وهنا علمت السبب, فإذا زال السبب ولم يعد فإنها تعتد=1
وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ (1)،
=ثلاثة أشهر, ولكن الأحوط أن تعتد بسنة, لأنه إذا زال السبب ولم يرجع الحيض فإننا حكمنا بعدم رجوعه من زوال السبب.
فإذا حكمنا بعدم الرجوع من زوال السبب, كان حكمنا رجوعه حينئذ لغير سبب معلوم, وإذا كان ارتفاعه لغير سبب معلوم كانت المدة سنة كما سبق (1).
والخلاصة هنا: أن الآيسة من الحيض كالكبيرة أو من كان في حكمها كمن استأصل رحمها فإن عدتها ثلاثة أشهر هلالية.
- فائدة: المرأة التي ارتفع حيضها بسبب الرضاع ثم طلقها زوجها: هذه عدتها ثلاثة قروء, فإذا فطمت الصبي وعاودها دم الحيض فإنها تجلس ثلاثة قروء, فإن لم يعاودها دم الحيض بعد فطام الصبي فإنها تعتد سنة كما سبق, تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة.
(1)
قوله «وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ»:
أي وكذلك اللائي لم يأتهن الحيض لصغرهن كمن بلغت ولم تحض فهذه عدتها ثلاثة أشهر, أو من لم يأتيها الحيض أصلاً لصغرها فهذه أيضاً عدتها ثلاثة أشهر إن كان قد دخل بها لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 2، فقد حدد سبحانه عدة الصغيرة التي لم تحض بثلاثة أشهر كالآيسة.1