وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 22-57

وَلِلأَمَةِ شَهْرَانِ (1)،  -

فائدة: في سن الإياس

: اختلف الفقهاء في تحديد سن الإياس, وهي السن التي إذا بلغتها المرأة لا تحيض فيها, على أقوال أربعة: فذهب الحنفية (1) وهو المفتى به عندهم أن الإياس يكون عندهم بخمس وخمسين سنة.
وذهب المالكية (2) إلى أن سن الإياس يقدر بسبعين سنة, فما تراه المرأة بعد هذا السن لا يعتبر حيضاً قطعاً.
وذهب الشافعية (3) إلى أن أقصى سن الإياس اثنان وستون سنة.
وذهب الحنابلة (4) إلى أن سن الإياس خمسون سنة.
والراجح عندي: أن الإياس ليس له سن معتبر، بل متى رأت الأنثى الدم فهي حائض وإن تجاوز الخمسين, ذلك لأن أحكام الحيض علقها الله ورسوله على وجوده, ولم يحدد الله ولا رسوله لذلك سناً معيناً, فوجب فيه الرجوع إلى الوجود الذي علقت الأحكام عليه, وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، ولا دليل في ذلك.

(1)

قوله «وَلِلأَمَةِ شَهْرَانِ»:

يعني وتعتد الأمة شهرين, لأن الله جعل للحرة ثلاثة أشهر, أو ثلاثة قروء, وجعل لمن لا تحيض ثلاثة أشهر, ومعنى هذا أن لكل حيضة شهراً, وهذا هو الغالب, وللأمة حيضتان,=1234

وَيُشْرَعُ التَّرَبُّصُ مَعَ العِدَّةِ فِيْ مَوَاضِعَ ثَلاثَةٍ (1)، أَحَدُهَا: إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَهُ، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الآيِسَاتِ (2)،  = فيكون لها عند سن الإياس أو الصغر شهران, لأن للبدل حكم المبدل منه، وأيضاً لأن عمر -رضي الله عنه- قضى للأمة بذلك حيث قال: «عِدَّةُ الأَمَةِ إِذَا لَمْ تَحِضْ شَهْرَيْنِ وَإِذَا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ» (1).

(1)

قوله «وَيُشْرَعُ التَّرَبُّصُ مَعَ العِدَّةِ فِيْ مَوَاضِعَ ثَلاثَةٍ»:

سبق أن عرفنا التربص وقلنا بأن معناه الانتظار كما قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ (2)، والمعنى أن المرأة تنتظر فلا تنكح زوجاً آخر مع العدة في هذه المواضع الثلاثة.
(2)

قوله «أَحَدُهَا: إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَهُ، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الآيِسَاتِ»:

هذا أحد المواضع التي يشرع فيها التربص مع العدة، وهي فيمن انقطع عنها الدم ولا تدري عن سبب انقطاعه، فإنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد.
وقد ذكرنا طرفاً من هذه المسألة, وقلنا بأن المرأة التي انقطع حيضها ولا تدري ما رفعه، وجهلت السبب فهل تعتبر من ذوات القروء؟ أم تعتبر في حكم الآيسة؟ نقول قضى عمر -رضي الله عنه- في مثل هذه الحالة بأنها تنتظر سنة كاملة, تسعة=12

وَإِنْ عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الحَيْضَ، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ فِيْ عِدَّةٍ حَتَّى يَعُوْدَ الحَيْضُ، فَتَعْتَدَّ بِهِ (1)  =أشهر للحمل, وثلاثة أشهر عدة الآيسة، وقد قضى عمر -رضي الله عنه- بذلك بين الصحابة ولم يعرف له مخالف فصار كالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم.
ووجه كونه كذلك لأن المرأة لا تعرف سبب انقطاع الحيض فلعله يكون بسبب حمل، وغالب مدة الحمل تسعة أشهر, وثلاثة أشهر هي عدة الآيسة وذلك لأنها أيست من الحيض، أما إذا كانت المرأة ارتفع حيضها وترجو أن يعود الحيض لها, فإنها لا تزال في عدة حتى يعود الحيض, فتعتد به، ولذا قال المؤلف.

(1)

قوله «وَإِنْ عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الحَيْضَ، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ فِيْ عِدَّةٍ حَتَّى يَعُوْدَ الحَيْضُ، فَتَعْتَدَّ بِهِ»:

ذكرنا فيما سبق أن الآيسة من الحيض تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: من آيست من الحيض لكبر أو أجرى لها استئصال الرحم فهذه تعلم أنها لن يعود إليها الحيض أبداً، فهذه ذكرنا حكمها.
القسم الثاني: من انقطع عنها الحيض لعارض، وهذه لها حالتان: الحالة الأولى: أن ينقطع عنها الحيض ولا تدري سبب رفعه، فهذه كما ذكرنا آنفاً تجلس سنة يعني تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة.
الحالة الثانية: من ارتفع عنها الحيض وتعلم سبب رفعه كرضاع أو أجريت لها فحوصات وأخبرها الأطباء عن سبب انقطاع الحيض =

الثَّانِيْ: امْرَأَةُ المَفْقُوْدِ الَّذِيْ فُقِدَ فِيْ مَهْلَكَةٍ، أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، فَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ.
تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ.
وَإِنْ فُقِدَ فِيْ غَيْرِ هَذَا، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ (1)،  = وارتفاعه عنها، فهذه كما ذكره المؤلف هنا فهي لا تزال في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به، لكن قد يطول انتظارها للحيض فهل تبقى إلى عودة الحيض لها؟ نقول: بأن الصواب هنا بأنها إن كانت ترجو أن يعود فهذه تنتظر حتى يزول المانع، فإن زال فالحمد لله، وإلا فتعتد بسنة تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، هذا إذا زال السبب ولم يعاودها الحيض، وقد سبق بيان ذلك.

(1)

قوله «الثَّانِيْ: امْرَأَةُ المَفْقُوْدِ الَّذِيْ فُقِدَ فِيْ مَهْلَكَةٍ، أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، فَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ.
تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ.
وَإِنْ فُقِدَ فِيْ غَيْرِ هَذَا، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ»:

هذا هو النوع الثاني ممن يشرع له التربص مع العدة وهي امرأة المفقود، والمفقود هو من خفي خبره فلم يعلم أحي هو أم ميت لسفر أو أسر ونحو ذلك؟ وقد سبق تعريفه في كتاب الفرائض، و

المفقود لا يخلو من حالين

: الأول: أن لا يرجى رجوعه كمن يكون في مهلكة, أو من بين أهله ولا يعرف خبره أو يكون في مركب وقد غرق ونحو ذلك مما يكون غالبه الهلاك فهذا ذكر المؤلف أنها تتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة أربعة=

..................................  =أشهر وعشرا.
الثاني: أن يرجي رجوعه كالمسافر للتجارة، أو لطلب العلم، أو سياحة، فهذا يضرب له أجل تسعون سنة منذ ولد قطعاً للشك لأن الغالب أنه لا يعيش فوق ذلك.
هذا هو المذهب 1، وهو مذهب الإمام مالك 2 أيضاً.
والرواية الأخرى في المذهب ما ذكرها المؤلف «لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ».
وذهب الحنفية 3 إلى أن المفقود حي في حق نفسه, فلا يورث ماله ولا تبين منه امرأته, فلا تعتد زوجته حتى يتحقق موته استصحاباً لحال الحياة السابق, أما المنعي إليها زوجها, والتي أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات، أو طلقها ثلاثاً، أو أتاها منه كتاب على يد ثقة بالطلاق, فلا بأس أن تعتد وتتزوج.
وقال الشافعية 4 في الجديد بمثل قول الحنفية: ليس لامرأته أن تفسخ النكاح لأنه إذا لم يجز الحكم بموته في قسمة ماله, لم يجز الحكم بموته في نكاح زوجته, فلا تعتد زوجته ولا تتزوج حتى يتحقق موته أو طلاقه, عملاً بمبدأ الاستصحاب.

الثَّالِثُ: إِذَا ارْتَابَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِظُهُوْرِ أَمَارَاتِ الحَمْلِ، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَزُوْلَ الرِّيْبَةُ، فَإِنْ نَكَحَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ (1)،  قلت: والأقرب عندي كما ذكرت في كتاب الفرائض أن مدة الانتظار تكون بحسب اجتهاد القاضي بالنظر إلى حال الشخص عند فقده, والظروف المحيطة به وحال الوضع الذي فقد فيه واختلاف وسائل البحث، وهذه رواية في مذهب الإمام أحمد رجحها صاحب الإنصاف (1). وقوله «ثم تعتد للوفاة» أي متى فرض لها القاضي المدة كسنة أو سنتين أو ثلاث فإنها من حين انقضاء المدة المضروبة لها تعتد عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشرا.

(1)

قوله «الثَّالِثُ: إِذَا ارْتَابَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِظُهُوْرِ أَمَارَاتِ الحَمْلِ، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَزُوْلَ الرِّيْبَةُ، فَإِنْ نَكَحَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ»:

هذا هو القسم الثالث ممن يشرع له التربص مع العدة وهي من شكت بعد انقضاء عدتها وارتابت في الحمل, وهذا يحصل فإن بعض النساء قد يحصل لها شيء من ذلك فقد تحيض وهي حامل ولا تشعر بالحمل، وقد سبق في باب الحيض أن من النساء الحوامل من تحيض على القول الصحيح من أقوال أهل العلم فقد تكون عدتها ثلاث حيضات على أنها من ذوات الحيض ثم تشك في الحمل وذلك لوجود أعراضه من انتفاخ البطن وحصول الوحم وغير ذلك، فهذه كما قال المؤلف لا يجوز لها =1

وَإِنِ ارْتَابَتْ بَعْدَ نِكَاحِهَا، لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا إِلاَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا نَكَحَتْ وَهِيَ حَامِلٌ (1)، وَمَتَى نَكَحَتِ الْمُعْتَدَّةُ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا (2)،  = أن تنكح زوجاً آخر بعد انقضاء عدتها حتى تزول ريبتها, فإذا نكحت لم يصح نكاحها, وهذا كان ممكناً فيما سبق، لكن يمكن أن يكتشف الأمر في الوقت الحاضر عن طريق الأشعة والوسائل الحديثة بالتحاليل وغيرها التي يمكن من خلالها معرفة أن المرأة حامل، فهذه إذا تبين بها عدم الحمل أو وجوده فإنه يعمل بها.

(1)

قوله «وَإِنِ ارْتَابَتْ بَعْدَ نِكَاحِهَا، لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا إِلاَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا نَكَحَتْ وَهِيَ حَامِلٌ»:

أي إن شكت بعد النكاح من الثاني لم يبطل نكاحها منه لأنها تزوجت بعد التيقن من خروجها من العدة, إلا إذا علمت أنها نكحت وهي حامل فإن النكاح يبطل كما سبق كأن تلد قبل مضى أقل من مدة الحمل - وهي ستة أشهر - منذ أن تزوجها الثاني ودخل بها, لأنها بوضعها هذا الولد الذي لم يولد لستة أشهر وهي أقل مدة للحمل فإنه يكون من الزوج الأول، وكونها نكحت الثاني فقد نكحت وهي في العدة, ونكاح المعتدة, كما سيأتي باطل.
(2)

قوله «وَمَتَى نَكَحَتِ الْمُعْتَدَّةُ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا»:

صورة هذه المسألة أن المرأة تطلق، فلما شرعت في العدة جاء شخص أخر فخطبها ونكحها, فهذا النكاح باطل لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ 1، ويجب التفريق بينهما.

فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوْلِ (1)، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، بَنَتْ عَلى عِدَّةِ الأَوَّلِ، مِنْ حِيْنِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ، وَاسْتَأْنَفَتِ العِدَّةَ لِلثَّانِيْ (2)،  =وهل تحل لزوجها الثاني إذا فرق بينهما وانقضت عدتها, نقول على ثلاثة أقوال: الأول: أنها تحل له بعد انقضاء عدة الأول.
الثاني: أنها تحل له بعد انقضاء عدة الثاني.
الثالث: أنها لا تحل له أبداً.

(1)

قوله «فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوْلِ»:

لأنه لم يطأها، فلو فرض أن امرأة معتدة تزوجها رجل آخر في العدة ولم يدخل بها، وقد حاضت حيضتين ولكنه لم يدخل بها، فإن الواجب عليها أن تتم الحيضة الثالثة لأن هذا العقد غير صحيح، بل هو باطل بإجماع الفقهاء، فإن كانت بعد دخول الزوج الثاني بها فقد قال المؤلف.
(2)

قوله -رحمه الله- «وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، بَنَتْ عَلى عِدَّةِ الأَوَّلِ، مِنْ حِيْنِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ، وَاسْتَأْنَفَتِ العِدَّةَ لِلثَّانِيْ»:

ذكرنا فيما سبق أنه لا يجوز للأجنبي نكاح المعتدة أيًّا كانت عدتها من طلاق أو موت أو فسخ أو شبهة، وسواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً بينونة صغرى أو كبرى، فإن عقد النكاح على المعتدة في عدتها فالعقد باطل وفرق بينها وبين من عقد عليها لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ 1، والمراد تمام =

وَلَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ العِدَّتَيْنِ (1)،  = العدة، ومعنى الآية لا تعزموا على عقد النكاح في زمان العدة، أو لا تعقدوا عقدة النكاح حتى تنقضي ما كتب الله عليها من العدة.
وذكر المؤلف هنا إذا حصلت مخالفة لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- ماذا يجب على المرأة, فيجب أن يفرق بينهما ثم تتم ما بقي من عدة الأول.
مثال ذلك: امرأة مطلقة حاضت حيضتين، ثم جاءها رجل آخر فتزوجها، فبقي عليها للزوج الأول حيضة، فيفرق بينهما وتحيض هذه الحيضة المتبقية للأول، وتنتهي من عدتها، ثم تستأنف العدة للثاني ثلاث حيض.
وذهب الحنفية (1) إلى تداخل العدتين، فإذا فارقت الثاني تعتد بثلاث حيض فقط، وتدخل عدة الأول في عدة الثاني.
والصواب عندي: ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول الشافعية (2) أيضاً.

(1)

قوله -رحمه الله- «وَلَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ العِدَّتَيْنِ»:

أي يجوز للزوج الثاني أن يعقد عليها ويتزوجها من جديد، لأنه لا يوجد فيها ما يوجب التحريم عليه لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 3. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تحل للزوج الثاني أبداً، واستدلوا على ذلك بما رواه مالك في الموطأ «عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ طُلَيْحَةَ=12

وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، انقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ (1)،  =الأَسَدِيَّةَ، كَانَتْ تَحْتَ رُشَيْدٍ الثَّقَفِيِّ فَطَلَّقَهَا، فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ضَرَبَاتٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الأَوَّلِ، ثُمَّ كَانَ الآخَرُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الآخَرِ ثُمَّ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا» (1). قلت: والأظهر عندي أن الأمر يرجع إلى اجتهاد القاضي، فإن رأى أن يمنعه عنها منعاً مؤبداً عقوبة له وردعاً لغيره فلا حرج، وإن رأى أن الزوج الثاني أحدث لما فعل توبة وأناب إلى الله واستغفر لذنبه فرأى أن ينكحها فلا حرج، هذا هو الأولى عند العمل بهذه المسألة.

(1)

قوله «وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، انقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ»:

أصل هذه المسألة: امرأة تزوجت في عدتها وجامعها الزوج الثاني، فالواجب التفريق بينهما وتتم عدة الأول، وتستأنف العدة للثاني، فإن أتت بولد من أحدهما يقيناً أي تعلم يقيناً أنه لهذا الزوج أو لذاك، فإن العدة له، ثم تكمل العدة للثاني.
لكن كيف تعرف أنه لأحدهما؟1

وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُوْنَ مِنْهُمَا، أُرِيَ القَافَةَ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوْهُ مِنْهُمَا، وَانْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ مِنْهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ (1)،  =نقول: إن أتت به لدون ستة أشهر وعاش الولد فإنه يكون يقيناً للزوج الأول، لأنه لا يمكن أن يعيش لأقل من ستة أشهر، وعلى هذا فيكون للأول يقيناً ثم تستأنف العدة للثاني, وإن أتت بولد لأكثر من أربع سنين من فراق الأول فهو للثاني بناء على أن مدة الحمل لا تزيد على أربع سنين ثم تكمل عدة الأول.
وقوله «وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ»: فإن كان الولد للأول انقضت عدتها به واستأنفت العدة للثاني، وإن كان الولد للثاني انقضت عدتها بوضعه وأتمت عدة الأول.

(1)

قوله «وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُوْنَ مِنْهُمَا، أُرِيَ القَافَةَ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوْهُ مِنْهُمَا، وَانْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ مِنْهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ»:

القافة: جمع قائف، كالصاغة جمع صائغ، وهم قوم يعرفون الأنساب بالشبه، وبنو مدلج من العرب مشهورون بهذا، ولهذا لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على عائشة رضي الله عنها ذات يوم وهو مسرور تبرق أسارير وجهه فسألته «فَقَالَ أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وَأُسَامَةَ وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ» 1، والمعنى أنه إن أمكن أن يكون الولد من الزوجين جميعاً فيكون المرجع في ذلك إلى القافة.
=

..................................  =

لكن هل يمكن أن يكون الولد للزوجين؟

نقول: اختلف في ذلك الفقهاء فجمهورهم يرى أنه يمكن أن ينعقد الولد من ماء رجلين، وذهب بعضهم إلى أنه لا يمكن أبداً, وهذا هو الصواب لأن الطب الحديث يؤيد ما ذهب إليه أصحاب هذا القول.
قلت: لكن ولله الحمد يمكن من خلال البصمات الوراثية الموجودة حالياً ومن خلال الحمض النووي أن يستدل بها على أن الولد لأحدهما، والحقيقة أن العمل بهذه الأحماض أولى من عمل القافة، لأن خبر القافة مبني على الظن، بينما الأحماض أو البصمات الوراثية في الحقيقة قرينة قريبة من القطع.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: في عدة المختلعة:

ذهب جمهور الفقهاء 1 إلى أن عدة المختلعة عدة المطلقة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 2، ولأن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول فكانت العدة ثلاثة قروء لعدة المطلقة, وفي رواية للإمام أحمد 3 أن عدة المختلعة طلقة واحدة، وهو المروى عن عثمان وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهم، واحتجوا لذلك بحديث ثابت=

..................................  =ابن قيس (1) حينما اختلعت منه امرأته فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عدتها حيضة وقضى عثمان -رضي الله عنه- به، وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام (2)، وابن القيم (3)، وممن سميناه آنفاً غيرهم.

الفائدة الثانية: عدة الملاعنة

: عدة الملاعنة كعدة المطلقة, لأنها مفارقة في حال الحياة, فأشبهت المطلقة عند الجمهور, وذهب ابن عباس رضي الله عنهما أن عدتها تسعة أشهر (4).

الفائدة الثالثة: عدة الزانية

: اختلف الفقهاء في عدة الزانية على ثلاثة أقوال: الأول: أنها لا عدة عليها, حاملاً كانت أو غير حامل, واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» 5, ولأن العدة إنما شرعت لحفظ النسب, والزنا لا يتعلق به ثبوت النسب, ولا يوجب العدة، وهذا مذهب الحنفية 6، والشافعية 7.1234

..................................  القول الثاني: وهو المعتمد لدى المالكية 1، والحنابلة 2 في المذهب أن المزني بها تعتد بعدة المطلقة, لأنه وطء يقتضي شغل الرحم, فوجبت العدة منه, ولأنها حرَّة فوجب استبراؤها بعدة كاملة قياساً على الموطوءة بشبهة, ولأن المزني بها إذا تزوجت قبل الاعتداد اشتبه ولد الزوج بالولد من الزنا فلا يحصل حفظ النسب.
أما الحامل من زنا أو غصب فيحرم على زوجها وطؤها قبل الوضع اتفاقاً.
القول الثالث: ذهب المالكية 3 في قول، والحنابلة 4 في رواية أخرى إلى أن الزانية تستبرأ بحيضة واحدة، وهو الصحيح, وهو اختيار شيخ الإسلام 5، وشيخنا -رحمه الله- 6، وذلك لأن هذه ليست زوجة يجب عليها عدة.

بابُ الإِحْدَادِ

(1) وَهُوَ وَاجِبٌ (2)، عَلى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (3)،  (1)

قوله «بابُ الإِحْدَادِ»:

الإحداد في اللغة: المنع لأنه يمنع المرأة المحدة من كثير مما كان مباحاً لها قبله.
وفي الاصطلاح: هو أن تجتنب المرأة المتوفي عنها زوجها كل ما يدعو إلى نكاحها ورغبة الآخرين فيها من طيب ولبس وخروج من منزل لغير حاجة.
(2)

قوله «وَهُوَ وَاجِبٌ»:

هذا بإجماع أهل العلم فهو واجب في عدة الوفاة من نكاح صحيح ولو من غير دخول بالزوجة, دليل وجوبه قوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (1).

فائدة: أجمع أهل العلم على أنه لا إحداد على الرجل

, وأجمعوا أيضاً على أنه لا إحداد على المطلقة رجعياً, بل يطلب منها أن تتعرض لمطلقها وتتزين له لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
(3)

قوله «وَهُوَ وَاجِبٌ عَلى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا»:

هذا بإجماع أهل العلم كما سبق واختلفوا في وجوبه على المطلقة بينونة صغرى أو كبرى هل عليها: إحداد أم لا.
=1

وَهُوَ: اجْتِنَابُ الطِّيْبِ وَالزِّيْنَةِ، وَالْكُحْلِ بِالإِثْمِدِ، وَلُبْسِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوْغَةِ لِلتَّحْسِيْنِ (1)،  =فذهب الحنفية (1)، وفي القديم عن الإمام الشافعي (2)، وهو إحدى الروايتين (3) في مذهب الإمام أحمد أن عليها الإحداد, لفوات نعمة النكاح, فهي تشبه من وجه من توفى عنها زوجها.
الثاني: ما ذهب إليه المالكية (4)، والشافعية (5) في الجديد، وهو إحدى الروايتين (6) في مذهب أحمد، وهي المذهب إلى أنه لا إحداد عليها, لأن الزوج هو الذي فارقها نابذاً لها, فلا تستحق أن تحد عليه, وهذا هو الراجح.

(1)

قوله «وَهُوَ: اجْتِنَابُ الطِّيْبِ وَالزِّيْنَةِ، وَالْكُحْلِ بِالإِثْمِدِ، وَلُبْسِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوْغَةِ لِلتَّحْسِيْنِ»:

هذه هي

الأمور التي يجب على المرأة أن تجتنبها حال إحدادها

. فالأول: اجتناب الزينة: وهي ما تتزين به المرأة من ثياب وغيره، فلا تلبس ملابس مما تتزين بها عادة سواء كانت ثياباً شاملة لجميع الجسم أو مختصة ببعضه كالسراويل وغيره، والمراد أيضاً بالزينة ما كان زينة في نفسها,=123456

..................................  =فلا تتخضب ولا تضع على وجهها شيئاً من الأصباغ, والمساحيق, ويدخل في ذلك أيضاً لبس الحلي كالخواتيم، والقلائد، والأساور، ونحو ذلك.
الثاني: الطيب بجميع أنواعه سواء كان دهناً أو بخوراً فإنها مأمورة باجتنابه, أما الصابون الذي به رائحة المسك فلا يدخل في ذلك لأنه لا يتخذ للطيب, وإنما هو لنكهته ورائحته.
الثالث: اجتناب الكحل بالإثمد, فيجب على المرأة المحدة أن تجتنب الاكتحال بالإثمد، وهو كحل أسود, لأنه تحصل به الزينة.
الرابع: لبس الثياب المصبوغة للتحسين, أي فيحرم عليها لبس هذا النوع من الثياب وهي الثياب التي جرت عادة النساء بلبسها للزينة والمناسبات من أي لون كان, أما المصبوغ الذي لا يراد به التجميل فلا بأس به, لأنه ليس بزينة.
وما يذكره الفقهاء هنا من أنواع الثياب هو ما كان موجوداً في عصرهم أو قبل عصرهم.
أما في زماننا فقد لا توجد هذه الأنواع, لكن القاعدة كما سبق «أن كل ثوب زينة فالمرأة ممنوعة منه»، وما عداه من ثياب نظيفة ليست للزينة، فلا تمنع منها المرأة وإن كانت ملونة.
دليل ما ذكره المؤلف هنا حديث أم عطية رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلاَّ=

..................................  =عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا لا تَكْتَحِلُ وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ» (1) وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلا الْمُمَشَّقَةَ، وَلا الْحُلِىَّ، وَلا تَخْتَضِبُ، وَلا تَكْتَحِلُ» (2)، وسيأتي في كلام المؤلف هذه الأدلة قريباً إن شاء الله.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: هل الساعة مما تمنع المرأة من لبسه؟

نقول: نعم لا تلبس كذلك الساعة, لأن الساعة عادة تتزين بها النساء فلا تلبسها المرأة المحدة, ولكن تجعلها في جيبها إن احتاجت إليها، أو تلبس ساعة لا تتخذ للزينة وإنما للحاجة.

  • الفائدة الثانية: ذهب بعض أهل العلم إلى أن المحدة لا تنتقب قياساً على المحرمة: وهذا القياس غير صحيح, لأنه ليس هناك علة جامعة بينهما, ولذلك يحرم على المحرمة ما لا يحرم على المحادّة, والعكس, فالمرأة المحرمة لها أن تتحلى, ولها أن تكتحل, ولها أن تلبس الثياب الجميلة إذا لم يكن أمام الرجال, وما أشبه ذلك, والمحادّة ليس لها ذلك كما أن=12

..................................  =المحادّة يجوز لها أن تقص أظفارها, وأن تتنظف, وأن تقص الشعر المأمور بإزالته، وما أشبه ذلك، والمحرمة لا تفعل ذلك.

- الفائدة الثالثة: البرقع لا يجوز للمرأة المحادة أن تلبسه: لأنه يزخرف ويحسن ويوشي بالتلوين، فهو من باب الجمال.

- الفائدة الرابعة: هل للمرأة أن تلبس الثياب الجميلة ثم تلبس فوقها ثياباً غير جميلة؟

الجواب: الأحوط أن لا تلبس الثياب الجميلة مطلقاً, صحيح أن هذه الأنواع من الألبسة ما حُرِّمت لذاتها, بل لأنها زينة تدعو إلى جماعها, والمرأة إذا لبست شيئاً جميلاً تحت ثيابها وخرجت للناس بثياب غير جميلة لا تلفت النظر, لكن نقول ينبغي اجتنابها, حتى ولو كانت تحت الثياب غير الجميلة لأنها ربما ينكشف الثوب الأعلى ويتبين الأسفل, وربما يأتي أحد يقتدي بها ولا يدري فهذا أولى.

الفائدة الخامسة: ما الحكمة من الإحداد؟

قال أهل العلم: إن الحكمة من إحداد المرأة المتوفي عنها زوجها وفاءً للزوج, ومراعاة لحقه العظيم عليها, فإن الرابطة الزوجية هي أفضل رباط, فلا يصح شرعاً ولا أدباً أن تنسى ذلك الجميل, وتتجاهل حق الزوجية التي كانت بينهما, وليس لها أن يموت زوجها من ها هنا وتنغمس في الزينة وترتدي الثياب الزاهرة العطرية, وتتحول عن منزل الزوجية, كأن عشرة لم تكن بينهما, وقد كانت المرأة قبل الإسلام تحد عاماً كاملاً على زوجها تفجعاً وحزناً على وفاته, فنسخ الإسلام ذلك وجعله أربعة أشهر وعشرا,=

..................................  =ثم في إحدادها أيضاً إظهار للتأسف على ممات زوج وفى بعهدها, وعلى انقطاع نعمة النكاح, وهي ليست نعمة دنيوية فحسب, ولكنها أيضاً أخروية, لأن النكاح من أسباب النجاة في الدنيا والآخرة.
وقالوا أيضاً: من الحكم في تشريع الإحداد أن المرأة إذا تزينت فإن ذلك يؤدي إلى التشوق, وهو يؤدي إلى العقد عليها, وبالتالي يؤدي إلى الوطء، ثم يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وهو حرام، وما أدى إلى حرام فهو حرام.

  • الفائدة السادسة: هناك بعض الأشياء التي اعتاد النساء على فعلها أو على اجتنابها في الإحداد، وهي مما لا أصل له في الشرع مثل: لبس السواد, وعدم الصعود إلى سطح المنزل, وعدم الخروج إلى ساحة المنزل, وعدم رؤية القمر, وعدم البروز له، واعتقاد أنه لا يجوز لها أن تتكلم مع الرجال مطلقاً, والاعتزال عن الناس بحيث لا يراها أحد, وعدم التكليم في سماعة الهاتف, فهذا كله غير صحيح, بل هو من البدع المحرمة إذا فعل بنية التعبد.

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «لا تَحِدُّ امْرَأَةٌ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلاَّ عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوْغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصَبٍ، وَلا تَكْتَحِلُ، وَلا تَمَسُّ طِيْبًا، إِلاَّ إِذَا اغْتَسَلَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» (1)،  (1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ الله -صلى الله عليه وسلم- «لا تَحِدُّ امْرَأَةٌ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلاَّ عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوْغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصَبٍ، وَلا تَكْتَحِلُ، وَلا تَمَسُّ طِيْبًا، إِلاَّ إِذَا اغْتَسَلَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ»:

هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تخريجه في الحاشية, وهو عمدة في باب الإحداد، فقد بين فيه -صلى الله عليه وسلم- بعض الأحكام المتعلقة بالإحداد، فمن ذلك: 1 - تحريم الإحداد على ميت أكثر من ثلاثة إلا على زوج المرأة.
2 - إباحة الثلاث على غير الزوج تخفيفاً للمصيبة, وترويحاً للنفس بإبدائها شيئاً من التأسف على الحبيب المفارق.
3 - وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفي.
4 - الحديث يفيد عموم الزوجات سواء كانت مسلمة أو كتابية، كبيرة كانت أو صغيرة.
5 - قوله «تؤمن بالله واليوم الأخر» سيق للزجر والتهديد.
6 - الحكمة التي جاءت في تحديد المدة بأربعة أشهر وعشرا أنها المدة التي يتكامل فيها تخليق الجنين, وتنفخ فيه الروح إذا كانت حاملاً.
7 - أن الإحداد إنما يكون هو اجتنابها كل ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر من الزينة والطيب.

وَعَلَيْهَا الْمَبِيْتُ فِيْ مَنْزِلِهَا الَّذِيْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا العِدَّةُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيْهِ (1)، إِذَا أَمْكَنَهَا ذلِكَ (2)،  8 - قوله «إِلاَّ ثَوْبَ عَصَبٍ» هي ثياب من اليمن كان فيها بياض وسواد.
9 - قوله «نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» النبذة هي الشيء اليسير.
والقسط هو نوع من الطيب تبخر به النفساء, والأظفار قيل في تعريفه هو عطر أسود, القطعة منه تشبه الظفر، فهذا الحديث فيه بيان ما يجب على المرأة المحادة أن تجتنبه حال إحدادها، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.

(1)

قوله «وَعَلَيْهَا الْمَبِيْتُ فِيْ مَنْزِلِهَا الَّذِيْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا العِدَّةُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيْهِ»:

هذا هو الأمر الخامس الذي يجب على المرأة المحادّة أن تجتنبه وهو الخروج من المنزل، أي يجب عليها أن تعتد وتبيت في هذا المنزل الذي مات زوجها فيه وهي ساكنة فيه, سواء كان الزوج ساكناً أو لم يكن، وهذا مذهب جمهور أهل العلم لقوله -صلى الله عليه وسلم- لفريعة بنت مالك بن سنان - وهى أخت أبي سعيد الخدري «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (1). (2)

قوله «إِذَا أَمْكَنَهَا ذلِكَ»:

أي إن أمكن أن تعتد فيه أعتدت ولم يجز لها أن تتحول إلى غيره, إلا لعذر كأن تخشى على نفسها أو مالها إذا بقيت فيه من عدوٍ ونحوه, فلها أن تتحول عنه إلى حيث شاءت, وكذا لو حولت=1

فَإِنْ خَرَجَتْ لِسَفَرٍ أَوْ حَجٍّ؛ فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ قَرِيْبَةٌ، رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فِيْ بَيْتِهَا (1)، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَضَتْ فِيْ سَفَرِهَا (2)،  =عنه قهراً, كأن يمنعها صاحب المنزل لكونه مؤجراً أو معاراً, أو طلب زيادة أجرة, أو لكونها لا تجد ما تكتري به إلا من مالها, فلا يلزمها دفع الأجرة, لأن الواجب عليها فعل السكن لا تحصيل المسكن, فإذا تعذرت السكنى سقطت.

(1)

قوله «فَإِنْ خَرَجَتْ لِسَفَرٍ أَوْ حَجٍّ؛ فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ قَرِيْبَةٌ، رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فِيْ بَيْتِهَا»:

أي إذا خرجت المرأة لسفر أو لحج ثم توفي زوجها وهي في الطريق، فإن كانت المسافة التي وصل إليها خبر وفاته قريبة فإنها ترجع لتعتد في بيتها, وحدد الفقهاء بأن المسافة القريبة هي التي دون مسافة القصر, وقيل المرجع في ذلك إلى العرف.
(2)

قوله «وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَضَتْ فِيْ سَفَرِهَا»:

أي إن تباعدت مسافة السفر للحج وغيره فإنها تمضي في سفرها لأن ذلك يضر بها وعليها مشقة, ولابد لها من سفر وإن رجعت.
وظاهر كلام المؤلف أنها إن أحرمت بالحج وكانت المسافة قريبة كأن تكون من أهل مكة ويصلها خبر وفاة زوجها ف

هل ترجع بعد أن أحرمت بالحج لكون المسافة قريبة؟

نقول في ذلك تفصيل: فإن كانت يمكنها الجمع بين العدة وأداء الحج لكون الوقت متسعاً لا تخاف فواته ولا فوات الرفقة لزمها الاعتداد بمنزلها لأنه أمكن الجمع بين=

وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلاثاً مِثْلُهَا، إِلاَّ فِيْ الاِعْتِدَادِ فِيْ بَيْتِهَا (1)،  =الحقين, فلم يجز إسقاط أحدهما, وإن خشيت فوات الحج لزمها المضي فيه, لأنهما عبادتان استويا في الوجوب وضيق الوقت, فوجب تقديم الأسبق منهما, ولأن المشقة بتفويت الحج تعظم, فوجب تقديمه.

(1)

قوله «وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلاثاً مِثْلُهَا، إِلاَّ فِيْ الاِعْتِدَادِ فِيْ بَيْتِهَا»:

ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وقلنا الراجح أنه لا يجب على غير المتوفى عنها زوجها إحداد لأن الشرع إنما خصَّ المتوفي عنها زوجها ولوجود الفرق بينهما كما تقدم.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: يبدأ الإحداد من حين خروج روح الزوج، فلو لم تعلم بوفاته إلا بعد خمسة أشهر من وفاته فلا إحداد عليها.
  • الفائدة الثانية: لا يجوز للمرأة المحادة أن تخرج من بيت زوجها الذي مات فيه إلا لضرورة وحاجة لابد لها منها، كأن تكون معلمة أو طالبة أو موظفة ولم يؤذن لها، فلها أن تذهب لعملها وترجع إلى بيت زوجها مباشرة بعد أداء ما عليها، ولها الخروج للمستشفى، وإنهاء الأوراق في المحاكم، وغير ذلك من الأمور الضرورية.

بابُ نَفَقَةِ المُعْتَدَّاتِ

(1) وَهِيَ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ (2)، أَحَدُهَا: الرَّجْعِيَّةُ، وَهِيَ: مَن يُمْكِنُ زَوْجُهَا إِمْسَاكَهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى (3)،  (1)

قوله -رحمه الله- «بابُ نَفَقَةِ المُعْتَدَّاتِ»:

النفقة في اللغة: اسم من الإنفاق، وهو الإخراج؛ سميت بذلك لأنها تنفق.
وشرعاً: ما يلزم المرء صرفه لمن عليه مؤنته من زوجته وأولاده ودابته ونحو ذلك.

  • فائدة: الأسباب الموجبة للنفقة ثلاثة: 1 - النكاح: وهو عقد الزوجية الصحيح، وهذه نفقة الزوجات.
    2 - النسب: وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة، وهذه نفقة الأقارب.
    3 - الملك: وذلك كالرقيق والدابة، وهذه نفقات المماليك.
    وسيأتي باب خاص بالنوعين الآخرين يسمى «باب النفقة على الأقارب والمماليك».

(2)

قوله «وَهِيَ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ»:

أي المعتدات ممن يجب عليهن النفقة على ثلاثة أقسام.
(3) قوله «أَحَدُهَا: الرَّجْعِيَّةُ، وَهِيَ: مَن يُمْكِنُ زَوْجُهَا إِمْسَاكَهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى»: بدأ المؤلف هنا بالقسم الأول وهي المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً، فهذه باتفاق الفقهاء أنه يجب لها النفقة من طعام وكسوة ومسكن أيام عدتها لقوله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ =

..................................  = نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} 1، فقد نهى سبحانه وتعالى الأزواج عن إخراج زوجاتهم أثناء عدتهن من بيوتهن واعتبر ذلك تعدياً لحدود الله، وإذا كانت المرأة محبوسة لحق الزوج في ذلك السكن، فعليه سائر أنواع النفقة لأن من حبس لحق إنسان وجب على المحبوس له النفقة كاملة ولقيام حبس النكاح حيث يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه 2. والمرأة الرجعية هي التي طلقها زوجها في نكاح صحيح، على غير عوض، وقد سبق تعريفها في باب الرجعة.
فالمرأة الرجعية في حكم الزوجة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ 3، أي أزواجهن، فسماه الله تعالى بعلاً مع أنه مطلق، إذاً فهي زوجة.
فإن طلق الرجل امرأته مرة واحدة تبقى في بيته تتشرف له، وتتزين له، وتتطيب له، وتكشف الوجه، والذراع، والعضد، والصدر، والبطن، وكل ما يباح له منها.
ولذا يجب عليه النفقة كما سبق.
وقوله «فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى»: قد سبق بيان ذلك في باب النفقة.

وَلَوْ أَسْلَمَتِ امْرَأَةُ الكَافِرِ أَوِ ارْتَدَّ زَوْجُ المُسْلِمَةِ بَعْدَ الدُّخُوْلِ فَلَهَا نَفَقَةُ العِدَّةِ (1)، وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الكَافِرَةِ أَوِ ارْتَدَّتْ امْرَأَةُ المُسْلِمِ فَلا نَفَقَةَ لَهُمَا (2)،  (1)

قوله «وَلَوْ أَسْلَمَتِ امْرَأَةُ الكَافِرِ أَوِ ارْتَدَّ زَوْجُ المُسْلِمَةِ بَعْدَ الدُّخُوْلِ فَلَهَا نَفَقَةُ العِدَّةِ»:

أي ولو أسلمت كافرة تحت كافر بعد الدخول، فإنه يجب فسخ النكاح كما سبق في أول كتاب النكاح وذلك لاختلاف دينهما, ومع حصول الفسخ تجب العدة لبراءة الرحم, ويجب لها نفقة العدة لأنها محبوسة بسببه، ولأنه يتمكن من بقاء نكاحها واستمتاعه منها بإسلامه، فكانت لها النفقة كالرجعية.
وكذا لو ارتد زوج المسلمة بعد الدخول فيوقف الأمر على انقضاء العدة، على أرجح الروايتين، ولها نفقة واجبة عليه كالرجعية أيضاً، ولأن انفساخ النكاح كان بسبب كفر الزوج فلزمته نفقة العدة المترتبة عليه.

(2)

قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الكَافِرَةِ أَوِ ارْتَدَّتْ امْرَأَةُ المُسْلِمِ فَلا نَفَقَةَ لَهُمَا»:

أي متى أسلم زوج الكافرة، أو ارتدت امرأة المسلم فلا نفقة للمرأة في العدة، لأنه لا سبيل إلى تلافي نكاحها فلم يكن لها نفقة ولأنه مأمور بفسخ النكاح.

الثَّانِيْ: البَائِنُ فِيْ الحَيَاةِ بِطَلاقٍ أَوْ بِفَسْخٍ، فَلا سُكْنَى لَهَا بِحَالٍ، وَلَهَا النَّفَقَةُ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً، وَإِلاَّ فَلا (1)،  (1)

قوله «الثَّانِيْ: البَائِنُ فِيْ الحَيَاةِ بِطَلاقٍ أَوْ بِفَسْخٍ، فَلا سُكْنَى لَهَا بِحَالٍ، وَلَهَا النَّفَقَةُ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً، وَإِلاَّ فَلا»:

فرق الفقهاء بين المبتوتة الحامل وغير الحامل في وجوب النفقة لها بأنواعها أثناء العدة، فاتفقوا أن لها النفقة والسكنى متى كانت حاملاً.
واستدل الفقهاء على ذلك بقوله تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 1، ولأن هذه المرأة حامل بولده وهو يجب أن ينفق عليه، ولا يمكن الإنفاق على الحمل إلا إذا أنفق على أمه، فيجب على الزوج أن ينفق على تلك الأم، كما يجب عليه أجرة الإرضاع، هذا بالنسبة للحامل.
وقول المؤلف «وَإِلاَّ فَلا»: أي فإن لم تكن حاملاً فلا نفقة لها ولا سكنى لحديث «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلاثًا فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- نَفَقَةً وَلا سُكْنَى» 2. وذهب أبو حنيفة 3، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 4 أن لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: =

..................................  = ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 1. قالوا: فهذا خطاب عام يشمل جميع النساء، فهو يدل على العموم فتدخل فيه الحامل وغير الحامل إذا طلقهن أزواجهن، إلى أن قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 2. واستدلوا أيضاً بما ثبت عن عمار بن رزيق عن أبي إسحاق قال: كُنْتُ مَعَ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الأَعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِىُّ فَحَدَّثَ الشَّعْبِىُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلا نَفَقَةً ثُمَّ أَخَذَ الأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ.
فَقَالَ وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا قَالَ عُمَرُ لا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا -صلى الله عليه وسلم- لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لا نَدْرِى لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 3 4. وذهب المالكية 5، والشافعية 6، وهو رواية عند الحنابلة 7 أن لها السكنى دون النفقة لقوله تعالى {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ=

الثَّالِثُ: الَّتِيْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا عَنْهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا وَلا سُكْنَى (1)،  =وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (1). قالوا: فقد أوجب سبحانه السكنى لكل مطلقة، ومنها البائن غير الحامل، وأما النفقة فقد خص بها الحامل دون الحائل فدل ذلك على وجوب السكنى للبائن غير الحامل دون النفقة.
قلت: والأظهر عندي هو المذهب (2)، فلا سكنى لها ولا نفقة لقوله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس: «لا نَفَقَةً وَلا سُكْنَى» (3)، وهذا نص صريح في هذه المسألة.

(1)

قوله «الثَّالِثُ: الَّتِيْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا عَنْهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا وَلا سُكْنَى»:

نقول اتفق الفقهاء على أن المرأة المتوفى عنها زوجها إن كانت حائلاً فلا نفقة لها في العدة، ولكن اختلفوا في وجوب ذلك إن كانت حاملاً: فذهب الحنفية 4، والمالكية 5، والشافعية 6، وبعض الحنابلة 7، وهو المذهب إلى أنه لا نفقة لها لأن المال قد صار للورثة، ونفقة الحامل وسكناها إنما هو للحمل أو من أجله، ولا يلزم ذلك الورثة، لأنه إن=123

..................................  =كان للميت ميراث فنفقة الحمل من نصيبه، وإن لم يكن له ميراث لم يلزم وارث الميت الإنفاق على حمل امرأته كما لا يلزمه بعد الولادة، ولأن النفقة في مقابل الاستمتاع فتسقط بالموت، وليس للحمل دخل في وجوبها، فلا تستحق بسببه النفقة، وفي رواية أخرى في مذهب الإمام أحمد أن لها النفقة لأنها حامل فوجبت لها النفقة كالمفارقة له في حياته.
أما السكنى فقد اختلف الفقهاء في وجوبها للمتوفي عنها زوجها: فذهب المالكية إلى وجوب السكنى مدة العدة وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (1). الرواية الثانية للإمام أحمد (2)، وهي المذهب عند الحنفية (3) أنه لا سكنى لها مطلقاً.
والصحيح: أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وأما حملها فهو يرث كغيره، فإن لم يكن له تركة، كأن يموت أبوه ولا مال له، فإن النفقة تجب على من تلزمه نفقته من الأقارب.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: هل ينفق الزاني على المزني بها إذا حملت من الزنا؟

الجواب: لا ينفق عليها، لأن الحمل لا ينتسب إلى الزاني.
=123

..................................  -

الفائدة الثانية: إذا أنفق على من تجب عليه النفقة عليها ثم تبين أنها ليست بحامل

فما الحكم؟ الجواب: يرجع عليها بالنفقة.

الفائدة الثالثة: تسقط نفقة الزوجة بأسباب

هي: 1 - إذا حبست عنه ولم يتمكن من الاستمتاع بها.
2 - إذا نشزت عنه فلم يتمكن من الاستمتاع بها.
3 - إذا أسقطت نفقتها بنفسها.
4 - إذا سافرت لحاجتها من غير إذنه.

بابُ اسْتِبْرَاءِ الإِمَاءِ

(1) وَهُوَ وَاجِبٌ فِيْ ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ (2): أَحَدُهَا: مَنْ مَلَكَ أَمَةً، لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا (3)،  (1)

قوله -رحمه الله- «بابُ اسْتِبْرَاءِ الإِمَاءِ»:

الاستبراء لغة: طلب البراءة، لأن الهمزة والسين والتاء للطلب، كالاستعلام والاستجمار.
وشرعاً: تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك اليمين، هكذا عرفه العلماء شرعاً.
والصواب أن يقال: تربص يقصد منه العلم ببراءة الرحم، وليس ببراءة رحم ملك اليمين فقط، لأن الاستبراء قد يكون في غير المملوكة، فمن وطئت بشبهة أو زنا فإنها تستبرأ بحيضة، وليس عليها عدة.

(2)

قوله «وَهُوَ وَاجِبٌ فِيْ ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ»:

أي يجب طلب براءة الرحم، والعلم ببراءته في مواضع ثلاثة.
(3)

قوله «أَحَدُهَا: مَنْ مَلَكَ أَمَةً، لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا»:

هذا هو الموضع الأول الذي يجب فيه العلم ببراءة الرحم، وهو عند ملك أمة ببيع، أو هبة، أو سبي، أو غير ذلك.
ومثلها يوطأ كالتي لها تسع فهذه «لَمْ يُصِبْهَا» أي لم يحل له أن يطأها حتى يعلم ببراءة رحمها، لأنها قد تكون حاملاً من مالكها الأول فتكون أم ولد، فيحصل الاستمتاع بأم ولد غيره، وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» 1.

الثَّانِيْ: أُمُّ الوَلَدِ وَالأَمَةُ الَّتِيْ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا، لا يَجُوْزُ لَهُ تَزْوِيْجُهُمَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهُمَا (1). الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَهُمَا سَيِّدُهُمَا أَوْ عَتَقَا بِمَوْتِهِ، لَمْ يَنْكِحَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَا أَنْفُسَهُمَا (2)،  =وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في سبي أوطاس: «لا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (1).

و

هل يجوز الاستمتاع بها دون الوطء كالمباشرة والتقبيل واللمس؟

الجواب: على روايتين في المذهب (2)، الصحيح أن التحريم إنما يكون في الوطء فقط، وهذا هو قول المؤلف هنا، وهو اختيار ابن القيم -رحمه الله- (3).

(1)

قوله «الثَّانِيْ: أُمُّ الوَلَدِ وَالأَمَةُ الَّتِيْ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا، لا يَجُوْزُ لَهُ تَزْوِيْجُهُمَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهُمَا»:

هذا هو الموضع الثاني الذي يجب فيه الاستبراء وهو أم الولد، فإن أعتق أم ولده - وهي التي ولدت من سيدها في ملكه - أو أمة كان يصيبها لزمه أن يستبرأهما، فإن لم يكن قد فعل ذلك لزمهما استبراء نفسيهما.
(2)

قوله «الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَهُمَا سَيِّدُهُمَا أَوْ عَتَقَا بِمَوْتِهِ، لَمْ يَنْكِحَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَا أَنْفُسَهُمَا»:

هذا هو الموضع الثالث من مواضع الاستبراء، أي إذا أعتق السيد الأمة وأم الولد في حياته وكان يطؤها قبل عتقه لهما، فلا=123

وَالاِسْتِبْرَاءُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ بِوَضْعِ الحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً (1)، أَوْ حَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ تَحِيْضُ (2)، أَوْ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ مِنَ اللاَّئِيْ لَمْ يَحِضْنَ (3)،  =تتزوج كل منهما حتى تستبرأ.
وكذلك إذا كان عتقه لهما بموته فأم الولد تعتق بموت سيدها، والأمة تعتق بموت سيدها إذا دبرها في حياته, فإذا كان سيدها يطؤها قبل موته فإن الواجب عليهما أن يستبرئا نفسيهما.

(1)

قوله «وَالاِسْتِبْرَاءُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ بِوَضْعِ الحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً»:

أي يكون الاستبراء بوضع الحمل، وهذا صحيح، ولو وضعت بعد الشراء بساعة, فإن بقى في بطنها ثلاث سنين ينتظر حتى تضع.
(2)

قوله «أَوْ حَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ تَحِيْضُ»:

أي يكون استبرائها كذلك بحيضة إذا كانت من ذوات الحيض, وكونها حيضة واحدة لأن هذه ليست عدة وإنما الغرض العلم ببراءة الرحم, فإذا حاضت مرة واحدة حلت, فإذا كانت لا تحيض كالآيسة أو الصغيرة فقد قال المؤلف.
(3)

قوله «أَوْ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ مِنَ اللاَّئِيْ لَمْ يَحِضْنَ»:

أي الآيسة والصغيرة تستبرأ بمضي شهر لقيامه مقام الحيضة، وهذا هو المذهب، وفي رواية عنه ثلاثة أشهر، قال في الفروع 1 وهو الأظهر, فإن كان قد ارتفع حيضها ولم تدر سبب رفعه، قال المؤلف.

أَوْ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ إِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَه (1)،  (1)

قوله «أَوْ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ إِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَه»:

أي فإن كانت قد ارتفع حيضها ولم تدر سببه فإنها تنتظر عشرة أشهر, تسعة أشهر للحمل وشهراً للاستبراء.

جارٍ التحميل