وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 191-230

أَوِ اسْتَقَاءَ (1)،  =المؤلف يكون مفطراً.
والصحيح أنه لا يفطر إلا إذا كان فيه شيء يصل إلى الجوف مثل دهن أو علاج أو تقئ به فإنه يفطر به، وأما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يفطر به، والغالب أنه يكون فيه شيء.

(1)

قوله: (أَوِ اسْتَقَاءَ):

فرق الفقهاء بين ما إذا خرج القيء بنفسه وبين ما إذا خرج من الجوف عمداً، وهو ما يسمى بالاستقاءة أو تكلف القيء.
والقيء إذا خرج بنفسه أي غلب القيء الصائم فلا خلاف بين الفقهاء في عدم الإفطار به قل القيء أم كثر، لكن بشرط أن لا يدخل منه شيء إلى جوفه باختياره.
دليل ذلك ما رواه أهل السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) 1، ومعنى ذرعه القيء: غلبه.
قلت: وذهب بعض العلماء 2 إلى أن القيء لا يفطر مطلقاً، وضعف حديث أبي هريرة المتقدم (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ).
وقال أيضاً: مما يدل على ضعف الحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول بعدم الفطر بالقيء، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إِذَا قَاءَ فَلا يُفْطِرُ إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلا يُولِجُ) 3.

..................................  وقال أيضاً نقل عن ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما عدم الإفطار بالقيء مطلقاً ذرعه أو تعمده.
قال القرضاوي 1 في كتابه (فقه الصيام) بعد ذكر ما أوردناه: والحقيقة أن التفطير بالقيء لا يتفق مع مقاصد الصيام، وقد جاء في حديث مرفوع آخر ما يعارض، هذا وهو ما روي عنه عليه الصلاة والسلام: (ثَلاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالاحْتِلامُ) 2. قلت: والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فمتى استقاء الإنسان عمداً مختاراً ذاكراً لصومه عالماً بالحكم فإنه يفطر بذلك، والحجة في ذلك حديث أبي هريرة المتقدم، وقد صحح إسناده العلامة الألباني في الإرواء 3، ورد على من قال بضعفه بما فيه الكفاية.
أما لو ذرعه القيء ثم عاد بنفسه بغير صنع من الصائم ولو كان ملء الفم فلا يفسد صومه لأنه كالمكره.
أما ما جاء عن ابن عباس وابن مسعود ففيه نظر من جهة الإسناد وإن ثبت ذلك عنهم فإنه اجتهاد منهم، ولا اجتهاد مع وجود النص الصريح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وهذا هو المذهب 4. وذهب المالكية 5 إلى أن رجوع القيء مفطر قل أو كثر، رجع عمداً أو سهواً، وعليه القضاء.

أَوِ اسْتَمْنَى (1)، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى (2)،  والصحيح ما عليه المذهب لأن رجوع القيء ليس باختياره فهو كالمكره في ذلك.
أما الاستقاءة وهي كما ذكرنا استخراج ما في الجوف عمداً، أو هي تكلف القيء، فإنها مفسدة للصوم موجبة للقضاء عند جمهور الفقهاء (1). أما الحنفية (2) فلهم روايات وتفصيلات وتفريعات نعرض عنها لأن الحديث حجة في هذا المقام، ولذا أخذ به الجمهور.

(1)

قوله: (أَوِ اسْتَمْنَى):

أي طلب خروج المني بأي وسيلة كانت كالاستمناء باليد أو التفخيذ أو باللمس وما شابه ذلك حتى أنزل، فإن صومه يفسد بذلك، وهذا هو قول عامة الفقهاء.
وذهب الظاهرية (3) إلى أن الاستمناء غير مفطر لعدم الدليل من الكتاب والسنة، ولأن أصول المفطرات ثلاثة وهذا ليس منها.
والصحيح أنه مفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي.. ) (4). والاستمناء بلا شك شهوة، لكن يجب أن يقيد الاستمناء بالإنزال، أما إذا لم ينزل فلا شيء عليه.

(2)

قوله: (أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى):

فإنه يفطر.
قلت: قال في الشرح الكبير (5)

###: (المقبِّل لا يخلو من ثلاثة أقسام:

12345

..................................  أحدهما: أن يكون ذا شهوة مفرطة يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزلـ أو أمذى، فهذا تحرم عليه القبلة لأنها مفسدة لصومه أشبهت الأكل.
الثاني: أن يكون ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك فيكره له التقبيل لأنه يعرض نفسه للفطر ولا يأمن عليه الفساد، ولأن العبادة إذا منعت الوطء منعت دواعيه كالإحرام، ولا تحرم القبلة في هذه الحال لما روي (أن رجلاً قبل وهو صائم فأرسل امرأته فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل وهو صائم) 1. الثالث: أن يكون ممن لا تحرك القبلة الشهوة عنده كالشيخ الكبير ففيه، روايتان: إحداها: لا تكره له لأنها مباشرة لغير شهوة أشبهت لمس اليد لحاجة.
الثانية: أنه يكره لأنه لا يأمن حدوث الشهوة، ولأن الصوم عبادة تمنع الوطء، فاستوى في القبلة فيها من تحرك شهوته ومن لا تحرك كالإحرام) انتهى كلامه مختصرًا.
قلت: والذي يظهر لي أن القبلة لا بأس بها مطلقاً لقول عائشة رضي الله عنها: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) 2. فمتى ملك الإنسان إربه - يعني شهوته - جاز له ذلك، فمجرد القبلة لا تفسد الصوم إلا إذا كان معها إنزال، لكن من خشي الوقوع في المحذور فلا يقبل.

أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ (1)،  لكن إذا قبل، أو لمس فأمذى هل يفسد صومه؟ إذا قبل أو لمس وباشر فأمذى فالمذهب (1)، وهو قول مالك (2) أنه يفسد صومه، واختار شيخ الإسلام (3) عدم إفساد الصوم بالمذي، وهو قول أبي حنيفة (4)، والشافعي (5)، واستظهر هذا القول صاحب الفروع (6)، وصوَّبه صاحب الإنصاف (7)، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين (8) وهو الراجح عندي.

(1)

قوله: (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ):

أي إذا كرر النظر إلى ما فيه تهييج لشهوته حتى أنزل بذلك فإنه يفطر وتكرار النظر على ثلاثة أحوال: الأول: أن يكرر النظر ولا يقترن بذلك إنزال فلا يفسد الصوم بغير خلاف.
الثاني: أن يكرر النظر فينزل معه مني فالمذهب 9، وهو قول مالك 10 يفسد الصوم، وقال أبو حنيفة 11، والشافعي 12 لا يفسد لأنه من غير مباشرة أشبه الإنزال بالفكر.
والصحيح عندي أنه يفسد الصوم بذلك لأنه إنزال للمني بفعل يتلذذ به، =12345678

أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ (1)،  =وقد قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: (يدع شهوته وطعامه من أجلي) (1). الثالث: أن يكرر النظر فينزل منه مذي فظاهر المذهب أنه لا يفطر بذلك لعدم ورود النص بالفطر به، وقياسه على المني لا يصح لمخالفته له في الأحكام فيبقى على الأصل.
وفي رواية أخرى في المذهب (2) أنه يفطر به لأنه خارج بشهوة، فأشبه المني.
قلت: والصحيح عندي عدم الإفطار به، وهو كما ذكرنا اختيار شيخ الإسلام، وشيخنا ابن عثيمين، وغيرهم من الفقهاء.

(1)

قوله: (أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ):

الحجامة هي استخراج الدم المحتقن في الجسم، والحاجم هو الذي يحجم غيره، والمحجوم هو الذي يطلب الحجامة من غيره.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فالمذهب 3 وهي من مفرداته أنها تفطر ويجب على الحاجم والمحجوم القضاء.
وذهب جمهور الفقهاء 4 أنها لا تفطر ولكنهم كرهوها بوجه عام.
والصحيح عندي ما ذهب إليه الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية 5، والشيخين 6 لقوله صلى الله عليه وسلم: (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) 7.12

عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ (1)،

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة (1): هل يلحق بالحجامة الفصد، والشرط، والإرعاف، والتبرع بالدم؟ نقول: أما المذهب فعندهم لا يلحق الفصد، والشرط وغيرهما بالحجامة لأن العلة في الحجامة تعبدية، وذهب شيخ الإسلام إلى أن الفصد والشرط يفسدان الصوم وكذلك لو أرعف حتى خرج الدم من أنفه.
    والراجح عندي أن هذه الأشياء المذكورة إذا أضعفت الشخص مثل الحجامة فإنه يفطر بها، وهذا ما يميل إليه شيخنا (1) ررحمه الله.
  • فائدة (2): الحجامة بالآلات الحديثة لا يفطر بها الحاجم، أما المحجوم فإنه يفطر بها.
  • فائدة (3): التبرع بالدم كما ذكرنا يفطر إذا كان يضعف الشخص مثل الحجامة، لكن لا يسوغ إلا بثلاثة أمور: (1) أن لا يتضرر المتبرع.
    (2) الحاجة الماسة للمتبرع له.
    (3) أن يكون بدون عوض لأنه لا يجوز بيع الدم.
  • فائدة (4): الدم الذي يفطر هو الكثير الذي في معنى الحجامة، أما القليل مثل إبرة تحليل السكر فلا تفطر.

(1)

قوله: (عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ):

هذه شروط فساد الصوم، وقد سبق بيان هذه الشروط.1

..................................  فالشرط الأول: أن يكون (عامداً) فيخرج بذلك غير العامد كالمكره، ومن يحصل له الفطر بغير اختياره بلا إكراه مثل أن يدخل إلى فمه غبار أو حشرة أو يتمضمض فيدخل إلى جوفه الماء بغير اختياره فهذا لا يفطر لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 1. وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة قريباً وسبق بيان الراجح.
الشرط الثاني: كونه (ذاكراً) أي ذاكراً لصومه فيخرج بذلك الناسي لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.. ﴾ 2 فقال تعالى: قد فعلت) 3، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) 4. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) 5. وهذا ما ذهب إليه الجمهور كما ذكرنا.
وذهب المالكية 6 إلى أن من نسي فأكل أو شرب في رمضان فعليه القضاء، وفي غير رمضان فإنه يتم صومه.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لقوله صلى الله عليه وسلم (إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) 7. فهو عام يتناول صوم الفريضة وغيره،

وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ (1)، وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ مَاءٌ (2)، أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ (3)،  فتخصيص ذلك بصوم النافلة يحتاج إلى دليل ولا دليل على التخصيص.

(1)

قوله: (وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ):

وهذا كما ذكرنا آنفاً يشترط لفساد الصوم أن يكون عالماً، ذاكراً لصومه، فإن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد صومه.

- فائدة: هل يلحق بهذه الشروط أن يكون عالماً؟

نقول: سبق بيان ذلك وقلنا أن الصواب اشتراط العلم بالمفطر، فإذا كان يجهل الحكم الشرعي كأن يجهل أن الجماع في رمضان مفسد للصوم فإنه لا يفسد صومه بذلك، لكن إن جهل ما يترتب عليه الجماع وهو يعرف أنه مفطر للصوم كأن يعرف أن الجماع مفسد للصوم لكن يجهل أن عليه الكفارة والقضاء فإنه يُلزم بالكفارة والقضاء ولا عبرة بجهله هنا ما دام أنه يعرف الحكم.
وقال سماحة شيخنا بن باز (1) رحمه الله: من جامع في نهار رمضان جهلاً منه، وهو ممن يجب عليه الصيام فقد اختلف أهل العلم في شأنه.
والأحوط له الكفارة من أجل تفريطه وعدم سؤاله عما يحرم عليه.

(2)

قوله: (وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ مَاءٌ):

أي فإنه لا يفطر لأن ذلك حصل بغير اختياره ولا قصد منه.
(3)

قوله: (أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ):

أي فكر في الجماع فأنزل، فإنه لا يفسد صومه لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) 2.1

أَوْ قَطَّرَ فِيْ إِحْلِيْلِهِ (3)، أَوِ احْتَلَمَ (4)،  وهذا لم يعمل ولم يتكلم إنما حدث نفسه، ونلاحظ أن المذهب يفرق بين الفكر والنظر، فالفكر لا يمكن التحرز منه بخلاف النظر فإنه يمكن التحرز منه، فإن أنزل بالفكر لا يفطر وإن أنزل بالنظر أفطر.
والصحيح كما ذكرنا أنه لا يفطر بالفكر ولا بالنظر.

(1)

قوله (أَوْ قَطَّرَ فِيْ إِحْلِيْلِهِ):

الإحليل هي ما تسمى بقناة الذكر، فلو دخل عن طريقها مفطر من المفطرات فإنه لا يفطر لأن الذَّكر ليس طريقاً إلى الجوف، وما أدخل عن طريق الإحليل لا يسمى أكلاً ولا شرباً.
(2)

قوله (أَوِ احْتَلَمَ):

أي نام وفي أثناء نومه احتلم، فإنه لا يفطر بذلك لأنه غير قاصد، وقد رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ لكن يلزمه الغسل.

  • فائدة: من أجنب مثلاً ثم أصبح صائماً فصومه صحيح ولا قضاء عليه عند جمهور العلماء وذلك لحديث عائشة، وكذا أم سلمة رضي الله عنهما قالتا: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ) 1. لكن قد يقول قائل: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو القاري قال سمعت أبا هريرة يقول: (لا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا أَنَا قُلْتُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلا يَصُومُ مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْبَيْتِ قَالَهُ... ) 2، كيف يجاب عن هذا؟ نقول: بأن العلماء أجابوا عن هذا الحديث فقالوا بأنه يحمل على النسخ أو=

أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ (1)، وَمَنْ أَكَلَ يَظُنُّهُ لَيْلاً، فَبَانَ نَهَارًا، أَفْطَرَ (2)، وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ طُلُوْعِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ (3)، وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَسَدَ صَوْمُهُ (4)  =الإرشاد إلى الأفضل، وهو أنه يستحب أن يغتسل قبل الفجر ليكون على طهارة من أول الصوم.
وإلا فقد قال شيخ الإسلام (1) رحمه الله: (ويصح صوم الجنب باتفاق الأئمة).

(1)

قوله: (أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ):

أي قاء بغير اختياره وقد سبق بيان هذه المسألة.
(2)

قوله: (وَمَنْ أَكَلَ يَظُنُّهُ لَيْلاً، فَبَانَ نَهَارًا، أَفْطَرَ):

لأن العبرة بالواقع، وبناءً على الأصل، فالأصل بقاء النهار.
(3)

قوله: (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ طُلُوْعِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ):

وهذا أيضاً بناء على الأصل، فالأصل هنا بقاء الليل، فلم يفسد صومه بذلك.
(4) قوله: (وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَسَدَ صَوْمُهُ): لأن الأصل عدم غروبها.
قلت: وهذه المسائل الثلاث التي ذكرها المؤلف وهي فيمن شك في طلوع الفجر، أو دخول المغرب، فأكل أو شرب فتبين له خلاف ما اعتقد هل يلزمه القضاء أم لا؟ فالمذهب 2 يوجب القضاء إلا في حالة واحدة، وهي من أفطر شاكاً في طلوع الفجر فبان طلوعه فلا يفسد صومه، وما عداها فعليه القضاء.
وقد اختلف الفقهاء في هاتين المسألتين: هل يفسد صومه أم لا؟ فالحنفية 3، والمالكية 4، والشافعية 5، والحنابلة 6، وهو قول سماحة=1

..................................  =شيخنا ابن باز 1 رحمه الله أنه يلزم القضاء لمن أكل أو شرب أو جامع ظانًّا غروب الشمس، وذلك لأن الأصل بقاء النهار.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية 2، وابن القيم 3، وشيخنا ابن عثيمين 4 رحمهم الله أنه لا قضاء عليه، واحتج هؤلاء بما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ.. ) 5. وبما أخرجه مالك رحمه الله (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَفْطَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ عُمَرُ الْخَطْبُ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَهَدْنَا) 6. فقالوا: أنه لم يصرح في هذه الأدلة بالقضاء ولو كانوا قد قضوا لعلم ذلك.
والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور وهو وجوب القضاء إلا في حالة واحدة وهي ما إذا أكل أو شرب شاكاً في طلوع الفجر فلا شيء عليه ما دام لم يتبين له أنه أكل أو شرب بعد طلوع الفجر، وهو قول شيخنا بن باز 7 رحمه الله لما جاء في حديث أسماء بنت أبي بكر المتقدم (قُلْتُ لِهِشَامٍ أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ وَبُدٌّ مِنْ ذَلِكَ) 8.

..................................  ولأن هذا هو الأحوط، والأخذ بالأحوط في العبادات مطلب شرعي ينبغي على المسلم أن يسلكه.

ذكر بعض الفوائد العامة على ما سبق بيانه في كتاب الصوم

:

فائدة (1): ما يبقى في الفم بعد المضمضة مع الريق

: إذا ابتلعه الصائم لا يضره ما دام أنه بصق بعد ما مج الماء، ولا يشترط المبالغة في البصق لأن ما يبقى بعد بلل الفم أو رطوبته لا يمكن التحرز منه.

فائدة (2): من أصبح وفي فيه أو بين أسنانه طعام

: فالواجب عليه أن يلفظه أي يخرجه ولا يبتلعه سواء كان قليلاً أو كثيراً.
وذهب المالكية (1) إلى عدم الإفطار بذلك سواء ابتلعه عامداً أو ناسياً، وذلك لأنه أخذه في وقت يجوز أخذه فيه.
وفي رواية أخرى عندهم، أي المالكية: أنه إن تعمد بلعه أفطر، أما لو سبق إلى جوفه فلا يفطر.
والصحيح عندي أنه لا يفطر من ابتلع ذلك إلا بشرطين: الأول: أن يقصد ابتلاعه.
الثاني: أن لا يعجز عن تمييزه أو مجه لأنه معذور فيه غير مفرط.
فإن قدر عليهما أفطر ولو كان مثل الحمصة لأنه لا مشقة في لفظه والتحرز عن ذلك ممكن، وهذا هو قول الشافعية (2)، والحنابلة (3).

- فائدة (3): في البصاق، ودم اللثة، وكذا الشفتين:

قد يحصل مع الصيام تشقق للثة، وكذا للشفتين فتنزف هذه الأماكن دماً فما=123

..................................  =الحكم إذاً؟ نقول: مجرد البصاق لا يفطر إلا إذا كان مخلوطاً بدم بسبب تشقق اللثة، أو الشفة ونحوه، فإنه يحرم عليه ابتلاعه ويفطر به إذا ابتلعه لتغير الريق، والدم نجس لا يجوز ابتلاعه، وهذا هو قول الشافعية (1)، والحنابلة (2)، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين (3) رحمه الله.

فائدة (4): في النخامة

: النخامة هي ما يخرجه الإنسان من الحلق أو من الخيشوم عند التنحنح، وهي إما أن تكون بلغماً، أو مخاطاً نازلاً من الرأس.
وقد اختلف الفقهاء في حكمها: فمنهم من قال بأنها لا تفطر مطلقاً، وهو قول الحنفية 4، والمالكية 5، ورواية في مذهب أحمد 6. والمذهب 7 عند الحنابلة أنه يحرم على الصائم ابتلاع النخامة، ويفطر بها إذا بلعها سواء كانت في جوفه أو صدره، لكن بشرط أن تصل إلى فمه، فإذا بلعها بعد وصولها إلى الفم أفطر بذلك لأنه أمكن التحرز منها.
والصحيح عندي: أنه لا يفطر بها مطلقاً، وهو قول الحنفية 8، والمالكية 9، ورواية في مذهب الإمام أحمد 10، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح=123

..................................  =العثيمين 1 رحمه الله وذلك لما ذكره أصحاب هذا القول، ولأنه أيضاً لا يعد بلعها أكلاً ولا شرباً، بل يحرم ابتلاعها لما فيها من الاستقذار والضرر.

  • فائدة (5): من سافر من جهة الغرب وقبل ركوب الطائرة أذن المغرب فأفطر فلما حلقت الطائرة في السماء رأى الشمس: نقول: الصواب أنه لا يمسك لأنه أفطر بمقتضى دليل شرعي وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 2، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) 3.
  • فائدة (6): من سافر من الرياض مثلاً إلى بلاد الهند، وقد صام ثمانية وعشرين يوماً، ووجدهم قد صاموا قبله بيومين وعندهم عيد: فالصواب أنه يفطر معهم ويقضي ذلك اليوم.
    وقد سبق بيان ذلك 4.
  • فائدة (7): من صام ثلاثين يوماً ثم جاء لمكان آخر ووجدهم صياماً: فيلزمه الصيام معهم إلى حين فطرهم لأن العبرة بالمكان الذي هو فيه، وقد سبق بيان ذلك 5.
  • فائدة (8): من رأى الشمس قد غربت وهو في البلد والمؤذن لم يؤذن: فالذي ينبغي عليه أن ينتظر المؤذن لأنه يتبعه في الصلاة، وهو مؤتمن.
    ثم إنه قد=

..................................  =يكون حجب ضوء الشمس شيءٌ ما فيظن أنها قد غربت، لكن إذا كان في البلد وتيقن غروبها فله أن يفطر.

فائدة (9): من كان عليه صيام شهرين متتابعين وسافر

أو مرض فهل له أن يفطر؟: الجواب: نعم له أن يفطر لأنها رخصة لو كان في رمضان، وكذلك المرأة إذا جاءها الحيض أو نفست فإنها تقطع التتابع وتواصل بعد طهارتها.

  • فائدة (10): من كان عليه كفارة صيام شهرين متتابعين وصام فما حكم الجماع له بالليل؟: نقول: المسألة محل خلاف كما ذكرنا، فبعض أهل العلم قال: يجوز له ذلك، وقال بعضهم: لا يجوز له ذلك ككفارة الظهار.
    والصواب عندي: جواز ذلك.

بَابُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ

(1)  (1)

قوله (بَابُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ):

أي باب ما يتقرب به إلى الله تعالى بما ليس بفرض من الصوم.
والصيام يدور مع الأحكام الشرعية الخمسة، فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مستحب.
فالواجب: مثل صيام رمضان، وقضائه، وصوم النذر، وصوم الفدية، وصوم الكفارة.
والمحرم: صيام العيدين، وصيام أيام التشريق لنص النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وصيام أيام الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، وصيام التطوع للمرأة بدون رضا زوجها وهو حاضر لأن طاعته أوجب الواجبات، وصيام يوم الشك كما رجحنا سابقاً.
والمكروه: صيام يوم عرفة للحاج وذلك لتفرغه للدعاء والذكر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمه في حجة الوداع.
وصيام يوم الجمعة منفرداً إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، فلا حرج.
وكذلك أن يوافق يوم الجمعة يوم عرفة أو يوم عاشوراء، أو قضاء رمضان، أو صامه على أنه من الست من شوال منفرداً، فهذا كله لا بأس به.
فالمهم أن النهي عن صيام يوم الجمعة إذا كان مطلقاً، أما إن كان مقيداً فلا حرج.
وصيام يوم السبت منفرداً، وصيام الدهر.1

أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (1)، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ (2)،  والصوم المستحب: وهو ما سيذكره المؤلف هنا.

(1)

قوله (أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا):

أي أفضل أقسام صوم التطوع هو صيام داود وذلك لورود النص في ذلك، فقد روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ) (1). ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (.. صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ قَالَ قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) (2). قلت: لكن هذا مشروط بأن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام، كالقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده اللازمة وإلا فتركه أفضل.

(2)

قوله (وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ):

أي ومن أفضل صوم التطوع أيضاً صيام شهر الله المحرم، لما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ) 3.12

وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ (1)، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ (2)،  (1)

قوله (وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ):

اتفق الفقهاء على صيام الثمانية أيام من شهر ذي الحجة التي من أوله قبل يوم عرفة، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامُ الْعَشْرِ - قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بمَالِهِ وِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) (1). وآكد هذه الأيام هو يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.

لكن

هل يسن للحاج صيام هذه الأيام

أيضاً؟ نقول: نعم يستحب صيامها للحاج أيضاً كما صرح بذلك المالكية (2)، والشافعية (3). (2)

قوله (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ):

دليل ذلك حديث أبي أيوب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) 4. فيسن صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان.
ونقل عن أبي حنيفة 5 كراهة صيام هذه الست متفرقاً كان أو متتابعاً، وعن أبي يوسف 6 كراهته متتابعة لا متفرقاً.123

..................................  لكن ذهب عامة متأخري الحنفية (1) إلى أنه لا بأس بصيام هذه الست، وعللوا كراهة ذلك بأنه لا يؤمن أن يعد بعد ذلك من رمضان، فيكون ذلك تشبهاً بالنصارى.
وذهب المالكية (2) إلى كراهية صيام هذه الست لمقتدىً به، ولمن خيف عليه اعتقاد وجوبها إن صامها متصلة برمضان متتابعة وأظهرها أو كان يعتقد سنية اتصالها، فإن انتفت هذه القيود استحب صيامها.
قلت: والصحيح أنه لا وجه في الكراهة مطلقاً في صيام هذه الست عملاً بالنص الوارد في صيامها، ولا يزال الناس يصومونها ويحرصون على صيامها ويعلمون أنها سنة وليس بواجب، والمحذور الذي يخشى على الناس حصوله يزول ببيانه لهم.

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة 1: هل يستحب صيام هذه الست لمن لم يصم رمضان؟ نقول: ذهب الشافعية 3 إلى استحباب صومها لكل أحد سواء صام رمضان أم لا، كمن أفطر لمرض أو سفر أو غير ذلك.
    وذهب الحنابلة 4 إلى أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان.
    والصحيح عندي: أنها لا تسن لمن لم يصم رمضان لأنها مرتبطة بصيامه لظاهر النص.2

..................................

فائدة (2): الأفضل صيام هذه الست متتابعة

، أي عقب العيد مبادرة إلى العبادة ومسابقة إلى فعل الخيرات، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (1). ولما في التأخير من الآفات، ولا فرق في حصول الأجر بين التتابع والتفريق.
أما الحنفية (2) فالمستحب عندهم أن تصام هذه الست متفرقة، كل أسبوع يومان.
وأما المالكية (3) فذهبوا إلى كراهيتها متصلة برمضان متتابعة.
والصحيح: القول الأول، أي أن الأفضل صيامها متتابعة بعد العيد.

- فائدة (3) إذا أخَّر السِّت من شوال حتى انتهى الشهر،

هل يحصل له أجرها إن صامها بعد فوات الشهر؟ نقول: ذهب المالكية 4 إلى حصول الفضيلة، ولو صامها في غير شوال، بل استحبوا صيامها في عشر ذي الحجة، وقالوا عن تعيين النبي صلى الله عليه وسلم لها في شوال إنما هو من باب التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصيام لا لتخصيص حكمها بذلك، وقالوا أيضاً أن كل ما بَعُد زمنه كثر ثوابه لشدة المشقة.
وقال سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله: (ولا يشرع قضاؤها بعد انسلاخ شوال لأنها سنة فات محلها سواء تركت لعذر أو لغير عذر) 5. والصحيح عندي في هذه المسألة: أنه لا يحصل الثواب المترتب على صيام هذه الست إلا في الشهر الذي عينت فيه، يعني شهر شوال.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن من لمن لم يتمكن من صيام هذه الست في شوال لعذر أصابه=123

..................................  =كمرض أو قضاء رمضان كاملاً حتى خرج شوال، فإنه يقضيها ويكتب له أجرها كالفرض إذا أخره عن وقته لعذر، وكالراتبة إذا أخرها عن وقتها لعذر حتى خرج وقتها فإنه يقضيها كما جاءت به السنة، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين (1) رحمه الله.

  • فائدة (4): من أخر صيام هذه الست عن أول الشهر ولم يبادر بها: فله أن يصومها في أي وقت شاء في شوال في أوله، أو آخره، أو أوسطه.
    لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم أتبعه ستاً من شوال) فظاهر النص أنه ما دامت الست في شوال فيحصل الأجر بذلك.

فائدة (5): يستثنى من صيام هذه الست يوم العيد

: لأنه لا يجوز صومه كما سيأتي إن شاء الله.

فائدة (6): الأولى أن يصوم هذه الست بعد الانتهاء من قضاء رمضان

: فلو كان عليه قضاء ثم صام النافلة قبل القضاء فهل يحصل على ثوابها هذا يتبين من فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) 2، ومن بقي عليه شيء لا يصدق عليه أنه صام رمضان، بل صام بعضه، ولذا نقول لمن عليه قضاء الأولى لك أن تؤدي الواجب الذي عليك أولاً ثم تصوم الست من شوال، وإن فاتتك الست بسبب الضرر فلعلك تدرك أجرها، وفضل الله واسع ولله الحمد.
قلت: وسيأتي إن شاء الله بيان حكم التطوع بالصوم قبل القضاء، وبيان=1

وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ (1)،  =اختلاف المذاهب في هذه المسألة وبيان الراجح فيها.

(1)

قوله (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ):

دليل ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (.. صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) (1). ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وقد كان صوم هذا اليوم فرضاً في الإسلام ثم نسخت فرضيته بصوم رمضان، ثم خيَّر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في صومه.

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة 1 صرح الحنفية 2 بكراهة صوم يوم عاشوراء منفرداً عن التاسع، أو الحادي عشر، وصرح الحنابلة 3 بعدم الكراهة في إفراد عاشوراء بالصوم.
    وهو الصحيح فلا يكره أن يصام العاشر منفرداً بل المستحب صوم يوم قبله أو يوم بعده، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين 4 رحمه الله.
  • فائدة (2): قوله صلى الله عليه وسلم في فضل عاشوراء: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) هل التكفير عام لجميع الذنوب؟: نقول: على خلاف بين الفقهاء، فذهب البعض إلى أن المراد في الحديث كفارة الصغائر، وقال البعض: بل هو عام في جميع الذنوب صغائرها وكبائرها.
    قلت: والذي يظهر أنه خاص بالصغائر، لكن إذا كان معه توبة فإنها تكفي=

..................................  =جميع الذنوب كبائرها وصغائرها بما فيها الشرك بالله.

  • فائدة (3): ذكرنا أنه لا يكره إفراد يوم عاشوراء وحده بالصيام، لكن يستحب صيام يوم قبله أو يوم بعده، فما الحكمة في صوم يوم قبله أو يوم بعده؟ نقول: ذكر بعض الفقهاء لذلك أوجهاً منها: أحدها: مخالفة لليهود حيث أنهم يخصون العاشر بالصيام فقط، وهذا ما ذكره سماحة شيخنا ابن باز 1 رحمه الله.
    الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم كما نهى أن يفرد يوم الجمعة وحده بصوم.
    الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع الغلط.
  • فائدة (4): من أراد صيام يوم عاشوراء فعليه بالاعتماد على الرؤية، وعند عدم ثبوت الرؤية يعمل بالاحتياط وذلك بإكمال ذي الحجة ثلاثين يوماً.
  • فائدة (5): ذكر بعض الفقهاء أن الأكمل في صيام عاشوراء صيام يوم قبله ويوم بعده: فيصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، ويليه في الكمال صوم التاسع مع العاشر أو العاشر مع الحادي عشر، ويليه في ذلك صوم العاشر وحده.
  • فائدة (6): من صام التاسع والعاشر ثم تبين له بعد ذلك أنه صام الثامن والتاسع، فليس عليه قضاء وله الأجر إن شاء الله كاملاً على حسب نيته.

وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ (1)، وَلا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُوْمَهُ (2)،  (1)

قوله (وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ):

وذلك لحديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ.. ) (1). وهو من أفضل أيام العام لما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ.. ) (2).

(2)

قوله (وَلا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُوْمَهُ):

وهذا هو قول الجمهور من المالكية 3، والشافعية 4، والحنابلة 5. بل صرح بعضهم بكراهة صومه للحاج، واحتجوا لذلك بحديث أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنهما (... أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ) 6. وأيضاً بما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ وَأَنَا لا أَصُومُهُ وَلا آمُرُ بِهِ وَلا أَنْهَى عَنْهُ) 7. ولأن صيامه يضعف عن الوقوف والدعاء.=12

وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيْضِ (1)،  =وقال الحنفية (1) بل يستحب للحاج أيضاً صوم يوم عرفة إذا لم يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخل بالدعوات، فلو أضعفه كره له الصوم.
وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح فلا يستحب صومه للحاج مطلقاً.
قال سماحة سيخنا ابن باز (2) رحمه الله: (الحاج لا يجوز له أن يصوم يوم عرفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في ذلك اليوم وهو مفطر، وإن صام يخشى عليه الإثم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ولم يصم).
وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين (3) رحمه الله: (فالصواب أن صوم يوم عرفة للحاج مكروه، وأما لغير الحاج فسنة مؤكدة).

(1)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيْضِ):

قول المصنف (أيام البيض) هكذا بإضافة أيام البيض وهذا هو الصواب ووقع في كثير من كتب الفقه وغيرها (الأيام البيض) بإضافة الألف واللام وهذا خطأ عند أهل العربية معدود في لحن العوام لأن الأيام كلها بيض وإنما صوابه أيام الليالي البيض.
وأيام البيض هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر عربي سميت بذلك لتكامل ضوء الهلال وشدة البياض فيها.
دليل سنية صيام ثلاثة أيام من كل شهر ما رواه الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (.. مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ.. ) 4.123

وَالاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ (1)،  وأيضاً ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر كما في حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم (أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ قَالَتْ نَعَمْ فَقُلْتُ لَهَا مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ) (1). فتعيين صيام الثلاثة أيام من كل شهر في الأيام البيض إنما هو على سبيل الأفضلية، وقد ورد عند الترمذي من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (إِذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) (2). وباستحباب صيام هذه الثلاثة أعني أيام البيض قال جمهور الفقهاء، وذهب المالكية (3) إلى كراهة صوم أيام الليالي البيض فراراً من التحديد ومخافة اعتقاد وجوبها واعتقاد أن الثواب لا يحصل إلا بصيام هذه الثلاث خاصة.
والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور وتعليل المالكية يزول ببيان السنن للناس وتوضيحها لهم.

(1)

قوله (وَالاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ):

أي ويسن صيام يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع دليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال (.. فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ) 4. وجاء في سنن أبي داود وغيرها من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما=123

وَالصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيْرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ (1)  =أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس فسئل عن ذلك؟ فقال: (.. إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ) (1).

(1)

قوله (وَالصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيْرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ):

اختلف الفقهاء في هذه المسألة فالحنفية 2، والمالكية 3 ذهبوا إلى لزوم صوم التطوع بالشروع فيه وأنه يجب على الصائم المتطوع إتمامه إذا بدأ فيه واحتجوا لذلك بما رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ) 4. فليُصَلِّ أي فليدع.
وذهب الشافعية 5 والحنابلة 6 إلى عدم لزوم صوم التطوع بالشروع فيه ولا يجب على الصائم إتمامه وله قطعه في أي وقت شاء واحتجوا لذلك بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت (.. أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) فأكل 7. وزاد النسائي (.. إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا) 8.1

إِلاَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمُا، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا (1) وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ (2)،  والصحيح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، لكن إن أراد أن يقطع صوم النفل فلا ينبغي أن يقطعه إلا لغرض صحيح لقوله تعالى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (1). (وَكذلِكَ سَائِرُ التَّطَوُّعِ): من صلاة وصدقة واعتكاف ووضوء ونحوه.

(1)

قوله (إِلاَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمُا، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا):

لقوله تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ] (2). فمتى أحرم بالحج أو بالعمرة لزمه المضي فيهما ولا يجوز له أن يخرج منهما، ولو أفسدهما وجب عليه المضي فيهما وإتمام ما أفسده وعليه قضاؤهما من العام المقبل إن كانت حجة وعلى الفور إن كانت عمرة، والأصل في ذلك الآية المذكورة أنفاً وهي قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ووجه الدلالة من الآية أن أهل التفسير أجمعوا على أنها نزلت في الحديبية لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحرم هو وأصحابه بالعمرة وساقوا الهدي فصده المشركون فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمر فيها بإتمام الحج والعمرة ويذكر شأن الإحصار.
والأمر بالإتمام في الآية إنما هو لمن دخل متطوعاً، لأن الحج لم يكن قد فرض بعد فإن الآية نزلت سنة ست، والحج إنما فرض بعد فتح مكة.
ثم أن الله تعالى أمر بالإتمام مطلقاً، فدخل فيه كل منسّاء للحج والعمرة.

(2)

قوله (وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ):

اتفق=12

وَنَهىَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ (1)،  = (الفقهاء على أن صوم يومي العيدين محرم في التطوع والنذر المطلق والمعين أيضاً وكذا القضاء والكفارة دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال (نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ) (1). وأيضاً ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: (هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ) (2). والنهي عن صيام هذين اليومين يقتضي الفساد وكذا التحريم.

(1)

قوله (وَنَهىَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ):

أي ويحرم صيام أيام التشريق وأيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة وسميت بذلك لأن الناس كانوا يشرقون فيها اللحم أي يقددونه ثم ينشرونه في الشمس من أجل أن ييبس حتى لا يتعفن ولا يفسد.
ودليل النهي عن صيام هذه الأيام ما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ)، وزاد في رواية: (وَذِكْرٍ لِلَّهِ) 3. فلا يحل صيام هذه الأيام عند أكثر أهل العلم 4، وفي رواية في المذهب 5 يجوز صيامها، واحتج له بما جاء عن ابن الزبير وابن عمر ويزيد=12

إِلاَّ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيْ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ (1)، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (2)،  =وأبي طلحة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصومونها.
والراجح عدم جواز صيام هذه الأيام ويحرم صيامها للحديث المتقدم لكن يستثنى من هذا التحريم ما ذكره المؤلف.

(1)

قوله (إِلاَّ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيْ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ):

اختلفت الرواية (1) في المذهب في صيام أيام التشريق بالنسبة للحاج ففي رواية أنه لا يجوز لأنه نهى عن صيامها.
والرواية الأخرى وهي الراجحة عندي وهي المذهب (2) وهي أيضاً قول المالكية (3) يجوز لما جاء عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ) (4) وهو حديث صحيح رواه البخاري وغيره.
حتى من عليه صيام شهرين متتابعين يجب عليه أن يفطر يوم العيد وأيام التشريق ثم يواصل صيام التتابع من اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، والقاعدة عند أهل العلم (أن الصيام الواجب والفطر الواجب لا يقطع التتابع).

(2)

قوله (وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ):

دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (.. فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْر.. ) 5. وهنا نذكر بعض الفوائد:1234

..................................  - فائدة (1): ليلة القدر اختلف العلماء في تعيينها على أكثر من أربعين قولاً ذكرها الحافظ ابن حجر (1) في شرح صحيح البخاري.

فائدة (2): هل هي باقية أم رفعت؟

الصحيح أنها باقية وما جاء في الحديث أنها رفعت، فقد روى البخاري عن عبادة بن الصامت (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ) (2)، فالمراد رفع العلم عنها في تلك السنة.

فائدة (3): هل هي في رمضان أو غيره؟

لا شك أنها في رمضان وذلك لأدلة منها قوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (3). فالقرآن أنزل في شهر رمضان وقد قال تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (4)، فإذا ضمت هذه الآية إلى تلك تعين أن تكون في شهر رمضان.

فائدة (4): في أي ليلة من رمضان تكون ليلة القدر؟

ليس في القرآن بيان في تعيينها لكن ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان والسبع الأواخر أرجى.1234

..................................  - فائدة (5): الصحيح أن ليلة القدر تنتقل: فتكون عاماً في ليلة إحدى وعشرين، وعاماً في ليلة تسع وعشرين، وعاماً في ليلة خمس وعشرين، وعاماً في ليلة أربع وعشرين، وهكذا.

فائدة (6): في سبب تسميتها بليلة القدر

: قيل لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك ألسنة فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام وقيل سميت بذلك لأن للقيام فيها قدراً عظيماً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.. ) (1)، لكن قال شيخ الإسلام رحمه الله كل حديث ورد فيه (وما تأخر) غير صحيح لأن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.

  • فائدة (7): بعض الناس يعتقد أن العمرة في ليلة القدر لها مزية خاصة: ونحن نقول تخصيص تلك الليلة بالعمرة بدعة لأنه تخصيص لعباده في زمن لم يخصصه الشارع بها.
    لكن يلزم من تلبس بالعمرة في هذه الليلة أن يتمها وإنما البدعة في تخصيص العمرة بتلك الليلة.

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بصوم التطوع

:

  • فائدة 1: ذهب جمهور أهل الفقهاء من الحنفية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4 إلى أنه لا يشترط تبييت النية في صوم التطوع بخلاف صوم الفرض فإنه يجب تبييت النية واحتجوا لذلك بما جاء عن عائشة رضي الله عنها=

..................................  =قالت (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْنَا لا قَالَ فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ.. ) (1). وذهب المالكية (2) إلى اشتراط تبييت النية في صوم التطوع كالفرض لقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ) (3)، والحديث عام لم يخصص بصيام فرض دون نفل.
والصحيح عندي ما ذهب إليه الجمهور للحديث الوارد في ذلك.

  • فائدة (2): صوم التطوع منه ما هو مطلق ومنه ما هو معين بيوم أي - مقيد - كصوم يوم عرفة وعاشوراء والست من شوال والليالي البيض وهذا النوع أي الصوم المقيد ينبغي أن يعين فيه النية لينال الأجر المترتب على صيامه وهذا هو أحد الوجوه عند الشافعية (4). وقيل بل لو نوى غيرها حصل الأجر المترتب على ذلك لأن المقصود وجود الصوم فيها.
    والذي يظهر لي أنه ينبغي عند الصوم أن يعين الإنسان نوع الصوم الذي يصومه.

فائدة (3): من لم يتناول أي مفطر حتى زالت الشمس

هل يشرع له أن ينوي الصيام؟ نقول اختلف الفقهاء في وقت تعيين نية الصيام في النافلة: =1234

..................................  =فالحنفية 1 يقولون بأن آخر وقت نية صوم التطوع هو نصف النهار ونصف النهار من استطارة... الضوء في أفق المشرق إلى غروب الشمس.
وقال المالكية 2 لا بد من أن تكون النية قبل الفجر كالفرض سواء.
وقال الشافعية 3 آخر وقت نية صوم التطوع قبل الزوال.
وقال الحنابلة 4 وقت نية صوم التطوع ممتد إلى ما بعد الزوال واحتجوا لذلك بأن هذا قول معاذ وابن مسعود وحذيفة ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ما يخالفه صريحاً ولأن النية وجدت في جزء من النهار فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة.
وهذا هو الأقرب عندي.

  • فائدة (4): اختلف الفقهاء في التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان كصيام ست من شوال أو عاشوراء لمن أخر القضاء مثلاً.
    فذهب الحنفية 5 إلى جواز التطوع بالصوم قبل القضاء من غير كراهة لأن القضاء لا يجب على الفور.
    وذهب المالكية 6، والشافعية 7 إلى كراهة صوم التطوع قبل القضاء لكن إن فعله جاز ذلك.
    أما الحنابلة 8 فقد اختلفت الرواية عن أحمد في جواز التطوع بالصوم ممن=

..................................  =عليه صوم فرض ففي رواية لا يجوز بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه وفي رواية يجوز له التطوع لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها كالصلاة يتطوع في وقتها قبل فعلها.
والأظهر عندي - كما ذكرت ذلك سابقاً - أنه لا ينبغي أن يصوم الإنسان صوم تطوع قبل قضاء ما عليه من فرضٍ لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: (.. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ.. ) 1 فإن قدم التطوع على الفرض كُره ذلك مع صحة صوم ما تطوع به.

بَابُ الاِعْتَكَافِ

(1)  (1)

قوله (بَابُ الاِعْتَكَافِ):

الاعتكاف في اللغة هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه.
أما في الاصطلاح فقال المؤلف: (وَهُوَ: لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ): هذا هو التعريف الاصطلاحي للاعتكاف لكن لو قال المؤلف في تعريفه هو لزوم مسجد بنية الطاعة لله متفرغاً لذلك مع صفة مخصوصة لكان أولى.
الحكمة من مشروعية الاعتكاف: لما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبه ويعظمه كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم شرع الله سبحانه وتعالى لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم سبحانه وتعالى، والقلوب هي الأوعية التي يصلح بها البدن أو يفسد.
قال ابن القيم 1 رحمه الله: (لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله، وَلَمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى ولهذا شرع الله تعالى لعباده الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستول عليه بدلها ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مرضاته وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً من=

لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ (1)، لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ (2)، وَهُوَ سُنَّةٌ (3)،  =أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم).

(1)

قوله (لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ):

أجمع الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف إلا في مسجد لقوله تعالى [وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ] (1) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا في المسجد فخرج بذلك لزوم الدار ولزوم المدرسة، بل ولزوم المصلى، فلو أن قوماً في عمارة لها مصلى وليس بمسجد فإن لزوم هذا المصلى لا يعتبر اعتكافاً.
(2)

قوله (لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ):

اللام هنا للتعليل أي لطاعة الله لا للعزلة عن الناس ولا من أجل أن يأتيه أصحابه فيكثر معهم الكلام بل لزمه للتفرغ لطاعة الله قال شيخ الإسلام (2) لو قال المؤلف هنا (لزوم المسجد لعبادة الله) لكان أحسن.
فإن الطاعة موافقة الأمر، وهذا يكون بما هو في الأصل عبادة كالصلاة، وبما هو في الأصل غير عبادة وإنما يصير عبادة بالنية كالمباحات كلها بخلاف العبادة فإنها للإله سبحانه وتعالى.
وأيضاً فإن ما لم يؤمر به من العبادات بل رغب فيه هو عبادة، وإن لم يكن طاعة لعدم الأمر.

(3)

قوله (وَهُوَ سُنَّةٌ):

قد دل على سنتيه الكتاب والسنة والإجماع: أما دليل الكتاب فقوله تعالى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ 3.12

..................................  وقوله تعالى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 1. وقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ 2. أما دليل السنة: فما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم... يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى - ثم اعتكف أزواجه من بعده).
أما الإجماع: فقد قال ابن المنذر 3: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة وأنه لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه.
لكن هل يشرع الاعتكاف في غير رمضان؟ ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الاعتكاف مشروع في كل وقت في رمضان وغيره قال سماحة شيخنا بن باز رحمه الله 4 وهو مشروع في كل وقت في رمضان وغيره واستدلوا لذلك بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله إني نذرت أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) 5، وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله 6 لا يسن الاعتكاف إلا في العشر الأواخر فقط - أي من رمضان - لكن من تطوع وأراد أن يعتكف في غير ذلك فإنه لا ينهى عن ذلك استناداً لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا نقول إن=

..................................  =فعله بدعة لكن نقول الأفضل أن نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم.

فائدة: هل يشرع الاعتكاف في كل مسجد؟

اتفق الفقهاء على أنه يشرع الاعتكاف في كل مسجد فكل مسجد مكان للاعتكاف لكن بشروط سنذكرها قريباً إن شاء الله.
وذهب بعض الصحابة إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة يعني المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وما عداها لا يصح الاعتكاف فيه، واختار هذا القول العلامة الألباني 1 رحمه الله.
والصحيح أنه يشرع الاعتكاف في أي مسجد والاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل من غيرها والمسجد الحرام أفضل ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، وقد فصلنا ذلك قريباً.
دليل ذلك قوله تعالى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 2 الألف واللام للعموم فلو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لزم أن تكون (ال) هنا للعهد الذهني ولا دليل على كونها للعهد الذهني فإذا عدم الدليل على كونها للعهد الذهني لزم أن تكون للعموم.
أما دليل من قال بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة فما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) 3. وجواباً على ذلك نقول: هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم حتى قال ابن=

جارٍ التحميل