وَأَدْنَى الكَمَالِ: ثَلاثٌ بِتَسْلِيْمَتَيْنِ (1)، وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ الرُّكُوْعِ (2). (1)
قوله «وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلاثٌ بِتَسْلِيْمَتَيْنِ»
وهذا هو المذهب (1)، وهو المذهب عند الشافعية (2)، وعللوا ذلك بأن الوتر بواحدة مختلف في كراهته فكان أدنى الكمال الثلاث، وقال بعض الفقهاء بل أدنى الكمال ركعة واحدة.
وقوله «بِتَسْلِيْمَتَيْنِ» أي يصلي ركعتين ثم يسلم منها ثم يأتي بركعة ويسلم، والعلة في ذلك لكي لا تشبه صلاة المغرب، وذهب الحنفية (3) إلى أنه يصلى الوتر بثلاث كصلاة المغرب.
والصحيح القول الأول؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تشبه بصلاة المغرب، وإن صلاها بتشهد واحد وسلام واحد جاز.
(2)
قوله «وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ الرُّكُوْعِ»
اختلف الفقهاء في القنوت في الوتر؛ فذهب أصحاب الإمام أحمد 4 إلى سنيته في الوتر في كل ليلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقنت إلا في رمضان، وقال البعض بل يقنت في آخر رمضان، وقال المالكية 5 بل يكره القنوت في الوتر.
والصحيح من هذه الأقوال أن القنوت في الوتر مشروع؛ لثبوته عن عمر - رضي الله عنه -، لكن لا يداوم عليه؛ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قنت في الوتر.
أما محل القنوت فالمذهب 6 على أنه بعد الركوع، وهو قول الشافعية 7،
ودليل ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - «قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوْعِ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ» 8، وهو في =123
الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ (1)، وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ (2)، =الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه -. وذهب الحنفية (1) والمالكية (2) إلى أنه قبل الركوع، وهذا أيضًا ثابت في الصحيحين، والصحيح جواز الأمرين، والسنة في ذلك التنويع، فيقنت أحيانًا قبل الركوع وأحيانًا بعد الركوع.
- تنبيه: لم يذكر المؤلف هنا
ما يسن قراءته في الوتر
، والمشروع فيه من القراءة أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة «الأعلى»، وفي الثانية بسورة «الكافرون»، وفي الثالثة بسورة «الإخلاص» كما جاء ذلك في السنن من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُوْنَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِيْ رَكْعَةٍ رَكْعَةٍ» (3). (1)
قوله «الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ المُطْلَقُ»
أي النوع الثالث من أنواع النوافل التطوع المطلق، وسمي مطلقًا لأنه لا يختص بوقت ولا سبب بل يصليه الإنسان في أي وقت شاء إلا أوقات النهي التي سيذكرها المؤلف.
(2)
قوله «وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ»
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيْضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ» 4، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «... وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ=123
وَالنِّصْفُ الأَخِيْرُ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ (1)، وَصَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى (2)، =دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُوْمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ... » (1)، ولعل الفضل في ذلك راجع إلى أن الليل أدعى للخشوع، ولأن فيه وقت نزول الرب سبحانه وتعالى.
(1)
قوله «وَالنِّصْفُ الأَخِيْرُ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ»
وذلك لحديث عائشة - رضي الله عنها- «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (2)، وللحديث المتقدم: «.. وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُوْمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ... »، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «... وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُوْمَ آخِرَهُ فَلْيُوْتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُوْدَةٌ وَذلِكَ أَفْضَلُ» (3)، لكن إن كان يخاف أن لا يقوم آخر الليل فالأولى أن يصلي أوله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ خَافَ أَنْ لا يَقُوْمَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوْتِرْ أَوَّلَهُ» (4). (2)
قوله «وَصَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»
فلا ينبغي أن يصلي أربعًا بسلام واحد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» 5، وعلى ذلك فإذا كان يصلي من الليل ثم=1234
وَصَلاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ (1).
=نسي فقام إلى ثالثة فالمشروع في حقه أنه متى تذكر وجب عليه الرجوع، فإن جعلها أربعًا لم تصح للحديث المتقدم.
لكن هل يفهم منه أن صلاة النهار يجوز أن تكون أربعًا بسلام واحد أو أربعًا بتشهدين؟ نقول: لا يشرع ذلك؛ لأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
أما من احتج بحديث عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَزِيْدُ فِيْ رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّيْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُوْلِهِنَّ.. » (1)، فنقول: هذا محمول على أنه كان يصلي الأربع بسلامين، فيصلي ثنتين ثم يسلم ويصلي ثنتين ثم يسلم، لأنه لو صلى أربعًا بسلام واحد خالف قوله «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وهو صريح في صلاة الليل هكذا.
(1)
قوله «وَصَلاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ»
هذا في النافلة، فيجوز أن يصليها الإنسان قاعدًا لغير عذر، لكن أجرها على النصف من صلاة القائم، وقد ذكرنا ذلك في الفرق بين الفريضة والنافلة.
أما إن كان صلاها قاعدًا لعذر فالأجر له فيها كامل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيْمًا صَحِيْحًا» 2. وأما دليل ما ذكره المؤلف فهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ» 3.1
الرَّابِعُ: مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ (1): أَحَدُهَا: التَّرَاوِيْحُ (2)، وَهِيَ: عِشْرُوْنَ رَكْعَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ رَمَضَانَ (1) (1)
قوله «الرَّابِعُ: مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ»
أي النوع الرابع من أنواع التطوع هو ما تسن له الجماعة، وهذا الضرب على ثلاثة أنواع: (2)
قوله «أَحَدُهَا: التَّرَاوِيْحُ»
وهي قيام ليل رمضان، سميت بالتراويح؛ لأن الصحابة كانوا يطيلون فيها القراءة والركوع والسجود، فإذا صلوا أربعًا استراحوا ثم استأنفوا الصلاة أربعًا، ثم استراحوا ثم يوترون بثلاث.
ويستحب لها الجماعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه جماعة، ثم خشي أن تفرض عليهم فتركها، فلما جاء عهد عمر - رضي الله عنه - جمعهم عليها، وعمر - رضي الله عنه - من الخلفاء الراشدين وأمرنا باتباع هديه، ثم استمر المسلمون عليها إلى وقتنا يصلونها جماعة.
(3)
قوله «وَهِيَ: عِشْرُوْنَ رَكْعَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ رَمَضَانَ»
وهذا هو الثابت عن الصحابة - رضوان الله عليهم - أنهم كانوا يصلون عشرين ركعة، وهذا هو مذهب الحنفية 1، والشافعية 2، وبعض المالكية 3، وهو المشهور من المذهب 4، لكن الصحيح أن التراويح إحدى عشرة ركعة؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - المتقدم «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَزِيْدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً... »، وهذا رأي شيخنا 5 -رحمه الله-، لكن إن زاد=
.................................. =على ذلك فلا بأس؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى؛ مَثْنَى» 1 فلم يحددها - صلى الله عليه وسلم - فإن صلاها ثلاثًا وعشرين فلا بأس، لكن الأولى أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة؛ لأنه ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم -.
- تنبيه:
أولاً: لا ينبغي للمأموم أن ينصرف عن الإمام لكونه يصلي عشرين ركعة كما يفعله البعض؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» 2، ولأن هذا نوع من الاختلاف على الإمام، ولأن فيه نوع فرقة للمسلمين.
ثانيًا: لشيخ الإسلام قول لطيف في الزيادة عن إحدى عشرة ركعة، قال -رحمه الله-: «إن أطال القيام والركوع والسجود فيقلل الركعات أي يجعلها إحدى عشرة ركعة، وإن خفف القراءة والركوع والسجود فليكثر من الركعات» 3. وعلى العموم الذي أراه أنه ينبغي على الإمام أن يراعي حال المأموم، فإن كان المأموم يرغب في صلاة التراويح ويرى عدم الإطالة فيها فالأولى للإمام أن لا يحرم المأموم من أجرها فيصلي بلا إطالة ويجعلها إحدى عشرة ركعة، وإن كان المأموم يرغب في الإطالة صلى بهم وأطال.
..................................
ثالثًا: لا حرج في حق الإمام أن يقرأ من المصحف في صلاة التراويح أو غيرها من النوافل إذا لم يكن حافظًا، فقد كان لعائشة غلام اسمه ذكوان كان يؤم بها في رمضان ويقرأ من المصحف، أما الفريضة فلا يفعل ذلك.
رابعًا: المأموم يكره له المتابعة من المصحف أثناء القراءة للإمام إلا إذا كانت هناك حاجة، كأن يحتاج إلى من ينبهه أثناء القراءة، وذلك لأن المتابعة من المصحف تشغله عن الخشوع في الصلاة وعن تدبر قراءة الإمام.
خامسًا: لا حرج على المسلم أن يتتبع أصوات الأئمة، لكن الأولى أن يصلي في مسجده وخلف إمامه.
سادسًا: لا بأس بأن يحسن الإمام صوته أثناء قراءة القرآن ويأتي به على صفة توافق القلوب دون غلو وأن يراعى أحكام القراءة متى أمكن ذلك.
سابعًا: إذا قام الإمام إلى ثالثة في صلاة التراويح ناسيًا ثم تذكر أو ذُكّر أنها ثالثة، فالواجب عليه الرجوع ويجلس، فإن لم يرجع بطلت صلاته؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» 1.
ثامنًا: بعض الأئمة يحرصون على تخفيف صلاة التراويح فيصلونها بسرعة تمنع المصلين من فعل ما يسن، بل قد تمنعهم من فعل ما يجب، وفي المقابل هناك من الأئمة من يطيل إطالة تشق على المأموم، وهذا خطأ من كليهما بل على الإمام أن يتقي الله تعالى فلا يخفف بما يخل بواجب أو مسنون، ولا يطيل بما يشق على المأمومين.
وَالثَّانِيْ: صَلاةُ الْكُسُوْفِ، فَإِذَا كُسِفَتِ الشَّمْسُ، أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ (1).
تاسعًا: القنوت في الوتر مشروع، لكن لابد أن يراعى فيه أولاً: عدم السجع، ثانياً: عدم الإطالة المفرطة، ثالثًا: الأولى فيه الاقتصار على ما ورد.
عاشرًا: يجوز لمن صلى مع الإمام أن يؤخر الوتر، فإذا سلم قام وضم ركعة أخرى، ولا يجوز أن يوتر مرتين في ليلة، مرة مع الإمام في التراويح ومرة بعد تهجده، فهذا لا يشرع.
(1)
قوله «وَالثَّانِيْ: صَلاةُ الْكُسُوْفِ، فَإِذَا كُسِفَتِ الشَّمْسُ، أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ»
أي النوع الثاني من أنواع التطوع التي تشرع له الجماعة صلاة الكسوف، وصلاة الكسوف من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي باب الصلاة التي سببها الكسوف.
الكسوف والخسوف قيل: بأنهما بمعنى واحد، وقيل: بأن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، وقيل: بالعكس.
والكسوف عرّفه العلماء بأنه ذهاب أحد النيرين أو بعضه، وسبب كسوف الشمس يحدث بسبب حجب القمر للشمس، فيحول بينها وبين الأرض فيحجبها عن الأرض، إما جميعها أو بعضها.
وقولنا «جميعها» ليس معناه أن الشمس تحجب عن الأرض جميعها، وإنما المراد أنه يحجبها عن موضع معين فيها؛ لأن القمر أصغر من الشمس، ولذلك لا يمكن أن يكون كسوف الشمس كليًّا في جميع أقطار الدنيا.
أمّا خسوف القمر فيكون بسبب حجب الأرض للقمر فتحول بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يستمد نوره من الشمس، ومن هنا يحصل خسوف القمر.
=
..................................
=وخسوف القمر وكسوف الشمس يحصل بسببين: الأول: حسِّي وهو الذي ذكرناه آنفًا، والثاني: سبب شرعي وهو تخويف الله تعالى لعباده كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ» 1.
أمّا حكم صلاة الكسوف فقد ذهب جمهور الفقهاء 2 إلى أنها سنة مؤكدة، وذهب بعض الفقهاء إلى القول بالوجوب، قال شيخنا 3 -رحمه الله-: القول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب، والصواب أنها سنة مؤكدة، وهو قول سماحة شيخنا ابن باز 4 -رحمه الله-.
وتصلى هذه الصلاة فرادى وجماعات، فالجماعة ليست شرطًا فيها، لكن صلاتها جماعة أولى، والأفضل أيضًا أن تصلى في الجوامع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها في مسجد واحد، ولأن كثرة المصلين أدعى للخشوع وخضوع القلب وأقرب لإجابة الدعاء.
وقوله «فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ» وذلك لفعله - صلى الله عليه وسلم - حينما كسفت الشمس في عهده، فزع - صلى الله عليه وسلم - فزعًا عظيمًا حتى أنه خرج بإزاره قاصدًا المسجد حتى تبعوه بردائه، وهذا يدل على أن الأمر عظيم.
إِنْ أَحَبُّوْا جَمَاعَةً، وَإِنْ أَحَبُّوْا فُرَادَى (1)، فَيُكَبِّرُ (2)، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً (3)،
(1) قوله «إِنْ أَحَبُّوْا جَمَاعَةً، وَإِنْ أَحَبُّوْا فُرَادَى» وذلك لأن الجماعة ليست شرطًا فيها، لكن الأفضل أن تصلى جماعة كما ذكرناه آنفًا.
(2) قوله «فَيُكَبِّرُ» أي تكبيرة الإحرام ناويًا بذلك صلاة كسوف الشمس أو القمر.
(3)
قوله «وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً»
وتكون القراءة في ذلك جهرًا، فالسنة فيها سواء كانت في الليل أو النهار أنها تكون جهرًا وهذ هو المذهب 1، ورواية في مذهب مالك 2، وذهب ابو حنيفة 3، والمالكية 4، والشافعية 5 إلى أن القراءة تكون سرًّا في كسوف الشمس.
والصحيح أنها تكون صلاة جهرية؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -: «جَهَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ صَلاةِ الْخُسُوْفِ بِقِرَاءَتِهِ.. » 6، وهذا اختيار شيخ الإسلام 7 -رحمه الله-.
وقوله «وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً» لم يأت تعيين لهذه السورة، فالمهم أن تكون القراءة طويلة.
ثُمَّ يَرْكَعْ رُكُوْعَا طَوِيْلاً (1)، ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً دُوْنَ الَّتِيْ قَبْلَهَا (2)، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيْلُ دُوْنَ الَّذِيْ قَبْلَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ (3)، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ (4)، (1)
قوله «ثُمَّ يَرْكَعْ رُكُوْعًا طَوِيْلاً»
من غير تقدير لهذا الركوع، المهم أن يكون طويلاً، فيطيل فيه بقدر الإمكان.
(2)
قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً دُوْنَ الَّتِيْ قَبْلَهَا»
وتكون هذه القراءة دون الأولى، أي أقل منها كما جاء ذلك في حديث عائشة - رضي الله عنها -. (3)
قوله «ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيْلُ دُوْنَ الَّذِيْ قَبْلَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ»
قائلاً: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثيْرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ (1)، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (2). (4)
قوله «ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ»
بقدر ركوعه، ويكون كذلك جلوسه بين السجدتين بقدر سجوده؛ لحديث البراء بن عازب - رضي الله عنه -: «كَانَ سُجُوْدُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرُكُوْعُهُ وَقُعُوْدُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ» 3، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - كان =12
ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذلِكَ (1)، فَيَكُوْنُ أَرْبَعَ رُكُوْعَاتٍ وَأَرْبَعَ سُجُوْدَاتٍ (2) =يطيل الجلوس بين السجدتين حتى يقول الصحابة - رضوان الله عليهم -: قد أوهم من طول جلوسه بين السجدتين.
(1)
قوله «ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذلِكَ»
أي يأت بركعة أخرى مثل الأولى لكن دونها في كل ما فعل، فيكون القيام الأول من الركعة الثانية دون القيام الثاني من الركعة الأولى لتكون صلاته بالتدرج كل ركعة دون التي قبلها.
(2)
قوله «فَيَكُوْنُ أَرْبَعَ رُكُوْعَاتٍ وَأَرْبَعَ سُجُوْدَاتٍ»
وهذا هو قول الجمهور من المالكية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة (3): أي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان، وقال الحنفية (4) إنها ركعتان في كل ركعة قيام واحد وركوع واحد وسجدتان كسائر النوافل.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها- في صلاة الخسوف.
ذكر بعض التنبيهات التي لم يذكرها المؤلف
: أولاً: قال في زاد المستقنع «وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز»، والصواب أن يقال بأن هذا مبني على طول زمن الكسوف، فإذا علمنا أن زمن الكسوف يطول فلا حرج من أن نصلي ثلاث ركوعات في كل ركعة ثلاث ركوعات أو أربع ركوعات أو خمس ركوعات؛ لورود ذلك=1234
.................................. =عن الصحابة - رضي الله عنهم -، لكن الأولى والأفضل أن يقتصر على ركوعين وأن يطيل الصلاة؛ لأن هذا هو الذي جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: ما بعد الركوع الأول هل هو ركن أم سنة؟
الصواب أنه سنة وليس بركن، ولذا لو صلاها كما تصلى صلاة النافلة أي جعلها ركوعين فقط فلا بأس.
ثالثًا: هل تدرك صلاة الكسوف بالركوع الثاني؟
بناء على ما ذكرناه آنفًا بأن ما بعد الركوع الأول سنة نقول: بأنها لا تدرك بالركوع الثاني، ولذلك من كان مسبوقًا بالركوع الأول لزمه أن يأتي بركعة أخرى؛ لأن الأولى تعتبر قد فاتته، وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
رابعًا: إذا انتهت الصلاة والكسوف باق،
هل تعاد الصلاة؟ الصواب أنها لاتعاد، بل يبقى الناس يدعون الله تعالى وينشغلون بالذكر والتكبير والصدقة ونحو ذلك، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز 2 -رحمه الله- أي لا تعاد صلاة الخسوف.
خامسًا: إذا انجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة، وليس معنى قولنا «أتمها خفيفة» أنه يجعلها جذماء مقطوعة بعض الأعضاء، وإنما التخفيف المراد هنا تخفيفًا لا يشعر المصلي أنه تخفيفٌ مخلٌ، فإن كان قد صلى في الركعة الأولى بمائة آية مثلاً فيجعل الثانية بقدر أربعين آية أو ثلاثين آية، بحيث لا يشعر المصلي بالتخفيف.1
..................................
سادسًا: إذا طلع الفجر وخسف القمر قبل طلوع الشمس هل يصلى؟
الجواب: لقد حصل هذا بالفعل ووقع الناس في حيرة، فبعض الناس صلى وبعضهم لم يصل، والمشهور من المذهب 1 أنها لا تصلى بعد طلوع الفجر إذا خسف القمر؛ لأنه وقت نهي، والصحيح أنها تصلى إن كان القمر بادياً ولولا الكسوف لأضاء، أما إن كان النهار قد انتشر ولم يبق إلا القليل على طلوع الشمس فهنا قد ذهب سلطانه والناس لا ينتفعون به سواء كان كاسفًا أو مبدرًا، وهذا هو اختيار شيخنا 2 -رحمه الله-.
سابعًا: إذا شرع في صلاة الكسوف للشمس بعد العصر ثم غابت كاسفة فإنه يتمها خفيفة؛ لأنها إذا غابت ذهب الانتفاع بها.
ثامنًا: هل يصلى لغير الخسوف كالزلازل والبراكين والصواعق ونحو ذلك؟ محل خلاف بين الفقهاء، فالمذهب 3 أنه يصلى فقط للزلزلة الدائمة وما عداها فلا، والمالكية 4 يرون أنه لا يصلى لغير الشمس والقمر مطلقًا، وهو اختيار سماحة شخنا ابن باز 5 -رحمه الله-، أما الشافعية 6 فيرون الصلاة لغير الشمس والقمر لكن لا تصلى جماعة بل منفردين.
والصحيح ما ذهب إليه الحنفية 7 من مشروعية الصلاة لكل ما فيه فزع =
الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ (1)، إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ (2)، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ (3)، خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ (4)، = كالريح الشديدة والزلزلة والظلمة والصواعق والبراكين، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1) وشيخنا محمد العثيمين (2) - رحمهما الله -.
تاسعًا: هل تسن الخطبة للكسوف؟
اختلف الفقهاء في مشروعية الخطبة لصلاة الكسوف، فالجمهور على أنه لا خطبة لصلاة الكسوف، والصحيح أنه تسن الخطبة بعد الفراغ من الصلاة لفعله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مذهب الشافعية (3)، وهو اختيار شيخنا (4) -رحمه الله-، لكن بلا صعود على المنبر وبلا إطالة، بل يكفي فيها التذكير فتكون بمثابة الموعظة.
(1)
قوله «الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ»
أي النوع الثالث مما تشرع له الجماعة من النوافل صلاة الاستسقاء، وهذا من باب إضافة الشيء إلى سببه كما ذكرنا ذلك سابقًا، والاستسقاء معناه طلب السقيا من الله تعالى، ويقال لها أيضًا صلاة الاستغاثة.
2 قوله «إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ» أي خلت الأرض من النبات، وضد الجدب الإخصاب، يقال: أخصبت الأرض أي ظهر نباتها وكثر.
3 قوله «وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ» أي امتنع عن النزول.
4 قوله «خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ» أي ساكني الأطراف عليهم الوقار والهيبة.1
مُتَبَذِّلِيْنَ (1)، مُتَذَلِّلِيْنَ (2)، مُتَضَرِّعِيْنَ (3)، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ (4)،
(1) قوله «مُتَبَذِّلِيْنَ» التبذل أي ترك الزينة وعدم التهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع.
(2) قوله «مُتَذَلِّلِيْنَ» أي متواضعين، والذل أشد من التواضع أي ذليل أمام ربه سبحانه وتعالى.
(3) قوله «مُتَضَرِّعِيْنَ» التضرع يعني الاستكانة أي مستكينين، وذلك لشدة إنابتهم إلى الله تعالى.
وهذه الأوصاف التي ذكرها المؤلف جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر ذلك ابن عباس - رضي الله عنهما - حيث قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَسَلَّمَ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلاً مُتَخَشِّعًا مُتَرَسِّلاً مُتَضَرِّعًا» (1).
(4)
قوله «فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ»
وهذا هو قول الجمهور 2، وقال أبو حنيفة 3: لا تسن الصلاة للاستسقاء بل يخرج الإمام ويدعو فإن صلى الناس جاز، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عباد بن تميم المازني عن عمه قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَسْقِيْ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُوْ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيْهِمَا =1
كَصَلاةِ العَيْدِ (1)، ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً (2)، = بِالْقِرَاءَةِ» (1). أما حكمها فهي سنة مؤكدة ثابتة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبفعل أصحابه - رضي الله عنهم -، وأجمع المسلمون على مشروعيتها.
(1)
قوله «كَصَلاةِ الْعَيْدِ»
أي في عدد ركعاتها، والجهر بالقراءة فيها، وفعلها في المصلى، وفي التكبيرات الزوائد في الركعتين قبل القراءة.
(2)
قوله «ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً»
فتكون الخطبة بعد صلاة العيد، وهذا هو المذهب 2، وهو مذهب المالكية 3، والشافعية 4.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطبة تكون قبل الصلاة وهو رواية في المذهب 5؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - وكذا عبد الله بن زيد أنه خطب ثم صلى ركعتين، ورجح شيخنا 6 -رحمه الله- جواز الأمرين.
لكن إن خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها، وإن خطب بعد الصلاة لم يخطب قبلها.
والصواب القول الأول أي أن الخطبة تكون بعد الصلاة؛ لقول ابن عباس - رضي الله عنهما-: «... فَصَنَعَ فِيهِ كَمَا صَنَعَ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى» 7.1
وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ (1)
=ومن المعلوم أن الخطبة في العيد بعد الصلاة، وأيضًا لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا يَسْتَسْقِيْ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ ثُمَّ خَطَبَنَا» (1).
وقوله «خُطْبَةً وَاحِدَةً» هذا هو المذهب (2)، واختاره أبو يوسف (3) من الحنفية، وذهب المالكية (4) والشافعية (5) إلى أنها خطبتان يفصل بينهما بجلوس لقول ابن عباس المتقدم.
والصواب القول الأول لقول ابن عباس - رضي الله عنهما- «... فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيْرِ... » (6). وهذا يدلنا على أنه ما فصل بين الخطبة بسكوت ولا جلوس، وأيضًا لم ينقل أنه خطب خطبتين للاستسقاء.
(1)
قوله «وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ»
لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة واستغفار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ 7، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ =123456
وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ (1)، وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ (2)، = يَرْجِعُونَ} (1). فقلة المطر وحبسه إنما هو بسبب المعاصي والذنوب، ولذا شرع الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى.
(1)
قوله «وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ»
وذلك مثل قوله تعالى في سورة نوح: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (2)، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (3)، وكقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (4). (2)
قوله «وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ»
فيكون تحويل الرداء للإمام والمأموم جميعًا، وهذا هو قول المالكية 5، والشافعية 6، والحنابلة 7؛ وذلك لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما ثبت من فعله - صلى الله عليه وسلم - يثبت في حق غيره ما لم يقم دليل على الاختصاص، ولأن الحكمة من قلب الرداء هو التفاؤل من أن يقلب الله الحال من الجدب إلى الخصب، لكن لايشرع للنساء فعل ذلك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن قلب الرداء خاص بالإمام دون المأموم، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.1234
وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوْا وَأُمِرُوْا أَنْ يَنْفَرِدُوْا عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ (1). (1)
قوله «وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يَمْنَعُوْا وَأُمِرُوْا أَنْ يَنْفَرِدُوْا عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ»
في هذه المسألة قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه لا يستحب خروج الكفار وأهل الذمة بل يكره خروجهم مع المسلمين للاستسقاء، ولكن إذا خرجوا مع الناس وانفردوا في مكان بعيد عنهم لم يمنعوا، وهذا هو قول المالكية 1، والشافعية 2، والحنابلة 3. واستدل أصحاب هذا القول بأنه يكره خروجهم لأنهم أعداء الله الذين كفروا به وبدلوا نعمة الله كفرًا، فهم بعيدون عن الإجابة، وإن أغاث الله المسلمين فلربما قالوا هذا حصل بفضل دعائنا.
وكونهم إذا خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون أرزاقهم من الله ولا يبعد أن يجيبهم الله لذلك لأنه ضمن أرزاقهم كما ضمن للوثنيين أرزاقهم.
وكونهم منفردين عن المسلمين لأنه لا يؤمن أن يصيبهم الله بعذاب من عنده فيعم من حضرهم، ولا يجوز لهم الخروج للاستسقاء وحدهم لأنهم قد يغاثون فتكون الفتنة بهم أعظم وأشد.
القول الثاني: وهو قول الحنفية 4 أنه لا يحضر الذمي الاستسقاء ولا يخرج له؛ لأنه لا يتقرب إلى الله بدعائه، ولأن الاستسقاء من أجل الرحمة وهم بعيدون عنها، وأما منعهم من الخروج لأنهم قد يستسقون فيسقيهم الله فتحصل لهم الفتنة.
الضَّرْبُ الْخَامِسُ: سُجُوْدُ التِّلاوَةِ (1)، = والصواب ما ذهب إليه الأولون، فإذا خرج أهل الذمة معنا من أجل الاستسقاء لم يمنعوا، لكن يخرجون في نفس اليوم الذي نستسقي فيه، وأن يكونوا بعيدين عنا كما ذكر ذلك المؤلف، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
(1)
قوله «الضَّرْبُ الْخَامِسُ: سُجُوْدُ التِّلاوَةِ»
أي النوع الخامس من أنواع التطوع سجود التلاوة أي السجود الذي سببه التلاوة، وقد اختلف الفقهاء في حكمه، فالجمهور على أنه سنة مؤكدة عقب تلاوة آية سجدة، وذهب الحنفية (2) إلى أنه واجب.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لما رواه البخاري عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيْهَا» (3)، وفي رواية «فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ» (4).
وروى البخاري عن عمر - رضي الله عنه - أنه «قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُوْدِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ - رضي الله عنه -» (5).
لكن
هل سجود التلاوة صلاة
؟ الصحيح أنه ليس بصلاة ولا يجب له ما يجب للصلاة.12345
وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِي الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ (1)، وَيُسَنُّ السُّجُوْدُ لِلتَّالِيْ (2)، وَالْمُسْتَمِعِ (3) دُوْنَ السَّامِع (4). وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ (5). (1)
قوله «وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِيْ الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ»
وهي كالآتي: في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج اثنتان، والفرقان، والنمل، وآلم السجدة، وفصلت، والنجم، والانشقاق، والعلق.
أما سجدة ص فهي مختلف فيها، والصحيح أنه إن سجد أحيانًا وترك أحيانًا فهو حسن.
(2) قوله «وَيُسَنُّ السُّجُوْدُ لِلتَّالِيْ» أي الذي يتلو القرآن.
(3) قوله «وَالْمُسْتَمِعِ» الذي يقصد السماع للقراءة.
(4) قوله «دُوْنَ السَّامِع» أي الذي لم يقصد السماع كأن يكون قد مرّ برجل يقرأ القرآن وأثناء مروره سمع آية سجدة فهنا لايسن له السجود مع هذا القارئ.
(5)
قوله «وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» هذا بناء على قولهم أنه صلاة وهو قول أكثر الفقهاء، وعلى ذلك يشترط له ما يشترط لصحة الصلاة من الطهارة واستقبال القبلة، وغير ذلك، والصحيح كما ذكرنا أنه ليس بصلاة، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-، وعلى ذلك لا يكبر ولا يسلم له إلا إذا كان في الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في كل خفض ورفع، أما في غير الصلاة فلا يسن له تكبير إذا سجد وإذا رفع منه.
ونقول أيضاً أن السجود بشروط الصلاة أفضل ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر، لكن اشتراط ذلك لصحته غير صحيح.
قوله «ثُمَّ يُسَلِّمُ»
أي إذا فرغ من سجود التلاوة سلم له، والصحيح أنه لا يسن له التسليم لعدم ثبوت ذلك.1
بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِيْ نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيْهَا
(1) وَهِيَ خَمْسٌ (2): بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (3)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِيْ نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيْهَا»
أي الساعات التي نُهي عن صلاة التطوع فيها، وإلا فالفريضة تؤدى فيها إن نام عنها أو نسيها.
(2)
قوله «وَهِيَ خَمْسٌ»
أي خمسة أوقات، دليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (1) فهذان وقتان، أما الثلاثة المتبقية فهي في حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: «ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيْهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيْهِنَّ مَوْتَانَا: حِيْنَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِيْنَ يَقُوْمُ قَائِمُ الظَّهِيْرَةِ حَتَّى تَمِيْلَ الشَّمْسُ، وَحِيْنَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ حَتَّى تَغْرُبَ» (2)، فهذه هي الأوقات الخمسة التي نُهِي عن الصلاة فيها، وهي التي بيَّنها المؤلف.
(3)
قوله «بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»
هذا هو الوقت الأول الذي لا يجوز التطوع فيه أي من طلوع الفجر الثاني حتى تطلع الشمس، لكن
هل النهي متعلق بفعل الصلاة أم بالوقت؟
المذهب 3 أن النهي متعلق بالوقت أي من=12
وَبَعْدَ طُلُوْعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ (1)، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُوْلُ (2)، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَتَضَيَّفَ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ (3)،
=طلوع الفجر الثاني حتى تطلع الشمس، لكن الصحيح أن النهي متعلق بفعل الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «... وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، وهذا هو اختيار ابن سعدي (1) -رحمه الله-.
لكن هل يشرع الصلاة فيما بين الأذان والإقامة؟ ما دام أن النهي متعلق بفعل الصلاة نقول: لايشرع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أذن الصبح صلى ركعتين ولم يثبت عنه أنه صلى غيرهما.
(1)
قوله «وَبَعْدَ طُلُوْعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ»
هذا هو الوقت الثاني، أي بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح، وقد قدّر بالساعات بما يعادل عشر دقائق إلى اثنتي عشرة دقيقة، لكن الأحوط أن يكون خمس عشرة دقيقة.
(2)
قوله «وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُوْلُ»
هذا هو الوقت الثالث، أي من قيام الشمس، ومعنى قيامها أي منتهى ارتفاعها في السماء.
وقوله «حَتَّى تَزُوْلُ» أي تميل من وسط السماء نحو الغروب، وهذا الوقت قصير جدًّا، وقد قدّر بما يعادل خمس دقائق تقريبًا، ولكن الأحوط أن يكون في حدود خمس عشرة دقيقة.
(3)
قوله «وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَتَضَيَّفَ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ»
هذا هو الوقت الرابع أي من بعد صلاة العصر إلى أن تميل الشمس إلى الغروب، ودليل ذلك حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - المتقدم، والمراد بالغروب هنا هو شروعها في الغروب.1
وَإِذَا تَضَيَّفَتْ حَتَّى تَغْرُبَ (1). فَهذِهِ السَّاعَاتُ لا يُصَلَّى فِيْهَا تَطَوُّعًا (2)، (1)
قوله «وَإِذَا تَضَيَّفَتْ حَتَّى تَغْرُبَ»
هذا هو الوقت الخامس الذي لا يشرع التطوع فيه، أي من حين ميل الشمس للغروب إلى أن يتم غروبها، وهذا الوقت يقدر بربع ساعة تقريبًا بمقدارها عند طلوعها.
هذه خمسة أوقات هي التي نهي عن الصلاة فيها.
(2)
قوله «فَهذِهِ السَّاعَاتُ لا يُصَلَّى فِيْهَا تَطَوُّعًا»
أي التطوع المطلق، دليل ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» 1، وحديث عقبة بن عامر المتقدم: «ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيْهِنَّ»
أما التطوع المقيد بسبب فقد اختلف فيه الفقهاء: فالحنفية 2، والمالكية 3، والحنابلة 4 على أنه لا يصلى مطلقًا سواء بسبب أو بغير سبب، أما الشافعية 5 فيرون جواز صلاة ماله سبب عند وجود سببه، كتحية مسجد وسنة وضوء وركعتي طواف وغير ذلك مما له سبب.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 6، وشيخنا محمد العثيمين 7 - رحمهما الله -، وبه أفتت اللجنة الدائمة 8، وهذا هو الصحيح.
إِلاَّ إِعَادَةَ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ (1)، (1)
قوله «إِلاَّ إِعَادَةَ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ»
أي يجوز في أوقات النهي أن يعيد الإنسان الجماعة، كأن يأتي إلى مسجد ووجدهم يصلون وهو قد صلى فإنه يصلي معهم ولو كان وقت نهي، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للرجلين اللذين أتيا وهو يصلي في منى صلاة الفجر، فقال لهما: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالا: يَا رَسُوْلَ اللَّهِ قَدْ كُنَّا صَلَّيْنَا فِيْ رِحَالِنَا، قَالَ: فَلا تَفْعَلا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِيْ رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» 1.
ومن هنا نلاحظ أن ما يفعله بعض الإخوة حينما تكون هناك جنازة فيصلون في مساجدهم ثم يأتون إلى الجامع الذي تقام فيه صلاة الجنازة والإمام يصلي ولم ينته من الفريضة ثم تجدهم يقفون يتحدثون أو يصلون تحية المسجد دون الدخول مع الإمام ويجلسون مع أن هذا لا ينبغي، بل المشروع في حقهم أن يدخلوا مع الإمام لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المتقدم.
لكن هل ينكر عليهم إذا فعلوا ذلك؟ الجواب: قال شيخنا 2 -رحمه الله- ينكر عليهم؛ لأنه شذوذ وخروج عن الجماعة.
قلت: حتى وإن كان وقت نهي كأن يكون صلوا العصر ثم قدموا إلى الجامع فالمشروع أن يدخلوا مع الإمام للحديث المتقدم: كان - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح في منى ثم أمرهم بذلك.
وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَهُ (1)، وَالصَّلاةَ عَلَى الْجَنَازَةِ (2)، وَقَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِيْ وَقْتَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ (3)، وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الْمَفْرُوْضَاتِ فِيْ جَمِيْعِ الأَوْقَاتِ (4). (1) قوله «وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَهُ» هذا هو الاستثناء الثاني عند الحنابلة، وهما ركعتا الطواف، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا بَنِيْ عَبْدِ مَنَافٍ لا تَمْنَعُوْا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» (1). (2) قوله «وَالصَّلاةَ عَلَى الْجَنَازَةِ» هذا هو الاستثناء الثالث وهي صلاة الجنازة فتفعل في أوقات النهي؛ وذلك لعموم الأدلة التي جاءت في وجوب الصلاة على الميت، ولأن الميت جاءت السنة بالإسراع بدفنه.
(3)
قوله «وَقَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِيْ وَقْتَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ»
هذا هو الاستثناء الرابع، فيجوز قضاء راتبة الظهر بعد العصر؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم -، لكن الصواب أن هذا خاص به، وكذا راتبة الفجر بعد صلاة الفجر؛ لفعل بعض الصحابة ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن الأولى أن يؤخر سنة الفجر حتى ينتهي وقت النهي ثم يصليها، وإن صلاها بعد الفجر مباشرة فلا بأس.
(4)
قوله «وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الْمَفْرُوْضَاتِ فِيْ جَمِيْعِ الأَوْقَاتِ»
هذا هو الاستثناء الخامس وهو الأخير أي يجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي، وهذا هو قول الجمهور؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ =1
.................................. =ذَلِكَ» 1، وقال أبو حنيفة 2 لا يجوز القضاء في أوقات النهي، والصحيح جواز ذلك، وهذا أمر مجمع عليه عند الصحابة فلا حجة للأحناف هنا.
بَابُ الإِمَامَةِ (1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الإِمَامَةِ»
نلاحظ أن المؤلف لم يعقد بابًا خاصًا بصلاة الجماعة مع كونه يرى وجوبها كما ذكر ذلك في المقنع والكافي والمغني، ويرى أنها ليست بشرط لصحة الصلاة، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم.
أما إيجابها في المسجد فهو يتساهل فيه -رحمه الله-، وكذا يرى -رحمه الله- أنها تدرك - أي الجماعة- بقدر تكبيرة الإحرام كما سيأتي ذلك في آخر
باب الإمامة
، ويرى أيضًا أن ما يدركه المأموم مع الإمام هو آخر الصلاة مع أن الراجح أنها لا تدرك إلا بإدراك الركوع، وأن ما يدركه المسبوق هو أولها وما يقضيه هو آخرها وهو مبني على رواية لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «.. إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» 1. ويرى أيضًا أن المأموم لا تجب عليه القراءة مع الإمام بل تكفيه قراءة الإمام وقد عقد له بابًا في المقنع.
المهم أن المؤلف في هذا الكتاب لم يبين فيه حكم صلاة الجماعة وبعض الأحكام المتعلقة بها، ونحن إن شاء الله سنتعرض لبعض أحكامها في أثناء شرحنا لباب الإمامة هذا.
أما عن حكم صلاة الجماعة فقد اختلف فيه الفقهاء: فقيل بأنها شرط لصحة الصلاة، وهذا قول ابن عقيل 2 من الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام 3 -رحمه الله- =
.................................. =وقيل بأنها فرض كفاية وهذا قول بعض فقهاء الحنابلة 1، وهو الأصح عند الشافعية 2، وقيل بأنها سنة مؤكدة للرجال وهو المذهب عند الحنفية 3، وعليه أكثر المالكية 4، وهو قول عند الشافعية 5. والصحيح أن صلاة الجماعة واجبة وجوب عين في حق الرجال وليست شرطًا لصحة الصلاة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة 6، وهو قول عند الشافعية 7، والحنفية 8، وهو اختيار شيخينا 9. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 10، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ 11 فهذا في حالة الخوف فما بالك بحال الأمن، وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ 12. أما السنة فمنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِيْنَ صَلاةُ الْعِشَاءِ وَصَلاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُوْنَ مَا فِيْهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِيْ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ =
رَوَى أَبُوْ مَسْعُوْدٍ الْبَدْرِيُّ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ - عز وجل - (1)، =حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (1)، وعن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوْبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (2)، وكذا قوله - صلى الله عليه وسلم - للأعمى: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ» (3)، وفي رواية: «لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (4)، فهذه بعض الأدلة التي تدل على وجوب صلاة الجماعة.
(1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ - عز وجل -»
اختلف الفقهاء في بيان
معنى الأقرأ لكتاب الله
: فقال بعض الفقهاء الأجود قراءة، وقال بعضهم الأكثر قراءة، وقال آخرون أكثرهم حفظًا للقرآن.
والصحيح أن المراد به هو أتقنهم وأحفظهم، لكن
هل يشترط أن يكون ممن يتغنى بالقرآن
ويحسن به صوته؟ الجواب: لا يشترط فيه ذلك، بل يكفي كونه متقنًا حافظًا، لكن الأولى أن يجتمع فيه حسن الأداء وجمال الصوت.1234
فَإِنْ كَانُوْا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ (1)، فَإِنْ كَانُوْا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً (2)، -
تنبيهات
: أولاً: اختلف الفقهاء فيما إذا اجتمع أقرأ وقارئ فقيه أي في القراءة أدنى من الأقرأ، فأيهما يقدم؟ المذهب (1) يقدم الأقرأ أخذًا بظاهر الحديث، وقال بعض أهل العلم: بل يقدم القارئ الفقيه؛ لأنه هو الأعلم بفقه صلاته فيؤديها على الوجه المشروع بخلاف الأقرأ فإنه قد يسرع في الركوع أو السجود أو القيام وربما يسهو في صلاته فلا يدري ماذا يفعل، ومن هنا كان الأولى تقديم القارئ العالم بفقه صلاته على الأقرأ، وهذا هو اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-.
ثانياً: إذا كان للمسجد إمام راتب فهو أولى بكل حال، أي حتى إن وجد من هو أقرأ وأعلم منه مادام أنه لا يوجد فيه مانع يمنع إمامته.
(1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنْ كَانُوْا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ»
أي إذا اجتمع أكثر من قارئ للقرآن فينظر هنا إلى أعلمهم بالسنة، أي الأعلم بفقه صلاته من خلال أدلة السنة التي جاءت من خلال قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (3)، ودليل ما ذكره المؤلف قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق «فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ».
(2)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنْ كَانُوْا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً»
وهذا إنما يكون في صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وقد انقطعت الهجرة بهم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لاهِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوْا» 4123
فَإِنَ كَانُوْا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا (1)، وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِيْ بَيْتِهِ (2)، (1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنَ كَانُوْا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا»،
وفي رواية «فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» (1)، وعلى الرواية الأولى لا يكون هذا إلا في صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى الرواية الثانية يقدم الأكبر سنًّا، وهذا هو الموافق لحديث مالك بن الحويرث وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (2).
لكن لماذا قدّم هنا الهجرة والأقدم سلمًا عن غيرهم؟ نقول أولاً: بالنسبة للهجرة قُدِّم على غيره لأنه الأسبق للخير، ولأنه أقرب إلى معرفة شرع الله ممن تأخر عن الهجرة وبقي في بلاد الكفر.
أما الأقدم سلمًا على الرواية الأولى فلأنه هو الأفضل، لأنه بادر بالاستجابة بالإسلام فآمن به، ولأنه أيضًا أقرب إلى معرفة شريعة الله ممن تأخر إسلامه.
(2)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِيْ بَيْتِهِ»
أي أن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره إن كان أهلاً لها إلا من الإمام الأعظم أو نائبه كالحاكم العام أو الخاص في البلد الذي سكن فيه إن كان أهلاً للإمامة، فإن كان غير أهل للإمامة فلا يقدم، فيقدم صاحب البيت على الأقرأ والأفقه والأقدم هجرة والأقدم إسلامًا والأسن وهكذا، وهذا باتفاق أهل العلم للحديث المتقدم، ويدخل في ذلك عدم التقدم في مزرعته أو استراحته وما أشبه ذلك.12 أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب من أحق بالإمامة - رقم (1078).
وَلا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (1)»، وَقَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَليَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا (2)».
وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُمَا مُتَقَارِبَةً (3).
وَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَ مَنْ صَلاتُهُ فَاسِدَةٌ (4)،
-
تنبيهان
:
أولاً: إذا اجتمع صاحب البيت ومستأجره،
فالمستأجر أحق؛ لأن المستأجر مالك المنفعة فهو أحق بانتفاعه بالإمامة في هذا البيت.
ثانيًا: إن كان صاحب البيت حليق اللحية أو لايحسن القراءة أي عامي فلا يتقدم إلا بمثله.
(1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَلا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ»
أي لايجلس المضيف في محل الضائف الخاص به فلا يجوز الجلوس عليه إلا بإذنه.
(2) قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَليَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» هذا الحديث فيه دلالة على تقديم الأسن في الإمامة كما ذكرنا ذلك سابقًا، لكن على حسب الترتيب السابق الوارد في الحديث، ولذا قال المؤلف:
(3) قوله «وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُمَا مُتَقَارِبَةً» وذلك لأنه جلس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وصاحبه فترة واحدة فتعلما من النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعًا وكان علمهما متقاربًا.
(4)
قوله «وَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَ مَنْ صَلاتُهُ فَاسِدَةٌ»
بأن يكون محدثا ويعلم حدث نفسه فصلاته فاسدة وهو آثم في ذلك، بل قال بعض أهل العلم: يكفر إذا كان يعلم حدث نفسه ثم صلى؛ لأنه يعد بذلك متلاعباً بأحكام الله، فالأمر خطير جدًّا.
إِلاَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَدَثَ نَفْسِهِ (1)، وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَأْمُوْمُ حَتَّى سَلَّمَ (2)، فَإِنَّهُ يُعِيْدُ وَحْدَهُ (3)، وَلا تَصِحُّ خَلْفَ تَارِكِ رُكْنٍ (4)،
(1) قوله «إِلاَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَدَثَ نَفْسِهِ» أي إذا انتهى من صلاته فتذكر أنه صلى محدثا، فهنا الواجب عليه إعادة الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (1)، وهو معذور بنسيانه أي لا إثم عليه، لكن الواجب عليه الإعادة.
(2) قوله «وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَأْمُوْمُ حَتَّى سَلَّمَ» أي لم يعلم المأموم أن إمامه محدث حتى سلم، فما الحكم؟ قال المؤلف -رحمه الله-:
(3)
قوله «فَإِنَّهُ يُعِيْدُ وَحْدَهُ»
أي يعيد الإمام صلاته وحده، أما المأموم فلا إعادة عليه، دليل ذلك فعل عمر - رضي الله عنه -، فقد ثبت عنه وعن ابنه عبد الله أنهما صليا بالناس على غير طهارة فلما علما بذلك أعادا الصلاة ولم يعد من صلى خلفهما، وقال بعض الفقهاء: بل على المأموم الإعادة، والصواب المذهب.
(4)
قوله «وَلا تَصِحُّ خَلْفَ تَارِكِ رُكْنٍ»
أي لا تصح إمامة العاجز عن الركوع أو السجود أو القيام أو القعود ونحو ذلك من الأركان، والتعليل في ذلك لأن القادر على الإتيان بأركان أكمل حالاً من العاجز عن الإتيان بها، ولا يصح أن يكون العاجز إمامًا للقادر، وهذا هو المذهب 2. والصحيح أن الصلاة=1 أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة - باب اثنان فما فوقهما جماعة - رقم (618)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب من أحق بالإمامة - رقم (1081).
إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ، إِذَا صَلَّى جَالِسًا؛ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ (1)، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّوْنَ وَرَاءَهُ جُلُوْسًا (2)، =خلفه تصح، لكن الأولى أن لا يتقدم للإمامة، لكن استثنى المؤلف هنا إمام الحي فقال:
(1)
قوله «إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ، إِذَا صَلَّى جَالِسًا؛ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ»
مر بنا أن الشروط والأركان والواجبات تسقط مع العذر كما جاء في حديث عمران بن الحصين وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (1)، لكن كما تقدم المذهب أن العاجز عن الأركان لاتصح إمامته، لكن استثني هنا إمام الحي بشرط أن يكون مرضه يرجى برؤه، مثل: أن يطرأ عليه وجع يرجى زواله فهنا تصح إمامته، والصحيح أن هذا القيد - أعني قيد كونه إمام الحي ومرضه يرجى برؤه - قيد يحتاج إلى دليل، فما أطلقه الشارع لا يجوز تقييده إلا بدليل، وعلى ذلك تصح إمامة العاجز عن الإتيان بالأركان مطلقًا، لكن خلاف الأولى.
(2)
قوله «فَإِنَّهُمْ يُصَلُّوْنَ وَرَاءَهُ جُلُوْسًا»
هذا هو المذهب 2، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الإمام إذا صلى جالسًا وجب على المأمومين القادرين على القيام أن يصلوا قيامًا، فإن صلوا قعودًا بطلت صلاتهم.
والصحيح أنهم يصلون وراءه قعودًا؛ لحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ فَصَلَّى صَلاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوْدًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا=1
إِلاَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا قَائِمًا، ثُمَّ يَعْتَلُّ، فَيَجْلِسُ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّوْنَ مَعَهُ قِيَامًا (1). =فَصَلُّوْا قِيَامًا فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوْا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُوْلُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوْا قِيَامًا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوْسًا أَجْمَعُوْنَ» (1). لكن
هل جلوسهم خلفه ندبًا أم وجوبًا؟
المذهب (2) يرى أن الجلوس خلفه سنة، فإن صلوا وراءه قيامًا صحت صلاتهم؛ لأن السنة لا تبطل صلاتهم بتركها.
والصواب أنه متى صلى الإمام قاعدًا وجب على المأمومين الصلاة خلفه قعودًا، فإن صلوا وراءه قيامًا بطلت صلاتهم، وهذا هو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا قَائِمًا، ثُمَّ يَعْتَلُّ، فَيَجْلِسُ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّوْنَ مَعَهُ قِيَامًا»
أي إذا أصاب الإمام علة أثناء صلاته فجلس.
فالواجب على المأمومين أن يتموا صلاتهم خلفه قيامًا، ولا يجوز لهم الجلوس، وهذا خاص من العموم المذكور في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوْسًا»، ودليل ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه حين دخل المسجد وأبو بكر يصلي بالناس وقد ابتدأ أبوبكر الصلاة قائمًا فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يسار أبي بكر وبقي أبو بكر قائمًا، فيصلي أبو بكر بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويصلي الناس بصلاة أبي بكر - رضي الله عنه - ولم يأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بالجلوس 4.123
وَلا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ (1)، وَلا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ (2)، (1)
قوله «وَلا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ»
أي لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال مطلقًا سواء في الفرض أو النفل، وهذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية (1)، والمالكية (2)، والشافعية (3)، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (4)، فالإمامة نوع من الولاية والجماعة قد ولوا امرأة إمامتهم فلا تصح أن تكون المرأة إمامًا لهم.
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ صُفُوْفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوْفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (5)، وجه الدلالة أن النساء لا موضع لهن في الأمام، فلو قلنا بأنه تصح إمامتهن لصار انقلابًا في الوضع ولصارت هي المتقدمة على الرجل، وأيضًا حصول الفتنة الحاصلة بهن، ولذا جاءت الشريعة بالنهي عن إمامة المرأة.
وعلى ذلك ما يحصل في بعض البلاد غير الإسلامية من إمامة النساء للرجال، بل وأداء صلاة الجمعة بالرجال كله مخالف ومصادم للشريعة، نسأل الله تعالى العافية.
(2)
قوله «وَلا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ»
أي لا تصح إمامة من به سلس بول إلا بمثله وهذا المذهب 6، وقيل تصح إمامة من به سلس البول مطلقًا، وهذا هو قول شيخنا 7 -رحمه الله- وهو الصحيح، لكن ينصح أن لايكون إمامًا، أما صلاته =12345
وَالأُمِّيِّ الَّذِيْ لا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُخِلَّ بِحَرْفٍ مِنْهَا، إِلاَّ بِمِثْلِهِمْ (1). وَيَجُوْزُ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ (2)، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ (3). =بمثله فلا إشكال فيها.
(1)
قوله «وَالأُمِّيِّ الَّذِيْ لا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُخِلَّ بِحَرْفٍ مِنْهَا، إِلاَّ بِمِثْلِهِمْ»
الأمي من لا يحسن قراءة الفاتحة لا حفظًا ولا تلاوة، فالمذهب أنه لا تصح إمامته إلا بمثله، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز إمامته مطلقًا؛ لأن من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، وهذا هو الصواب، لكن الأولى أن لا يتقدم للإمامة؛ لأن فيه شيئًا من المخالفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ - عز وجل -» (1). (2)
قوله «وَيَجُوْزُ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ»
وهذا صحيح، بخلاف من قال بعدم جواز إمامة المتيمم للمتوضئ، دليل ذلك حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - حيث أنه صلى بأصحابه وهو متيمم وهم متوضئون فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِيْ مَنَعَنِيْ مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّيْ سَمِعْتُ اللهَ يَقُوْلُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» (2). (3)
قوله «وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ»
أي يجوز إمامة المتنفل بالمفترض، وهذا هو قول الشافعي 3، وإحدى الروايتين في المذهب 4، وهي التي اختارها ابن قدامة =12
وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُوْمُ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِيْنِ الإِمَامِ (1)، = كما ذكر في الحمد، وهو قول شيخ الإسلام (1)، والمذهب (2) لا تصح إمامة المتنفل بالمفترض، وهو قول أبي حنيفة (3)، ومالك (4)؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (5). والصحيح ما ذهب إليه المؤلف من جواز ائتمام المفترض بالمتنفل وذلك لقصة معاذ - رضي الله عنه - حيث «كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْعِشَاءَ الآخِرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ» (6). أما الحديث المذكور فمراده - صلى الله عليه وسلم - بعدم الاختلاف عليه في الأركان والواجبات أي في الأفعال.
(1)
قوله «وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُوْمُ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِيْنِ الإِمَامِ»
وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقف ابن عباس عن يساره في قيام الليل أخذه فجعله عن يمينه.
- تنبيه: ثم اعلم أن للمأمومين مع الإمام أربعة مواقف: الأول: خلفه، وهذا هو الأفضل إن كانوا أكثر من واحد؛ لأن هذا هو المعهود من صلاة الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. الثاني: عن جانبيه، وهذا أيضًا صح عنه - صلى الله عليه وسلم - لما رواه أحمد عن الأسود بن يزيد النخعي قال: «دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ=123456