وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 297-336

كَنُهُوْضِهِ مِنَ السُّجُوْدِ (1)، ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ لا يَقْرَأُ فِيْهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا (2)،  =مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ... » (1).

(1)

قوله «كَنُهُوْضِهِ مِنَ السُّجُوْدِ»

وصفة نهوضه هنا أن ينهض على صدور قدميه معتمدًا يديه على فخذيه أو ركبتيه، وإن احتاج المصلي إلى الاعتماد على يديه عند قيامه لكبر أو مرض أو لكون ذلك أسهل عليه فلا بأس.
وقال الشافعية (2) بل السنة الاعتماد على اليدين عند النهوض، وهو قول الألباني (3) -رحمه الله-.

(2)

قوله «ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ لا يَقْرَأُ فِيْهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا»

هذا هو المذهب 4 وهو قول الجمهور، أي يقتصر المصلي في الركعة الثالثة والرابعة على الفاتحة فقط أي لا يزيد عليها ودليل ذلك حديث أبي قتادة - رضي الله عنه -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى مِنَ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ وَكَذلِكَ فِي الصُّبْحِ» 5. قلت: لكن إن زاد عن الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة من الظهر أحيانًا فحسن لورود ذلك في حديث أبي حميد - رضي الله عنه -، وبهذا قال سماحة شيخنا =123

فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ، تَوَرَّكَ؛ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَفَرَشَ الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَهَا عَنْ يَمِيْنِهِ (1).  =عبد العزيز بن باز (1) - رحمه الله تعالى -.

(1)

قوله «فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ، تَوَرَّكَ؛ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَفَرَشَ الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَهَا عَنْ يَمِيْنِهِ»

أي إذا أتى المصلي بما بقي من صلاته إن كانت ثلاثية أو رباعية يستحب له أن يجلس متوركًا، وصفة التورك كما ذكره المؤلف أن ينصب رجله اليمنى ويفرش اليسرى فيخرجها من الجانب الأيمن ثم يجلس على مقعدته على الأرض، وهذه هي إحدى صفات التورك.
وهناك صفتان غير التي ذكرها المؤلف جاءت في بيان التورك؟ إحداهما: أن يفرش القدمين جميعًا ويخرجهما من الجانب الأيمن.
والثانية: أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين فخذ وساق اليمنى، والذي ينبغي على الإنسان متى سهل عليه أن يفعل هذا مرة وهذا مرة ليحافظ على السنة.

تنبيهان

: أولاً: ذهب بعض الفقهاء إلى التفريق بين الرجل والمرأة في هيئة الجلوس في الصلاة، فقالوا: يسن للرجل في الصلاة الافتراش وللمرأة التورك، لا فرق في ذلك بين التشهد الأول والأخير أو الجلسة بين السجدتين، والصحيح أن المرأة كالرجل تمامًا لعدم الدليل الذي يدل على التفريق بينهما، فالأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام.
ثانيًا: المذهب 2 على أن المرأة تضم نفسها في الحال التي يشرع للرجل فيها =1

وَلا يَتَوَرَّكُ إِلاَّ فِيْ صَلاةٍ فِيْهَا تَشَهُّدَانِ (1)، فِي الأَخِيْرِ مِنْهُمَا (2)،  =التجافي كما في الركوع والسجود، والصحيح أن المرأة كالرجل كما ذكرنا في الأحكام وليس هناك دليل على التفريق.

(1)

قوله «وَلا يَتَوَرَّكُ إِلاَّ فِيْ صَلاةٍ فِيْهَا تَشَهُّدَانِ»

كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، أما الصبح فليس فيه تورك، وهذا هو المذهب (1) وهو قول الشافعية (2)، وذهب الحنفية (3) إلى أن جميع الجلسات في الصلاة هي الافتراش وقال المالكية (4) بأن هيئة الجلوس المسنونة في جميع جلسات الصلاة هي التورك سواء في التشهد الأول أو الثاني أو الجلوس بين السجدتين.
والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية؛ لحديث أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - وفيه: «.. فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنىَ وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» (5)، وفي رواية «فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» (6).

(1)

قوله «فِي الأَخِيْرِ مِنْهُمَا»

لحديث أبي حميد - رضي الله عنه - السابق، و

المراد بالتشهد الأخير

ما يعقبه السلام فإذا سبق المأموم بركعة وجلس مع إمامه في التشهد =123456

فَإِذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا (1)، وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ (2).  =الأخير فإنه لا يتورك لأن تشهده هنا لا يعقبه السلام.

(1)

قوله «فَإِذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا»

والحكمة في استغفاره بعد صلاته هي جبر التقصير والخلل الذي حصل للإنسان في صلاته وذلك بسبب الوساوس والغفلة فيها وغير ذلك مما يشغله عن خشوع القلب فيها، فيأتي الإنسان بسؤال الله المغفرة بسبب هذا التقصير.
(2)

قوله «وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ»

أي يقول بعد استغفاره ثلاثًا هذا الدعاء، والمناسبة هنا ظاهرة، فكما سألت الله تعالى المغفرة تسأله أن لا يرد عليك صلاتك ولا ينقص لك الأجر فيها، والمعنى: سلم لي صلاتي من الرد والنقص.
ودليل ذلك ما رواه مسلم عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» 1. ثم من السنن أيضًا أن يقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، ويختم بـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يتم بها المائة.
وإن سبح ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبّر الله أربعًا وثلاثين، فيكون الجميع مائة، فهذا أيضًا مشروع، أو سبح الله عشرًا وحمده عشرًا =

..................................  =وكبره عشرًا فهذا أيضًا مشروع، أو قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسًا وعشرين فيكون الجميع مائة، فكل هذا مشروع لثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد جاءت السنة بكل ما ذكرناه، فينبغي للمسلم أن يحافظ على هذه السنن بفعل هذا تارة وهذا تارة.
ومما يشرع أيضًا للمصلي إذا انتهى مما ذكرناه أن يقرأ آية الكرسي، وكذا سورة الإخلاص والمعوذتين، وإن كان في صلاة الصبح والمغرب قرأ الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا؛ لورود ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

بَابُ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَوَاجِبَاتِهَا

(1) أَرْكَانُهَا اثْنَا عَشَرَ (2): الْقِيَامُ (3)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَوَاجِبَاتِهَا»

الأركان: جمع ركن، وهو في اللغة: جانب الشيء الأقوى، أما في الاصطلاح: فهو «ما لا تصح الصلاة إلا به سواء تركه عمدًا أو سهوًا»، فإذا ترك المصلى ركنًا من أركان الصلاة سهوًا، ووصل إلى محله من الركعة الثانية، فإنه يلغى هذه الركعة وتعتبر هذه الركعة التي هو فيها محل الركعة السابقة.
أما الواجبات فسيأتي تعريفها والفرق بينها وبين الأركان قريبًا إن شاء الله.

(2)

قوله «أَرْكَانُهَا اثْنَا عَشَرَ»

هذا ما رجحه ابن قدامة -رحمه الله-، والراجح أن أركان الصلاة أربعة عشر، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
(3)

قوله «الْقِيَامُ»

بدأ المؤلف في بيان أركان الصلاة، فالركن الأول فيها القيام، وقد سبق بيان هذا الركن في صفة الصلاة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 1، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» 2، وهذا الحديث فيه بيان ركنية القيام في الصلاة، لكن ننبه هنا على أن العلماء احتجوا بهذا الحديث وبصريح القرآن على أن الأركان والواجبات تسقط عند العجز وعدم الاستطاعة، فالذي لا يستطيع أن يصلي قائمًا يسقط عنه القيام ويصلي قاعدًا، فإن لم يستطع الصلاة قاعدًا صلى على جنب، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا، وهذا يدل على سماحة الشريعة الإسلامية.

وَتَكْبِيْرَةُ الإِحْرَامِ (1)،  =وهنا نذكر بعض ال

تنبيهات

المتعلقة بالقيام:

أولاً: يجب على المصلي القيام ولو معتمدًا،

فمن كان لا يستطيع القيام إلا بالاعتماد على عصى أو عمود أو جدار فيجب عليه القيام لعموم الأدلة.
ثانيًا: من كان قادرًا على القيام، لكن يخاف على نفسه من السقوط إذا قام، فإنه يسقط عنه القيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (1)، فأسقط عنه الرب سبحانه وتعالى الركوع والسجود وهما ركنان بسبب الخوف فسقوط القيام عن المعذور من باب أولى.

ثالثًا: من أمكنه أن يأتي بجزء من الركن

وجب عليه الإتيان به، فإن لم يستطع الإتيان به سقط عنه كما ذكرنا، مثاله: شخص يستطيع أن يأتي بجزء من القيام كأن يكون حاني الظهر لزمه الإتيان به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (2)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (3). (1)

قوله «وَتَكْبِيْرَةُ الإِحْرَامِ»

هذا هو الركن الثاني من أركان الصلاة، وبركنيته قال المالكية 4، والشافعية 5، وقال أبو حنيفة 6: بل يجزئ بكل ما يقتضي التعظيم، وقد بيَّنا في صفة الصلاة أن الراجح هو تعيين لفظ التكبير، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 7، وجمهور أهل العلم.123

وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ (1)،  =أما تكبيرات الانتقال فهي واجبة كما ذكرنا ذلك، وسيأتي كلام المؤلف عليها في الواجبات.
ودليل ركنية تكبيرة الإحرام قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيْرُ» (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (2).

(1)

قوله «وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ»

هذا هو الركن الثالث، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» 3، وقوله: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ» 4. وقد اختلف الفقهاء في ركنية قراءة الفاتحة في الصلاة كما سبق في صفة الصلاة وقلنا بأن: المالكية 5، والشافعية 6، والحنابلة 7 على أنها ركن فيها، وقال الحنفية 8 بأن ركنية القراءة تتحقق بأي آية من القرآن، أما الفاتحة فهي واجبة ليست بركن، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من ركنيتها في الصلاة للأدلة المتقدمة.
لكن اختلف الفقهاء في حكم قراءتها على المأموم على ثلاثة أقوال: وقد =12

والرُّكُوْعُ (1)، وَالرَّفْعُ مِنْهُ (2)،  =سبق تفصيل كلام الفقهاء في ذلك مع بيان الراجح في باب صفة الصلاة.

(1)

قوله «وَالرُّكُوْعُ»

هذا هو الركن الرابع، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (1)، وأيضًا جاء في حديث المسيء صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» (2). وقد أجمع العلماء على ركنية الركوع في الصلاة.

(2)

قوله «وَالرَّفْعُ مِنْهُ»

أي من الركوع، وهذا هو الركن الخامس، دليله الحديث السابق أي حديث المسيء صلاته وفيه: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -: «لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقِيْمُ فِيهَا الرَّجُلُ يَعْنِي صُلْبَهُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ» 3. والاعتدال في الرفع من الركوع واجب، أما مجرد الرفع فقط ثم الهوي إلى السجود كما نراه من بعض إخواننا القادمين من بعض البلاد الإسلامية، نراهم يرفعون ولا يقيمون صلبهم ولا يعتدلون عند قيامهم، بل يسجدون مباشرة، فهذا خطأ، بل لابد من الاعتدال؛ لحديث المسيء صلاته: «ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»، وحديث أبي مسعود الأنصاري المتقدم.12

وَالسُّجُوْدُ (1)، وَالسُّجُوْدُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ (2)،  -

تنبيه: إذا جاء المأموم والإمام راكع

، إن كان أدركه في جزء من الركوع فقد أدرك الركعة وإلا فلا، لكن إن كان الإمام يخالف صوته حركته فالمعول عليه الصوت؛ لأنه قد لا يرى الإمام، ومن هنا ننبه على الأئمة بأن تكون تكبيرات الانتقال وكذا التسميع تتزامن فيها الحركة مع الصوت، فلا يكبر قبل أن يهوي، ولا يكبر بعد أن يهوي، وكذا لا يقول: سمع الله لمن حمده بعد أن يرفع، بل يكون الرفع متزامنًا مع قول: سمع الله لمن حمده، وعلل ذلك بأنه إذا رأى المسبوق الإمام وهو يعتدل من ركوعه ثم يقول: سمع الله لمن حمده، فهنا نقول: لا يعتد بهذه الركعة؛ لأنه لم يدرك الإمام في الركوع، لأن المعول عليه الصوت عند عدم إمكانية رؤية الإمام، أما مع إمكانية رؤيته فالمعول عليه الرؤية.
(1)

قوله «وَالسُّجُوْدُ»

هذا هو الركن السادس، و

كيفية السجود

مذكورة في صفة الصلاة.
والسجود كما ذكرنا يكون على الأعضاء السبعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ -، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» (1). (2)

قوله «وَالسُّجُوْدُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ»

هذا هو الركن السابع وهو محل خلاف بين الفقهاء كما سبق، والراجح أنه ركن، فلا يكفي مجرد السجود بل لابد من السجود على هذه الأعضاء السبعة المذكورة في الحديث المتقدم.1

وَالْجُلُوْسُ عَنْهُ (1)، وَالطُّمَأْنِيْنَةُ فِيْ هَذِهِ الأَرْكَانِ (2)،  =لكن إن عجز عن السجود بجبهته هل يسقط عنه باقي الأعضاء؟ قال بعض الفقهاء (1) أنه يسقط عنه باقي الأعضاء؛ لأن الجبهة هي الأصل وغيرها تابع لها.
والراجح أنه متى عجز عن السجود بالجبهة لزمه أن يأتي بما يستطيع، كأن تمس يده الأرض أو يمس أنفه الأرض إذا كان يمكنه ذلك، المهم أنه متى عجز عن الإتيان ببعض أعضاء السجود لزمه الإتيان بالباقي.

(1)

قوله «وَالْجُلُوْسُ عَنْهُ»

نلاحظ هنا أن المؤلف -رحمه الله- دقق العبارة فلم يقل: الجلوس له، ولا قال: الجلوس منه، بل قال: الجلوس عنه ليجمع بين الركنين في ركن واحد وهما الجلوس والرفع من السجود، لكن الصواب أنه لا يجمع بينهما كما فعل ذلك صاحب «دليل الطالب» وغيره حيث قالوا في أركان الصلاة: الثامن الرفع من السجود، التاسع الجلوس بين السجدتين.
وقد مر بنا بيان صفة الجلوس المشروعة بين السجدتين في صفة الصلاة فلا حاجة لبيانها مرة أخرى.
(2)

قوله «وَالطُّمَأْنِيْنَةُ فِيْ هَذِهِ الأَرْكَانِ»

هذا هو الركن التاسع على كلام المؤلف، والطمأنينة ركن عند الحنابلة 2 والشافعية 3، وذهب الحنفية 4 إلى أن الطمأنينة سنة، وهو المشهور في مذهب المالكية 5، والصحيح أنها ركن في=1

وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيْرُ (1)،  =جميع الأركان: في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين وفي الرفع من الركوع وفي كل أفعال الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته في كل ركن من الأركان «حتى تطمئن».
لكن اختلف الفقهاء في حد الطمأنينة، فقال بعضهم: السكون وإن قلَّ حتى وإن لم يتمكن من ذكر الواجب، وقال بعضهم: حدها السكون بقدر الذكر الواجب، وهذا هو الصواب.

(1)

قوله «وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيْرُ»

هذا هو الركن العاشر، وقد ذكرنا سابقًا أن الفقهاء اختلفوا في التشهد الأخير، فقال بركنية التشهد الأخير الحنابلة 1، والشافعية 2، وذهب المالكية 3 إلى أن الركن هو الجلوس للسلام فقط أما التشهد فيه فليس بواجب، فلو رفع المصلي رأسه من السجود واعتدل جالسًا وسلم كان ذلك الجلوس هو الواجب، أما التشهد عندهم سنة، وعند الحنفية 4 كما سبق روايتان إحداهما وهي المذهب أنه واجب، والأخرى أنه سنة.
والصحيح أن التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، دليل ذلك حديث ابن مسعود الذي ذكرناه سابقًا وهو قوله: كُنَّا نَقُوْلُ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ السَّلامُ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ عَلَى جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ فَقَالَ رَسُوْلُ - صلى الله عليه وسلم - «لا تَقُوْلُوْا هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ السَّلامُ وَلَكِنْ قُولُوْا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ... » 5، =

وَالْجُلُوْسُ لَهُ (1)، وَالتَّسْلِيْمَةُ الأُوْلَى (2)، وَتَرْتِيْبُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (3). فَهَذِهِ الأَرْكَانُ لا تَتِمُّ الصَّلاةُ إِلاَّ بِهَا (4).  =الشاهد قوله: «قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ».

(1)

قوله «وَالْجُلُوْسُ لَهُ»

أي الجلوس للتشهد الأخير، وهذا هو الركن الثاني عشر من أركان الصلاة، فلو فرض أن المصلي قام ثم قرأ التشهد فإنه لا يجزئه؛ لأن الجلوس للتشهد ركن من أركان الصلاة.
(2)

قوله «وَالتَّسْلِيْمَةُ الأُوْلى»

هذا هو الركن الحادي عشر، وقد سبق بيان ركنية التسليم في كتاب صفة الصلاة.
(3)

قوله «وَتَرْتِيْبُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ»

هذا هو الركن الثاني عشر، فلو قدم المصلي السجود قبل الركوع فلا تصح صلاته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها مرتبة مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (1)، وكذا علّمها - صلى الله عليه وسلم - المسيء صلاته مرتبة.
فهذه هي أركان الصلاة الاثنا عشر عند المؤلف، والصواب أن يقال بأن أركان الصلاة أربعة عشر، وهي الاثنا عشر التي ذكرها المؤلف ويضاف إليها الرفع من السجود والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد الأخير، كما مر بنا.
(4)

قوله «فَهَذِهِ الأَرْكَانُ لا تَتِمُّ الصَّلاةُ إِلاَّ بِهَا»

لأنها أركان، والركن لا تصح الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا بل لابد منه، لكن كما سبق يسقط هذا الركن عند عدم القدرة على الإتيان به.1

وَوَاجِبَاتُهَا سَبْعَةٌ (1): التَّكْبِيْرُ غَيْرَ تَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ (2)، وَالتَّسْبِيْحُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ مَرَّةً مَرَّةً (3)،  (1)

قوله «وَوَاجِبَاتُهَا سَبْعَةٌ»

الفرق بين الأركان والواجبات: أن الأركان لا تسقط بالسهو، والواجبات تسقط به ويجبرها سجود السهو، فمن نسي واجبًا أجزأ عنه سجود السهو، بخلاف الأركان فلا تصح الصلاة إلا بها.
وقوله «سَبْعَةٌ» هذا عند المؤلف -رحمه الله-، فهناك واجبات مختلف فيها، فبعض ما عدَّه واجبات هو على القول الراجح أركان كما سيأتي إن شاء الله.

(2)

قوله «التَّكْبِيْرُ غَيْرَ تَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ»

أي تكبيرات الانتقال كلها واجبة إلا تكبيرة الإحرام، فتسقط هذه التكبيرات بالسهو، لكن استثنى أهل العلم من ذلك: التكبيرات الزوائد في صلاة العيد والاستسقاء فإنها سنة، وكذلك التكبيرات في صلاة الجنازة فإنها ركن، وتكبيرة الركوع لمن أدرك الإمام راكعًا فإنها سنة.
وقد دلت السنة على وجوب هذا التكبير كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوْا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوْا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (1)، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - واظب عليه إلى أن مات ولم ينقل عنه تركه لهذا التكبير وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ»، وقد خالف في ذلك الأئمة الثلاثة فقالوا بعدم الوجوب، لكن الصواب وجوبه كما ذكرنا.

(3)

قوله «وَالتَّسْبِيْحُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ مَرَّةً مَرَّةً»

وقد مرّ بنا اختلاف الفقهاء في حكم التسبيح في الركوع والسجود في صفة الصلاة، وذكرنا أنه واجب، وهو قول الشيخين - رحمهما الله -.1

وَالتَّسْمِيْعُ وَالتَّحْمِيْدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوْعِ (1)، وَقَوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (2) وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ (3)، وَالْجُلُوْسُ لَهُ (4)، وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ (5) فَهَذِهِ إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا، سَجَدَ لَهَا (6)،  (1)

قوله «وَالتَّسْمِيْعُ وَالتَّحْمِيْدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوْعِ»

مرت بنا الأدلة على وجوب ذلك في صفة الصلاة، واختلاف الفقهاء فيه، وبيان الراجح من أقوالهم.
(2)

قوله «وَقَوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ»

وهو واجب على الصحيح وهو المذهب (1)، وبه قال الشيخان: سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (2)، وشيخنا محمد العثيمين (3) - رحمهما الله تعالى - وخالف في ذلك الجمهور فقالوا بسنيته.
(3)

قوله «وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ»

والقول بوجوبه هو الراجح كما ذكرنا ذلك في صفة الصلاة.
(4)

قوله «وَالجُلُوْسُ لَهُ»

أي يجب الجلوس للتشهد الأول، فلو تشهد وهو قائم أو وهو ساجد لم تصح صلاته، بل لابد من الجلوس للتشهد الأول.
(5)

قوله «وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ»

والصحيح أن هذا ركن وليس بواجب، بخلاف ما ذهب إليه المؤلف، وقد بينا ذلك في صفة الصلاة.
(6)

قوله «فَهَذِهِ إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا، سَجَدَ لَهَا»

أي هذه الواجبات حكمها أن من تركها عمدًا بطلت صلاته، ومن تركها سهوًا فيجبر ذلك بسجود السهو.123

وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ، لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِهَا (1)، وَلا يَجِبُ السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا (2)  (1)

قوله «وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ»

أي ما عدا هذه الأركان والواجبات فسنن، لا تبطل الصلاة بتركها لا عمدًا ولا سهوًا؛ لأنها من مكملات الصلاة، فمتى وجدت هذه السنن صارت الصلاة أكمل وأفضل، ومتى نقصت نقص الكمال المستحب لا الكمال الواجب.
ولم يذكر المؤلف هذه السنن لأنها كثيرة، فمنها سنن الأقوال التي هي سبع عشرة سنة، ومنها سنن الأفعال التي عدها بعض أهل العلم فأوصلها إلى القريب من الثلاثين سنة، وقد مر بنا بيان بعض هذه السنن في صفة الصلاة، لكن هل يشرع لها سجود السهو؟ قال المؤلف:

(2)

قوله «وَلا يَجِبُ السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا»

أي لا يجب السجود لمن تركها سهوًا، والمذهب 1 أنه لا بأس بالسجود لترك السنة لكن لا يشرع، وهناك قول آخر في المذهب 2 أنه يشرع سجود السهو لترك المسنون سواء كان من سنن الأقوال أو الأفعال؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» 3 وهذا عام.
والذي رجحه شيخنا محمد العثيمين 4 -رحمه الله- أن الإنسان إن ترك شيئًا من سنن الأقوال أو الأفعال كان من عادته أنه يفعله فإنه يشرع له أن يسجد جبرًا لهذا النقص الذي هو نقص كمال، أما إن ترك سنة ليس من عادته أنه يفعلها فهذا لا يسن له السجود، لأنه لم يطرأ على باله أن يفعلها، وهذا هو الراجح.

بَابُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ (1)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ»

أكثر العلماء يسمونه باب سجود السهو أو

باب سجدتي السهو

. وسجود السهو هو من باب إضافة الشيء إلى سببه، والسهو منه ما هو مذموم ومنه ما هو معفو عنه، فإن عُدِّي بـ «عَنْ» صار مذمومًا؛ لأنه بمعنى الغفلة والترك، كقولنا: سها فلان عن صلاته أي غفل عنها وتركها، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ 1 أي غافلون لا يهتمون بها، وإن عُدِّي السهو بـ «فِيْ» صار معفوًا عنه؛ لأنه بمعنى الذهول الناتج عن غير قصد، كقولنا: سها فلان في صلاته، وهذا هو المراد في كلام الفقهاء، والسهو يقع من كل البشر، بل لم يسلم منه نبينا - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه مقتضى الطبيعة البشرية.
وقد اختلف الفقهاء في حكم سجود السهو: فالحنفية 2، والحنابلة 3 في المعتمد عندهم أنه واجب، وذهب المالكية 4، والشافعية 5، والحنابلة 6 في إحدى الروايتين إلى أنه سنة.
والصحيح أنه واجب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيْتُ فَذَكِّرُوْنِيْ، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ» 7، ولأنه أيضًا ثابت من =

وَالسَّهْوُ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ (1): أَحَدُهَا: زِيَادَةُ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِهَا (2)،  = فعله - صلى الله عليه وسلم - حيث أنه لما سهى في صلاته أتى بسجود السهو جبرًا للنقص أو الزيادة الحاصلة في الصلاة.

(1)

قوله «وَالسَّهْوُ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ»

أي على ثلاثة أنواع، سيأتي بيانها على التفصيل.
(2)

قوله «أَحَدُهَا: زِيَادَةُ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِهَا»

هذا هو النوع الأول الذي يوجب سجود السهو، وهو الزيادة في الصلاة، لكن اشترط المؤلف له شرطين: الأول: أن تكون الزيادة في الفعل لا في القول.
الثاني: أن يكون هذا الفعل من جنس الصلاة، كقيام أو قعود أو ركوع أو سجود كما سيذكره المؤلف.
أما إن كان من غير جنس الصلاة كالمشي، والمراوحة بين القدمين، والحك، والتروح بمروحة اليد، وفرقعة الأصابع، ولبس الإزار أو خلعه، ونحو ذلك، فهذه تبطل الصلاة بها بشروط هي: الأول: أن تكون الحركة الحاصلة فيها كثيرة، وضابط الحركة هنا العادة والعرف.
الثاني: أن تكون لغير ضرورة؛ لأنه مع الضرورة لا تبطل الصلاة ولو كثرت الحركة كصلاة الخوف، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 1، فمن يمشي لا شك أنه سيحصل منه عمل كثير في الصلاة.
الثالث: أن يكون هذا العمل متواليًا، فإن تفرق الفعل كأن يتحرك في كل ركعة ثلاث حركات مثلاً، لكنها لو اجتمعت متوالية صارت كثيرة، فإن الصلاة لا تبطل بذلك لتفرق العمل وعدم موالاته.
فهذه هي شروط الحركة التي تبطل بها الصلاة.

كَرَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ (1)، فَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ (2). وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ، جَلَسَ فِي الْحَالِ (3)،  (1)

قوله «كَرَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ»

أي بفعل ركعة زائدة عن المأمور به، أو زيادة ركن كأن يزيد ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا في الصلاة، فما الحكم إذًا؟ سيذكره المؤلف.
(2)

قوله «فَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ»

أي متى زاد المصلي في صلاته عمداً، فزاد فيها ركعة، أو زاد فيها ركوعًا أو سجودًا في غير محله، أو قعودًا في محل القيام، أو قيامًا في محل السجود، بطلت الصلاة بهذه الزيادة مع حصول الإثم عليه ويجب عليه التوبة؛ لأنه يكون بذلك متلاعبًا، أما إن فعل ذلك سهوًا فإنه يسجد للسهو.
(3)

قوله «وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ، جَلَسَ فِي الْحَالِ»

وهذا بخلاف ما يقع فيه بعض الأئمة أو المنفردين، فنرى بعضهم إذا قام إلى ركعة زائدة كخامسة في صلاة رباعية، أو رابعة في ثلاثية، أو ثالثة في ثنائية، نراه لا يجلس في الحال ويقول: ما دمت أني استويت قائمًا فلابد من إكمالها، وهذا خطأ، بل الواجب عليه أنه متى علم أنها زائدة فليجلس في الحال، فإن كان قد تشهد فليسلم ثم ليسجد للسهو بعد السلام.
وقوله «فِي الْحَالِ» أي حال علمه بأن هذه ركعة زائدة حتى وإن كان في الركوع؛ لأن الزيادة لا يمكن الاستمرار فيها أبدًا، فإن زاد فيها شيئًا مع علمه بأنه زيادة وتوهم أنه إذا قام إلى زائدة وشرع في القراءة حرم عليه الرجوع فصلاته باطلة ويجب عليه إعادة الصلاة.

..................................  -

تنبيهات

: أولاً: أين يكون محل السجود للسهو هنا، هل يكون قبل السلام أو بعده؟ المذهب (1) أنه يسجد قبل السلام؛ لأنهم يرون أن السجود بعد السلام لا يكون إلا إذا سلم قبل إتمامها فقط.
والصحيح أن السجود هنا - أي في الزيادة - يكون بعد السلام كما ذكرت، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (2) وشيخنا محمد العثيمين (3) - رحمهما الله -.

ثانيًا: من كان مسافرًا فقام إلى ثالثة في صلاة مقصورة،

هل يلزمه الرجوع أم له الإكمال؟ على قولين للفقهاء: فأهل الظاهر (4) يرون أنه يلزمه الرجوع؛ لأن القصر في حق المسافر واجب.
أما الجمهور فيرون أن القصر ليس بواجب وعلى ذلك فهو مخير بين الإتمام وبين الرجوع.
والصحيح أنه إن دخل في الصلاة بنية القصر فلا يجوز له أن يزيد عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (5)، وهذا قد دخل في الصلاة يريدها ركعتين.

ثالثًا: من قام من الليل ليصلي فقام إلى ثالثة ناسيًا،

هل يلزمه الرجوع؟ نقول: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن صلاة الليل مثنى؛ مثنى لحديث ابن عمر =12345

وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ سَجَدَ (1).  = رضي الله عنهما: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (1)، أما الحنفية (2) فذهبوا إلى أن قيام الليل أربعًا، أربعًا.
والصحيح هو القول الأول أي أن قيام الليل مثنى مثنى، وعلى ذلك إن زاد المصلي في صلاته ثالثة لزمه الرجوع.

(1)

قوله «وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ سَجَدَ»

أي إذا سلم قبل إتمام صلاته ظنًّا أن الصلاة قد تمت ثم تذكر أنها ناقصة أتى بما بقي من صلاته، لكن يشترط هنا شرطان: الأول: أن لا يطول الفصل، فإن طال الفصل بأن تذكر بعد ساعة مثلاً أنه ما أتم صلاته فإنه لابد من أن يستأنف الصلاة أي يعيدها من جديد، أما إن تذكر بعد ثلاث أو أربع أو خمس دقائق أي تذكر أنه لم يتم صلاته فإنه يبني على ما مضى من صلاته فيتمها.
الثاني: أن لا يفعل ما ينافي الصلاة كأكل أو شرب أو كلام ليس من مصلحتها أو أن يحدث وما أشبه ذلك.
وقوله «ثُمَّ سَجَدَ» على كلامه يكون محل السجود هنا قبل السلام، والصحيح أن محل السجود هنا بعد السلام.
مثال ذلك: رجل نسي الركوع من الركعة الثالثة ولم يعلم إلا بعد ما سلم، فإنه يقوم دون تكبير، ويأتي بركعة كاملة، ثم يتشهد التشهد الأخير ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.12

وَلَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، لاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ (1)، فَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا، أَبْطَلَهَا (2)، وَإِنْ كَانَ يَسِيْرًا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ حَمْلِهِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، فَلا بَأْسَ بِهِ (3).  (1)

قوله «وَلَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، لاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ»

أي إن فعل شيئًا ليس من جنس الصلاة: كالأكل والشرب أو المشي والمراوحة بين القدمين والحك والتروح بمروحة اليد وفرقعة الأصابع ولبس الثوب أو خلعه، وكذا ربط الإزار أو حلها ونحو هذه المذكورات، فهذه العمد والسهو فيها سواء، وحكمها قال المؤلف: (2)

قوله «فَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا، أَبْطَلَهَا»

وقد ذكرنا ذلك سابقًا، وقلنا أن العمل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة يبطل الصلاة، عمده وسهوه سواء، وحد الكثير هنا مرجعه إلى العرف، مثال ذلك: الحركة المتوالية الكثيرة لغير ضرورة تبطل الصلاة، وقدرها بعض أهل العلم بثلاث حركات متواليات، أما الحركة القليلة أو الحركة غير متوالية فلا تبطل الصلاة بها، كما ذكرنا ذلك في شروط بطلان الصلاة بالحركة.
(3)

قوله «وَإِنْ كَانَ يَسِيْرًا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ حَمْلِهِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، فَلا بَأْسَ بِهِ»

أي إن كان العمل الذي ليس من جنس الصلاة يسيرًا فإنه لابأس به ولا تبطل الصلاة به، واحتج المؤلف لذلك بدليلين: الدليل الأول: حمله - صلى الله عليه وسلم - أمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحملها في أثناء الصلاة 1.

الضَّرْبُ الثَّانِيْ (1): النَّقْصُ (2)،  = والدليل الثاني: فتحه الباب لعائشة (1) - رضي الله عنها-، فهذه حركة يسيرة لا تؤثر في الصلاة.
(1) قوله «الضَّرْبُ الثَّانِيْ» أي النوع الثاني مما يشرع له سجود السهو.
(2) قوله «النَّقْصُ» أي ينقص شيء من أركان الصلاة أو واجباتها أو سننها، يكون حكمه كالآتي: أولاً: الأركان: 1 - إن كان المتروك تكبيرة الإحرام فلا صلاة له، سواء تركها عمدًا أو سهوًا؛ لأن صلاته لم تنعقد.

2 - و

إن كان المتروك ركنًا غير تكبيرة الإحرام،

فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يصل إلى موضعه من الركعة التي تليها، فالحكم هنا أن تلغى الركعة التي تركه منها وتقوم التي تليها مقامها ويسجد للسهو بعد السلام.
الحالة الثانية: أن لا يصل إلى موضع الركن الذي تركه من الركعة الثانية، فالواجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به وبما بعده ويسجد للسهو بعد السلام، مثاله: شخص نسي السجدة الثانية والجلوس قبلها من الركعة الأولى، فتذكر ذلك بعد أن قام من الركوع من الركعة الثانية، فإنه يعود ويجلس ويسجد ثم يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.1

..................................  ثانيًا: الواجبات: إن كان المتروك واجبًا، فإن كان تركه للواجب متعمدًا بطلت صلاته، كأن يترك التشهد الأول مثلاً متعمدًا فصلاته هنا باطلة ويلزمه إعادتها، أما إن تركه ناسيًا فلا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يترك المصلي الواجب ثم يذكره قبل أن يفارق محله من الصلاة فإنه يأتي به ولا شيء عليه، مثاله: شخص رفع من السجود الثاني من الركعة الثانية ليقوم إلى الثالثة ناسيًا التشهد الأول ثم ذكر قبل أن ينهض فإنه يستقر جالسًا ثم يأتي بالتشهد ثم يكمل صلاته ويسلم ولا شيء عليه.
الحالة الثانية: أن يتذكر الواجب بعد مفارقة محله قبل أن يصل إلى الركن الذي يليه فيلزمه الرجوع ليأتي به ثم يكمل صلاته ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم، مثاله: شخص نسي التشهد الأول وقام إلى الثالثة ثم تذكر التشهد بعد أن نهض قبل أن يستتم قائمًا فعليه أن يرجع ويجلس ويتشهد ثم يكمل الصلاة ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم.
الحالة الثالثة: أن يتذكر الواجب بعد وصوله إلى الركن الذي يليه فهنا يسقط عنه الواجب أي لا يرجع إليه ويستمر في صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم مثاله: شخص نسي التشهد الأول فلم يذكره حتى استتم قائمًا فإنه يسقط عنه فلا يرجع إليه بل عليه أن يكمل صلاته ويسجد للسهو قبل السلام.
ثالثًا: السنن: إن كان المتروك سنة فقد بيَّنا حكم ذلك سابقًا في آخر باب الأركان والواجبات عند قول المؤلف «وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ، لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِهَا، وَلا يَجِبُ=

كَنِسْيَانِ وَاجِبٍ (1)، فَإِنْ قَامَ عَنِ التَّشّهُّدِ الأَوَّلِ، فَذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ (1)،  =السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا» فأغنى عن إعادته.

(1)

قوله «كَنِسْيَانِ وَاجِبٍ»

أي واجب من واجبات الصلاة، والواجب ما أمر به الشارع على وجه الإلزام، وحكم نسيان واجبات الصلاة أنها تجبر بسجود السهو، وقد ذكرنا كيف يتعامل معها المصلي، وواجبات الصلاة كما ذكرنا ثمانية وهي: 1 - التكبيرات غير تكبيرة الإحرام.
2 - التسميع أي قول «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» للإمام والمنفرد.
3 - التحميد أي قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» للإمام والمأموم والمنفرد.
4 - قول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» في الركوع مرة واحدة.
5 - قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» في السجود مرة واحدة.
6 - سؤال المغفرة أي قول: «رَبِّ اغْفِرْ لِيْ» في الجلوس بين السجدتين.
7 - التشهد الأول.
8 - الجلوس للتشهد الأول.
فهذه هي واجبات الصلاة التي لا تسقط عمدًا بل تبطل الصلاة، أما في حال السهو فيجبرها سجود السهو على ما ذكرنا سابقًا.

(1)

قوله «فَإِنْ قَامَ عَنِ التَّشّهُّدِ الأَوَّلِ، فَذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ»

دليل ذلك حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلا يَجْلِسْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» 1.

وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ (1)، وَإِنْ نَسِيَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوْعِهِ فِيْ قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ (2)، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذلِكَ، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِيْ تَرَكَهُ مِنْهَا (3)  (1)

قوله «وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ»

للحديث المذكور آنفًا.
(2)

قوله «وَإِنْ نَسِيَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوْعِهِ فِيْ قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ»

هذه إحدى الروايتين في المذهب (1)، والرواية الأخرى (2) أنه يرجع ما لم يصل إلى محله من الركعة التي تليها، وهذا قول ابن سعدي (3)، وشيخنا محمد العثيمين (4) - رحمهما الله - وهو الراجح إن شاء الله.
ونمثل للروايتين بما يلي: رجل نسي السجدة الثانية ثم قام للركعة التي تليها، فعلى الرواية الأولى في المذهب وهي المختارة عند الحنابلة أنه إن قام فشرع في قراءة الفاتحة فإنه لا يرجع وتلغى هذه الركعة وتقوم مقامها التي تليها، وعلى الرواية الثانية وهي الراجحة أنه مادام لم يصل إلى السجود - أي محله من الركعة الثانية - فإنه يرجع ويأتي بالسجود المتروك ثم يكمل صلاته.

(3)

قوله «وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذلِكَ، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِيْ تَرَكَهُ مِنْهَا»

أي إن ذكر الركن المتروك بعد أن شرع في القراءة من الركعة الثانية فتبطل الركعة التي تركه منها=1234

وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ فِي الْحَالِ، فَصَحَّتْ لَهُ رَّكْعَةُ، ثُمَّ يَأْتِيْ بِثَلاثِ رَكَعَاتٍ (1). الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الشَّكُّ (2)،  =في إحدى الروايتين (1) في المذهب، والصحيح أنه إن لم يصل إلى محله من الركعة التي تليها فيجب أن يرجع ويأتي به ولا تبطل هذه الركعة، أما إذا وصل إلى الركن المتروك من الركعة التي تليها فهنا تبطل الركعة التي تركه منها.

(1) قوله «وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ فِي الْحَالِ، فَصَحَّتْ لَهُ رَّكْعَةُ، ثُمَّ يَأْتِيْ بِثَلاثِ رَكَعَاتٍ»

صورة هذه المسألة

: أن يصلي أربع ركعات وينسى السجدة الثانية في كل ركعة، فلما جاء للركعة الرابعة وسجد السجدة الأولى وبدأ يقرأ التشهد، تذكر أنه ترك هذه السجدات، فنقول له: اسجد مباشرة السجدة الثانية من الركعة الأخيرة ثم اجعل هذه هي الركعة الأولى لك ثم أتمم صلاتك فأضف لذلك ثلاث ركعات أخرى واسجد للسهو بعد السلام.
وهناك قول آخر في هذه المسألة وهو أنه يصح له ركعتان ويبقى عليه ثنتان، وذلك لأن له في كل ركعة سجدة فتحسب هذه السجدات له، فيكون مجموع الركعات له اثنتين كاملتين ويبقى عليه اثنتان، والذي نرجحه هو القول الأول.

(1)

قوله «الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الشَّكُّ»

أي النوع الثالث مما يجب له سجود السهو الشك، والشك معناه: التردد بين أمرين لم يترجح أحدهما على الآخر.
والشك منه ما يكون أثناء الصلاة، ومنه ما يكون بعد انتهائها، فإن كان=1

..................................  =الشك بعد الانتهاء من الصلاة وخروجه منها بالتسليم فلا يلتفت إليه؛ لأنه لا عبرة بالشك بعد الفراغ من العبادة، أما إن شك في أثناء صلاته فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يشك ويمكنه التحري ويترجح عنده أحد الأمرين، إما الزيادة وإما النقص فهنا يعمل بمقتضى ما ترجح لديه.
مثاله: شخص يصلي الظهر وفي إحدى الركعات بعد أن رفع من السجود شك هل قال: سبحان ربي الأعلى أم لم يقله؟ فهنا يتحرى، فإن ترجح لديه أنه لم يقله سجد للسهو قبل السلام لأنه عن نقص، وإن ترجح عنده أنه قاله فلا سجود عليه؛ لأنه لم ينقص من الصلاة.
مثال آخر: رجل يصلي الظهر فلما وصل إلى الركعة الرابعة شك في أثنائها هل هذه الرابعة أم الخامسة ثم ترجح عنده أنها الرابعة فهنا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا.
أما إن شك في الركعة الرابعة وهو في التشهد الأخير فلا يجب عليه سجود السهو؛ لأن الشك طرأ عليه بعد مفارقة الركعة محل الشك وقد انتهت على أنها الرابعة بلا تردد.
الحالة الثانية: أن يشك ولا يمكنه التحرى فيستوي عنده الأمران، وفي هذه الحالة يأخذ بالأصل؛ لأنه اليقين في المعدودات، ولأن هذا أقرب وأبرأ للذمة، ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ =

فَمَتَى شَكَّ فِيْ تَرْكِ رُكْنٍ، فَهُوَ كَتَرْكِهِ (1)، وَإِنْ شَكَّ فِيْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى الْيَقِيْنِ (2)، إِلاَّ الإِمَامَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يَبْنِيْ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (3)،  =صَلاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيْمًا لِلشَّيْطَانِ» (1). ونضرب مثالاً على هذه الحالة: شخص يصلي الظهر وأثناء الركعة الرابعة شك أهذه الثالثة أم الرابعة ولم يترجح لديه شيء فيبني على الأقل ويجعلهن ثلاثًا ويتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام.
وهذه جملة ما ينبغي على المصلي أن يعرفه حال شكه في صلاته.

(1)

قوله «فَمَتَى شَكَّ فِيْ تَرْكِ رُكْنٍ، فَهُوَ كَتَرْكِهِ»

أي إن شك في ترك الركن أو فعله فيكون حكمه حكم من تركه، مثاله: قام إلى الركعة الثانية فشكّ هل سجد مرتين أم مرة واحدة ولم يترجح عنده أحد الأمرين؟ فعلى المذهب إن شرع في القراءة لا يرجع وقبل الشروع يرجع، وعلى القول الراجح أنه يرجع مطلقًا ما لم يصل إلى محله من الركعة التالية، فيرجع ويجلس ثم يسجد ثم يقوم؛ لأن الشك في ترك الركن كتركه.
(2)

قوله «وَإِنْ شَكَّ فِيْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى الْيَقِيْنِ»

وهو الأقل كما ذكرنا، فمتى شك أثلاثًا صلى أم أربعًا فيبني على اليقين ويجعلهن ثلاثًا كما ذكرنا.
(3)

قوله «إِلاَّ الإِمَامَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يَبْنِيْ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ»

وذلك لأن الإمام إذا سها في صلاته فإن المأموم سيذكره بالتسبيح له، ويكون سجود السهو هنا محله بعد السلام.1

وَلِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ قَبْلَ السَّلامِ (1) إِلاَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ وَالإِمَامُ إِذَا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (2)، وَالنَّاسِيْ لِلسُّجُوْدِ قَبْلَ السَّلامِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ سَلامِهِ (3)، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ (4)  (1)

قوله «وَلِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ قَبْلَ السَّلامِ»

ليس مراده تعدد السجود إذا تعدد السهو، وإنما مراده أن كل السجود يكون قبل السلام إلا فيما استثني، وقد مر بنا محل سجود السهو.
(2)

قوله «إِلاَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ وَالإِمَامُ إِذَا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ»

فيكون السجود للسهو بعد السلام.
(3)

قوله «وَالنَّاسِيْ لِلسُّجُوْدِ قَبْلَ السَّلامِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ سَلامِهِ»

وجوبًا ولكن بشرط أن يبقى في المسجد محل الصلاة وألا يطول الفصل، فإن خرج من المسجد سقط عنه، وكذا إن طال الفصل عرفًا سقط عنه؛ لأنه تكميل للصلاة فلا يأتي به بعد طول وصلاته صحيحة.
لكن إن نسي سجود السهو ثم شرع في صلاة أخرى، كأن يصلي الظهر والعصر جميعًا فسها في صلاة الظهر سهوًا يوجب السجود قبل السلام فسها ولم يسجد للسهو بعد السلام ثم شرع في صلاة العصر فإنه يسجد له بعد تسليمه من العصر ما لم يطل الفصل عرفًا لبقاء محله.
(4)

قوله «ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ»

هذا هو المذهب وهو محل خلاف بين الفقهاء، والراجح أنه لا يتشهد بل يسجد للسهو ويسلم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 1.

وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُوْمِ سُجُوْدُ سَهْوٍ، إِلاَّ أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ، فَيَسْجُدُ مَعَهُ (1). وَمَنْ سَهَا إِمَامُهُ، أَوْ نَابَهُ أَمْرٌ فِيْ صَلاتِهِ، فَالتَّسْبِيْحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيْقُ لِلنِّسَاءِ (2).  - تنبيه: إذا كان سجود الإمام للسهو قبل السلام فالواجب متابعة المسبوق لإمامه، أما إن كان سجود السهو بعد السلام فالمذهب (1) يجب متابعته، والصحيح في هذه المسألة أن الإمام إذا سجد بعد السلام لا يلزم المسبوق متابعته؛ لأن المتابعة متعذرة فإن الإمام يسلم ولو تابعه في السلام لبطلت صلاته، لكن هل يلزمه سجود السهو إذا أتم صلاته بعد السلام؟ الصحيح أنه إذا كان سهو الإمام فيما أدركه من الصلاة وجب عليه أن يسجد بعد السلام، وإن كان السهو فيما لم يدركه مع الإمام لم يجب عليه سجود السهو.

(1)

قوله «وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُوْمِ سُجُوْدُ سَهْوٍ، إِلاَّ أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ، فَيَسْجُدُ مَعَهُ»

لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (2)، ولأن سجود السهو واجب وليس بركن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإمام.
(2)

قوله «وَمَنْ سَهَا إِمَامُهُ، أَوْ نَابَهُ أَمْرٌ فِيْ صَلاتِهِ، فَالتَّسْبِيْحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيْقُ لِلنِّسَاءِ»

وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سها في صلاته جعل الصحابة بعضهم يصفق، فلما انتهى - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ» 3.12

بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ

(1)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ»

التطوع في اللغة: التبرع، يقال: تطوع بالشيء أي تبرع به، أما في الاصطلاح: فهي «صلاة مخصوصة بطاعة غير واجبة»، ويقال أيضًا هي «اسم لما شرع زيادة على الفرائض والواجبات».
وقوله «صَلاةُ التَّطَوُّعِ» هو من باب إضافة الشيء إلى نوعه، فالصلاة جنس وأنواع، وصلاة التطوع نوع من أنواعها، لكن هل هناك فرق بين أحكام صلاة التطوع وأحكام الصلاة المفروضة؟ نقول: نعم، هناك فرق بينهما، فمن ذلك: (أ) أن صلاة التطوع يجوز فعلها قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا يجوز ذلك في الفريضة.
(ب) أن الجماعة في صلاة التطوع ليست بواجبة، بخلاف الجماعة للفريضة فهي واجبة على الصحيح.
(ج) صلاة التطوع غير الرواتب غير مقدرة بمقدار خاص ولا مؤقتة بوقت خاص، فيجوز للإنسان أن يتطوع في أي وقت من النهار أو الليل إلا في الأوقات التي ورد النهي عن الصلاة فيها فلا يشرع التطوع المطلق فيها، أما الفرائض فهي مقدرة بمقدار خاص ومؤقتة بأوقات مخصوصة فلا يجوز الزيادة على ذلك.
(د) الفريضة لابد فيها من تعيين النية بخلاف التطوع المطلق فلا يشترط له تعيين النية.

وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ (1):  (هـ) صلاة التطوع تجوز على الراحلة وما كان في معناها مع القدرة على النزول، أما الفريضة فلا يجوز إلا مع عدم القدرة على النزول، كالصلاة في السفينة والطائرة.
(و) أن الفريضة لا تصح في الكعبة ولا على ظهرها، وهو المذهب (1) عند الحنابلة، بخلاف التطوع.
(ز) الفريضة لا تسقط بحال ما دام عقله ثابتاً، بخلاف النافلة فتسقط عند العجز عنها ويكتب أجرها لمن اعتادها ولمن عجز عنها إذا كان من عادته فعلها.
(ح) النافلة لا يكفر تاركها بالإجماع، بخلاف الفريضة فتاركها بالكلية يكفر على القول الصحيح.
وهناك فروق أخرى ذكرها بعض أهل العلم.

تنبيه: آكد ما يتطوع به من العبادات البدنية

: قيل الجهاد، وقيل العلم، والصحيح الذي اختاره شيخنا (2) -رحمه الله- أنه يختلف باختلاف الفاعل وباختلاف الزمن، فقد يكون الجهاد في حق بعض الأشخاص أفضل، وفي بعضهم يكون طلب العلم في حقهم أفضل، فإذا كان الإنسان شجاعًا قويًا ونشيطًا وليس بذكي مثلاً فالأفضل في حقه الجهاد، وإن كان ذكيًّا حافظًا قوي الحجة فيكون العلم في حقه أفضل.
(1)

قوله «وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ»

أي صلاة التطوع على خمسة أنواع.12

أَحَدُهَا: السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ (1)، وَهِيَ الَّتِيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ، حَفِظْتُهُنَّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا (2)،  (1)

قوله «أَحَدهَا: السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ»

سميت بذلك لأنها دائمة مستمرة وهي تابعة للفرائض مرتبة قبلها أو بعدها.
(2)

قوله «وَهِيَ الَّتِيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ حَفِظْتُهُنَّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -»

حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- متفق عليه، وهذه هي السنن الرواتب أي الدائمة المستمرة التابعة للفرائض، وهي كما ذكر ابن عمر: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان بعد الفجر، هذه عشر ركعات، وهذا على أحد القولين.
وقيل بأن الرواتب اثنتا عشرة ركعة، وذلك بإضافة ركعتين أخريين قبل الظهر؛ لحديث عائشة عند البخاري «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ» 1، وكذا حديث أم حبيبة - رضي الله عنها- عند مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّيْ للهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» 2. وهذا هو الصواب أي أن الرواتب اثنتا عشرة ركعة.
وخرج من هذه المذكورات صلاة العصر، فليس لها سنة راتبة لكن لها سنة مطلقة وهي الداخلة في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ» 3. وقولنا «أربع ركعات قبل الظهر» أي بتسليمتين لا بتسليمة واحدة كما يظن البعض =

وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ (1)، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ (2)، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، حَدَّثَتْنِيْ حَفْصَةُ (3) أَنْ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذا طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (4)، وَهُمَا آكَدُهَا (5).  = بل يصلي ركعتين ثم يسلم منها، ثم يصلي ركعتين ويسلم منها هكذا.

(1)

قوله «وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ»

أي أن السنة لراتبة المغرب أن تصلى في البيت، وهذا عام في حق الإمام والمأموم، لكن من خاف أن ينسي هاتين الركعتين فالأولى أن يصليهما في المسجد، أما من اعتاد أن يصليهما في البيت فالأفضل له ذلك.
(2)

قوله «وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ»

يقال فيها كما قيل في الركعتين بعد المغرب.
(3) قوله «حَدَّثَتْنِيْ حَفْصَةُ» القائل هو ابن عمر - رضي الله عنهما- وهو أخو حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - جميعًا.

(4) قوله «أَنْ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»

المراد بطلوع الفجر هنا

هو الفجر الصادق الذي سبق بيانه في باب المواقيت، وقلنا بأنه يتميز عن الفجر الكاذب بثلاثة أمور: الأول: أن الفجر الصادق يعقبه نور.
الثاني: أن الفجر الصادق يكون معترضًا من الشمال إلى الجنوب.
الثالث: أن الفجر الصادق يترتب عليه الأحكام الشرعية.
(5) قوله «وَهُمَا آكَدُهَا» أي آكد السنن الرواتب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا» 1، وأيضًا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قالت عائشة عن هاتين الركعتين=

وَيَسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُمَا (1)، وَفِعْلُهُمَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ (2)،  = «وَلَمْ يَكُنْ يَدَعْهُمَا أَبَدًا» (1).

(1)

قوله «وَيَسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُمَا»

وذلك لحديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِنِّي لأَقُوْلُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ» (2)، فالسنة التخفيف في هاتين الركعتين.
(2)

قوله «وَفِعْلُهُمَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ»

وذلك لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما- السابق، لكن

هل هذا عام في حق الإمام والمأموم

أم الأفضل في حق المأموم أن يبادر إلى الصلاة قبل الأذان وفي أثنائه فيصليها في المسجد؟ نقول: الصواب أن الأفضل في حق المأموم أن يبادر إلى الصلاة؛ لأن الأجر الحاصل في المبادرة إلى الصلاة أفضل من أداء هذه السنة في البيت، ولذا فالأولى في حقه المبادرة ثم يصليها في المسجد، أما النوافل التي بعد الصلاة فالأفضل أن يصليها في البيت.
ومن خلال ما ذكره المؤلف يتبين لنا أن ركعتي الفجر تختص عن غيرها بأمور هي: (أ) أنهما تشرعان سفرًا وحضرًا بخلاف غيرهما من الرواتب.
(ب) أن ثوابهما خير من الدنيا وما فيها (ج) أنه يسن تخفيفهما كما في حديث عائشة سابق الذكر.
(د) أنه يقرأ فيهما بسور معينة وهي سورة الكافرون في الركعة الأولى، وسورة الإخلاص في الركعة الثانية، وإن شاء قرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ 3، وفي الركعة الثانية يقرأ فيها {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا =12

وَكَذلِكَ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ (1). الثَّانِيْ: الْوِتْرُ (2)،  = وَبَيْنَكُمْ} (1). (هـ) أنه يسن الاضطجاع بعدهما لمن صلاهما في البيت، وهذه السنة الصواب أنها تكون في حق من يحتاج إليها، كمن يقوم من الليل ويحتاج إلى أن يستريح، لكن بشرط أن لا يستغرق في النوم فتفوته صلاة الجماعة، وبالتالي قد ترك أمرًا واجبًا لتحصيل سنة.

(1)

قوله «وَكَذلِكَ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ»

أي يسن أن يصليها في البيت كما جاء في حديث ابن عمر السابق.

تنبيه: من فاته شيء من الرواتب هل يسن قضاؤها؟

الجواب: نقول إن تركها لعذر كنوم ونسيان وانشغال بما هو أهم جاز قضاؤها، أما إن تركها عمدًا حتى فات وقتها فإنه لا يقضيها، بل إن قضاها فلا تصح منه راتبته؛ لأن الرواتب عبادات مؤقتة، والعبادات المؤقتة إذا تعمد الإنسان تركها حتى خرج وقتها لم تقبل منه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (2) (2)

قوله «الثَّانِيْ: الْوِتْرُ»

أي النوع الثاني من أنواع التطوع هو الوتر، واختلف الفقهاء في حكم الوتر، فالجمهور 3 على أنه سنة مؤكدة وليس بواجب، =12

وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ (1)،  =وذهب أبو حنيفة (1) خلافًا لصاحبيه وأبوبكر (2) من الحنابلة إلى أنه واجب.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أي أنه سنة مؤكدة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله الأعرابي عما فرض عليه في اليوم والليلة قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» (3)، وقول علي - رضي الله عنه -: «الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -» (4). ومع كونه سنة إلا أنه لا ينبغي لمسلم أن يتهاون فيها، فمن تركها فقد أساء، قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء لا ينبغي أن يقبل له شهادة» (5).

(1)

قوله «وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ»

أي وقت الوتر من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوْعِ الْفَجْرِ» 6، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ =12345

وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ (1)،  =بِوَاحِدَةٍ» (1). وذهب ابن قدامة (2) في المغني إلى أن الوتر يفعله قبل صلاة الفجر، ونقل ذلك عن كثير من الصحابة، وكذا الأئمة، واحتج لذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح».
والذي أراه أنه لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح، لكن إن فاته فله أن يصليه قبل صلاة الصبح لاسيما أن هذا قد نقل عن كثير من الصحابة، قيل للإمام أحمد: أيوتر الرجل بعدما يطلع الفجر؟ قال: نعم، وهذا أيضاً نقل عن الإمام مالك.

تنبيهان

: أولاً: إذا جمع المصلي بين المغرب والعشاء جمع تقديم فيبدأ وقت الوتر من بعد تمام صلاة العشاء.

ثانيًا: من فاته الوتر حتى أصبح

فيشرع في حقه أن يقضيه بعد طلوع الشمس شفعًا، فإن كان يوتر بواحدة قضاها ثنتين، وإن كان يوتر بثلاث قضاها أربعًا، وإن كان يوتر بخمس قضاها ستًّا، وهكذا.
(1)

قوله «وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ»

هذا هو المذهب 3، وهو قول الشافعية 4، فيجوز ذلك بلا كراهة للحديث المتقدم «إِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ»، وفي قول في المذهب أنه يكره الإيتار بركعة حتى في حق المسافر وتسمى البتيراء، ذكر =12

وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً (1)،  =ذلك صاحب الإنصاف، وذهب الحنفية إلى عدم جواز الإيتار بركعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البتيراء، والصحيح جواز الإيتار بركعة للحديث المتقدم ولما رواه مسلم «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» (1).

(1)

قوله «وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»

هذا هو المذهب 2، وهو قول الشافعية 3؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَزِيْدُ فِيْ رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» 4. لكن قول المؤلف «وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» فيه نظر؛ لأن الصواب أنه يجوز الزيادة على ذلك، فيجوز أن يصليه ثلاث عشرة ركعة كما في حديث أم سلمة - رضي الله عنها -: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُوتِرُ بِثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً فَلَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ» 5، وأيضًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوْتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» 6، فالأولى في كلام المؤلف أن يقول: والأفضل إحدى عشرة ركعة.1

جارٍ التحميل