وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 5-44

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الدِّياتِ»:

الديات جمع دية، وهي في اللغة: مصدر وَدَى القاتل القتيل يديه دية إذا: أدَّى ديته الذي هو بدل النفس.
أما في الاصطلاح: فهي المال المؤدَّى إلى المجني عليه أو وليِّه بسبب الجناية، والأصل في ثبوت الدِّية: الكتاب، والسنة، والإجماع.
دليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ 1 أما دليل السنة: فقد روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها: «مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى شُرَحْبِيل بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ قَيْل ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ أَمَّا بَعْدُ: » وَكان في كتابه: «إِنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلاً عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُول وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الإِبِل، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِل، وَفِي =

دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ (1)،  =كُل أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْل عَشْرٌ مِنَ الإِبِل، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِل، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِل، وَأَنَّ الرَّجُل يُقْتَل بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْل الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ وَفِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ» (1). وقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة.
والحكمة في مشروعية الدية: لما فيها من الزجر والردع، وحماية الأنفس ليجد من يدفعها الحرج والمشقة، ويدرك عاقبة فعله فيردعه ذلك ويردع غيره.

(1)

قوله «دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ»:

هذان شرطان للقدر الذي سيذكره من الدية: الأول: أن يكون حراً، الثاني: أن يكون مسلماً، فقوله: «الحُرِّ» خرج منه الرقيق، وقوله «المُسلمِ» خرج غير المسلم، لأن دية النفس تختلف بالإسلام والحرية وكذا الذكورة وضدها، كما سيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وعموم قول المؤلف: «الحر المسلم» يشمل الكبير والصغير، ويشمل العاقل والمجنون، ويشمل العالم والجاهل، لأنه لم يقيد، ويشمل كذلك الذكر والأنثى، لكن الأنثى سيتبين فيما بعد إخراجها من هذا العموم، ويشمل المريض والصحيح، والأخرس والناطق، والأعمى والبصير، والأصم والسميع، والمريض مرضاً مخوفاً، وغير ذلك.1

أَلفُ مِثقَالِ (1)، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ (2)، أَوْ مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ (3)،  (1)

قوله «أَلفُ مِثقَالِ»:

شرع المؤلف في بيان مقادير الديات، فقال «ألف مثقال» أي من الذهب، وعبَّر بالمثقال دون الدينار، لأن المثقال لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، بخلاف الدينار.
فمثلاً: الدينار السعودي ثمانية مثاقيل، بينما كان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي صدر الإسلام مثقالاً واحداً، والمثقال يساوي «اثنتين وسبعين حبة شعير مقطوعة الطرفين»، وهي تساوي «ثلاثة جرامات ونصف الجرام»، كما تقدم في كتاب «الزكاة»، وألف مثقال ذهب تبلغ بالجنيه السعودي خمسمائة جنيه وواحد وسبعون وثلاثة أسباع جنيه، لأن زنة الجنيه مثقالان إلا ربع مثقال.

(2)

قوله «أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ»:

أو هنا للتخيير، واثنا عشر ألف درهم تبلغ بالدراهم السعودية ثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ريال عربي.
(3)

قوله «أَوْ مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ»:

لا خلاف بين الفقهاء في ذلك؛ فدية الذكر الحر المسلم هي مائة من الإبل أو ما يقوم مقامها من البقر والغنم وهي مائَتا بقرة، أو ألفا شاة، ودليل ذلك حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدية عَلَى أَهْلِ الإِبِلِ مِائَةً مِنْ الإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ البَقَرِ مِائَتَي بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلفَي شَاةٍ» 1. =

..................................  =وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن عمر - رضي الله عنه - قام خطيباً فقال: «إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَتُقَوَّمُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ اثْنَي عَشَرَ أَلفاً، وَعَلَى أَهْلِ البَقَرِ مِائَتَي بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلفَي شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الحُلَلِ مِائَتَي حُلَّةٍ» (1)، وفي كتاب عمرو بن حزم المتقدم «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ» (2).

- فائدة: فيما تقوَّم به الدية:

اختلفت الرواية في المذهب في الأصل التي تقّوم به الدية، ففي رواية عن الإمام أحمد: أن الإبل هي الأصل، وما عداها فهو مقوَّم بها، وليس أصلاً، وهذا مذهب الجمهور، قال ابن منجَّى: «إن هذه الرواية هي الصحيحة من حيث الدليل، وإن كانت الأولى هي الصحيحة في المذهب... » 3، وقال الزركشي: «هي أظهر دليلاً» 4، وهي اختيار الخرقي فإنه لم يذكر غير الإبل، واختارها أيضاً ابن قدامة 5، ومن المتأخرين الشيخ عبد الرحمن السعدي 6، ومحمد ابن إبراهيم 7، وهذا هو المعمول به في المحاكم في هذه البلاد، وعليه فتقوَّم الدية بالعملة المعروفة، =12

..................................  =حسب قيمة الإبل، غلاءً ورخصاً، وقد قُوِّمت الدية في المملكة بمائة وعشرة آلاف ريال للعمد وشبهه، وبمائة ألف للخطأ، ومما يؤيد ذلك ما يلي: 1 - قول عمر -رضي الله عنه-: «ألا إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَتُقَوَّمُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلفَ دِينَارٍ... إلخ» 1، فهذا يدل على أن الإبل أصل، وما ذكر فهو بدل، ولو كانت أصولاً لم يكن إيجابها تقويماً للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى.
2 - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فرق بين دية العمد والخطأ فغلَّظ بعضها، وخفف بعضها، والتغليظ والتخفيف لا يتحقق في غير الإبل.
3 - أن ديات الأعضاء والشجاج والغُرَّةِ كل ذلك مقدر بالإبل، فلو كان غيرها أصلاً لثبتت في هذه الأشياء.
الرواية الثانية 2: أن المعول عليه في مقادير الديات هو الذهب والفضة وذلك لأن الإبل تختلف قيمتها باختلاف الأزمان واختلاف الأمكنة، وكذلك مائتا بقرة وألفا شاة تختلف قيمتهما باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا يمكن ضبطها بالدراهم والدنانير، والدراهم والدنانير ثابتة غالباً، وبها يمكن أن نتعرف على مقدار الدية بالذهب والفضة كما هو الحال في نصاب الزكاة في أي مكان، أما الإبل، والبقر، والغنم، فهذه خاضعة=

فَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ عَمْدٍ (1)،  =للقبول والعرض، والكثرة والقلة، وتختلف باختلاف الزمان والمكان، فكان الأوْلى أن يكون المعول عليه في مقادير الديات هو الذهب والفضة لإمكان ضبط الدية بهما.
قلت: والأظهر عندي أن الدية مائة من الإبل، وليس الذهب، ولا الفضة، ولا البقر، ولا الغنم أصلاً فيها، وهو قول أكثر أهل العلم كما سبق، واختيار شيخنا (1). قال العلامة ابن سعدي -رحمه الله-: «والصحيح الرواية الأخرى عن الإمام أحمد أن الأصل في الديات الإبل، والباقيات أبدال عنها، ويدل على ذلك أمور منها: رفع عمر دية الفضة في زمانه لما رخصت، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
ومنها: أن التغليظ والتخفيف خاص في الإبل.
ومنها: أن ديات الأعضاء، والشجاج، والغرة كل ذلك مقدر بالإبل، فلو كان غيرها أصلاً لثبتت فيه هذه الأشياء» (2).

(1)

قوله «فَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ عَمْدٍ»:

وهي الدية المغلظة، سواء أوجب فيه القصاص وسقط بالعفو، أو لشبهة أو نحوهما، أم لم يجب أصلاً، كقتل الوالد ولده، وإنما كانت مغلظة لأنها كلها إناث، وهي أكثر رغبة من الذكر.12

فَهِيَ ثَلاثُوْنَ حِقَّةً، وَثَلاثُوْنَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُوْنَ خَلِفَةً، وَهِيَ الحَوَامِلُ (1)، وَتَكُوْنُ حَالَّةً فِيْ مَالِ القَاتِلِ (2)،  (1)

قوله «فَهِيَ ثَلاثُوْنَ حِقَّةً، وَثَلاثُوْنَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُوْنَ خَلِفَةً، وَهِيَ الحَوَامِلُ»:

اختلفت الرواية عن أحمد (1) في مقدار دية العمد، ففي رواية عنه ما ذكره المؤلف هنا، وفي رواية أخرى أنها أرباع، أي خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، ووجه الرواية الأولى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلاثُونَ حِقَّةً، وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ العَقْلِ» (2)، ووجه الرواية الثانية حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «أَلا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنْ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» (3)، والخلفة هي الحامل من الإبل.
(2)

قوله «وَتَكُوْنُ حَالَّةً فِيْ مَالِ القَاتِلِ»:

أي وتكون دية العمد في مال القاتل، لا تحملها العاقلة، دليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَلا لا يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ=123

وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ فَكَذلِكَ فِيْ أَسْنَانِهَا (1)، وَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ (2)،  =عَلَى نَفْسِهِ، أَلا لا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ» (1)، فالأصل في ضمان المتلفات أنه يكون على الجاني المُتلِف نفسه، ولا يتحمّله غيره.
قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل، لا تحملها العاقلة» (2)، وهذا يقتضيه الأصل، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (3) انتهى.
وتكون حالة غير مؤجلة، كما هو الأصل في بدل المتلفات، ولأن القاتل، عمداً عدواناً غير معذور، بخلاف شبه العمد.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ فَكَذلِكَ فِيْ أَسْنَانِهَا»:

جملته أن القول في أسنان دية شبه العمد، كالقول في دية العمد، دليل ذلك حديث عبد الله بن عمر المتقدم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنْ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» (4). (2)

قوله «وَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ»:

أي ودية شبة العمد على العاقلة، وذلك من أجل التعاون والتخفيف والمواساة للجاني، وهذا هو قول الجمهور، =1234

فِيْ ثَلاثِ سِنِيْنَ، فِيْ رَأْسِ كُلُّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا (1)،  =وفي رواية أُخرى (1) في المذهب، أنها على القاتل كالعمد لأن هذا القتل موجَب فعل قصده الجاني، فلا تتحمله العاقلة عنه كالعمد المحض، ولأن دية هذا القتيل دية مغلظة، فأشبهت دية العمد.
والراجح عندي هو قول الجمهور، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِن هُذَيلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَو وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا... » الحديث (2). وإنما كانت دية شبه العمد والخطأ على العاقلة، لأن ذلك لما وقع بدون قصد من الجاني ناسب مساعدتهم له ولو كان غنياً، ولكن تخفف عنهم بتوزيعها عليهم حسب قربهم وقدرتهم وتؤجل، كما سيأتي.

(1)

قوله «فِيْ ثَلاثِ سِنِيْنَ، فِيْ رَأْسِ كُلُّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا»:

أي وتؤدى دية شبه العمد مؤجلة في مدى ثلاث سنين، في رأس كل سنة ثلثها، وكونها في آخر السنة لتتمكن العاقلة دفعها من إنتاج المواسم.
وكونها في كل سنة الثلث، توزيعاً لها على السنين الثلاث، فإذا كانت المصلحة في دفعها حالّة، فإنها تدفع حالة ولا تؤجل، فإذا رأى القاضي أو السلطان أنها تدفع حالة، فلتدفع حالة، كما لو كان يخشى من =12

وَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ خَطَأٍ، فَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ كَذلِكَ (1)،  =فوات الحق وهروب من عليه الدية، أو كان من عليهم الدية، وهم العاقلة أغنياء، وأولياء هذا المقتول فقراء.
واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث قال: «والصحيح أن تعجيلها وتأجيلها بحسب الحال والمصلحة، فإن كانوا مياسير ولا ضرر عليهم في التعجيل أخذت حالة، وإن كان في ذلك مشقة جعلت مؤجلة.
وهذا هو المنصوص عن أحمد» (1).

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ خَطَأٍ، فَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ كَذلِكَ»:

أي وكذلك دية الخطأ على العاقلة، أجمع على هذا كل من تحفظ عنه من أهل العلم 2، فإن تعذّر أن يكون ذلك على العاقلة، كأن لا يطبَّق هذا في بعض البلدان، أو لا تكون له عاقلة، فعلى من يكون؟ مذهب الجمهور: أنه يكون على بيت المال.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «أنه يكون على الجاني نفسه، فنرجع الدية على الجاني نفسه، لأنها إنما وجبت على عاقلته من باب التخفيف والمواساة له، وإلا فإن الأصل أن ضمان المتلفات على المتلِف نفسه» 3.1

إِلاَّ أَنَّهَا عِشْرُوْنَ بَنُوْ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ، وَعِشْرُوْنِ حِقَّةً، وَعِشْرُوْنَ جَذَعَةً (1)، وَدِيَةُ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ (2)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنَّهَا عِشْرُوْنَ بَنُوْ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ، وَعِشْرُوْنِ حِقَّةً، وَعِشْرُوْنَ جَذَعَةً»:

أي إن الدية في قتل الخطأ مائة من الإبل وعشرون بَنِي مخاض، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، دليل هذا المقدار حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دِيَةَ الخَطَأ أَخْمَاساً: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ» (1). وتكون في شبه العمد مائة من الإبل منها: أربعون في بطونها أولادها، كما في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم.

(2)

قوله «وَدِيَةُ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ»:

أي إن الأنثى من نساء المسلمين ديتها على النصف من دية الذكر، قال الموفَّق: «لا نعلم فيه خلافاً» 2، ونقل عن ابن المنذر وابن عبد البر وابن رشد الإجماع على ذلك 3، واحتجوا لذلك بما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن شريح قال: «أتاني عروة البارقي من عند عمر -رضي الله عنه-: «أن جراحات الرجال والنساء =1

وَتُسَاوِيْ جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذا زَادَتْ، صَارَتْ عَلى النِّصْفِ (1)،  = تستوي في السِّنِّ والمُوضِحَةِ، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل» (1). ومن جهة المعقول فإن المرأة في الحقيقة والواقع أنقص حالاً من الرجل، ومنافعها أقل من منافعه، فاقتضى ذلك عدم مساواتها له في الدية.

(1)

قوله «وَتُسَاوِيْ جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذا زَادَتْ، صَارَتْ عَلى النِّصْفِ»:

أي تتساوي جراح المرأة جراح الرجل، فلا يُفَضَّلُ عليها إلى ثلث الدية، فإذا زادت على الثلث صارت على النصف من جراح الرجل.
وقد ورد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: «قَلَتُ لسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كَمْ فِي إِصْبَعِ المَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ، فَقُلتُ: كَمْ فِي إِصْبَعَينِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قُلتُ: فَفِي ثَلاثة أَصَابع؟ قَالَ: ثَلاثُونَ، قُلتُ: فَفِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قال: فقلت: لما عَظُمَ جُرحُهَا وَاشتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقلُهَا؟ ! قَالَ سَعِيدٌ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ فَقُلتُ: بَل عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أَو جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ، قَالَ: هِيَ السُّنَّةُ يَا بنَ أَخِي» 2. وفي رواية عن الإمام أحمد: «أنَّ المَرأة فِي الجِرَاحِ عَلَى النِّصفِ مِن جِرَاحِ الرَّجُلِ مُطلَقَاً» 3.1

وَدِيَةُ الكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ (1)،  (1)

قوله «وَدِيَةُ الكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:

الكتابي: هو اليهودي والنصراني، والمقصود بديته هنا أي إن كان معاهداً أو مستأمناً أو ذمياً.
وقد اختلف الفقهاء في تقدير دية غير المسلم: فقال الحنفية 1: إن دية الذمي والمستأمن كدية المسلم، فلا يختلف قدرها بالإسلام والكفر، لتكافؤ الدماء، وعملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ 2، قالوا: فقوله «دية» في الموضعين، دليل على عدم الفرق حتى يقوم دليل صحيح على ذلك.
ولأن كلا منهما آدمي، ومن الممكن أن يهدي الله هذا الكافر حتى يكون كالمسلم، وإذا كنا لا نفرق بين أعبد الناس وأطوعهم لله، وبين أفسق الناس وأفجرهم، فكذلك لا نفرق بين الكافر والمسلم، وهذا يدل على أن الدين لا دخل له في الدية ولا يعطي تقويماً فيها، وعلى هذا تكون دية المسلم والكافر - أيا كان نوعه - سواء.
=

وَدِيَةُ الْمَجُوْسِيِّ ثَمَانُ مِائَةِ دِرْهَمٍ (1)،  =وقال المالكية (1)، والحنابلة (2): دية الكتابي «اليهودي والنصراني» المعاهد أو المستأمن نصف دية المسلم، ونساؤهم نصف ديات المسلمين، أي كنساء المسلمات واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «دِيَةُ المعَاهد نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ»، وفي لفظ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضى بَأَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتَابِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ» (3). وقال الشافعية (4) دية اليهودي والنصراني والمعاهد والمستأمن ثلث دية المسلم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه -صلى الله عليه وسلم- «فَرَضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ» (5). والصحيح: ما ذهب إليه المالكية، والحنابلة للأحاديث المتقدمة.

(1)

قوله «وَدِيَةُ الْمَجُوْسِيِّ ثَمَانُ مِائَةِ دِرْهَمٍ»:

المجوسي هو الذي لا كتاب له، والمراد به المجوسي المستأمن فديته ثمانمائة درهم، وأن نساءهم نصف دياتهم، أي أربع مئة درهم، هذا باتفاق الفقهاء غير الحنفية، وهو قول=12345

وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ (1). وَدِيَةُ العَبْدِ وَالأَمَةِ قِيْمَتُهُمَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ (2)،  =جماعة من الصحابة: عمر، وعثمان، وابن مسعود وغيرهم (1) رضي الله عنهم.
والقول الثانِي: أن دية الكافر مطلقاً نصف دية المسلم، وهو قول عمر ابن عبد العزيز (2)، واختاره الشوكاني (3)، لحديث عمرو بن شعيب المتقدم، وفي بعض ألفاظه: «دِيَةُ الكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ» (4)، لأن تخصيص الكتابي لا يقتضي تخصيص الحكم به، لأنه ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يقتضي التخصيص، ثم إن أهل الكتاب كفار كغيرهم.

(1)

قوله «وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:

أي كما أن دية المرأة المسلمة على النصف من دية الرجل الذكر المسلم كما سبق، فكذلك دية المرأة الكتابية على النصف من دية الكتابي، ودية المجوسية على النصف من دية المجوسي.
(2)

قوله «وَدِيَةُ العَبْدِ وَالأَمَةِ قِيْمَتُهُمَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ»:

وذلك لأن الرقيق مال، فتكون ديته قيمته، فإذا قتل عبداً، فإن دية العبد قيمته، فننظر كم يساوي هذا الرقيق، وتكون هي الدية.1234

وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَفِيْهِ بِالحِسَابِ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ وَقِيْمَةِ عَبْدٍ (1). وَدِيَةُ الجَنِيْنِ الحُرِّ إِذَا سَقَطَ مَيْتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيْمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ مَوْرُوْثَةٌ عَنْهُ (2)، وَلَوْ شَرِبَتِ الحَامِلُ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ بِهِ جَنِيْنَهَا (3)،  (1)

قوله «وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَفِيْهِ بِالحِسَابِ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ وَقِيْمَةِ عَبْدٍ»:

فإذا كان نصفه حراً ونصفه قنًا كان فيه نصف دية حر ونصف قيمة عبد لأنه لو كان جميعه حراً لوجب دية حر، فيجب في نصفه نصف ديته، ولو كان كله عبداً لوجب فيه كمال قيمته، فيجب في نصفه نصف قيمته.
(2)

قوله «وَدِيَةُ الجَنِيْنِ الحُرِّ إِذَا سَقَطَ مَيْتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيْمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ مَوْرُوْثَةٌ عَنْهُ»:

أي ويجب في الجنين إذا كان حراً مسلماً وسقط ميتاً بسبب جناية على أمه يجب فيه «غُرَّةٌ»، والغرة: العبد نفسه أو الأمة، سمي بذلك لأن العبد أو الأمة من أنفس الأموال.
وقوله «قِيمَتُهَا خَمسُ إبِلٍ»، أي: إن الغرة قَدَّرها الفقهاء بخمس من الإبل، لأنه روي عن عمر وزيد رَضِيَ الله عَنْهُمَا، ولأن ذلك أقل ما قدَّره الشرع في الجنايات، لأنه أرش الموضحة ودية السن، فوجب الرد إليه.
والدليل على دية الجنين حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فَقَضَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَو أَمَة، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهْا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ» (1).

(3)

قوله «وَلَوْ شَرِبَتِ الحَامِلُ دَوَاءً»:

كأن تشربه لمرض.1

فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ، لا تَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا (1). وَإِنْ كَانَ الجَنِيْنُ كِتَابِيًّا، فَفِيْهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَفِيْهِ عُشْرُ قِيْمَةِ أُمِّهِ (2)،  (1)

قوله «فَأَسْقَطَتْ بِهِ جَنِيْنَهَا، فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ، لا تَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا»:

أي إذا شربت دواءً فسقط الجنين من بطنها، ففيه غرة لأنها هي القاتلة للجنين الجانية عليه فلزمها ضمانه بالغرة، كما لو جنى عليه غيرها.
ولا ترث من الغرة شيئاً، لأن القاتل لا يرث وتكون الغرة لبقية الورثة، وعليها عتق رقبة لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وقد ثبت للجنين الإيمان تبعاً لأبويه، ولأنها نفس مضمونة بالدية فوجب فيها الكفارة كالكبير.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ الجَنِيْنُ كِتَابِيًّا، فَفِيْهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَفِيْهِ عُشْرُ قِيْمَةِ أُمِّهِ»:

أي وإن كان الجنين كتابياً، ففيه عشر دية أمه، لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه، فكذا جنين الكافرة، وإن كان الجنين مملوكاً ففيه عشر قيمة أمه، لأن الواجب في الجنين إذا كان حراً غرة قيمتها خمس من الإبل، وذلك عشر دية الحرة، والمقابل لدية الحر قيمة العبد، فإذا كانت أمه تساوي عشرة آلاف فدية جنينها ألف ريال.
وقال بعض العلماء: إن جنين الأمة يضمن بما نقصت أُمِّه لا غير، فتقدر الأمة حاملاً وحائلاً، وما بين القيمتين هو دية الجنين، وهذا القول أقرب إلى القياس كما لو جنى أحد على بهيمة وأسقطت فتقدر حاملاً وحائلاً، وما بينهما قيمة الجنين.

وَإِنْ سَقَطَ الجَنِيْنُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الضَّرْبَةِ، فَفِيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (1). إِذَا كَانَ سُقُوْطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيْشُ فِيْ مِثْلِه (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ سَقَطَ الجَنِيْنُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الضَّرْبَةِ، فَفِيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ»:

أي ولو جُني على امرأة فسقط الجنين من بطنها حيًّا، ثم مات من الضربة ففيه الدية كاملة، لأنه حُرٌّ مات بجناية، أشبه ما لو باشره بالقتل، قال الموفَّق: «هذا قول عامة أهل العلم، ونقله ابن المنذر إجماعاً» (1). وتُعلم حياته باستهلاله، وهو صياحه، أو ارتضاعه، أو بِنَفَسِهِ، أو عطاسه، أو غير ذلك من الأمارات التي تعلم بها حياته.
وقد دل كلامه على أنه لا يضمن إلا إذا علم أنه مات بسبب الضربة، ويحصل ذلك بسقوطه في الحال، ثم موته، أو بقائه متألماً إلى أن يموت، أو بقاء أُمِّه متألمة إلى أن تسقطه، فيعلم بذلك أن موته بسبب الجناية.

(2)

قوله «إِذَا كَانَ سُقُوْطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيْشُ فِيْ مِثْلِه»:

هذا شرط لوجوب الدية فيه، وهو أن تسقطه لوقت يعيش لمثله، وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً، لأنه من يولد لأقل من هذه المدة لم تجر العادة ببقائه.
فإن سقط حياً لأقل من ستة أشهر ففيه غرة، لأنه لا تعلم فيه حياة يتصور بقاؤها، فلم تجب فيه الدية، كما لو سقط ميتاً.1

بابُ العَاقِلَةِ وَما تَحْمِلُهُ

(1) وَهِيَ عَصَبَةُ القَاتِلِ كُلُّهُمْ، قَرِيْبُهُمْ وَبَعِيْدُهُمْ، مِنَ النَّسَبِ وَالْمَوَالِيْ (2)،  (1)

قوله «بابُ العَاقِلَةِ وَما تَحْمِلُهُ»:

أي هذا بابٌ في العاقلة، وما تحمله من الدية وما لا تحمله.
(2)

قوله «وَهِيَ عَصَبَةُ القَاتِلِ كُلُّهُمْ، قَرِيْبُهُمْ وَبَعِيْدُهُمْ، مِنَ النَّسَبِ وَالْمَوَالِيْ»:

سبق تعريف العاقلة، وقلنا بأن العاقلة هم عصبات القاتل، والمراد بالعصبة: أي عصباته من النسب، وهم كل ذكر لم يدلي بأنثى، فخرج به الزوج فليس منهم؛ لأنه ليس بعاصب، والأخ من الأم كذلك ليس منهم، لأنه مدل بأم، وأيضا ليس بعاصب، ودخل فيه الإخوة، والأعمام، وأبناء الإخوة، وأبناء الأعمام، وما أشبه ذلك، ودخولُ الآباء والأبناء - في العاقلة هو رواية في مذهب الإمام أحمد 1، وهو قول مالك 2، وأبي حنيفة 3. وقال الشافعي 4، وهو رواية عن أحمد 5: إن الآباء والأبناء ليسوا من العاقلة، لحديث: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيلٍ»، وفيه: «... فَقَضَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَو أَمَة، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهْا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ» 6، ولأنهم أبعاض الجاني، فكما لا يتحمل=

إِلاَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُوْنَ وَالفَقِيْرَ، وَمَنْ يُخَالِفُ دِيْنُهُ دِيْنَ القَاتِلِ (1)،  =الجاني لا يتحمل أبعاضه (1). والصواب عندي: هو القول الأول لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قَضَى رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ عَقْلَ المَرْأَةِ بَينَ عَصَبَتَهَا» (2)، ولأنهم عصبة أشبهوا الإخوة، ولأن العقل مبناه على التناصر، وهم من أهله، ولأن أبناءه وآباءه أحق العصبات بميراثه، فينبغي أن يكونوا أولى بتحمل عقله، ويستثنى من ذلك الأبناء إذا كان القاتل امرأة، وهذه رواية في المذهب، فالابن لا يعقل عن أمه، لأنه من قوم آخرين، قال صاحب المحرر عن هذه الرواية قال: «وهي أصح» (3)، وقال الزركشي: «وعليها يقوم الدليل» (4).

(1)

قوله «إِلاَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُوْنَ وَالفَقِيْرَ، وَمَنْ يُخَالِفُ دِيْنُهُ دِيْنَ القَاتِلِ»:

هذه شروط من يحمل الدية من العاقلة: 1 - أن يكون مكلفاً، وهو البالغ العاقل، فلا عقل على صغير ولا مجنون، لأنهما ليسا من أهل النصرة.
2 - أن يكون حراً، فلا عقل على قريب للجاني إذا كان رقيقاً، لما تقدم.
3 - أن يكون غنياً، وهو من يملك نصاب الزكاة فاضلاً عنه، فلا عقل على=1234

وَيُرْجَعُ فِيْ تَقْدِيْرِ مَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ قَدْرًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ وَلا يَشُقُّ (1)،  = فقير - على الراجح - لأنه ليس من أهل المواساة.
4 - أن يكون موافقاً لدين الجاني، فلا عقل على مخالف لدينه، لأن العقل مبناه على النصرة، ولا نصرة لمخالف في دينه.

(1)

قوله «وَيُرْجَعُ فِيْ تَقْدِيْرِ مَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ قَدْرًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ وَلا يَشُقُّ»:

أي ويرجع فيما يحمله كل واحد من العاقلة إلى ما يفرضه عليه الحاكم بقدر حاله، لأن ما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر، لأن التقدير من الشرع، ولم يرد فيه شيء، فيرجع فيه لاجتهاد الحاكم، والحاكم يفرض على كل فرد ما يسهل ولا يشق، بقدر حاله حسب غناه، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم.
وهل يحمل الجاني مع العاقلة شيئاً من الدية؟ قولان في المذهب 1: الأول: أن الجاني ليس عليه شيء من الدية ولو كان غنياً، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قضى بالدية على العاقلة ولم يكن الجاني من ضمنها»، وهذا ما ذهب إليه الشافعية 2، وهو المذهب عند الحنابلة 3. والقول الآخر في المذهب: أنه يحمل مع العاقلة، لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي ذلك أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنها من باب التحمل، =

وَمَا فَضَلَ فَعَلى القَاتِلِ، وَكَذلِكَ الدِّيَةُ فِيْ حَقِّ مَنْ لا عَاقِلَةَ لَهُ 1،  =لأنها في الأصل على المتلف، فإذا تعاونت العصبة على حملها فلا يناسب ألا يحمل القاتل وهو غني، وهذا ما ذهب إليه الحنفية (1)، والمالكية 2، واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي 3. قلت: والصواب أن العاقلة متى كانت قادرة على دفعها كلها فلا يحمل القاتل شيئاً، لكن إن لم تستطع العاقلة دفعها كاملة فيدفع القاتل باقيها.
ويبدأ بالأقرب فالأقرب؛ فيبدأ بالآباء والأبناء، ثم الإخوة وبنيهم، ثم الأعمام وبنيهم، وهكذا...، وإذا امتنعت العاقلة من دفع الدية فإنهم يجبرون، كغيرهم ممن وجب عليه حق فامتنع من أدائه، لكن بشرط ثبوته ببينة شرعية، لا بمجرد اعتراف الجاني الذي لم تصدقه العاقلة، ويراسل الغائب لئلا يكون غيابه حيلة.
(1) قوله «وَمَا فَضَلَ فَعَلى القَاتِلِ، وَكَذلِكَ الدِّيَةُ فِيْ حَقِّ مَنْ لا عَاقِلَةَ لَهُ»: أي وما بقي على القاتل من الدية بأن عجزت العاقلة عن إتمامها، فهو كقاتل لا عاقلة له، وقد سبق الإشارة إلى هذه المسألة عند قول المؤلف «وَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ خَطَأٍ، فَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ كَذلِكَ»، وذكرنا أن هذه المسألة على قولين: الأول: أن ما لا عاقلة له أو له عاقلة عجزت عن إتمام الدية، أن الدية أو تمامها من بيت المال، وهذا رواية عن أحمد 4، بدليل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «وَدَى=

..................................  =الأنصاري المقتول في خيبر من إبل الصدقة» 1، ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له، فيعقلون عنه عند عدم العاقلة.
الثانِي: أنه لا يجب في بيت المال شيء، وإنما تؤخذ من القاتل إذا تعذرت العاقلة، وهذا رواية عن أحمد، لعموم قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 2، ولأن الدية تجب على القاتل ابتداء، ثم تتحملها العاقلة عنه، فإذا لم توجد العاقلة بقيت الدية واجبة عليه بمقتضى الدليل.
وظاهر كلام ابن قدامة تصحيح هذه الرواية 3، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، جاء في الاختيارات: «وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء» 4. وأما حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ -رضي الله عنه- في قتيل الأنصار فهو غير لازم، لأنه قتيل اليهود، وبيت المال لا يعقل عن الكفار بحال، وإنما تفضل النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك عليهم، وقولهم: إن المسلمين يرثونه، فالجواب: أن صرف ماله إلى بيت المال ليس ميراثاً، بل هو فَيء، ولهذا يؤخذ مال من لا وارث له من أهل الذمة إلى بيت المال، ولا يرثه المسلمون 5.

وَلا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلا عَبْدًا، وَلا صُلْحًا، وَلا اعْتِرَافًا، وَلا مَا دُوْنَ الثُّلُثِ (1)،  (1)

قوله «وَلا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلا عَبْدًا، وَلا صُلْحًا، وَلا اعْتِرَافًا، وَلا مَا دُوْنَ الثُّلُثِ»:

شرع المؤلف في بيان الديات التي لا تحملها العاقلة وهي خمس: 1 -

دية قتل العمد:

فلا تحملها العاقلة، بل هي على الجاني، كما تقدم في كتاب الجنايات، لأن العامد غير معذور، فلا يستحق المواساة.
2 -

العبد:

فلا تحمل العاقلة قيمةَ عبدٍ قتله الجاني، أو قطع طَرَفَهُ، لأنه مال، والعاقلة لا تحمل بدل الأموال المتلفة.
3 -

الصلح:

وذلك بأن يُدَّعى على شخص بالقتل، ويصالح عن ذلك بمال، فلا تحمله العاقلة عنه، لأنه ثبت عليه بفعله واختياره، فلم يلزم العاقلة، كالذي ثبت باعترافه، وهذا مجمع عليه.
4 -

الاعتراف:

وذلك بأن يقر على نفسه بجناية خطأ أو شبه خطأْ فتجب عليه الدية، وتنكرها العاقلة، لأنه لا يقبل إقراره على غيره، ولأنه يتهم في أن يواطئ مع من أقر له على الإقرار بالجناية ليوجب العقل على عاقلته ثم يقاسمه.
5 -

ما دون ثلث الدية:

كأن يجني على شخص جناية خطأْ فيما دون النفس، وكانت الدية الواجبة عليه أَقل من ثلث دية القتل، فلا تحمله العاقلة، لأنه قليل يمكن للجاني تحمله، لقول ابن عباس -رضي الله عنه- «لا تَحْمِل العَاقِلَة عَمْداً، وَلا عَبْداً، وَلا صُلحَاً، ولا اِعْتِرَافاً» 1.

وَيَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ (1)، وَلا عَاقِلَةَ لِمُرْتَدٍّ (2)،

- فائدة: الذين يتسولون في المساجد، ويدَّعون أن عليهم ديات خطأ، هل يعطون؟

نقول: لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة، لأن الدية على العاقلة، وأما من الصدقة فالأولى عدم إعطائهم لأن ولي الأمر منع التسول في المسجد، ولأنه يفتح الباب لضعاف النفوس، وشاهد الحال أمام أعين الجميع.

(1)

قوله «وَيَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ»:

أي إذا جنى ذمي جناية خطأ أو شبه عمد، وكانت هذه الدية أكثر من الثلث فإن عصبته من الذميين يحملونها، وهذه المسألة على روايتين (1) في المذهب: الأولى: ما ذكره المؤلف هنا أي: يتعاقلون قياساً على المسلمين، لأن قرابتهم تقتضي التوريث فاقتضت التعاقل كالمسلمين، ولأن دياتهم ديات أحرار معصومين فأشبهت ديات المسلمين، ولأن قرابتهم تقتضي التوارث فاقتضت التعاقل كالمسلمين.
الثانية: لا يتعاقلون لأن حمل العاقلة ثبت على خلاف الأصل لحرمة قرابة المسلمين فلا يقاس عليهم غيرهم لأنهم لا يساوونهم في الحرمة.
والصواب: القول الأول: أي يعقله من يشاركه في الدين، وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم.

(2)

قوله «وَلا عَاقِلَةَ لِمُرْتَدٍّ»:

أي إن المرتد إذا جنى خطأ فلا يَعْقِلُ عنه أحد، لأنه ليس بمسلم فيعقل عنه المسلمون، ولأنهم كذلك لا يرثونه، =1

وَلا لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ جِنَايَتِهِ (1)، أَوِ انْجَرَّ وَلاؤُهُ بَعْدَهَا (2). وَجِنَايَةُ العَبْدِ فِيْ رَقَبَتِهِ (3)،  = فلا يعقلون عنه بل تكون جنايته في ماله قلَّت أو كثرت.
وهل يعقل اليهودي النصراني والعكس؟ نقول: هذا مبني على الخلاف في التوارث، وقد سبق في كتاب الفرائض بيان ذلك.
لكن على كل حال لا يعقلهم بيت مال المسلمين.

(1)

قوله «وَلا لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ جِنَايَتِهِ»:

أي ولا عاقلة لمن أسلم بعد الجناية، وذلك كأن يرمي نصراني صيداً ثم يسلم، ثم يصيب السهم إنساناً فيقتله، فلا عاقلة له، بل تجب الدية في ماله، لأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته النصارى، لأنه قَتَلَ وهو مسلم، ولا على عاقلته من المسلمين، لأنه رمى وهو نصراني.
(2)

قوله «أَوِ انْجَرَّ وَلاؤُهُ بَعْدَهَا»:

يعني بعد جنايته, وصورة ذلك إذا تزوج عبد معتقة قوم فأولدها فولاء الوالد لمولاه، فإن جنى الولد فعقله على مولى أمه، فإن أعتق أبوه انتقل الولاء إلى موالي الأب وانقطع عن موالي الأم؛ لأن الولاء انجر عنهم فلا يعقلونهم لأنهم لا يرثونه ولا يعقل عنه موالي الأب لأنه جنى وهو مولى غيرهم، ولو جرح ابن المعتقة رجلاً ثم انجر ولاؤه إلى موالي أبيه ثم سرت الجناية فالحكم كذلك، لأن موالي الأم لا يعقلون لانقطاع الولاء عنهم وموالي الأب لا يعقلون لأن سبب السراية كان قبل حصول الولاء لهم.
(3)

قوله «وَجِنَايَةُ العَبْدِ فِيْ رَقَبَتِهِ»:

أي إن العبد إذا جنى على غيره تعلق ذلك برقبته، لأنه موجب جنايته، فوجب أن يتعلق برقبته، كالقصاص.

إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ بِأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ، مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَتِهِ (1)، وَدِيَةُ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ فِيْ مَالِ الجَانِيْ (2)، وَجِنَايَةُ البَهَائِمِ هَدَرٌ (3)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ بِأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ، مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَتِهِ»:

أي إن سيد العبد الذي جنى مخير بين أن يفديه بالأقل من أرش الجناية أو قيمته، فإذا كانت قيمته عشرة والجناية بخمسة فداه بخمسة، لأنها أقل، وإن كانت قيمته خمسة والجناية بعشرة فداه بخمسة أيضاً، لأنها الأقل، وذلك لأن السيد إذا فدى عبده بقيمته فقد أدى عوض المحل الذي تعلقت به الجناية، وإذا فداه بأرش الجناية فقد أدى ما استحقه المجني عليه، فلم يملك مطالبته بأكثر من ذلك.
(2)

قوله «وَدِيَةُ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ فِيْ مَالِ الجَانِيْ»:

أي وإن جُني على العبد في يده أو رجله، أو جناية غير مقدرة وجب ضمانها بما نقص من قيمته، لأن ضمانه ضمان أموال، فيجب فيه ما نقص كالبهائم، وتكون هذه الدية الواجبة بجنايته في مال الجاني وليست على العاقلة، لأن العبد مال والجناية عليه جناية على المال، وقد سبق بيان ذلك.
(3)

قوله «وَجِنَايَةُ البَهَائِمِ هَدَرٌ»:

أي الأصل فيما أتلفت البهيمة عدم الضمان، وهذا بإجماع أهل العلم: والدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «العجماء جُبار» 1، ما لم يكن عدوان من صاحبها أو تفريط، فإن كان عدوان أو تفريط عومل بما يقتضيه ذلك العدوان والتفريط.

إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ إِنْسَانٍ، كَالرَّاكِبِ وَالقَائِدِ وَالسَّائِقِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا جَنَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا، دُوْنَ مَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا (1)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ إِنْسَانٍ، كَالرَّاكِبِ وَالقَائِدِ وَالسَّائِقِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا جَنَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا، دُوْنَ مَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا»:

أي إلا أن تكون البهيمة في يد إنسان كراكب أو قائد أو سائق فإنه يضمن جناية يدها أو فمها وذلك لأن العادة أنه يتصرف في مقدمها، فإذا كانت بيد راكب أو قائد يقودها بخطامها أو سائق خلفها يسوقها ضمن جناية ما أتلفته بيدها أو فمها إذا عضت أحداً أو وطئته أو رفسته بيدها، ولا يضمن مؤخرها، فإذا نفحت بذنبها إنساناً فأصابت عينيه أو وجهه، فلا غرم على صاحبها، لأنه لا يتصرف في مؤخرها، وكذا لو رمحته برجلها فلا ضمان على صاحبها، وهذا هو المذهب.
والقول الثانِي: أنه يضمن ما وطئت برجلها 1، لأنه يقدر على حبسها، فإن لم يكن صاحبها معها لم يضمن ما أتلفته، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» 2. لكن لابد من أن نجعل مناط الحكم في هذا - أي فيما يتعلق بالبهائم من الجنايات - هو التعدي أو التفريط، فإذا كان متعدياً أو مفرطاً فعليه الضمان وإلا فلا، والتعدي مثل أن يمر بها إلى جنب شجر - مثلاً - أو إلى جنب أطعمة يعرف أنها سوف تنهش من هذه الثمرة أو من هذه =

وَإِنْ تَعَدَّى بِرَبْطِهَا فِيْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيْقٍ، ضَمِنَ جِنَايَتَهَا كُلَّهَا (1)،  =الأطعمة، وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» (1).

(1)

قوله «وَإِنْ تَعَدَّى بِرَبْطِهَا فِيْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيْقٍ، ضَمِنَ جِنَايَتَهَا كُلَّهَا»:

أي وإن ربط دابة في ملك غيره أو ربطها بطريق فعثر بها إنسان ضمن، لأنه متعدٍّ في ربطها في هذا المكان أو هذا الطريق.
و

هل يشترط لوجوب الضمان عليه بأن يكون الطريق ضيقاً؟

نقول قال بذلك بعض العلماء: فلا يضمن إن كان في طريق فسيح.
والأظهر عندي أنه يضمن مطلقاً لأنه في كلا الحالتين معتدٍ، وإذا كان معتدياً فهو ظالم، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ 2، فإن ربطها في طريق واسع في أحد جوانبه فلا ضمان.
والسيارات الآن حكمها حكم الدابة، فإذا أوقفها في مكان واسع وليس في طريق الناس، فعثر بها إنسان فإنه لا ضمان على صاحب السيارة، لأنه لم يعتدِ حيث إن العادة جرت بأن الناس يوقفون سياراتهم في الأمكنة الواسعة ولا يعد هذا اعتداءً، فإن أوقفها في مكان واسع في مطرق الناس فعليه الضمان، لأنه متعدٍّ، وإن أوقفها في طريق واسع في جانب الطريق فلا ضمان عليه.
وما هو حد الطريق الذي لا ضمان فيه؟ حده أن يبقى مكان يمكن أن تمر به السيارات، فإذا ترك مكاناً يمكن أن =1

وَمَا أَتْلَفَتْ مِنَ الزَّرْعِ نَهَارًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِهِ (1)، وَمَا أَتْلَفَتْ لَيْلاً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ (2)،  = تمر به السيارات فهذا ليس بمعتدٍ، والعادة الآن جارية بذلك.
وهل يجب أن نقول: لا بد أن يترك ممراً يستطيع أن ينفذ فيه المتقابلان؟ نقول نعم، لا سيما في الطرقات النافذة، أما غير النافذة فهي إلى أصحابها.

(1)

قوله «وَمَا أَتْلَفَتْ مِنَ الزَّرْعِ نَهَارًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِهِ»:

أي وما أتلفته البهيمة من الزرع نهارا فلا يضمن صاحبها ما أتلفته، لحديث حرام بن سعد بن محيِّصة الأنصاري: أن ناقة للبراء بن عازب -رضي الله عنه- دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل»، وفي لفظ آخر: «وَأَنَّ حِفْظَ المَاشِيَةِ بِاللَّيلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيلِ» (1)، إلا إن كان صاحبها معها فإنه يضمن، لأنها لم تُفْسِدْ إلا بتعديه.
(2)

قوله «وَمَا أَتْلَفَتْ لَيْلاً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ»:

أي وما أتلفت البهائم من الزرع والشجر وغيرهما ليلاً ضمنه صاحبها.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأولى: إذا اقتنى كلباً عقوراً فاعتدى على أحد ضمن صاحبه

لأنه=1

..................................  =متعد باقتنائه له، وكذا لو اقتنى سنوراً يأكل الطيور، لأنه متعد باقتنائه له.

- الفائدة الثانية: يجوز قتل الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، والوزغ، وكل مؤذٍ وسبع مفترس كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والثعلب،

ولا ضمان على قاتل ذلك كله.
ولا يجوز قتل النملة والهدهد، والنحلة والصرد كما سبق، ولا يقتل كذلك طير غير مؤذٍ إلا بحقه، وهو أن يأكله، أو يأكله غيره، أما قتله عبثاً فلا يجوز.

- الفائدة الثالثة: إذا أخذ ولي الدم الدية، فلا يحل له بعد ذلك أن يقتل القاتل،

وقد روي «لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية» 1.

بابُ دِيَاتِ الجِرَاحِ

(1) كُلُّ مَا فِيْ الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيْهِ دِيَةٌ، كَلِسَانِهِ، وَأَنْفِهِ، وَذَكَرِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَشَمِّهِ، وَعَقْلِهِ، وَكَلامِهِ، وَبَطْشِهِ، وَمَشْيِهِ (2)،  (1)

قوله «بابُ دِيَاتِ الجِرَاحِ»:

الجراح نوعان:

أحدهما: الشجاج؛ وهي ما كان في رأس أو وجه.

النوع

الثاني: ما كان في سائر البدن

، وينقسم قسمين: أحدهما: قطع عضو كيد، أو رجل، أو لسان ونحو ذلك.
الثاني: قطع لحم، وذلك كله مضمون من الآدمي، ويضاف إليه تفويت المنفعة كالسمع والبصر، ونحوها.

(2)

قوله «كُلُّ مَا فِيْ الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيْهِ دِيَةٌ، كَلِسَانِهِ، وَأَنْفِهِ، وَذَكَرِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَشَمِّهِ، وَعَقْلِهِ، وَكَلامِهِ، وَبَطْشِهِ، وَمَشْيِهِ»:

جملة ذلك أن كل عضو لم يخلق الله سبحانه منه إلا واحداً كالأنف واللسان ونحو ذلك مما ذكره المؤلف ففيه دية كاملة لأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس وإذهابها كالنفس، وهذه قاعدة ديات الأعضاء ومنافعها، فمن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد، كالأنف واللسان والذكر ففيه الدية كاملة، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم المتقدم: «وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ... وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ... » 1. =

وَكذلِكَ فِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَعَرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ (1)،  =ومعنى «أُوعِبَ جَدْعُهُ» أي: قطع جميعه، ولأن إتلاف الذي لم يخلق الله منه في الإنسان إلا شيئاً واحداً ذهابُ منفعة الجنس، وإذهابها كالنفس.

(1)

قوله «وَكذلِكَ فِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَعَرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ»:

هذه أيضاً بعض أنواع الجنايات التي تجب فيها الدية، فمن ذلك قوله: «والصَّعَرِ» بفتح الصاد المهملة والعين المهملة، من صَعِرَ يَصْعَرُ صَعَراً، وقد عرفه المؤلف بقوله «أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ»، كأن يضربه فيصير الوجه في جانب.
وأصل الصعر: داء يأخذ البعير فيلتوي منه عنقه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ 1، أي لا تعرض عنهم بوجهك تكبراً كإمالة وجه البعير الذي به الصعر، فمن جنى على إنسان جناية فعوج عنقه حتى صار وجهه في جانب فعليه دية كاملة، دليل ذلك أن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: «وَفِي الصَّعَر الدِّيَةُ» 2، ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان إجماعاً، ولأنه أذهب الجمال والمنفعة، فإنه لا يقدر على النظر أمامه واتقاء ما يحذره إذا مشى، وقال الشافعي 3: فيه حكومة، لأنه إذهاب جمال من غير منفعة.
قلت: والأول أظهر.

وَتَسْوِيْدِ وَجْهِهِ، وَخَدَيْهِ (1)، وَاسْتِطْلاقِ بَوْلِهِ أَوْ غَائِطِهِ (2)، وَقَرْعِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ دِيَةٌ (3)، وَمَا فِيْهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيْهِمَا الدِّيَةُ (4)،  (1) قوله «وَتَسْوِيْدِ وَجْهِهِ وَخَدَيْهِ»: أي إذا جنى عليه بتسويد وجهه كأن يصب عليه ماء حاراً أو يصب عليه ماء نارٍ فيجعل وجهه أسود بزوال بشرة وجهه بعد أن كان أبيض ففيه دية كاملة، لأنه بذلك يذهب كمال الجمال، فوجب فيه كمال الدية.

(2)

قوله «وَاسْتِطْلاقِ بَوْلِهِ أَوْ غَائِطِهِ»:

أي ففيهما كمال الدية، لأن كلا منهما منفعة كبيرة مقصودة ليس في البدن مثلها، أشبه السمع والبصر، فوجب في تفويتها دية كاملة، كسائر الأعضاء، فإن فاتت المنفعتان ولو بجناية واحدة فديتان، كما لو أذهب سمعه وبصره.
(3)

قوله «وَقَرْعِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ دِيَةٌ»:

القَرَعُ، بفتحتين: الصَّلَعُ، وهو مصدر قَرِعَ الرأس، من باب تَعِبَ: إذا لم يبق عليه شعر.
فإذا جُني على شعر رأسه ولم يعد، ففيه الدية، وكذا إذا جُني على شعر لحيته ولم تعد، لأن في إذهاب كل واحد منهما ذهاب منفعة جنس، فأشبهت اليدين والرجلين ونحوهما.
(4)

قوله «وَمَا فِيْهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيْهِمَا الدِّيَةُ»:

أي وما في الإنسان منه شيئان كاليدين والرجلين والعينين ففيهما الدية، وفي كل واحد منهما نصف الدية كما سيأتي.
وما فيه ثلاثة كالأنف يشتمل على المنخرين والحاجز بينهما، ففيه الدية، وفي كل واحد منها ثلثها، وما فيه أكثر ففيها الدية، وفي كل واحد منها قسطه من الدية، لأن في إتلاف ذلك كله ذهاب منفعة الجنس، وذلك=

وَفِيْ أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالعَيْنَيْنِ، وَالحَاجِبَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَاللِّحْيَيْنِ، وَاليَدَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالإِسْكَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ (1)، وَفِي الأَجْفَانِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَهْدَابِهَا الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، فَإِنْ قَلَعَهَا بِأَهْدَابِهَا، وَجَبَتْ (2)،  =كإتلاف النفس، وأما كون أحدهما فيه نصفها فلأن في إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس.

(1)

قوله «وَفِيْ أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالعَيْنَيْنِ، وَالحَاجِبَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَاللِّحْيَيْنِ، وَاليَدَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالإِسْكَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ»:

سبق الإشارة إلى ذلك قريباً، فما فيه منه شيئان وأتلفا جميعاً ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، كما ذكر المؤلف هنا، وقوله: «وَاللِّحْيَيْنِ» هما العظمان النابت عليهما الأسنان، فإذا أتلفهما ففيهما دية النفس، وفي أحدهما نصف الدية، وقوله: «وَالأَلْيَتَيْنِ» مثنى «ألية» وهي المقعدة التي يقعد عليها الإنسان، فإذا جنى عليهما شخص ففيهما الدية، وفي الواحدة نصف الدية، وقوله «وَالإِسْكَتَيْنِ» بفتح الهمزة وكسرها، وهما حافتا فرج المرأة، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وقوله: «وَالثَّدْيَيْنِ» يعني ثديي المرأة وهذا واضح، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية.
(2)

قوله «وَفِي الأَجْفَانِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَهْدَابِهَا الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، فَإِنْ قَلَعَهَا بِأَهْدَابِهَا، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ»:

الأجفان هما غطاء=

وَفِيْ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا (1)،  = العينين، وفي كل عين غطاءان، أحدهما فوق والآخر تحت، ففي كل جفن ربع الدية، وفي الجميع الدية كاملة، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع الدية، ولا فرق في الدية بين الأعلى والأسفل، ووجه كون الدية فيها لأن في إتلافها إذهاب منفعة الجنس، فأشبهت اليدين، لأن في الأجفان جمالاً وكمالاً ونفعاً كثيراً، لأنها تقي العينين مما يؤذيهما، وسواء في هذا البصير والأعمى، لأن العمى عيب في غيرها، وهذا هو المشهور في المذهب (1)، وهو قول الحنفية (2). والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب المالكية (3)، والشافعية (4) أنه ليس فيه دية، وذلك لأن الأصل في مال المسلم العصمة ولا نص ولا إجماع ولا قياس يدل على ما ذكره الحنابلة، ولا شك أنها لا تصل إلى المنافع التي تقدم ذكرها، فإنها جمال وليست بمنفعة تشبه منفعة السمع والبصر، فلا يقال إنها تقاس على السمع والبصر، وعليه فلو اعتدى على لحيته أو شعر رأسه ففيه حكومة وليس فيه دية.

(1)

قوله «وَفِيْ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا»:

أي وفي أصابع اليدين الدية وكذا أصابع الرجلين، =1234

وَفِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا، إِلاَّ الإِبْهَامَ فِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ نِصْفُ عَقْلِهَا (1)، وَفِيْ كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ إِذَا لَمْ تَعُدْ (2)،  =فما كان في البدن منه عشر، ففي كل واحد منه عشر الدية، فأصابع اليدين عشر، ففيها الدية كاملة، وفي كل إصبع عشر الدية، لا فرق بين الخنصر والإبهام، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم -رضي الله عنه- المتقدم: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ»، ولما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «دِيَةِ الأَصَابِعِ، اليَدَينِ وَالرِّجْلَينِ سَوَاءٌ، عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ» (1).

(1)

قوله «وَفِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا، إِلاَّ الإِبْهَامَ فِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ نِصْفُ عَقْلِهَا»:

أي أن كل أنملة فيها ثلاث من الإبل وثلث، وكل أصبع من الأصابع فيه ثلاثة أنامل ما عدا الإبهام، ففيه أنملتان، فالدية تقسم على الاثنين، فيكون في كل مفصل نصف عشر الدية، يعني خمساً من الإبل.
(2)

قوله «وَفِيْ كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ إِذَا لَمْ تَعُدْ»:

فدية السن خمس من الإبل لا فرق بين ضرس ولا ثنية، وهي نصف عشر الدية، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم المتقدم: «وفِي السِّنِّ خَمسٌ مِنَ الإبِلِ».
واشترط المؤلف عدم عود السن مرة أُخرى فإن عادت فليس فيه شيء.
وكذلك الظفر فيه خمس من الإبل، هذا إذا لم يرجع الظفر، أما إذا=1

وَفِيْ مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ السِّنِّ، وَتَسْوِيْدِهَا دِيَةُ العُضْوِ كُلِّهِ (1)، وَفِيْ بَعْضِ ذلِكَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ (2)،  =رجع فليس فيه شيء إلا أن يكون فيه شيء من التشويه فيكون فيه حكومة كما تقدم.

(1)

قوله «وَفِيْ مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ السِّنِّ، وَتَسْوِيْدِهَا دِيَةُ العُضْوِ كُلِّهِ»:

سبق تعريف هذه المذكورات، فمتى تعدى عليها بجناية ففيها دية العضو كله، وذلك لأن قطع بعض عضو تتعطل به جل منفعته قطع له، فوجبت فيه الدية كاملة، فقطع مارن الأنف - مثلاًـ يذهب الجمال أشبه الأنف كله، وكذا حشفة الذكر لأن منفعته كمنفعة اليد بالأصابع، وحلمتي الثديين لأنه ذهب من الثديين ما تذهب المنفعة بذهابه فوجب دية كاملة، وفي كسر ظاهر السن ديته وهو ما ظهر من اللثة لأن ذلك هو المسمى سنا فيدخل في عموم النص، وهكذا.
(2)

قوله «وَفِيْ بَعْضِ ذلِكَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ»:

أي فإن كانت الجناية في بعض هذه المذكورات فإنها تكون بالحساب من ديته يقدر بالأجزاء كالثلث والربع ثم يؤخذ مثله من الدية، لأن ما وجبت الدية في جميعه وجبت في بعضه، فإن كان الذاهب النصف وجب نصف الدية، وان كان الثلث وجب ثلثها، وان كان أقل أو أكثر وجب بحساب ذلك، كما تقسط دية اليد على الأصابع.

وَفِي الأشل مِنَ اليَدِ وَالرِّجْلِ وَالذَّكَرِ، وَذَكَرِ الخَصِيِّ وَالعِنِّيْنِ، وَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالعَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالذَّكَرِ دُوْنَ حَشَفَتِهِ، وَالثَّدْيِ دُوْنَ حَلَمَتِهِ، وَالأَنْفِ دُوْنَ أَرْنَبَتِهِ، وَالزَّائِدِ مِنَ الأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا، حُكُوْمَةٌ 1،  (1)

قوله «وَفِي الأشل مِنَ اليَدِ وَالرِّجْلِ وَالذَّكَرِ، وَذَكَرِ الخَصِيِّ وَالعِنِّيْنِ، وَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالعَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالذَّكَرِ دُوْنَ حَشَفَتِهِ، وَالثَّدْيِ دُوْنَ حَلَمَتِهِ، وَالأَنْفِ دُوْنَ أَرْنَبَتِهِ، وَالزَّائِدِ مِنَ الأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا، حُكُوْمَةٌ»:

هذه جملة من الأعضاء التي تعطل النفع بها قبل الجناية عليها من قِبل الجاني، فمن ذلك اليد الشلاء وهي اليابسة التي ذهبت منها منفعة البطش وكذلك الرجل مثلها في الحكم قياساً عليها والعين القائمة التي ذهب بصرها وصورتها باقية كصورة الصحيحة والسن السوداء المتعطل نفعها، فأما إذا لم يتعطل ففيها ديتها كاملة، والذكر الأشل يعني المتعطل نفعه، وغير ذلك مما ذكره المؤلف، متى جني عليها إذا قطعت فإن فيها حكومة، كما هو مذهب جمهور العلماء، وهو أحد الروايتين (1) عن الإمام أحمد.
والرواية الثانية: أن في اليد الشلاء أو في السن السوداء وفي العين القائمة السادة محلها، أن في ذلك كله ثلث ديتها فاليد الشلاء فيها ثلث دية اليد الصحيحة، وهذا هو القول الراجح، ودليله: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي العَيْنِ القَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا، أَي: البَاقِيَة فِي مَكَانهَا عَلَى مَا كَانتْ عَلَيه وَلَمْ يَذْهَب جْمَال=

وَفِيْ الأَشَلِّ مِنَ الأُذُنِ وَالأَنْفِ الأَخْشَمِ، وَأُذُنِ الأَصَمِّ دِيَتُهَا كَامِلَةً (1)،  =الوَجْه، لَكن ذَهَبَ إبصارهَا ثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي اليَدِ الشَّلاءِ إِذَا قُطِعَتْ ثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي السِّنِّ السَّودَاءِ إِذَا قُلِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا» (1). وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر -رضي الله عنه- قال: «فِي العَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّودَاءِ، وَاليَدِ الشَّلاءِ ثُلُثُ دِيَتِهَا» (2)، ولأنها كاملة الصورة فكان فيها مقدر كالصحيحة.
وقوله: «حُكُوْمَةٌ»: الحكومة: أصلها من الحكم بمعنى القضاء، ومعناها: أن يقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية فيه، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثله من الدية، والمراد دية النفس، فلو كانت قيمته وهو عبد صحيح عشرة آلاف، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة آلاف، فيكون فيه عُشر ديته، لأن الناقص واحد من عشرة، وهكذا.

(1)

قوله «وَفِيْ الأَشَلِّ مِنَ الأُذُنِ وَالأَنْفِ الأَخْشَمِ، وَأُذُنِ الأَصَمِّ دِيَتُهَا كَامِلَةً»:

أي متى جنى على هذه المذكورات فقد وجبت عليه الدية كاملة، وذلك لأن نفعها وجمالها باق بعد شللها، فإن منفعة الأذن جمع الصوت، ومنع دخول الماء، والهوام في صماخه، فإذا قطعها وجبت ديتها ولأنه قطع أذنا فيها الجمال والنفع فأشبه ما لو قطعها قبل الشلل,=12

جارٍ التحميل