وَإِنْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ، أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ (1)، وَلا يُفْسِدُ النُّسُكُ بِغَيْرِهِ (2).
وما ذكره المؤلف فيه فائدتان
:
فائدة (1): أن الوطء بعد التحلل الأول لا يفسد الحج
لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) (1)، وهذا ما أفتى به ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال في رجل أصاب أهله قبل أن يقضي يوم النحر: ينحران جزوراً بينهما، وليس عليه الحج من قابل ولا يعرف من الصحابة مخالفٌ له.
فائدة (2): أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد جمرة العقبة
فيلزمه أن يحرم من الحل، وقال أكثر أهل العلم حجه صحيح ولا يلزمه إحرام من الحل لأن إحرامه لم يفسد جميعه فلم يفسد بعضه.
وهذا هو الأقرب عندي: لعدم وجود الدليل القوي الموجب لما ذكره المؤلف هنا، وعلى ذلك نقول من وطء أهله بعد تحلله الأول لا يلزمه سوى أن يذبح شاة، أما خروجه للحل لإعادة الإحرام فلم يثبت في ذلك دليل.
(1)
قوله (وَإِنْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ، أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ):
أي إن جامع في أثناء عمرته أفسدها وذلك بإجماع أهل العلم وعليه قضاؤها ويلزمه كذلك شاة حكمها في ذلك حكم فدية الأذى، لأن العمرة حج أصغر ولأن كل ما أوجب شاة من المحظورات ففيه فدية أذى سوى الصيد.
(2)
قوله (وَلا يُفْسِدُ النُّسُكُ بِغَيْرِهِ):
أي لا يفسد الحج والعمرة غير الجماع وقد نقل الإجماع كما سبق.1
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّ إِحْرَامَهَا فِيْ وَجْهِهَا، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيْطِ (1) (1)
قوله (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّ إِحْرَامَهَا فِيْ وَجْهِهَا، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيْطِ):
أي أن المرأة في جميع ما ذكره المؤلف في باب المحظورات كالرجل في الحكم إلا أنه استثنى لها أموراً منها:
1 - إحرامها في وجهها: أي يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، والأصل في ذلك ما رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (.. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) 1، لكن إن حاذاها الركبان ومروا من أمامها فيجب عليها أن تغطي وجهها لحديث عائشة رضي الله عنها قالت (كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ) 2.
2 - يجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه.
3 - لا بأس للمرأة أن تطوف منتقبة إن لم تكن محرمة لفعل عائشة رضي الله عنها.
4 - يستحب للمرأة عند الإحرام ما يستحب للرجل من الغسل والتطيب إلا إذا كان في تطيبها فتنة للرجال فلا يشرع لها أن تتطيب.
5 - ذهب أبو حنيفة إلى جواز لبس المرأة القفازين، والصحيح أنه يحرم على المرأة لبس القفازين لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (.. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) 3، فإن خالفت فلبست فعليها فدية الأذى.
بَابُ الْفِدْيَةِ
(1) وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ (2): (1)
قوله (بَابُ الْفِدْيَةِ):
الفدية معناها: ما يعطى فداءٌ لشيء، وهي في اللغة: فكاك الأسير؛ يقال فداه يفديه، وفادى الأسير استنقذه من الأسر.
والفدية في باب الإحرام بالحج: ما يجب لفعل محظور أو ترك واجب، وسميت فدية لقوله تعالى ﴿.. فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ... ﴾ (1).
و
محظورات الإحرام من حيث الفدية أربع
:
1 - مالا فدية فيه وهو عقد النكاح والخطبة.
2 - ما فديته مغلظة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
3 - ما فديته الجزاء أو بدله وهو قتل الصيد.
4 - ما فديته فدية الأذى وهي بقية المحظورات التي مرَّ ذكرها، وهي: (حلق الرأس - تقليم الأظفار - تغطية الرأس - مس الطيب - لبس القفازين - النقاب - المباشرة دون الفرج - لبس المخيط).
فهذه المحظورات فديتها فدية أذى، وهي التخيير بين أمور ثلاث: إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة أو متفرقة، أو ذبح شاة تذبح وتوزع على الفقراء، دليل ذلك قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 2.
(2) قوله رحمه الله (وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ): أي الفدية الواجبة على من أتى محظوراً من محظورات الإحرام على قسمين.1
أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّخْيِيْرِ (1) وَهِيَ فِدْيَةُ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَالطِّيْبِ (2) فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ ثَلاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِيْنَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ (3) (1)
قوله (أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّخْيِيْرِ):
أي أحد هذين القسمين من الفدية ما كان على التخيير أي يخير فيه من فعل محظوراً بفعل واحد من ثلاثة أمور.
(2)
قوله (وَهِيَ فِدْيَةُ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَالطِّيْبِ):
أي هذه الفدية لا تكون إلا لمن كان به أذى فأزاله كحلق رأس لوجود ما يؤذيه من قمل ونحوه.
وكذا لبس مخيط كأن تكون به حكة فلبس قميصاً أو سروالاً ونحوه، أو استخدم طيباً بعد دخوله في النسك وقبل تحلله الأول فجميع هذه الأمور يكون فيها المحرم مخير بين أمور ثلاثة.
(3) قوله رحمه الله (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ ثَلاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِيْنَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ) دليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 1.
وروى البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ به بالحديبية وهو محرم فقال له أذاك هوام رأسك؟ فقال نعم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (.. احْلِقْ رَأْسَكَ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ) 2.
وهنا فوائد:
- فائدة (1): أن الصوم لا يشترط فيه التتابع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيدها بالتتابع هنا.
.................................. -
فائدة (2): أن الشاة هنا ليس المراد بها الأنثى من الضأن
، بل المراد هنا أعم من ذلك سواء كانت خروفاً أو أنثى معزاً أم ضأناً أو سبع بدنة أو سبع بقرة مما يجزئ في الأضحية ويوزعها على الفقراء ولا يأكل منها شيئاً لأنها دم جبران.
فائدة (3): أنه لا فرق بين البر وغيره في فدية الأذى
هنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة رضي الله عنه (أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ) (1)، فعين المقدار، وأطلق النوع، فظاهر الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين سواء من البر أو من غيره.
فائدة (4): جميع ما ورد فيه إطعام مساكين فيجوز أن يغديهم أو يعشيهم
، أو يعطي بعض الجهات التي تتولى الإطعام، واستثنى بعض أهل العلم هذا الموضع، فلابد أن تطعمهم طعاماً يملكونه ومقداره نصف صاع لكل مسكين.
فائدة (5): يشترط في الهدي وكذا سائر الدماء الواجبة ما يشترط في الأضحية
، وهذه الشروط هي:
1 - يشترط فيه السن المعتبرة بأن يكون ثنياً من الإبل له خمس سنوات أو ثنياً من البقر له سنتان ومن المعز له سنة أو جذعاً من الضأن له ستة أشهر.
2 - أن يكون سليماً من العيوب المانعة من الإجزاء وهي العور البين، والمرض البين، والعرج البين، والعجفاء التي لا تنقي وهي الهزيلة.
3 - أن يكون الذبح في الوقت يوم العيد وأيام التشريق.
4 - أن يكون في مكان الذبح وهو الحرم.
5 - أن يكون من بهيمة الأنعام فقط.1
وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ (1)، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (2) (1)
قوله (وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ):
قياساً على فدية الأذى؛ يعني أن ذلك على التخيير لا على الترتيب.
والذي يظهر: أنه على الترتيب، فعليه شاة، فإن لم يستطع صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
(2)
قوله (وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ):
وهذا بالإجماع قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ.. ﴾ 1.
ففي الآية المذكورة أمور:
الأول: أنها دلت على وجوب الجزاء أو الفدية على من فعل ذلك متعمداً فمن فعل ذلك ابتداء من غير سبب يبيح ففيه الجزاء المذكور في الآية.
الثاني: أن من فعل ذلك اضطراراً إلى أكله يباح له أكله بلا خلاف، ويلزمه ضمانه لأنه إنما فعله لحاجة نفسه.
الثالث: إِن صال عليه فلم يقدر على دفعه إلا بالقتل فله قتله ولا ضمان عليه.
الرابع: لو خلص صيداً من سبع أو شبكه فتلف بذلك فلا ضمان عليه، لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به.
الخامس: هل المخطئ يعامل معاملة العامد في وجوب الجزاء؟
..................................
= قولان: أصحهما أنه لا كفارة في الخطأ لقوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ (1)، فدل على أنه لا جزاء على المخطئ.
السادس: أن هذا خاص بصيد البر المتوحش، أما صيد البحر فهو حلال كما تقدم لقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (2).
قوله (مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ): أي من قتل صيداً وهو محرم فيجب عليه أن يخرج ما يشبه هذا الصيد الذي قتله يخرج عنه من بهيمة الأنعام.
و
الصيد الذي قتله المحرم نوعان
:
النوع الأول: نوع له مثل من النعم
، فهذا يخير بين ثلاثة أمور:
الأول: مثل ما قتل من النعم: للآية السابقة، فهذا المثل يذبحه ويتصدق به على فقراء الحرم لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ... ﴾ 3.
الثاني: أن يقومه بدراهم يشتري بها طعاماً فيطعم كل مسكين مداً لقوله تعالى ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ.. ﴾ 4، فينظر هنا كم يساوي المثل من النقود ثم يشتري بهذه النقود طعاماً من بر أو غيره فيطعم به كل مسكين مداً.
الثالث: أن يصوم عن كل مد يوماً لقوله تعالى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ 5 أي عدل ما يخرجه من الإطعام صياماً مثلاً إذا كانت قيمة ما يذبح أربعمائة=12
إِلاَّ الطَّائِرَ، فَإِنَّ فِيْهِ قِيْمَتَهُ (1) إِلاَّ الْحَمَامَةَ، فَفِيْهَا شَاةٌ (2) = ريال، وقدرنا الطعام كل صاع بريال فيكون أربعمائة صاع تساوي ألف وستمائة مد، فيلزمه أن يصوم ألف وستمائة يوم لأنه يكون عن كل مد يوماً، لكن من رحمة الله تعالى أن جعل الأمر واسع في ذلك لأن الحكم هنا على التخيير.
النوع الثاني: أن لا يكون له مثل من بهيمة الأنعام
، فهنا يخير بين تقويمه بطعام لكل مسكين مد من الطعام أو يصوم عن كل مسكين يوماً، وقيل يجوز إخراج القيمة بدلاً عن الإطعام.
(1)
قوله (إِلاَّ الطَّائِرَ، فَإِنَّ فِيْهِ قِيْمَتَهُ):
أي يستثنى مما ذكر الطائر كالعصفور، والحباري وغيرهما، فإذا صاده المحرم وجب على من صاده إخراج قيمته فقط لأنه لا مثل له من بهيمة الأنعام، وقيل يجب فيه شاة كالحمام.
(2)
قوله (إِلاَّ الْحَمَامَةَ، فَفِيْهَا شَاةٌ):
وذلك لقضاء الصحابة بذلك ولم يعلم لهم مخالف، ولأن الحمامة تشبه الشاة في كرع الماء.
لكن اختلف الفقهاء هل هذا خاص بحمام الحرم أم هو عام في الحرم وغيره؟
على قولين: فالمالكية 1 يرون خصوصيته بحمام الحرم وما عداه ففيه القيمة.
والصحيح: أن هذا عام في الحرم وغيره، فهو يشمل حمام الحرم وقيس عليه حمام غيره، فقد جاء عن ابن عباس بأنه قضى في حمامة حال الإحرام بشاة لأنها حمامة مضمونة لحق الله فضمنت بشاة كحمامة الحرم، وهذا هو مذهب الشافعي 2.
وَالنَّعَامَةُ، فَفِيْهَا بَدَنَةٌ (1)، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ أَوْ تَقْوِيْمِهِ بِطَعَامٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ، أَوْ يَصُوْمُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا (2). الضَّرْبُ الثَّانِيْ (3) عَلَى التَّرْتِيْبِ (4): (1)
قوله (وَالنَّعَامَةُ، فَفِيْهَا بَدَنَةٌ):
النعامة بفتح النون، من الطير، تذكر وتؤنث، والنعامة اسم جنس وقد يقع على الواحد.
وقوله (فَفِيْهَا بَدَنَةٌ) لأنها تشبه البدنة وهي البعير ذكراً كان أو أنثى، ودليل ذلك أن الصحابة قضوا فيها بذلك، ولأنها تشبهها في كثير من صفاتها.
(2)
قوله (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ أَوْ تَقْوِيْمِهِ بِطَعَامٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ، أَوْ يَصُوْمُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا):
قد سبق بيان ذلك قريباً، ومعنى كلام المؤلف هنا أن ما كان له مثل فإنه يخير بين ثلاثة أمور:
1 - جزاء مثل ما قتل من النعم.
2 - تقويمه بطعام فيطعم عن كل مسكين مداً.
3 - أن يصوم عن كل مد يوماً.
ما لم يكن له مثل فإنه يخير بين أمرين:
1 - تقويمه بطعام لكل مسكين مدٌ من الطعام.
2 - أن يصوم عن كل طعام مسكين يوماً.
- فائدة: من قتل ما نهى عن قتله في الحرم وإن كان محلاً
فعليه ما على المحرم: فمن قتل نعامة في الحرم وهو محل فحكمه حكم المحرم فعليه بدنة، ومن قتل حمامة فعليه شاة، وهكذا.
(3) قوله (الضَّرْبُ الثَّانِيْ): أي القسم الثاني من أقسام الفدية.
(4) قوله (عَلَى التَّرْتِيْبِ): أي لا على التخيير، فيلزم في هذه الفدية مراعاة
وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ (1) يَلْزَمُهُ شَاةٌ (2)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ (3) = الترتيب.
(1)
قوله (وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ):
وكذا القارن وسيأتي بيان حج المتمتع والقارن إن شاء الله.
(2)
قوله (يَلْزَمُهُ شَاةٌ):
وكذا القارن ويُشترط في الشاة ما ذكرناه في أول هذا الباب، أعني باب الفدية وكون المؤلف رحمه الله أدرج هذا النوع أعني هدي التمتع داخل الفدية فيه نظر لأن الدم هنا دم نسك وشكر لله تعالى بخلاف دم من ارتكب محظوراً من المحظورات فهو دم جبران، والخلاف بين هذا الدم وهذا الدم من وجوه:
أن دم المتعة والقران يجب فيهما الهدي، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فالحكم هنا على الترتيب وليس على سبيل التخيير بخلاف دم الفدية فالأمر فيه على التخيير، فهو مخير فيه بين دم المثل إن كان له مثل أو الإطعام أو الصيام، وإن لم يكن له مثل أطعم أو صام.
أن دم المتعة يباح للإنسان أن يأكل منه بخلاف دم الفدية.
أن دم المتعة يجوز أن يهدي منه بخلاف دم الفدية فإنه لا يصرف إلا للفقراء دون غيرهم.
(3)
قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ):
وذلك لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ 1.
..................................
ولعدم وجود للهدي هنا صورتان:
الأولى: أن لا يجد ثمنه.
الثانية: ألا يوجد هدي أصلاً.
وكلا الصورتين يصدق عليهما عدم الوجود.
فائدة (1): اختلف الفقهاء في المعتبر بالنسبة لوجود الهدي وعدمه
.
فقيل المعتبر وقت إحرامه بالعمرة، وقيل بل وقت إحرامه بالحج، وقيل بل المعتبر طلوع فجر يوم العيد، وقيل المعتبر وقت جواز الذبح يعني بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح.
والأقرب عندي: أنه يعمل بما يغلب على ظنه، فإن كان حين إحرامه بالعمرة يغلب على ظنه أنه لن يجد الهدي فإنه يحكم بأنه لم يجد.
- فائدة (2): من كان غنياً وعدم الثمن كأن يكون قد سُرق في أثناء حجه هل له أن يبحث عن شخص يقرضه لشراء هديه؟
على قولين: والأقرب عندي أنه إذا وجد من يقرضه من غير غضاضة عليه وبكل سهولة ويسر في الاستقراض فإنه يلزمه لأن مثل هذا لا يكون عاجزاً.
- فائدة (3): من حج متمتعاً أو قارناً ثم عدم الثمن لعجز كأنْ يكون ليس معه سوى ثمن الهدي ولا يملك غيره ثم فُقد منه:
فإنه لا يجوز له الاستقراض ولو وجد من يقرضه، بل ينهى عن الاستقراض.
فائدة (4): في صوم العشرة أيام لمن لم يجد الهدي
: 1 - المذهب أن كون آخر الثلاثة في أيام الحج والأفضل أن يكون يوم عرفة، هذا فيه نظر.
وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ (1)
والصواب: أن الأولى والأفضل أن يكون ابتداء هذه الثلاثة في أول يوم من أيام التشريق لأنه لا يجزم بعد الاستطاعة إلا وقت وجوب الهدي عليه.
2 - أن من ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق لزمه أن تكون متتابعة ضرورة: لأنه لم يبق من أيام الحج إلا ثلاثة ولا يجوز أن يؤخرها عن أيام الحج.
3 - من صامها قبل أيام التشريق: يجوز أن يصومها متفرقة ومتتابعة لأن القاعدة في ذلك أن ما أطلقه الشارع لا يجوز تقييده إلا بدليل من الشارع أيضاً ولا دليل على وجوب التتابع، اللهم إلا إذا كان ضاق وقت الصوم كما ذكرنا فلم يبق إلا ثلاثة أيام من الحج فهنا يلزمه التتابع.
4 - من أخر صيام هذه الثلاثة حتى انتهى حجه لغير عذر هل تلزمه الفدية؟ قولان للفقهاء؛ أصحهما أنه لا تجب عليه الفدية ويلزمه قضاء هذه الثلاثة مع السبعة التي عليه.
5 - في قوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (1) هل المراد الرجوع إلى الوطن والأهل؟ نقول الآية لم تقيد الرجوع بذلك ولكن الفقهاء حملوها على ذلك، والأظهر عندي أنه لو صامها بعد فراغه من أعمال الحج كلها فلا بأس لأنه جاز له الرجوع إلى الأهل فجاز له صومها.
(1)
قوله (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ):
أي ويجب بوطء في الفرج بدنة، فإن عدم البدنة ووجد سبع شياه أجزأ، فإن لم يجد سبع شياه ولا بدنة، قال الفقهاء يصوم عشرة أيام، وهذا قول لا دليل عليه.
والأظهر عندي: أنه إذا لم يجد سقط عنه الحكم كسائر الواجبات.1
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيُامُ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ (1)، وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ (2)
- فائدة (1): قوله (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ):
هذا إذا كان قبل التحلل الأول في الحج كما مر بنا.
- فائدة (2): قوله (الْجِمَاعِ)
خرج به ما إذا جامع بين الفخذين ونحوه كما مر بنا سابقاً، وذكرنا اختلاف الفقهاء في فساد حجه وبيان أن الصحيح أنه لا يفسد الحج إلا بالجماع في الفرج، فما كان دونه ففيه الإثم والفدية في حقه شاة.
- فائدة (3) إذا أُكرهت الزوجة على الجماع هل يلزمها كفارة؟
الصحيح: أنه لا يلزمها.
وهل يفسد حجها؟
الصحيح: أنه لا يفسد لأنها مكرهة.
وهل يلزم زوجها أن يكفر عنها؟
قولان؛ والصحيح أنه لا يلزمه.
(1)
قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيُامُ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ):
يعني عشرة أيام قياساً على من عدم هدي المتعة والقران، وقياساً على من عدم الهدي عند فوات الحج كما سيأتي إن شاء الله.
وقد رجحنا آنفاً أنه لا دليل على ما ذكره المؤلف.
والأظهر عندي: أنه لا يجب عليه صيام، بل تسقط عنه الفدية هنا لعدم دليل العدول إلى الصوم عند عدم وجود البدنة أو الشياه.
(2)
قوله (وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ):
أي بالمباشرة دون الفرج إذا أنزل بسببها وقد سبق الإشارة إلى ذلك وذكرنا أن الواجب في =
وَدَمِ الْفَوَاتِ (1)، وَالْمُحْصَرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ (2)
= حقه هو التخيير بين أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين أو يذبح شاة.
(1) قوله (وَدَمِ الْفَوَاتِ): الفوات: أي من فاته الحج، ويكون ذلك بطلوع فجر يوم النحر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ) (1)، والمراد بليلة جمع: ليلة المبيت بمزدلفة.
قوله (وَدَمِ الْفَوَاتِ)
المراد به من لم يدرك الحج فعليه دم، لكن هنا الحكم مقيد بما إذا لم يشترط في أثناء إحرامه يقول (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)، فمتى اشترط في إحرامه فلا يلزمه شيء، بل يحل من إحرامه، وقد سبق بيان حكم الاشتراط في الحج.
فائدة: قال بعض الفقهاء من خاف فوات حجه فله أن يقلب حجه إلى عمرة
قبل أن يفوته ولا يعد هذا فواتاً على كلام الفقهاء، وهذا فيه نظر لأنه لا يجوز للحاج أن يقلب إحرامه عمرة إلا إذا أراد التمتع، وإرادة التمتع هنا ممتنعة.
وقول المؤلف (وَدَمِ الْفَوَاتِ)، أي وكذلك دم الفوات إذا عدم فيجب عليه أن يصوم كصيام من لم يجد هدي التمتع.
2 قوله (وَالْمُحْصَرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ): لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (2).1
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ (1)
=والمحصر: هو الممنوع من بلوغ المناسك بمرض أو غيره.
وقد اختلف الفقهاء في المنع الذي يتحقق به الإحصار هل هو خاص بالعدو أم هو عام يشمل ما يحصل به الإحصار من عدو أوغيره كالمرض والهلاك, وموت محرم المرأة أو زوجها في الطريق؟
فذهب الحنفية (1) إلى هذا القول الأخير، أي أن الإحصار عام في كل ما يحصل به من عدو ومرض وهلاك وضياع نفقة وغيره.
وذهب جمهور (2) الفقهاء إلى أن الحصر لا يحصل إلا بعدو، أو فتنة، أو الحبس ظلماً، وغير ذلك مما يحصل به قهر للإنسان، أما الحصر بالمرض أو بالعرج أو بذهاب نفقة وغيره فلا يجوز له التحلل بذلك.
والصحيح: ما ذهب إليه الحنفية؛ قال عطاء: (الإحصار من كل شيء يحبسه)، فمتى تم الإحصار بأي نوع آخر من أنواع الإحصار جاز له التحلل ووجب عليه هدي لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (3) وهذا هو إحدى الروايتين (4) في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام (5)، والشيخين (6).
(1)
قوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ):
أي لم يجد الهدي، فالواجب عليه صيام عشرة أيام قياساً على من لم يجد هدي التمتع والقران.123456
وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ (1)
وهذا ما ذهب إليه المؤلف، واحتجوا لذلك أيضاً بما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلا فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) (1).
وذهب بعض أهل العلم أنه لا يجب الصيام على المحصر الذي لم يجد دماً واحتجوا لذلك بما يلي:
1 - أنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصيام من لم يجد هدياً في صلح الحديبية حيث جاء في بعض روايات الحديث أن من لم يهد أكثر ممن هدى.
2 - أن الهدي الواجب في التمتع والقران هو هدي شكران للجمع بين نسكين في سفر واحد، أما هنا فالعكس حيث أن المحصر حرم من إتمام نسك واحد فلا يصح قياس هذا على هذا.
والأقرب عندي: ما ذهب إليه المؤلف لصحة الأثر الوارد في ذلك، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (2).
(1)
قوله (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ):
الجنس: هو ما اتفق في الاسم كالحلق مثلاً يكون فيه حلق شعر الرأس وحلق شعر البدن، وكذا اللبس كلبس العمامة ولبس المخيط على اليد، ولبس الخف كل هذا من جنس واحد لأنها كلها من اللبس.
ومعنى قوله (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ)، كأن يكون تطيب ثم تطيب =12
غَيْرِ قَتْلِ الصَّيْدِ (1) فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (2)
=ولبس ثم لبس أو قصر من شعره ثم قصر مرة أخرى.
(1) قوله رحمه الله (غَيْرِ قَتْلِ الصَّيْدِ): أي يستثنى من ذلك قتل الصيد، فمن قتل حمامة ثم قتل حمامة وهو محرم أو كان في حرم مكة وجب عليه فديتان ولو قتل ذلك برمية واحدة.
فإن رمى رمية واحدة فأصابت عشر حمامات فالواجب عليه عشر شياه، فلا يقال إن الرمي واحد والمحظور واحد لقوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ (1)، فقد اشترط سبحانه وتعالى في جزاء الصيد أن يكون مثله والمماثلة تشمل الكمية والكيفية.
(2)
قوله (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ):
أي إن كرر محظوراً من جنس واحد غير قتل الصيد فالواجب عليه كفارة واحدة، لكن يشترط ألا يؤخر الفدية لئلا تتكرر عليه، فإن أخرها عمداً ولعدم العذر فهنا قال بعض العلماء يعاقب بنقيض قصده فيلزمه بكل محظور فدية لئلا يتحايل على إسقاط الواجب، وفي رواية في المذهب 2 إن تعدد سبب المحظور مثل أن يلبس لشدة الحر ثم يلبس للبرد ثم لبس للمرض فعليه كفارات.
وذهب الحنفية 3 إلى أنه إذا كرر محظوراً في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات.
والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف لقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 4، وجه الدلالة من =1
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِيْ كَفَّارَةٌ (1)، وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ (2)، وَالْحَلْقُ وَالتَّقْلِيْمُ وَالْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِيْ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ (3)،
= الآية أن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة واحدة أو في دفعات.
وأيضاً أن ما يتداخل إذا كان متتابعاً يتداخل وإن تفرق.
(1)
قوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِيْ كَفَّارَةٌ):
قياساً على الأيمان والحدود ولأن الأول انتهى وبرئت ذمته منه بفدية فيكون الثاني محظوراً جديداً.
والذي يظهر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة سواء كفَّر عن الأول أو لم يكفِّر.
(2)
قوله: (وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ):
هذا هو المشهور من المذهب، وفي رواية عن الإمام أحمد أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة.
وقال بعض أهل العلم: إنما يجب عليه فدية واحدة لأنه إذا تعددت الأجناس وكان المُوجَبُ واحداً فليس عليه إلا واحد، مثاله من أخرج ريحاً أو أكل لحم جزور أو تبول فإننا لا نلزمه أكثر من وضوء واحد فكذا الفدية إذا اختلفت الأجناس.
والأظهر عندي: هو ما ذهب إليه المؤلف رعاية للنسك واحتراماً لشعائر الله حتى لا يتلاعب الناس بها.
(3)
قوله (وَالْحَلْقُ وَالتَّقْلِيْمُ وَالْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِيْ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ):
أي في وجوب الفدية فلا تسقط الفدية بفعل هذه المحظورات سهواً لأن هذه =
وَسَائِرُ الْمَحْظُوْرَاتِ لا شَيْءَ فِيْ سَهْوِهِ (1)
=المحظورات إتلاف فيجب فيها الفدية كمال الآدمي بخلاف الطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط، ففي هذه المحظورات تسقط فيها الفدية عند فعلها نسياناً أو إكراهاً أو جهلاً.
والصحيح: أن هذه المذكورات وغيرها تسقط فديتها بالعذر جهلاً ونسياناً وإكراهاً بخلاف ما إذا فعلها عمداً.
قال تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ (1)، فمفهومه أن المخطئ لا جزاء عليه ويقاس عليه جميع المحظورات، وقال تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (2)، وقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (3).
(1)
قوله (وَسَائِرُ الْمَحْظُوْرَاتِ لا شَيْءَ فِيْ سَهْوِهِ):
أي وسائر المحظورات من لبس وتغطية رأس وطيب لا فدية على من فعلها نسياناً للأدلة التي ذكرناها آنفاً.
- فائدة (1): من ترك واجباً من واجبات الحج جهلاً أو نسياناً:
فقد اختلف فيه الفقهاء هل عليه شيء أم لا؟ وسيأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله.
فائدة (2): لو احتاج المحرم إلى لبس مخيط لبرد شديد
: فله أن يلبس ما يدفئه وعليه الفدية.
فائدة (3): من احتاج إلى لبس مخيط لمصلحة غيره كالجندي
الذي يلبس=123
وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ (1)
= ملابسه الرسمية: فالحاجة هنا تتعلق بها مصالح الحجيج جميعاً إذ لو عمل الجندي بدون اللباس الرسمي لما أطاعه الناس وصار في الأمر فوضى، ولكن إذا لبس ملابسه صار له هيبة، فله لبس ذلك.
وهل يلزمه فدية؟
نقول يلزمه فدية احتياطاً، ولو قيل بعدم لزومها لكان لذلك وجه لأمرين:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط المبيت عن الرعاة بمنى والمبيت بمنى واجب من واجبات الحج وأسقطه عنهم لمصلحة الحجاج، وكذلك رخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحجاج، وسقاية الحجاج أعلى حاجة من حفظ الأمن وتنظيم الناس.
الثاني: أننا لم نقطع بوجوب الفدية في لبس المخيط وإنما قاس الفقهاء ذلك على حلق الرأس.
(1)
قوله (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ):
لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 1، وقوله تعالى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 2.
والهدي هنا المراد به: هدي التمتع والقران، أو ما كان فدية لترك واجب، أو ما يهديه الإنسان تطوعاً للبيت، أما فدية فعل المحظور فسيأتي بيانها قريباً.
وقوله (أَوْ إِطْعَامٍ) كإطعام ستة مساكين في فدية الأذى أو إطعام مساكين في جزاء الصيد وما شابه ذلك فهو لمساكين الحرم.
لاَّ فِدْيَةَ الأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِيْ حَلَقَ فِيْهِ (1) قوله (فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ): وهنا
مسألتان
:
الأولى: من هم مساكين الحرم؟
وهل يشترط أن يكونوا من أهل مكة؟ نقول المراد بهم من كانوا داخل حدود الحرم داخل مكة أو خارجها، ولا يشترط أن يكونوا من أهل مكة، فمن كان آفقياً فقيراً جاز إعطاؤه من الهدي.
الثانية: هدي التمتع والقران هو هدي شكران فيجوز لصاحبه أن يأكل منه
وكذا هدي التطوع، بل له أن يتزود منهما قال تعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (1)، فحكمها حكم الأضحية يأكل منها ويهدي، لكن يجب أن يتصدق على مساكين الحرم.
(1)
قوله (إِلاَّ فِدْيَةَ الأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِيْ حَلَقَ فِيْهِ):
أي تكون حيث وجد سببها ولا يجب أن تكون في الحرم وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر كعب ابن عجرة لمَّا رخص له بحلق رأسه أن يذبح شاة أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين كان كعب بالحديبية 2 ولو كانت تجب بالحرم لأمره بذلك.
وفدية الأذى كما مر كفدية حلق شعر أو لمس طيب أو لبس مخيط ونحو ذلك، وله تفريقها في الحرم.1
وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ (1)، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ (2). (1)
قوله (وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ):
مرَّ بنا معنى الإحصار وقلنا بأن الإحصار هو المنع، أي أن يمنع من أراد الحج من أداء النسك، وهذا يجب عليه هديٌ إذا لم يشترط، قال تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (1) وحكم هذا الهدي واجب، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4) للآية السابقة.
وذهب المالكية (5) إلى أنه - أي المحصر - له أن يتحلل بالنية فقط ولا يجب عليه ذبح هدي، بل هو سنة وليس بشرط.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور للآية السابقة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صُدَّ عن البيت عام الحديبية لم يحل ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدي.
- فائدة: هل المراد بالحرم أن يكون ذبحاً وتفريقاً أو ذبحاً فقط أو تفريقاً فقط؟ الجواب: المراد به الأول أي ذبحاً وتفريقاً، فتذبح في الحرم وتوزع على فقراء الحرم، فمن وزع خارج الحرم أو ذبح في الحرم ووزعه خارج الحرم لم يجزه ويلزمه ذبح مثله في الحرم وتفريقه فيه.
(2)
قوله (وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ):
لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلم يخصص بمكان معين ولكن تجب المبادرة إليه.12345
بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ (1) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا (2) (1)
قوله (بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ):
أي متى وكيف ومن أين يدخل الحاج والمعتمر مكة.
(2)
قوله (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا):
أي من الجهة الشرقية من عند مقبرة المعلاة من جهة الحجون.
لكن هل يلزم أن يتعمد ذلك؟ أم أنه إذا كان طريقه من أعلاها فالأفضل أن لا يعدل عنه؟
نقول: السنة دخول مكة من أعلاها كما ذكر المؤلف لحديث ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى) 1.
وهذا قول أكثر أهل العلم أي يستحب دخول مكة من أعلاها سواء كانت في طريقه أو لم تكن.
وقال جماعة من العلماء يستحب دخول مكة من الثنية العليا إذا كانت في طريقه، وإذا لم تكن في طريقه فلا يستحب تقصدها لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتقصدها وإنما دخل منها لكونها من طريقه.
والأظهر عندي: أنه يفعل الأيسر له؛ فإن كان في دخوله من أعلاها أيسر سن له دخولها من أعلاها، وإن كان في دخوله من غيرها يعني الثنية العليا أيسر له دخل منه هذا هو الأفضل في حقه.
باب دخول مكة
من الثنية العليا والخروج منها (2203).
وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (1)، فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا (2)، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا (3) (1)
قوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم):
احتج
لذلك المؤلف بما رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله (أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ ارْتَفاعَ الضُّحَى وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابَ بَنِي شَيَّبَةَ ثُمَ دَخَلَ) (1)، والحديث فيه ضعف.
ولذا نقول: يدخل المحرم الحرم من حيث شاء، وليس في ذلك سنة ثابتة، ولو صح هذا الحديث لحمل على أن هذا حصل من باب الموافقة وليس تقصداً منه صلى الله عليه وسلم.
وقوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ) هذا الباب لا وجود له الآن، فقد أزيل بعد توسعة المطاف.
(2)
قوله (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا):
هذا إذا صح الدليل الوارد في ذلك، لكن الآثار الواردة في ذلك لم تصح، ولذا نقول الأقرب عدم سُنِّية ذلك لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
قوله (ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا):
أي إذا وصل المحرم إلى الكعبة فإنه يبدأ بالطواف إن كان معتمراً أو متمتعاً، وهذا لفعله صلى الله عليه وسلم هذا ما لم تحضر الصلاة فيقدم الفريضة على الطواف، وكذلك لو شرع في الطواف فيقف لأجل الصلاة.
أما إذا دخل المسجد ولم تحضر الصلاة فليبدأ بالطواف لأن تحية المسجد =1
أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (1) وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ (2) = الحرام الطواف، دليل ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت (.. أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) (1)، أما إذا أراد عدم الطواف فلا يجلس حتى يصلي تحية المسجد.
(1)
قوله (أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا):
هذا الطواف سنة عند أكثر أهل العلم (2)، وجاء عن الإمام مالك (3) رحمه الله أن من تركه يجبره بدم.
والصحيح: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم لحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بطواف القدوم بل قال له (مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاةَ - يَعْنِي صَلاةَ الْفَجْرِ - بِجَمْعٍ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) (4).
لكن متى شقَّ على الإنسان وبخاصة الذين يأتون من أماكن بعيدة يشق عليهم هذا العمل ويريدون أن يذهبوا إلى أماكنهم ليستريحوا قليلاً وليضعوا أمتعتهم فلا حرج لأن هذا من باب السنن.
(2)
قوله (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ):
هذا أول ما يسن فعله عند طواف العمرة أو القدوم للقارن والمفرد وهو الاضطباع، وصفته كما سيذكره المؤلف أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، فيكون الأيمن =1234
فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ (1)، وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ (2) = مكشوفاً على هيئة أرباب الشجاعة إظهاراً للجلادة في مقام العبادة، ودليل الاضطباع ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من جعرانه فاضطبعوا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ووضعوها على عواتقهم ثم رملوا) (1).
- فائدة: يخطئ كثيرٌ من الحجاج حيث يفعلون الاضطباع من حين إحرامهم إلى أن تخلع ثياب الإحرام، والصواب في ذلك أن الاضطباع إنما يكون في طواف القدوم أو طواف العمرة لمن كان معتمراً أو متمتعاً ثم يتركه عند انتهائه من طوافه.
(1)
قوله (فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ):
هذه هي صفة الاضطباع التي تم ذكرها.
(2)
قوله (وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ):
استلام الحجر وتقبيله سنة ومعنى استلام الحجر تناوله باليد، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن استلام الحجر فقال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ) (2)، لكن هذا مشروط بعدم المزاحمة وأذية الناس وإلا فقد يصير مُحَرَّماً إذا أدى إلى المزاحمة وأذية الناس.
فائدة (1): إذا لم يستطع الاستلام والتقبيل استلمه بيده وقبل يده
، فإن شق عليه ذلك لمسه بعصا أو غيرها وقبَّل طرفها، فإن شق ذلك أشار إليه بيده =12
وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ (1) اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم (2)
= ولا يقبلها.
فخرج من هذه الفائدة أن صفات الاستلام أربعة:
الأولى: وهي أفضلها أن يستلمه بيده ويقبله.
الثانية: أن يستلمه بيده ويقبل يده مع عدم الأذية.
الثالثة: استلامه بعصا مع تقبيلها وهذا في حق الراكب.
الرابعة: الإشارة إليه مع عدم التقبيل.
فائدة (2): كيفية الإشارة
: هل الإشارة كما يفعل العامة برفع أيديهم مع التكبير كما يفعلون في الصلاة؟
الجواب: لا؛ بل الإشارة باليد اليمنى، كما أن المسح للحجر يكون باليد اليمنى.
ولكن هل تشير وأنت ماشي والحجر على يسارك أم تستقبله؟
الجواب: الظاهر أنه عند الإشارة يستقبله، لأن الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلاً له بالضرورة، لكن إن شق عليه الاستقبال لكثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشي.
(1)
قوله (وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ):
أي ويقول عند بداية الطواف ومحاذاته الحجر الأسود بسم الله، الله أكبر.
(2)
قوله (اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم):
هذا إذا صح الحديث الوارد في ذلك، لكن الحديث فيه ضعف فلا يشرع هذا الذكر فيكتفي المحرم عند طوافه بقول (بسم الله؛ الله =
ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِيْنِهِ (1) وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ (2) فَيَطُوْفُ سَبْعًا (3)، يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَيَمْشِيْ فِيْ الأَرْبَعَةِ الأخرى (4) =أكبر، ولا يزيد عن مرة واحدة كما يفعله بعض الناس.
(1)
قوله (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِيْنِهِ):
أي إذا حاذى الحجر واستلمه وقبله فإنه يأخذ ذات اليمين كما جاء ذلك في صحيح مسلم (1) عن جابر رضي الله عنهما.
(2)
قوله (وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ):
وهذا ثابت من فعله صلى الله عليه وسلم وهو القائل لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (2)، وعن جابر رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) (3). (3)
قوله (فَيَطُوْفُ سَبْعًا):
أي سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود شوط وهكذا حتى يتم سبعة أشواط كما جاء ذلك في حديث جابر المتقدم، وتكون هذه السبعة كاملة لا تقل، لو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح، كما لو نقص شيئاً من الصلاة الرباعية أو الثلاثية أو الثنائية فإنها لا تصح.
لكن
هل يلزم محاذاة الخط الموضوع لذلك؟
الصواب: أنه لا يلزم، بل يكفي المحاذاة للحجر فمتى حاذاه انتهى شوطه، هذا إن كان موجوداً أما الأن فقد أزيل.
(4)
قوله (يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَيَمْشِيْ فِي الأَرْبَعَةِ الأخرى): وذلك لحديث جابر المتقدم، وهذا هو الأمر الثاني الذي يسن =123
..................................
=فعله في الطواف، فالأول هو الاضطباع وقد سبق والثاني الرَّمل.
والرَّملُ: بفتح الراء والميم وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى من غير وثب.
وللرمل أحكام تخصه ومن هذه الأحكام:
1 - سبب مشروعيته: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) 1، ومعنى الإبقاء عليهم الشفقة عليهم.
فدل الحديث على أن الحكمة في الرمل هو إغاظة الكافرين حيث ظنوا أن محمداً وأصحابه أعيتهم حمى يثرب وأضعفتهم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالرَّمل من أجل تخييب ظنهم الفاسد وإغاظتهم وخزيهم.
2 - أن الرمل إنما يكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط.
3 - أن الرمل إذا ترك في الثلاثة الأشواط الأولى لم يقضه في الأربعة الباقية لأنها عبادة فات محلها ولئلا يغير هيئة الطواف.
4 - أن من استطاع أن يرمل في شوط أو شوطين من الثلاثة الأولى فعل.
5 - الرمل مع بُعدٍ من البيت أولى من تركه مع قرب للزحام لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها.
6 - هل يكون الرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود أم يشرع المشي=
..................................
=بين الركن اليماني والحجر الأسود؟
على قولين؛ فقيل: يمشي ما بين الركنين لحديث ابن عباس المتقدم.
وقيل: بل يرمل في الشوط كله وذلك لحديث جابر رضي الله عنهما (فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) 1، وفي رواية (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) 2، وأيضاً حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ.. ) 3، ومعنى يخبّ أي يسرع في المشي.
فقالوا هذه الأدلة تدل على أن رمل الأشواط الثلاثة يكون من الحجر إلى الحجر فيكون ناسخا لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، ودليل النسخ أن حديث ابن عباس في عمرة القضاء في ذي القعدة في سنة سبع أما حديثا جابر وابن عمر - رضي الله عنهما - فإنما كانا في حجة الوداع.
وهذا هو الأصح عندي؛ فيرمل في طواف القدوم، وكذا طواف العمرة في الثلاثة الأشواط الأولى من الحجر إلى الحجر وهذا عمل الصحابة رضي الله عنهم.
7 - مشروعية الرمل باقية وإن كان السبب وهو إغاظة المشركين قد زال تأسياً
واقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن في ذلك تذكيراً بنعمة الله تعالى وهي الأمن =
وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ (1)
=بعد الخوف لشكر الله عليها.
8 - هل للنساء أن ترمل؟
الجواب: الرمل مشروع في حق الرجال دون النساء ومثله الرمل في السعي كما سيأتي في آخر هذا الباب.
9 - أن الرمل إنما يشرع للأفاقين أي الذي أحرم من بعيد عن مكة وليس بشرط أن يكون بينه وبينها مسافة قصر بل فمن أحرم من قرن المنازل أو يلملم أو الجحفة أو ذات عرق أو من ذي الحليفة فإنه يرمل، أما من كان بمكة فإنه لا يرمل.
10 - الرمل ليس هو هز الكتفين كما يفعله بعض الجهال، بل الرمل هو المشي بقوة ونشاط بحيث يسرع لكن لا يمد خُطْوَه.
11 - إذا كان بحصول الرمل يحصل أذية للمسلمين فلا يشرع، بل يجب على المسلم تركه لأن فعله سنة وأذية الناس مُحَرَّمة فلا تشرع سنة تحصل بها أذية للناس.
(1)
قوله (وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ):
أي كلما صار بحذاء الركن اليماني والحجر الأسود فإنه يقول (الله أكبر لا إله إلا الله).
أما التكبير عند محاذاة الحجر الأسود فقد ورد ذكره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ) 1، وفي رواية (طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ=
وَيَقُوْلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (1)
= إلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ) (1).
وأما التكبير عند محاذاة الركن اليماني فليس له أصل، بل الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلمه ولم ينقل أنه كان يكبر عنده.
أما زيادة (لا إله إلا الله) كما ذكر المؤلف هنا بقوله (وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ) فلم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع.
فالصواب في هذه المسألة: أن المشروع في حق من يطوف استلام الحجر والتكبير عنده واستلام الركن اليماني إن استطاع وإلا فلا يشرع التكبير له (يعني الركن اليماني) ولا قول (لا إله إلا الله).
(1)
قوله (وَيَقُوْلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾): أي مما يشرع فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود أن يدعو الحاج أو المعتمر بهذا الدعاء ولا يزيد عليه (وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار)، لأن هذه الزيادة لم تثبت لكن إن دعا بها مع علمه أنها ليست بسنة وإنما هي دعاء فقط فلا حرج.
وحسنة الدنيا هي ما تحسن به أحوالنا من صحة، وسلامة، وأهل، ومال، وذكر حسن، وحسنة الآخرة أي ما تحسن به أحوالنا في تيسير الحساب، وتخفيف الأهوال، ودخول الجنة، والنظر إلى وجه الله الكريم، (وقنا عذاب النار) اجعل لنا وقاية منه ومن أسبابه.1
وَيَدْعُوْ فِيْ سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ (1)، ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ (2)، وَيَعُوْدُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ (3) (1)
قوله (وَيَدْعُوْ فِيْ سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ):
أي في سائر الطواف بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، أما جعل أدعية معينة لكل شوط أو جعل ذكر معين في الطواف غير ما سبق فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هذا مما أحدثه الناس، ومن ذلك ما يقوم به بعض الناس من الدعاء في أثناء الطواف ويتابعه فيه واحد أو أكثر ممن يطوف معه، وهذا فيه نوع أذية للمسلمين بسبب التشويش عليهم.
(2)
قوله (ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ):
لقوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (1)، وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ.. ) (2)، فإن لم يتيسر أن يصليهما خلف المقام صلاهما في أي مكان من المسجد الحرام، أما ما نراه من بعض الناس ممن يصليها خلف المقام مع شدة الزحام وأذية الناس فهذا لا يجوز فعله لما فيه من أذية الناس والتضييق على من يطوف بالبيت.
(3)
قوله (وَيَعُوْدُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ):
أي بعد أن يصلي ركعتي الطواف يسن له أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، وقوله (ويعود إلى الركن) المراد بالركن هنا هو الحجر الأسود فإنه يطلق عليه هو والركن اليماني (الركنان اليمانيان) لأنهما من جهة اليمن.12
.................................. أما دليل ما ذكره المؤلف فهو حديث جابر رضي الله عنهما وفيه (.. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ.. ) (1)، فمتى انتهى من صلاة الركعتين عاد إلى الحجر الأسود واستلمه بيده إن تيسر له ذلك وإلا تركه ومضى ولا يسن في هذه المرة تقبيله ولا الإشارة إليه.
ذكر بعض المسائل المتعلقة بالطواف
:
الأولى: سنن الطواف:
(استلام الحجر - وتقبيله - ما يقوم مقام الاستلام - استلام الركن - الاضطباع - الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى - الدعاء - الذكر - الدنو من البيت - ركعتا الطواف).
الثانية: قال بعض العلماء كل طواف بعده سعي: يسن أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، والاستلام بعد الطواف تحية للسعي وتوديع للحجر.
الثالثة: الاحتياط فيما ثبتت به السنة لزومها وما زاد عليها فهو بدعة: مثل الزيادة على الطواف بأن يطوف قبل الحجر الأسود في الشوط الأول.
الرابعة: جهة الحجر والباب أشرف جهات الكعبة، والبيوت تؤتى من أبوابها.
الخامسة: تحية الكعبة الطواف، وتحية المسجد الركعتان.
السادسة: يستلم الحِجْر الأسود والركن اليماني لأنهما على قواعد إبراهيم.
السابعة: لا تشرع البسملة إلا عند بداية الطواف فقط.
الثامنة: يشترط لصحة الطواف ما يلي: (النية - ستر العورة - الطهارة من =1
..................................
= الحدث في أصح قولي العلماء - الطهارة من النجاسة - إتمام سبعة أشواط - جعل البيت عن يساره - لا يطوف على شيء من البيت كالشاذروان - الطواف داخل المسجد - الموالاة بين الأشواط - البداية من الحجر الأسود).
التاسعة: من ترك شيئاً من الطواف ولو خطوة واحدة أو شبراً واحداً فإنه لا يصح، فإن ذكره في أثناء الطواف فإنه يلغي الشوط الذي ترك فيه ذلك ويقع ما بعده بدلاً منه.
العاشرة: من شك في عدد الأشواط فإنه يُنظر هل الشك في أثناء العبادة أم بعد الفراغ منها؟
فإن كان بعد الفراغ فلا عبرة بالشك لأن الشك بعد الفراغ من العبادة لا تأثير له.
أما إن شك في أثنائها هل يبني على اليقين أم على غلبة الظن؟
قولان للفقهاء؛ والصحيح أنه يعمل بغلبة الظن كالصلاة.
مثال ذلك: في أثناء الطواف شك هل طاف خمسة أشواط أو ستة أشواط فإن كان الشك متساوي الأطراف جعلها خمسة لأنه المتيقن، وإن ترجح أنها خمسة جعلها خمسة، وإن ترجح أنها ستة فمن العلماء من يقول يعمل بذلك ويجعلها ستة، ومنهم من يقول يبني على اليقين ويجعلها خمسة، والصحيح أنه يعمل بغلبة الظن فيجعلها ستة ويأتي بالسابع.
الحادية عشرة: من قطع طوافه للصلاة بدأَ من حيث انتهى ولا يلزمه العود إلى أول الشوط في أصح قولي العلماء، وإن بدأ من أول الشوط خروجاً من الخلاف فلا بأس إن شاء الله لما فيه من الاحتياط.
ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ (1) فَيَأْتِيْهِ (2) فَيَرْقَى عَلَيْهِ (3) وَيُكَبِّرُ اللهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيَدْعُوْهُ (4)
الثانية عشرة: يجوز لحامل الطفل أن ينوي الطواف والسعي عنه وعن الطفل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألت المرأة عن الطفل فقالت يا رسول صلى الله عليه وسلم ألهذا حج؟ قال نعم ولكِ أجر.
ولم يأمرها أن تخصه بطواف أو سعي، فدل ذلك على أن طوافها وسعيها به يجزئ عنهما.
(1)
قوله (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ):
أي ثم يخرج من المسجد الحرام إلى الصفا من باب الصفا لأنه أيسر له.
وهذا في السابق حينما كان المسعى منفصلاً عن المسجد الحرام، وأما الآن فليس بينهما باب لكن يخرج من جهة الصفا.
(2)
قوله (فَيَأْتِيْهِ):
أي ثم يأتي إلى الصفا.
(3)
قوله (فَيَرْقَى عَلَيْهِ):
حتى يرى البيت ويقول إذا دنا من الصفا ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (1) أبدأ بما بدأ به الله.
(4)
قوله (وَيُكَبِّرُ اللهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيَدْعُوْهُ):
أي إذا رقى على الصفا كبر الله تعالى ثلاثاً وهلله، أي قال (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده)، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم... يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة، ثم ينزل متجهاً إلى المروة.
هذا ما رواه عنه جابر رضي الله عنهما في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم1
ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ إِلَى العَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الآخَرِ (1)، ثُمَّ يَمْشِيْ إِلَى الْمَرْوَةِ (2) فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا (3)، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ فِيْ مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِيْ مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ (4) (1)
قوله (ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ إِلَى العَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الآخَرِ):
أي ثم ينزل من على الصفا فيمشي إلى بداية العلم الأخضر الموجود في بداية الوادي، فإذا رأى العلامة الخضراء ركض بقدر ما يستطيع إلى أن يصل إلى العلامة الثانية التي هي علامة على نهاية الوادي.
ودليل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعن جابر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (.. نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) (1)، وهذا الحكم في حق الرجل أما المرأة فلا يشرع لها لأنها مأمورة بالستر.
(2)
قوله (ثُمَّ يَمْشِيْ إِلَى الْمَرْوَةِ):
وهو الجبل المعروف في نهاية المسعي.
(3)
قوله (فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا):
أي يفعل عليها من الذكر والدعاء ورفع اليدين كما فعل على الصفا.
(4)
قوله (ثُمَّ يَنْزِلُ، فَيَمْشِيْ فِيْ مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِيْ مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ):
أي يفعل كما فعل في الشوط الأول.
و
هل يصعد في كل شوط حتى يصل إلى أعلى الصفا
أو إلى أعلى المروة؟ نقول: الذي يجب استيعابه حده حد الممر الذي جعل ممراً للعربات، وأما بعد مكان الممر فإنه من المستحب وليس من الواجب، فلو أن الإنسان اختصر سعيه من حد ممر العربات لأجزئه.1
يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً (1)
قوله (حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) وذلك لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وفيه (.. فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ.. ) (1)، وهذا أمر مجمع عليه.
ولا يتحقق السعي بدون سبعة أشواط يقطعهما بين الصفا والمروة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول عامة السلف والخلف.
وقال الحنفية (2) يكفي لإسقاط الواجب أربعة أشواط لأنها أكثر السعي وللأكثر حكم الكل.
لكن إن سعى أقل من سبعة أشواط فعليه دم عندهم لأنه لم يؤد الواجب.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور فيجب عليه العود لأداء ما نقص ولو كان يسيراً ولا يتحلل من إحرامه إلا بذلك.
(1)
قوله (يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً):
وحكي عن بعض الشافعية 3، وكذا ابن جرير 4 أنهم قالوا ذهابه ورجوعه سعيه، وهذا غلط لأن جابر رضي الله عنهما قال (.. ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا.. ) فلما كان آخر طوافه على المروة قال (.. لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً.. ) 5، فلو كان على ما ذكروه لكان آخره عند الصفا في الموضع الذي بدأ منه.12
يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ (1)، ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا (2) وَقَدْ حَلَّ (3)، (1)
قوله (يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ):
لقوله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (1)، قال صلى الله عليه وسلم (نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) (2).
فائدة: لكن إن خالف وبدأ بالمروة قبل الصفا فهل يجزئه؟
الجواب: لا يجزئه كما لو بدأ بالسجود في الصلاة قبل الركوع ولقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (3)، فلو بدأ بالمروة وانتهى بالصفا يسقط هذا الشوط الذي بدأه ويلغيه.
(2)
قوله (ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا):
فيه دليل على أن المستحب في حق المتمتع إذا حل من عمرته التقصير ليؤخر الحلق إلى الحج.
دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يقصروا، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (.. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ.. ) (4). أما إذا كان معتمراً فقط دون حج فالأفضل في حقه الحلق.
(3)
قوله (وَقَدْ حَلَّ):
أي حل من عمرته فقد حل له كل شيء حتى النساء، فإذا ساق الهدي لزم في حقه القرَان.1234
إِلاَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ (1) وَالْمُفْرِدَ، وَالْقَارِنَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ (2)، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّهَا لا تَرْمُلُ فِيْ طَوَافٍ وَلا سَعْيٍ (3) (1)
قوله (إِلاَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ):
أي فإنه لا يحل بل يستمر على إحرامه حتى ينحر هديه يوم العيد.
(2)
قوله (وَالْمُفْرِدَ، وَالْقَارِنَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ):
أي وكذلك القارن والمفرد فإنهما لا يحلان من إحرامهما، بل يستمران على إحرامهما حتى يرميا جمرة العقبة يوم العيد، دليل ما ذكرناه ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) (1). (3)
قوله (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّهَا لا تَرْمُلُ فِيْ طَوَافٍ وَلا سَعْيٍ):
أي المرأة في جميع الأحكام التي ذكرها المؤلف كالرجل لا يستثنى منه شيء إلا الرمل، وهو كما ذكرنا إسراع المشي مع تقارب الخطى من غير وثب.
وهذا الحكم يعني الرمل سنَّة في حق الرجال، ولأن الأصل في مشروعية الاضطباع إظهار الجلد والقوة وذلك غير مقصود في حقهن، ولأن النساء يقصد فيهن الستر وفي الرمل والاضطباع تعرض للانكشاف.
قال ابن المنذر 2: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة.1