، وبعضهم بكتاب المناسك، وهي جمع منسك.
والمقصود بها شعائر الحج من إحرام، وطواف، وسعي، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ومنى، وغيرها.
..................................
= (رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) 1، وفي رواية عند الترمذي بلفظ (مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) 2.
ومعنى الرفث: الجماع أو التعرض للنساء به أو ذكره بحضرتهن، والفسوق: المعاصي كلها.
فمتى تجنب الحاج ذلك رجع كيوم ولدته أمه.
3 - ومن فضائله ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ) 3.
ومعنى المبرور: الذي لا معصية فيه، والذي وفيت أحكامه فوقع موافقاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
4 - ومن فضائله أيضاً ما رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ قَالَ لا لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) 4.
وروي عنها بلفظ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ نَعَمْ عَلَيْهِنَّ=
.................................. =جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) 1. 5 - ومن فضائله أيضاً ما جاء في دنو الباري سبحانه وتعالى يوم عرفة من حجاجه ومباهاته بهم الملائكة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ) 2. 6 - ومن فضائله ما رواه الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلا الْجَنَّةُ) 3. ثانياً: الحكمة في مشروعية الحج: شرع الله تعالى العبادات لإظهار عبودية العبد لربه ومدى امتثاله لأمره، ولكن من رحمة الله تعالى أن هذه العبادات لها فوائد وحكم وأسرار تدركها العقول الصحيحة وقد لا يدركها العبد وتبقى فيها الحكمة الإلهية وهو ما يعبر عنه بعض الفقهاء بالحكمة التعبدية، ومن نظر إلى الحج وما أعده الله فيه من أسرار وحكم وجد ذلك جلياً، ومن هذه الحكم:
..................................
1 - أن فيه إظهار التذلل لله تعالى وذلك حينما يرفض الحاج أسباب الترف والتزين ويلبس ثياب الإحرام مظهراً فقره لربه، ويتجرد عن الدنيا وشواغلها التي تصرفه عن خلوصه لمولاه، فيتعرض لذلك لمعرفته ورحمته.
2 - أن فريضة الحج فيها إظهار شكر نعمة المال وسلامة البدن وهما من أعظم ما تمتع به الإنسان من نعم الدنيا وذلك حينما يجهد الإنسان نفسه وينفق ماله في طاعة ربه والقرب إليه سبحانه وتعالى.
3 - ومن حكمه أنه يجتمع فيه المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم ومهوى أفئدتهم، فيتعرف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً هناك حيث تذوب الفروق بين الناس، فوارق الغنى والفقر، فوارق الجنس، اللون، فوارق اللسان واللغة.
4 - أن الحج رحلة كريمة ينتقل فيها المسلم ببدنه وقلبه في المناسك، وهو غذاء روحي يظهر فيه محض الإتباع والإقتداء.
ثالثاً: فائدة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ 1: وصف الله تعالى بيته بخمس صفات:
1 - أنه أسبق بيوت العالم وُضِع في الأرض.
2 - أنه مبارك والبركة كثرة الخير ووفرته.
3 - أنه هدى للعالمين والوصف بالمصدر للمبالغة.
4 - فيه من الآيات البيِّنات الشيء الكثير.
يَجِبُ الْحَجُّ وَالعُمْرَةُ (1)
5 - أنه يتحقق فيه الأمن لداخله.
رابعاً: اختلف العلماء في السَنَةِ التي فُرض فيها الحج؛ فقيل في سنة خمس، وقيل في سنة ست، وقيل في سنة تسع، وقيل في سنة عشر، وأقربها إلى الصواب: القولان الأخيران، وأنه فرض في سنة تسع أو سنة عشر.
(1)
قوله (يَجِبُ الْحَجُّ وَالعُمْرَةُ):
الحج واجب بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، بل هو ركن من أركان الإسلام الخمسة، ودليل وجوبه وركنيته من الكتاب قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ 1. فهذه الآية نص في ثبوت فرضيته حيث عبَّر القرآن بصيغة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾، وهي صيغة إلزام وإيجاب.
ودليل فرضيته من السنة: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) 2.
ومن الإجماع 3: فقد أجمعت الأمة على وجوب الحج في العمر مرة على المستطيع، وهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن أنكر أو جحد فرضيته فإنه يكفر.
وقوله (وَالعُمْرَةُ): العمرة بضم العين وسكون الميم.
..................................
لغة: الزيارة أو القصد.
واصطلاحاً: زيارة بيت الله الحرام تعبداً لله على وجه مخصوص لأداء المناسك من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير.
وقد اختلف الفقهاء في وجوب العمرة:
فالحنفية 1، والمالكية 2، وهو رواية في مذهب أحمد 3، وهو قول لشيخ الإسلام 4 كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف عنه أن العمرة سُنَّة وليست بواجبة.
وذهب الشافعية 5 في المشهور عندهم، والحنابلة 6 أن العمرة واجبة.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار اللجنة الدائمة 7.
وقد اختلف من قال بالوجوب بوجوب العمرة على أهل مكة:
ففي رواية عن الإمام أحمد 8 أنها لا تجب على المكي وتجب على الأفاقي، واختار هذه الرواية الخرقي، وابن قدامة 9، وشيخ الإسلام 10 رحمهم الله.
وقيل بوجوبها مطلقاً على المكي والأفاقي، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد، واختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين 11.=
مَرَّةً فِي الْعُمُرِ (1)، عَلَى الْمُسْلِمِ (2)، =واختيار اللجنة الدائمة (1) وذلك لأن نصوص الكتاب والسنة عامة لم تخصص بعض الناس ولا دليل يدل على خروج بعض الأفراد من الحكم العام.
(1)
قوله (مَرَّةً فِي الْعُمُرِ):
أي يجب الحج والعمرة مرة واحدة في العمر إلا لمن نذر ذلك فيلزمه الوفاء، ودليل كونهما واجبين في العمر مرة واحدة قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (2) فقد أطلق الله تعالى الحكم.
وكذلك من السنة قوله صلى الله عليه وسلم (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ) (3).
وقد أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (4).
(2)
قوله (عَلَى الْمُسْلِمِ):
بدأ المؤلف ببيان شروط وجوب الحج وهذه الشروط تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط للوجوب والصحة: وهي الإسلام والعقل؛ فلا يصح الحج من الكافر ولا المجنون.
القسم الثاني: شروط للوجوب والإجزاء: وهي البلوغ والحرية وليس ذلك=1234
الْعَاقِلِ (1)، الْبَالِغِ (2)،
=بشرط للصحة فمتى حج الصبي والعبد صح حجهما ولم يجزئهما عن حجة الإسلام كما هو المذهب وسيأتي الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.
القسم الثالث: شرط للوجوب فقط وهو الاستطاعة، فلو حجَّ غير المستطيع بالمال والبدن فإن حجَّه صحيح ومجزئ.
وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
وقوله (عَلَى الْمُسْلِمِ): أي يشترط فيمن أراد الحج الإسلام لأن الكافر لا تصح منه العبادات، فالإسلام شرط لكل عبادة.
(1)
قوله (الْعَاقِلِ):
هذا هو الشرط الثاني من شروط وجوب الحج فلا بد أن يكون عاقلاً لأن العقل شرط التكليف والمجنون ليس مكلفاً بفروض الدين، بل لا تصح منه إجماعاً لأنه ليس أهلاً للعبادة، ولأن العبادة مفتقرة إلى نية، والمجنون لا نية له، لكن إن شفي وعفي من جنونه وجبت عليه حجة الإسلام.
(2)
قوله (الْبَالِغِ):
هذا هو الشرط الثالث؛ فلا بد من البلوغ لأن الصبي ليس بمكلف، لكن لو حج الصبي وهو لم يبلغ صح حجَّه، لما رواه مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ (نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ) 1.
وقد ذكرنا سابقاً ما يحصل به البلوغ، وهي أمور: ثلاثة للذكور، وأربعة للإناث متى حصل واحد منها فقد بلغ الذكر والأنثى.
فللذكور الإنزال، ونبات العانة، وتمام خمس عشرة سنة.=
الْحُرِّ (1)، إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً (2)،
=وللإناث هذه الثلاثة، وزيادة أمر رابع وهو الحيض.
ودليل شرط البلوغ: ما رواه أبو داود وغيره من حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) (1).
(1)
قوله (الْحُرِّ):
فالعبد المملوك لا يجب عليه الحج لأن وقته ملك لسيده، ولأن الاستطاعة شرط ولا تتحقق إلا بملك الزاد والراحلة، والعبد لا يملك ذلك.
لكن لو أذن له سيده بالحج صح حجه وهل تجزئه عن حجة الإسلام قولان لأهل العلم سيأتي بيان ذلك قريباً - إن شاء الله -.
(2)
قوله (إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً):
هذا هو الشرط الخامس وهو الاستطاعة قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (2). و
شروط الاستطاعة قسمان
:
قسم عام يشترك فيه الرجال والنساء، وقسم تختص به النساء دون الرجال.
أما القسم الأول: وهو القسم العام الذي يشترك فيه الرجال والنساء؛ فيشترط للاستطاعة أمور ثلاثة وهي: (الزاد والراحلة - صحة البدن - أمن الطريق)
أما القسم الثاني: وهو القسم الخاص بالنساء؛ فيشترط للمرأة وجود المحرم الأمين عند حجها، وألا تكون محادَّة، وسيتم بيان ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى.12
وَالاِسْتِطَاعَةُ أَنْ يَجِدَ زَادًا، وَرَاحِلَةً بِآلَتِهِمَا، مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ (1)، فَاضِلاً عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ (2)، (1)
قوله (وَالاِسْتِطَاعَةُ أَنْ يَجِدَ زَادًا، وَرَاحِلَةً بِآلَتِهِمَا، مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ):
بدأ المؤلف ببيان الاستطاعة وحدَّها بأمور منها:
1 - أن يجد زاداً؛ والزاد هو ما يُتزود به في السفر من طعام وشراب وغير ذلك من حوائج السفر بلا إسراف ولا تقتير.
2 - الراحلة؛ وهي ما يرتحله الإنسان من مركوب من إبل وحُمر وسيارات وطائرات وسفن وغيرها، لكن اشترط فيها المؤلف شرطاً وهو أن تصلح لمثله، إما بشراء أو كراء لذهابه ورجوعه، ويجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله.
والذي يظهر أنه لا يشترط إلا ما يوصله فقط لعموم قوله تعالى ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (1)، فإنه يشمل من أمكنه السفر لسفر على راحلة لا تصلح لمثله، وبزاد لا يصلح لمثله، وهذا هو مذهب المالكية (2).
وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين (3): وهذا أقرب إلى الصواب ولا عبرة بكونه يفقد المألوف من مركوب أو مطعوم أو مشروب فإن هذا لا يُعدُ عجزاً.
(2)
قوله (فَاضِلاً عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ):
ذكر المؤلف هنا بعض خصال الحاجة الأصلية التي يجب على من أراد الحج أن يراعيها، فبدأ بقضاء الدين الذي عليه، لأن الدَّين من حقوق العباد وهو من حوائجه الأصلية فهو آكد.
وحج المدين له حالات:123
..................................
الحالة الأولى: أن تكون قيمة الحج تغطي ديونه، فالواجب عليه أن يقضي الديون لأنه في هذه الحالة غير مستطيع فيسقط عنه الحج.
الحالة الثانية: أن تكون قيمة الحج لا تغطي شيئاً من الدين، كأن تكون قيمة الحج ثلاثة آلاف مثلاً والذي عليه من الديون ثلاثمائة ألف ريال مثلاً، فقد قال بعض العلماء أنه يحج لأن الحج مجلبة للرزق كما جاء في حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) 1. والأظهر والله أعلم أنه لا يحج؛ وعليه أن يؤدي ما عليه من دين، وإن كان ما يملكه يسيراً لأنه متى أدى ولو جزءاً يسيراً من الدين فإنه بذلك يكون قد أسقط عنه جزءاً من الدين.
- فائدة (1): لو أن صاحب الدين أذِنَ للمدينِ بالحجِ فهل يكون قادراً؟ الجواب: نقول قضية أن يستأذن المدين صاحب الدين أو لا يستأذنه لا أصل لها، بل الواجب عليه سداد الديون ولو قال له حُج لأن الذِّمة مشغولة بهذا الدين، لكن إن قال له حج وإذا رجعت سوف أستوف منك وإن قدَّر الله عليك وفاة فذمتك بريئة، فحينئذٍ يجوز له الحج.
- فائدة (2): لو وجد المدين من يحج به مجاناً ولا يعطيه شيئاً فهل له أن يحج؟ نقول في ذلك تفصيل: فإذا كان لو بقي لعمل وحصَّل أجرة فبقاؤه خير من الحج، وإن كان لا يحصَّل شيئاً لو بقي فهنا يتساوى في حقه الحج وعدمه لأن الحج لا يجب عليه.
وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ (1)، - فائدة (3): من كان عليه كفارة كعتق رقبة مثلاً فهل له أن يحج؟ نقول: الصواب أنه يعتق الرقبة التي عليه لأن وجوبها سبق الحج والحج لا يجب إلا بالاستطاعة ولا استطاعة لمن عليه دين في ذمته.
- فائدة (4): من كان عليه دين مؤجلٌ وهو يغلب على ظنه أنه يوفيه إذا حل الأجل وعنده الآن ما يحج به فيجب عليه الحج فوراً.
(1)
قوله (وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ):
أي ومن الحوائج الأصلية لمن أراد الحج أن يكون عنده ما يكفيه ويكفي عياله من مأكل أو مشرب ونحو ذلك مما يحتاجون إليه.
وقوله (عَلَى الدَّوَامِ) ليس المراد منه أن يكون عنده ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام أبداً، فلو قيل به لما وجب الحج على أحد لأنه ربما تزيد الأجور وترتفع أسعار المعيشة ويطول العمر، ولأن هذا لا يمكن ضبطه.
بل مراد المؤلف هنا بقوله (عَلَى الدَّوَامِ) ما كان ناتجاً عن صنعة، أو عن أجرة عقار، أو ما أشبه ذلك بحيث يقول (صنعتي أكتسب منها ما يكون على قدر النفقة تماماً) ولا يزيد، فالنفقة هنا على الدوام بناءًا على أن هذا الاستثمار سوف يبقى على ما هو عليه.
وقال بعض الفقهاء: لا يشترط بقاء مئونة لنفسه وعياله على الدوام، بل الواجب أن يكفيهم النفقة مدة ذهابه وإيابه فقط.
والأول هو الصواب لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) 1.
..................................
=وذهب المالكية (1) إلى أنه لا يشترط بقاء مئونة العيال، وإن كان يترك ولده وزوجته لا مال لهم، فلا يراعي ما يؤول إليه أمره وأمر أهله وأولاده في المستقبل، وإن كان يصير فقيراً لا يملك شيئاً أو يترك أولاده ونحوهم للصدقة إن لم يخش هلاكاً أو شديد أزى.
والصواب: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء للحديث المتقدم.
- فائدة (1): من كان له سكن واسع يَفْضُل عن حاجته بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته من الدار الواسعة لوفى ثمنه للحج:
فيجب عليه البيع عند المالكية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4. ولا يجب عليه بيع الفاضل عند الحنفية 5.
- فائدة (2): من وجب عليه الحج وأراد أن يتزوج وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما:
ففي ذلك تفصيل:
1 - إذا كان في حالة اعتدال الشهوة ولا يشق عليه الصبر فهنا يجب عليه تقديم الحج عند جمهور الفقهاء 6 إذا ملك النفقة في أشهر الحج.
وقال الشافعية 7 بل صرف المال إلى النكاح أفضل ويلزمه الحج ويستقر في ذمته.1
..................................
والصواب: ما ذهب إليه الجمهور.
2 - أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، ويخشى المشقة في تأخيره، فهنا يقدم النكاح على الحج بالاتفاق.
3 - إذا كان حجَّه حج تطوع فإنه يقدم النكاح بكل حال سواء كان يشق عليه أو لا يشق، وذلك لأن النكاح مع الشهوة أفضل من نوافل العبادات كما صرح بذلك أهل العلم.
- فائدة (3): ذكرنا فيما سبق أن من الاستطاعة صحة البدن، فسلامة البدن من الأمراض والعاهات التي تعوق عن الحج شرط لوجوب الحج، إذ لابد أن يكون بدنه صحيحاً بحيث يقدر على الركوب والنزول بغير مشقة شديدة، فإن وجد مشقة شديدة لمرض أو غيره فليس مستطيعاً.
لكن هل صحة البدن شرط لأصل الوجوب أم هي شرط للأداء بالنفس؟ نقول اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أنها شرط للواجب وليست شرطاً للأداء بالنفس، وعلى ذلك لا يجب على فاقد صحة البدن أن يحج عن نفسه ولا إنابة غيره ولا الإيصاء بالحج عنه في مرضه، وهذا هو قول الحنفية 1، والمالكية 2. القول الثاني: أن صحة البدن ليست شرطاً للوجوب، بل هي شرط للزوم الأداء بالنفس، فمن كان هذا حاله يعني غير مستطيع ببدنه فإنه يلزمه أن يرسل من ينوب عنه في الحج، ويلزمه أن يوصي به إذا كان لديه ماله، بل=
وَيُعْتَبَرُ لِلْمَرْأَةِ وُجُوْدُ مَحْرَمِهَا (1)
=يلزم الورثة أن ينيبوا عنه من يحج عنه إذا مات إن كان له تركه ولم يؤد حج الفريضة لمرضه.
وهذا هو قول الشافعية (1)، والحنابلة (2)، وهو الراجح عندي، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (3).
(1)
قوله (وَيُعْتَبَرُ لِلْمَرْأَةِ وُجُوْدُ مَحْرَمِهَا):
أي يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاثًا إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) 4، ولما رواه أيضاً البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول (لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ) 5.
لكن يشترط موافقته على السفر معها فلا يكفي وجود المحرم بل لابد أن يوافق على السفر، وإلى اشتراط المحرم ذهب الحنفية 6 أيضاً.
وذهب المالكية 7 والشافعية 8 إلى أن المرأة إن وجدت نسوة ثقات اثنتين=123
..................................
=فأكثر تأمن معهن على نفسها كفى ذلك بدلاً عن المحرم إذا كانت هذه حجَّة الإسلام.
والصحيح: ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، فلا يجوز للمرأة أن تحج بلا محرم لها لأن المحرم شرط لوجوب الحج عليها، فإن حجَّت بدون محرم صح حجَّها ولكنها تأثم لأن المحرمية لا تختص بالحج، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (1).
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالمحرم
:
فائدة (1): يشترط لوجوب الحج على المرأة أن تكون قادرة على نفقة نفسها ونفقة المحرم
إن طلب منها النفقة لأنه يستحقها.
فائدة (2): لو امتنع المحرم عن الخروج إلا بأجرة
: لزمتها إن قدرت عليها، وحرم عليها الخروج مع الرفقة المأمونة.
وهذا عند المالكية (2).
أما الشافعية (3) فهي مخيَّرة بين أن تكون في صحبة زوج، أو محرم، أو رفقة مأمونة.
والصواب: أنها إن قدرت على النفقة، أو إعطاء أجرة المثل، ورضي المحرم على الخروج معها لزمها الحج، فإن عجزت عن ذلك أو امتنع المحرم عن السفر معها فلا يلزمها أن تخرج مع رفقة مأمونة ولا غيره لاشتراط المحرم.
- فائدة (3): اتفق الفقهاء جميعاً على أن حج النفل لا يجوز للمرأة السفر له
إلا مع الزوج أو المحرم فقط:
فلا يجوز لها السفر بغيرهما، بل تأثم إذا=123
.................................. =خرجت بدون محرمها.
- فائدة (4): الزوج إذا حجَّ مع امرأته فلها عليه النفقة، نفقة الحضر لا السفر،
وليس له أن يأخذ هنا أجراً مقابل الخروج معها: وهذا ما ذهب إليه الحنفية (1)، وهو ظاهر المذهب.
وذهب المالكية (2)، والشافعية (3) إلى جواز أخذ الزوج أجرة المثل إذا سافر معها.
والصواب: أن له أن يأخذ أجرة على ذلك، ولكن ليس هذا من المعاشرة الحسنة للزوجة.
فائدة (5): هل يجوز للزوج منع زوجته عن الحج؟
نقول: اختلف الفقهاء في ذلك:
فذهب الجمهور 4 إلى أن المرأة إذا وجدت محرماً لم يكن للزوج منعها إذا كان ذلك حج فرض، أما النَّفل فيجوز منعها.
وقال الشافعية 5 ليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج فرضاً أو غيره لأن في ذهابها تفويتاً لحق الزوج، فإن خافت العجز البدني بقول طبيبين عدلين لم يشترط إذن الزوج.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور فلا يشترط إذن الزوج، بل لها أن تحج=123
.................................. =لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولأن فرائض العين لا يجوز للزوج منع زوجته منها، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (1)، لكن لو منعها لحاجته الماسة لها وقت الحج على أن يأذن لها في السنة القادمة فعليها أن تسمع وتطيع.
- فائدة (6): يشترط في المحرم أن يكون رجلاً مأموناً مسلماً بالغاً عاقلاً يحرم على المرأة التأبيد
سواء كان التحريم بالقرابة أو الرضاعة أو المصاهرة كما سيأتي بيان ذلك قريباً.
وذهب المالكية (2) إلى أنه لا يشترط في المحرم البلوغ بل التمييز والكفاية.
وعند الشافعية (3) يكفي المحرم الذكر وإن لم يكن ثقة فيما يظهر لأن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي، إذا كان له غيرة تمنعه من الزنا.
والصواب: أنه يشترط في المحرم أن يكون مسلماً بالغاُ عاقلاُ مأموناً فإن كان لا يؤمن عليها فليس بمحرم ولا تُمَّكن من السفر معه.
فائدة (7): هل الزوج والمحرم شرط وجوب أم هو شرط للزوم الأداء بالنفس؟
نقول أولاً يحسن أن نبين الفرق بين الشرطين وقد ذكرنا طرفاً من ذلك سابقاً.
فشرط الوجوب لا يلزم فاقده أن يحج بنفسه ولا بإنابة غيره، ولا يلزمه الإيصاء بالحج عنه في المرض، بل لا يلزم الورثة الحج عنه وإن كان له تركه.
أما شرط لزوم الأداء بالنفس فهو بخلاف ذلك فيلزمه عند العجز أن يرسل=123
وَهُوَ زَوْجُهَا (1)، وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيْدِ بِنسبَ (2)، أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ (3)،
=من ينوب عنه وإن مات لزم إخراج حجه من ماله إن كان له مال وهذا هو الصحيح.
فالمرأة إن وجدت محرماً في حياتها وجب عليها أن تحج بنفسها وإن لم تجد فإنها إذا ماتت يحج عنها من تركتها.
(1)
قوله (وَهُوَ زَوْجُهَا):
وهو من أقوى أنواع المحارم للمرأة، وهو من عقد عليها النكاح عقدًا صحيحا وإن لم يحصل وطء ولا خلوة.
(2)
قوله (وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيْدِ بِنسبَ):
أي بقرابة، وخرج به من تحرم عليه إلى أمد كأخت امرأته.
- فائدة: من تحرم عليه على التأبيد سبعة هم: الابن وإن نزل، والأب وإن علا، والأخ مطلقاً، والعم مطلقاً، والخال مطلقاً، وابن الأخ، وابن الأخت.
(3)
قوله (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ):
هذا ينحصر في شيئين:
الأول الرضاع: فالمحرم من الرضاع كالمحرم من النسب سواء بسواء، وهم سبعة أيضاً وهم:
أبوها من الرضاع، وابنها من الرضاع، وأخوها من الرضاع، وعمها من الرضاع، وخالها من الرضاع، وابن أخيها من الرضاع، وابن أختها من الرضاع.
الثاني: المصاهرة: وهم أربعة:
1 - أبو زوج المرأة وأجداده وإن علو، سواء كانوا أجداده من قبل أبيه أو أمه.
2 - ابن زوج المرأة، وأبناء أبنائه، وأبناء بناته وإن نزلوا.
..................................
3 - أزواج البنات، وأزواج بنات الأبناء، وأزواج بنات البنات وإن نزلوا فهؤلاء الثلاثة تثبت المحرمية فيهم بمجرد العقد، حتى ولو فارقها بموت أو طلاق أو فسخ، فإن المحرمية تبقى لهؤلاء.
4 - أزواج أمهات المرأة، وأزواج جداتها وإن علون وهؤلاء لا تثبت لهم المحرمية إلا بالدخول بالأم.
وقول المؤلف (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) خرج به ما كان بسبب محرم مثل أم المزني بها، فلا يكون الزاني بالبنت محرماً لأمها، وكذا بنت المزني بها فلا يكون الزاني بالأم محرماً للبنت، وكذلك أم الموطوءة بشبهة، سواء كانت شبهة عقد أو شبهة اعتقاد.
فشبهة العقد كأن يعقد على امرأة ثم يتضح أنها أخته من الرضاع، وشبهة الاعتقاد كأن يطأ امرأة يظنها زوجته، فلا يكون في هاتين الحالتين محرماً لأمها ولا بنتها.
وذهب شيخ الإسلام 1، وشيخنا محمد ابن عثيمين 2 إلى أنه يكون محرماً لها، أي الموطوءة بشبهة، وتكون أُمها حراماً عليه، وهي من محارمه أيضاً، وبنتها كذلك تكون حراماً عليه، وهي من محارمه.
وهذا هو الصحيح، وذلك لأنه حين وطئ هذه المرأة يظنها من حلائله فيترتب على هذا الوطء ما يترتب على الوطء المباح.
فَمَنْ فَرَّطَ حَتَّى مَاتَ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ (1)، (1)
قوله (فَمَنْ فَرَّطَ حَتَّى مَاتَ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ):
أي من فرَّط فلم يحج مع الاستطاعة حتى مات أُخرج عنه من ماله حجة وعمرة قبل قسمته على الورثة أجرة من يحج عنه ويعتمر.
وهذا قول الشافعي 1 وكثير من العلماء.
وذهب أبو حنيفة 2، ومالك 3 إلى أنه لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه إلا أن يوصي بذلك، فإن أوصى أخرج من ثلثه.
والصحيح: هو القول الأول؛ فمتى مات المسلم ولم يؤدي فريضة الحج وهو مستكمل لشروط الحج وجب أن يحج عنه من ماله الذي خلَّفه سواء أوصى بذلك أم لم يوص.
دليل ذلك: ما رواه النسائي وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ) 4.
وروى أحمد والنسائي وغيرهما عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلا الْعُمْرَةَ وَلا الظَّعْنَ قَالَ حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ) 5.
.................................. =وإذا كان الشيخ الكبير الذي يشق عليه السفر وأعمال الحج يحج عنه فكيف بحال القوي القادر إذا مات ولم يحج عنه، فهو أولى بأن يحج عنه.
فائدة: هل الحج يجب على الفور أم على التراخي؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فالمذهب 1، وهو رواية عن أبي حنيفة 2، ومالك 3 على أن الحج يجب على الفور، فمن تحقق فيه فرض الحج واستكمل شروطه فأخره فإنه يكون آثماً، وإذا أداه بعد ذلك كان أداء لا قضاء وارتفع عنه الإثم.
وذهب الشافعية 4 إلى أن الحج إنما يجب على التراخي فلا يأثم المستطيع بتأخيره لكن بشرط العزم على الفعل في المستقبل، فلو خشي العجز أو هلاك ماله حرم التأخير.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور والدليل على ذلك ما يلي:
1 - قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ 5.
2 - قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال (خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ.. ) 6 وجه الدلالة من الآية والحديث أن كلاً=
وَلا يَصِحُّ الْحَجَّ مِنْ كَافِرٍ (1)، وَلا مَجْنُوْنٍ (2)، وَيَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ (3)،
=منهما أمر بالحج والأصل في الأمر أن يكون على الفور.
3 - قوله صلى الله عليه وسلم (تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ) (1)، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتعجل بالحج والعمرة وذلك لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون الآن قادراً على أن يقوم بأمر الله تعالى وقد يكون في المستقبل عاجزاً عن ذلك.
4 - قوله تعالى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (2) وجه الدلالة من الآية أن الله أمر بالمسابقة بالخيرات والحج من أعظم الخيرات التي يتقرب به إليه سبحانه والتأخير خلاف ما أمر الله به.
(1)
قوله (وَلا يَصِحُّ الْحَجَّ مِنْ كَافِرٍ):
لأنه ليس أهلاً للحج فلا يصح حجه أصالة ولا نيابة لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ..... ﴾ (3). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ.. ﴾ (4)، فإن حج أو حج عنه ثم أسلم وجبت عليه حجة الإسلام.
(2)
قوله (وَلا مَجْنُوْنٍ):
وذلك لأن الحج عبادة وهو مفتقر إلى نية كغيره من سائر العبادات، والمجنون لا نية له فإذا حج فحجه غير صحيح، وإذا أفاق وجبت عليه حجة الإسلام.
(3)
قوله (وَيَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ):
أما الصبي فدليله ما رواه مسلم عن=1234
وَلا يُجْزِئُهُمَا (1)، =ابن عباس رضي الله عنهما (أن امرأة رفعت صبياً لها فقالت ألهذا حج؟ قال نعم ولكِ أجر) (1). وأما العبد فلأنه من أهل العبادات وإنما لم يجب عليه الحج من أجل سيده فإن أذن له سيده وحج صح حجه.
(1)
قوله (وَلا يُجْزِئُهُمَا):
أما الصبي فبالاتفاق أنه إذا حج قبل البلوغ فإن حجته لا تجزئه عن حجة الإسلام.
واختلف الفقهاء في العبد إذا حج بإذن سيده هل إذا اعتق يلزمه حجة أخرى؟
فذهب جمهور 2 الفقهاء إلى أنه يلزمه حجة أخرى إذا أعتق، واختار هذا القول سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله 3. واستدلوا لذلك بما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أَيُّمَا صَبِىٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا أَعْرَابِىٍّ حَجَّ ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى) 4. وذهب كثير من العلماء منهم ابن حزم في المحلى 5، وهو اختيار الشيخ ابن سعدي 6 إلى أن العبد إذا حجَّ بعد بلوغه لا يلزمه إعادة الحج.1
وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيْعِ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَيُجْزِئُهُمَا (1)، وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ نَذْرِهِ أَوْ نَفْلِهِ، وَفَعَلَهُ قَبْلَ حَجَّةِ الإِسْلامِ، وَقَعَ حَجُّهُ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ، دُوْنَ غَيْرهِ (2)
=وقال شيخنا رحمه الله (1) ليس عندي ترجيح في الموضوع.
والصحيح في هذه المسألة: أن العبد إذا حجَّ صح حجَّه تطوعاً وأثم إذا لم يأذن له سيده وتجب عليه حجَّة الإسلام.
قال ابن المنذر (2) أجمع أهل العلم على أن العبد إذا حجَّ حال رقه ثم اعتق أن عليه حجة الإسلام إذا وجد إليه سبيلاً.
(1)
قوله (وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيْعِ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَيُجْزِئُهُمَا):
حجهم هؤلاء صحيح، لكن بعضهم يصح حجَّه كالفقير إذا حج، والمرأة إذا حجَّت من غير محرم، والمدين إذا حجَّ، ونحوهم ممن لا يستطيعون الحج مع حصول الإثم.
فالمرأة إذا حجت بلا محرم صح حجَّها لكن عليها الإثم ويجب عليها التوبة.
(2)
قوله (وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ نَذْرِهِ أَوْ نَفْلِهِ، وَفَعَلَهُ قَبْلَ حَجَّةِ الإِسْلامِ، وَقَعَ حَجُّهُ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ، دُوْنَ غَيْرهِ):
بيان ما أراد المؤلف هنا أن من لم يكن حجَّ حجَّة الإسلام وأراد الحج فتارة يريد الحج عن غيره، وتارة يريد الحج عن نفسه غير حجَّة الإسلام سواء كان ذلك عن نفل أو نذر.
فهنا يذكر المؤلف أنه متى أراد ذلك فإنه يقع عن فرض نفسه دون غيره.12
..................................
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الشافعية 1، والحنابلة 2 إلى أنه يشترط لإجزاء الحج عن الغير أن يكون النائب حجَّ حجَّة الإسلام عن نفسه أولاً وإلا كانت الحجَّة عن نفسه ولم تجزئ عن الميت.
واحتجوا لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ مَنْ شُبْرُمَةُ قَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي قَالَ حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ قَالَ لا قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ) 3.
وذهب مالك 4، وأبو حنيفة 5، وهو رواية عن الإمام أحمد 6 أنه يجوز أن يحجَّ عن غيره من لم يحجَّ عن نفسه، واستدلوا لذلك بأدلة منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة الخثعمية وفيه قال (فَحُجِّي عَنْهُ) 7، وحديث بريدة رضي الله عنه (بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ:.. إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ حُجِّي عَنْهَا) 8.
وجه الدلالة من الحديثين أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل أحداً من هؤلاء هل=
..................................
=حج عن نفسه أولاً؟ ولا أمر واحداً منهم أن يحجَّ عن نفسه.
والقاعدة في الأصول أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في الأقوال.
أما الاحتجاج بحديث ابن عباس وقوله صلى الله عليه وسلم حججت عن شبرمة، فهو حديث مختلف فيه بين الرفع والوقف، فلا يصلح أن يكون حجَّة في هذا الباب.
وقالوا أيضاً إن الحج مما تدخله النيابة فيجوز أن ينوب عن غيره من لم يسقط فرضه عن نفسه كقضاء الديون وأداء الزكاة قبل أن يؤدي زكاة نفسه.
والراجح من القولين: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ فيشترط في النائب أن يحج عن نفسه أولاً، وهذا اختيار سماحة شيخنا (1) عبد العزيز بن باز، واللجنة الدائمة للإفتاء (2)، هذا إذا كان النائب يستطيع أن يحج عن نفسه، أما إذا كان لا يستطيع وحج عن غيره فهذا لا بأس به.
فائدة (1): يشترط في المرأة التي تريد الحج ألا تكون معتدة مدة إمكان السير للحج
: ودليل ذلك قوله تعالى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (3)، والحج يمكن أداءه في وقت آخر فلا تلزم به وهي في العدة.
لكن هل هذا الحكم لكل معتدة؟
نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالحنفية 4 عمموا الحكم فجعلوه في=123
.................................. =كل معتدة من طلاق بائن أو رجعي أو وفاة، أو فسخ نكاح ونحو ذلك عند المالكية (1). أما الشافعية (2)، والحنابلة فقالوا لا تخرج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة، ولها أن تخرج إلى الحج في عدة الطلاق المبتوت، وذلك لأن لزوم البيت واجب في عدة الوفاة، وقدم على الحج لأنه يفوت، والطلاق المبتوت لا يجب فيه ذلك، وأما عدة الرجعية فالمرأة فيها بمنزلتها في طلب النكاح، لأنها زوجة.
فائدة (2): لو خالفت المرأة المعتدة وخرجت إلى الحج وهي في العدة
: صح حجها وكانت آثمة.
فائدة (3): إذا خرجت المرأة من بلدها للحج وطرأت عليها العدة
كأن تخبر بوفاة زوجها أو تخبر بطلاق زوجها لها فما الحكم إذاً؟
نقول اختلف الفقهاء في ذلك:
فقال المالكية (3) ترجع إذا وجدت ثقة ذا محرم أو ناساً لا بأس بهم، وإن بعدت أو كانت أحرمت أو أحرمت بعد طلاق أو الموت ولم تجد رفقة ترجع معهم فإنها تمضي.
وقال ابن قدامة في المغني (4) إذا خرجت للحج فتوفى زوجها وهي قريبة رجعت لتعتد في منزلها، وإن تباعدت مضت في سفرها.
فائدة (4): هل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟
1234
.................................. =على روايتين في المذهب (1) الأولى: أنه يصح، والرواية الثانية: لا يصح، وهي الصحيحة اختارها شيخنا رحمه الله (2).
- فائدة (5): من مات أبواه ولم يحجَّا
حجَّة الإسلام شُرعَ له أن يحج عنهما، ولكن بأيهما يبدأ؟ نقول يبدأ بالأم لأن حقها آكد لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ) 3.12
بَابُ الْمَوَاقِيْتِ
(1) وَمِيْقَاتُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ (2)، وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ (3)، (1)
قوله (بَابُ الْمَوَاقِيْتِ):
هذا الباب عقده المؤلف لبيان مواقيت الحج المكانية والزمانية، وبعض المسائل المتعلقة بمن تجاوز الميقات أو من منزله دونه.
فائدة: للحج ميقاتان
ميقات زمان، وميقات مكان:
فالمواقيت الزمانية سيذكرها المؤلف في آخر هذا الباب.
والمواقيت المكانية سيذكرها المؤلف بعد تسمية هذا الباب.
لكن ما الحكمة من جعل المواقيت المكانية لقاصدي بيت الله العتيق؟
نقول: لعل الحكمة - والله أعلم - هو تعظيم البيت الحرام وتكريمه ليأتي إليه الحاج أو المعتمر من هذه الحدود على حالة معينة تشعر بالتعظيم والخضوع لرب العالمين.
وعلى العبد المسلم السمع، والطاعة، والتسليم لله ورسوله ولو لم يعلم الحكمة من هذا التشريع الإلهي.
(2)
قوله (وَمِيْقَاتُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ):
الحليفة: تصغير الحلفاء وهو شجر بري معروف.
وذو الحليفة قرية صغيرة وهي التي تسمى الآن (أبيار علي)، وهي تبعد عن المسجد النبوي حوالي عشرة كيلو مترات، ويزعم العامة أن علياً رضي الله عنهقاتل فيها الجن، وهذا غير صحيح.
وذو الحليفة هي أبعد المواقيت من مكة حيث تبعد (410) كيلو متر.
(3)
قوله (وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ):
أي وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وهي قرية خربة اجتحفها السيل، كان اسمها مهيعة، وهي قرية قرب رابغ، وقد وضعت فيها وزارة الشؤون الإسلامية مسجداً، لكن=
وَالْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ (1)، وَلِنَجْدٍ: قَرْنٌ (2)، وَلِلْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ (3) =الناس يحرمون من رابغ لأنها بعده من جهة مكة، فالإحرام قبلها للحاجة لا بأس به، وتبعد عن مكة (200) كيلو متر، وهي ثاني أبعد المواقيت.
(1)
قوله (وَالْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ):
وميقات أهل اليمن يلملم، ويسمى الآن بالسعدية، وهو جبل معروف من جبال تهامة ويبعد عن مكة في حدود (90) كيلو متراً إلا أن الوزارة أخرته عنه الآن فأصبح بعيداً عن مكانه لمصالح كثيرة.
(1)
قوله (وَلِنَجْدٍ: قَرْنٌ):
أي وميقات أهل نجد قرن المنازل، ويسمى الآن بالسيل الكبير ويتصل الوادي بوادي المحرم ويمر معهما طريقان إلى مكة ومسافته في حدود (75) كيلو متر.
وهل يسمى بقرن الثعالب؟
نقول قيل بذلك، ولكن الصحيح أن قرن الثعالب غير قرن المنازل، فقرن الثعالب جبل مطل على عرفات، والمراد بنجد اسم لما يمتد من العراق إلى الحجاز شرقاً وغرباً، ومن اليمن إلى الشام جنوباً وشمالاً.
(2)
قوله (وَلِلْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ):
وهو ميقات أهل العراق، وسائر أهل المشرق، وذات عرق قرب عقيق الطائف، وكان الحجاج في السابق يحرمون من الضريبة وتسمى الخريبات.
أما اليوم فهم يحرمون من السيل أو الوادي في طريق كرا وذلك لمشقة الطريق المؤدي إلى ذات عرق، وهو يبعد عن مكة (100) كيلو متر، أما السيل الكبير فهو يبعد عن مكة (75) كيلو متراً تقريباً.
وهذه المواقيت أربعة منها ثبت بالنص كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّأْمِ=
.................................. =الْجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) 1. أما ميقات أهل المشرق وهو ذات عرق فقد اختلف الفقهاء في ثبوته من حيث النص: فقال الجمهور 2 إنه منصوص عليه وليس ثبوته بالاجتهاد، واستدلوا لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها (وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) 3. وقال بعض الفقهاء أنه ثبت باجتهاد عمر رضي الله عنه ولا نص فيه، واحتجوا لذلك بما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ) 4. قلت: والذي يظهر أن توقيت ذلك كان منصوصاً عليه ولم يبلغ عمر رضي الله عنه تحديده، فحدده باجتهاده فوافق النص.
- فائدة (1): قد يقول قائل ما الحكمة من تفاوت المواقيت؟ نقول: هذا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينبغي الرضا والتسليم في ذلك، ومن=
فَهَذِهِ الْمَوَاقِيْتُ لأَهْلِهَا وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا (1)،
=العلماء من قال في ذي الحليفة لتقارب خصائص الحرمين فلا يكاد يخرج من حرم المدينة حتى يحرم لمكة.
والجحفة أول قرية عامرة على طريق الشام والثلاثة الأخرى مسافتها متقاربة.
فائدة (2): في تحديد هذه المواقيت
: بيان يسر الشريعة حيث لم يوجد مكان واحد يشق على الناس قصده.
- فائدة (3): هذا التعيين فيه آية من آيات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم:
حيث لم يكن أهل هذه البلاد مسلمين آنذاك، ففيه إشارة إلى أنهم يسلمون ويحجون، وقد كان ذلك ولله الحمد.
فائدة (4): أحوال الناس في المواقيت المكانية على ثلاثة أصناف
:
الأول: الأفاقي: وهم من كان خارج المواقيت، فهؤلاء يلزمهم الإحرام من المواقيت التي وقَّتها رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق ذكرها.
الثاني: الميقاتي: وهم الذين يسكنون داخل المواقيت أو ما يحاذيها فهؤلاء ميقات إحرامهم للحج هو موضعهم.
الثالث: أهل الحرم: سواء كان مستوطناً أم نازلاً، فإنه يحرم من حيث أنشأ لقوله صلى الله عليه وسلم (.. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) (1). أما العمرة فمحل إحرامهم الحل، وسيأتي بيان ذلك كله قريباً إن شاء الله.
(1)
قوله (فَهَذِهِ الْمَوَاقِيْتُ لأَهْلِهَا وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا):
دليل ذلك حديث ابن عباس المتقدم.1
وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُوْنَ الْمِيْقَاتِ، فَمِيْقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ (1) حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّوْنَ مِنْهَا لِحَجِّهِمْ (2)، وَيُهِلُّوْنَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ (3)، (1)
قوله (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُوْنَ الْمِيْقَاتِ، فَمِيْقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ):
دليل ذلك ما جاء في حديث ابن عباس المتقدم وفيه قوله (ومن كان دونهن فمهله من أهله).
(2)
قوله (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّوْنَ مِنْهَا لِحَجِّهِمْ):
سواء كان مستوطناً أم كان نازلاً فإنه يحرم بالحج منها ولا يشرع له الذهاب إلى المسجد الحرام للإحرام منه كما يصنع بعض الناس بل يحرم من مكانه الذي هو فيه.
(3)
قوله (وَيُهِلُّوْنَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ):
أي أهل مكة يهلون لعمرتهم من الحل فيخرجون من مكة إلى أي مكان من الحل كعرفات أو التنعيم أو الجعرانة أو غيرها، فيحرمون منه.
دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (.. يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ) (1).
لكن ما الحكمة من جعل إهلالهم للحج من مكانهم وإهلالهم للعمرة من الحل؟
نقول - والله أعلم -: لما كانت أعمال الحج يتخللها رحلة بين الحل والحرم، وأعمال العمرة كلها داخل الحرم كان ولابد من أن يكون الإحرام من الحل.
فائدة: اختلف الفقهاء في أفضل المواقيت لأهل مكة لمن أراد العمرة
:
فذهب الجمهور أن أفضلها الجعرانة.
وذهب الحنفية 2 إلى أن أفضلها التنعيم.1
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيْقُهُ عَلَى مِيْقَاتٍ، فَمِيْقَاتُهُ حَذْوَ أَقْرَبِهَا إِلَيْهِ (1)، وَلا يَجُوْزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيْقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، إِلاَّ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ إِذا أَرَادَ النُّسُكَ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ (2)،
=وقال أكثر المالكية (1) هما متساويان.
والصواب: أنه يفعل الأسهل عليه، فمثلاً إذا كان في الرصيفة أو في غربي مكة ورأى أن الأسهل عليه أن يخرج عن طريق جدة ويحرم من الحل فلا بأس، أو كان في العوالي وأراد أن يخرج إلى عرفة ويحرم منها فلا بأس، لأن المقصود أن يحرم من الحل سواء كان من التنعيم أو من غيره.
(1)
قوله (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيْقُهُ عَلَى مِيْقَاتٍ، فَمِيْقَاتُهُ حَذْوَ أَقْرَبِهَا إِلَيْهِ):
دليل ذلك حديث عمر المتقدم، وفيه قوله لأهل العراق (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ.. ) (2)، فعلى من أراد الحج والعمرة ولم يكن له ميقات أن ينظر إلى أقرب المواقيت المكانية سابقة الذكر إلى طريقه فإذا حاذاها أحرم.
فائدة: من مرَّ أو حاذى هذه المواقيت وهو في طريق الجو:
وجب عليه أن يحرم إذا مرَّ من فوقها ولا يجوز له أن يؤخِّر الإحرام حتى يصل إلى جدة.
(2) قوله (وَلا يَجُوْزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيْقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، إِلاَّ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ إِذا أَرَادَ النُّسُكَ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ).
من تجاوز الميقات ممن لا يريد النسك له حالتان
:
الأولى: من لا يريد دخول الحرم
: فهذا لا يلزمه الإحرام ولا شيء عليه في=12
.................................. =تركه، فإن بدا له الإحرام أحرم من موضعه ولا شيء عليه لقوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس (.. هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ.. ) (1).
الثانية: من يريد دخول الحرم إلى مكة أو غيرها
: وهذا على ثلاثة أضرب:
1 - من دخلها لقتال مباح أو حاجة تتكرر كالحطاب وغيره، أو دخلها من خوف وغير ذلك فهؤلاء لا إحرام عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة حلالاً وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه ولم يعلم أن أحداً منهم أحرم.
وهذا هو المذهب 2، وهو مذهب الشافعي 3.
وقال أبو حنيفة 4 لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلا من كان دون الميقات.
والصحيح: القول الأول.
2 - من دخلها ممن لا يجب عليه الحج كالعبد، والصبي، والكافر إذا أسلم بعد تجاوز الميقات أو عتق العبد، أو بلغ الصبي وأرادوا الإحرام فهؤلاء على خلاف بين الفقهاء.:
فقال بعضهم: يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم، وهذا هو المذهب 5، وبه قال مالك 6.1
وَإِنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ (1)
وقال الشافعي (1) على كل واحد منهم دم، وفي رواية لأحمد مثله.
والصحيح: أنهم يحرمون من موضعهم الذي وجب عليهم الإحرام منه ولا دم عليهم، وهذا قول ابن قدامة في المغني (2).
3 - المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة: فهذا محل خلاف بين الفقهاء:
فقال بعضهم: لا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم، وقال بعضهم لا يجب الإحرام عليه.
والذي يظهر أن في ذلك تفصيلاً: فإن كان هذا الإنسان لم يحج فرضه فإنه يلزمه أن يحرم لأن الحج والعمرة يجبان على الفور على القول الصحيح، وقد وصل الآن إلى الميقات فلا يجوز له أن يؤخر.
أما إن كان هذا الذي يمر بالميقات ممن حج فرضه وأراد دخول مكة لحاجة فهذا على خلاف.
والراجح: أنه ليس عليه إحرام سواء طالت مدة تغيبه عن مكة أم لم تطل، وهذا هو القول الصحيح الذي تدل عليه الأدلة، وهذا اختيار الشيخين (3) رحمهما الله.
(1)
قوله (وَإِنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ):
أي إذا جاوز الميقات من يجب عليه الإحرام أو من يريد الإحرام.123
رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ الْمِيْقَاتِ، وَلا دَمَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ مِيْقَاتِهِ (1) فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوْنِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيْقَاتِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ (2) وَالأَفْضَلُ أَنْ لا يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيْقَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ (3) (1)
قوله (رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ الْمِيْقَاتِ، وَلا دَمَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ مِيْقَاتِهِ):
وذلك لأن الإحرام من الميقات واجب كما سبق بيانه.
(2)
قوله (فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوْنِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيْقَاتِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ):
هذا هو المذهب (1)، وهو قول مالك (2)، وفي رواية أنه يسقط عنه الدم إذا رجع إلى الميقات، وهو ظاهر مذهب الشافعي (3). لكن إن ترك العود لعذر فلا يأثم بترك الرجوع، كخوف فوات الوقوف بعرفة لضيق الوقت، أو المرض الشاق أو خوف فوات الرفقة.
ومع رفع الإثم عنه يلزمه الدم لعدم الرجوع إلى الميقات لكي يحرم منه.
(3)
قوله (وَالأَفْضَلُ أَنْ لا يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيْقَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ):
تقديم الإحرام قبل المواقيت جائز بالإجماع، لكن اختلف الفقهاء في الأفضل.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور من كراهية الإحرام قبل الميقات وذلك لأن النبيصلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما أحرموا من هذه المواقيت ولا يفعلون إلا الأفضل ولا يقر أصحابه إلا على السنة، وقد روي أن عمران بن حصين أحرم من البصرة فغضب عمر وقال لا يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من البصرة، وأنكر عثمان على رجل أحرم من خراسان، ولأنه يشدد على نفسه فيتعرض لفعل المحظورات، وفيه مشقة على النفس=123
وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (1). = لطول المدة والمسافة.
(1)
قوله (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ):
أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج شوال وذو القعدة واختلفوا في ذي الحجة هل هو بكماله أم عشر منه.
فذهب مالك 1، وابن حزم 2، واختاره شيخنا 3 محمد بن صالح العثيمين إلى أنه بكماله.
واستدلوا لذلك بأدلة منها:
1 - أن هذا ظاهر القرآن قال تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ... ﴾ 4 وأشهر جمع فتكون ثلاثة والمعروف في اللغة العربية أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا فتكون أشهر الحج ثلاثة.
2 - أن اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر أيام الرمي والمبيت بمنى، فهي من أيام الحج فكيف نخرجها من أشهر الحج.
3 - أن هذا ورد عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال (أشهر الحج التي ذكر الله تعالى شوال، وذو القعدة وذو الحجة).
أما المذهب 5، وهو قول الجمهور 6، وقول سماحة شيخنا ابن باز 7، فقد قالوا ليس بكماله، بل عشرة منه، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري=
.................................. = معلقاً مجزوماً به عن ابن عمر رضي الله عنهما (أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ) (1). والقول الأول هو الأقرب عندي: للأدلة التي سبقت فيه.
فائدة (1): في حكم انعقاد الحج قبل أشهره؟
ذهب جمهور الفقهاء الحنفية 2، والمالكية 3، والحنابلة 4 إلى صحة الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وينعقد حجاً مع الكراهة.
وذهب الشافعية 5 إلى أنه لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره، فلو أحرم بالحج قبل شوال لم ينعقد حجاً وانعقد عمرة على الصحيح عندهم.
والصحيح من القولين: ما ذهب إليه الشافعية، وهو اختيار شيخنا 6 محمد ابن صالح العثيمين، فلا يجوز لأحد أن يحرم قبل الميقات الزماني ولو أحرم به قبل دخول شهر شوال صار الإحرام عمرة لا حجاً لقوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ... ﴾ 7.
- فائدة (2): المراد بالإحرام: هو نية الدخول في النسك لا الاغتسال ولا لبس ملابس الإحرام كما يظنه بعض العوام، فمن كان في بلده ولبس ملابس الإحرام ثم ذهب إلى الميقات فإنه لم يفعل شيئاً مكروهاً لأن الإحرام هو =1