.................................. =نية الدخول في النسك ولم تحصل إلا بعد وصوله إلى الميقات.
- فائدة (3): اتفق الفقهاء على أن من فعل شيئاً من أعمال الحج قبل أشهر الحج لم يجزئه:
كما لو صام المتمتع أو القارن ثلاثة أيام قبل أشهر الحج لا يجوز، وكذلك لو سعى بين الصفا والمروة عقب طواف القدوم لا يقع عنه سعي الحج إلا فيها يعني إلا في أشهر الحج.
بَابُ الإِحْرَامِ
(1) (1)
قوله (بَابُ الإِحْرَامِ):
أي باب ما يجب في الإحرام وما يسن وما يستحب له.
والإحرام: مأخوذ من التحريم، ومعنى أحرم: أي دخل في الحرم.
ولهذا يقال تكبيرة الإحرام لأنه بها يدخل في التحريم؛ أي تحريم ما يحرم على المصلي.
أما تعريفه في الشرع: فهو نية الدخول في حرمات الحج والعمرة.
أما حكمه: فقد أجمع العلماء على أنه من فرائض النسك حجاً كان أو عمرة لقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.. ) (1).
لكن اختلف الفقهاء هل هو ركن من أركان الحج أم شرط من شروطه؟
فالجمهور (2) يرى أنه ركن، وذهب الحنفية (3) إلى أنه شرط من شروط صحة الحج.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور.
فائدة: ما الحكمة من الإحرام؟
الحكمة في تشريع الإحرام استشعار تعظيم الله تعالى وتلبية أمره بأداء النسك الذي يريده المحرم، وأن صاحبه يريد أن يحقق به التعبد والامتثال لله تعالى، ومن الحكم أيضاً أن النفس تواقة إلى معالي الأمور وحريصة على البعد عن سفاسفها فالمحرم يظهر عليه آثار الذلة والخضوع.123
مَنْ أَرَادَ الإِحْرَامَ (1) اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ (2)، وَيَتَنَظَّفَ (3)، وَيَتَطَيَّبَ (4)،
(1) قوله (مَنْ أَرَادَ الإِحْرَامَ): بحج أو عمرة.
(2) قوله (اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ): لعمرته وحجه دليل ذلك ما رواه الترمذي (1) وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل عند إحرامه.
واتفق الفقهاء على أن هذا الغسل سنة لكل محرم صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى، ويطلب أيضاً من المرأة الحائض والنفساء في حال الحيض والنفاس.
فائدة: لو اغتسل من أراد الحج أو العمرة في بيته
ثم سافر للحج أو العمرة فإنه ينال فضيلة السنة ولا يضره ذلك وهذا عند جمهور الفقهاء أما المالكية (2) فقيدوا ذلك بأن يكون متصلاً بالإحرام.
(3)
قوله (وَيَتَنَظَّفَ):
أي يأخذ ما ينبغي أخذه كقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظفار إن كان شيء من ذلك يحتاج إليه، والحكمة في ذلك لئلا يحتاج إليه حال إحرامه وقد منع منه.
(4)
قوله (وَيَتَطَيَّبَ):
وذلك بأن يطيب لحيته ورأسه، دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) 3.
أما تطييب ثياب الإحرام قبل الإحرام فقد منعه الجمهور.
وذهب بعض الفقهاء إلى إن تطييب ثيابه قبل الإحرام تجب إزالته سواء في =12
وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيْطِ فِيْ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيْفَيْنِ (1)،
= ذلك بدنه أو ثوبه، فإن بقي شيء من جرم الطِيب تطيب به قبل الإحرام فإن الفدية تكون واجبة، أما إذا كان الباقي مجرد رائحة فلا يلزم نزع الثوب لكن يكره استدامته ولا فدية.
والصحيح: أنه لا يجوز لبس الثوب إذا طيبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (.. وَلا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلا الْوَرْسُ) (1) فنهى أن تلبس الثوب المطيب.
أما تطييب البدن قبل الإحرام فلا بأس به، كما في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وفيه قولها (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ) (2).
(1)
قوله (وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيْطِ فِيْ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيْفَيْنِ):
أي ويجب أن يتجرد المحرم من لبس المخيط كالقميص والسراويل وغيره مما هو من محظورات الإحرام ويشترط عند تجرده عدم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حراماً.
دليل تجرده عن المخيط ما رواه أحمد وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (.. وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) 3.
أما اختيار كونهما أبيضين فلأنه من أفضل الألوان.
وهل يشترط كونهما جديدين؟ =12
ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيْبَهُمَا (1)، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الإِحْرَامَ (2)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ.
وَيَشْتَرِطَ، وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ إِنِّيْ أُرِيْدُ النُّسُكَ الْفُلانِيَّ (3)،
= الجواب لا، ولكن كلما كانت أنظف كان أحسن.
والإزار يشد على الوسط من السُّرة فما دونها لستر العورة، والرداء ما يوضع على الكتف.
(1)
قوله (ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيْبَهُمَا):
لو قال المؤلف كما قال صاحب التسهيل (وأحرم عقيب مكتوبة أو نفل) لكان أحسن لأن كلامه رحمه الله يشعر بأن للإحرام صلاة تخصه، وليس ذلك كذلك كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله (1)، فإن الذين حضروا حجه صلى الله عليه وسلم كلهم ذكروا أنه أحرم عقيب صلاة الظهر أو الفجر في مسجد ذي الحليفة، وإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين بنية صلاة الضحى، أو سنة الوضوء، أما جعله صلاة خاصة بالإحرام فغير صحيح.
(2)
قوله (وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الإِحْرَامَ):
الضمير عائد على المحرم، فينوي المحرم بقلبه نسكه، فلا يصير محرماً بمجرد تجرده من ثيابه ولبسه لإزاره وردائه بل لابد من النية لقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.. ) (2). بل لو لبى بدون نية الدخول في النسك فإنه لا يكون مُحِرْماً بمجرد التلبية، فالنية شرط لقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.. ).
(3)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ. وَيَشْتَرِطَ، وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ إِنِّيْ أُرِيْدُ
النُّسُكَ الْفُلانِيَّ): أي أن يقول بلسانه نويت حجاً، أو نويت عمرة، أو =12
فَإِنْ حَبَسَنِيْ حَابِسٌ، فَمَحَلِّيْ حَيْثُ حَبَسْتَنِيْ (1)،
= نويت عمرة وحجة، وغير ذلك.
وهذا ما ذهب إليه الحنفية (1) في المختار عندهم، والشافعية (2)، والحنابلة (3) في المذهب، وعللوا لذلك ليوافق اللسان القلب.
وذهب بعض الحنفية (4) والحنابلة (5) إلى أن التلفظ بالنية مكروه.
أما المالكية (6) فذهبوا إلى جواز التلفظ بالنية، لكن الأولى تركه إلا لموسوس فيستحب التلفظ بها.
فهذه أقوال أصحاب المذاهب في التلفظ بالنية.
قال سماحة شيخنا (7) ابن باز رحمه الله ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: والصواب من هذه الأقوال أنه لا يشرع التلفظ بالنية لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنهم كانوا يقولون ذلك، ولا فرق بين الحج والعمرة وغيرها من العبادات.
أما قول (لبيك حجاً)، أو (لبيك عمرة) فهذا ليس بنية وإنما هو تسمية للنسك.
(1)
قوله (فَإِنْ حَبَسَنِيْ حَابِسٌ، فَمَحَلِّيْ حَيْثُ حَبَسْتَنِيْ):
أي إن منعني مانع من إتمام نسكي فإني أحل من إحرامي حين حصول المانع، وهذا ما يسمى بالاشتراط في الإحرام.1234567
..................................
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يسن مطلقاً؛ وهو قول الشافعية (1) والحنابلة (2) واحتجوا لذلك بحديث ضباعة بنت الزبير، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها ذلك.
القول الثاني: أنه لا يسن مطلقاً، وهذا هو قول الحنفية (3)، والمالكية (4)، بل ذهبوا إلى عدم صحة الاشتراط في الإحرام، وعدم إباحة التحلل عند حصول المانع له، واحتجوا لذلك بقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ... ﴾ (5)
القول الثالث: أنه يسن لمن خاف مانعاً من إتمام الحج كالمرأة الحامل تخاف أن تلد فتصير نفساء، أو رجلاً يخاف عدواً أن يحبسه من إتمام النسك، فهنا يسن لمن كان هذا حاله أن يشترط كما في حديث ضباعة بنت الزبير.
أما من لم يخف فلا يسن له الاشتراط، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (6)، وهو ما رجحه شيخنا (7) رحمه الله.
والذي أراه: أنه لا ينبغي الاشتراط لكل أحد، بل من خاف من مرضٍ أو حبسٍ أو غيره فيشترط وإلا فلا.
ذكر بعض الفوائد
:1234567
قوله وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ، وَالإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ (1)، وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الإِفْرَادُ، ثُمَّ الْقِرَانُ (2)، - فائدة (1): الفائدة في الاشتراط؟ الفائدة أنه إذا وجد مانع يمنعه من الحج حلَّ من إحرامه مجاناً أي بلا هدي وإلا فالواجب عليه إن حلَّ من إحرامه عند عدم الاشتراط هدي، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ... ﴾ (1).
فائدة (2): هل للمرأة أن تشترط إذا خافت مجيء الدورة الشهرية لها؟
هذا محل نظر عند أهل العلم، ويرى شيخنا أن لها أن تشترط، فإذا جاءت الدورة حلَّت ولا شيء عليها.
قلت: والأحوط لها أن لا تشترط لأنها تعرف موعد دورتها فالأولى لها أن لا تحرم إذا كانت تعلم أن الدورة ستأتيها.
(1) قوله (وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ، وَالإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ): وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ.. ) (2) فقولها رضي الله عنها فمنا من أهلَّ بعمرة هو المتمتع لأنه سيهل بالحج في يوم التروية بعد أن أهل بعمرة ثم يتحلل منها فيأتي في سفرة واحدة بعمرة وحج متمتعاً بينهما بالتحلل كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعريف التمتع.
(2)
قوله (وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ، ثم الإفراد، ثم القرآن):
أي أفضل الأنساك الثلاثة هو التمتع.12
..................................
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة يعني أي الأنساك أفضل؟
فذهب المالكية 1، والشافعية 2 إلى أن الإفراد أفضل، واستدلوا لذلك بما يلي:
1 - حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وفيه قولها (.. وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْحَجِّ.. ) 3، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مفرداً.
2 - أن الإفراد أشق عملاً من القران، وليس فيه استباحه محظور كما في المتمتع فيكون أكثر ثواباً، واشترط الشافعية لكون الإفراد أفضل من غيره أن يحج ثم يعتمر من سنته، فإن أخر العمرة عن سنة الحج فكل واحد من التمتع والقران أفضل من الإفراد لأن تأخير العمرة سنة الحج مكروه.
هذا هو القول الأول في المسألة.
القول الثاني فيها: ما ذهب إليه الحنفية 4، قالوا بأن أفضل الأنساك القران ثم التمتع ثم الإفراد.
واستدلوا لذلك بأدلة منها:
1 - حديث عمر رضي الله عنه حيث قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) 5، الشاهد منه أن الله تعالى أمر نبيه أن يدخل العمرة في الحج بعد أن كان مفرداً ولا يأمره إلا بالأفضل، وهذا يجمع بين الروايات المختلفة في حجه صلى الله عليه وسلم فالمصير إليه =
..................................
= متعين.
2 - ومن أدلتهم أيضاً أن القران أشق لكونه أدوم إحراماً وأسرع إلى العبادة، ولأنه فيه جمعاً بين العبادتين فيكون أفضل.
القول الثالث: وهو قول الحنابلة 1 وهو ما ذكره المؤلف هنا أن التمتع أفضل الأنساك ويليه في الفضل الإفراد ثم القران، واحتجوا لذلك بأدلة منها:
1 - حديث جابر رضي الله عنهما وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (.. لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) 2. وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتمتع، وتمناه لنفسه، ولا يأمر ولا يتمنى إلا الأفضل.
2 - أن التمتع يجمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما، وكمال أفعالهما، على وجه اليسر والسهولة، مع زيادة نسك، فكان ذلك أولى.
فهذا مجمل أقوال الفقهاء في هذه المسألة.
والراجح عندي أن أفضل الأنساك هو التمتع لمن لم يسق الهدي، فإن ساق الهدي كان القران في حقه أفضل بخلاف المذهب فقد جعل التمتع أفضل مطلقاً.
لكن الصواب ما ذكرناه أن أفضل الأنساك التمتع لمن لم يسق الهدي، فإن ساق الهدي كان القران أفضل، فإن كان قد اعتمر في نفس السنة فالإفراد في حقه أفضل لأنه يأتي بنسك تام في سفرة مستقلة.
وَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغُ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِيْ عَامِهِ (1)،
= وكون التمتع أفضل إن لم يسق الهدي ولم يعتمر في نفس السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تمناه لنفسه ولأنه أمر به أصحابه ممن لم يسق الهدي، ولأنه منصوص عليه في كتاب الله، قال تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ... ﴾ (1) ولأنه يجمع بين نسكين في سفرة واحدة كل نسك على حده.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (2)، واختيار الشيخين (3) رحمهما الله.
فائدة: هل التمتع واجب؟
الصواب: لا، وقيل واجبٌ على أصحابه.
(1)
قوله (وَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغُ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِيْ عَامِهِ): بدأ المؤلف ببيان صفة الأنساك فبدأ بالتمتع لكونه هو الأفضل فذكر فيه ثلاثة أوصاف:
الأول: (أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج) وهي: (شوال، وذو القعدة، وذو الحجة) على القول الصحيح كما ذكرنا ذلك سابقاً.
فلو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج كأن يحرم بها في رمضان ثم يطوف ويسعى ويبقى إلى الحج فلا يكون متمتعاً لأنه أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج.
الثاني: (الفراغ منها) يعني العمرة: ومعناه أن يحل من العمرة، ومعنى ذلك لو أحرم بالحج قبل طواف العمرة لم يكن متمتعاً بل يكون قارناً.123
وَالإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ (1)، وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا (2)، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ (3)، (1) قوله (وَالإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ): هذه هي صفة الإفراد، وهي أن يحرم بالحج وحده من الميقات قائلاً عند إهلاله (لبيك حجاً).
(2)
قوله (وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا):
أي بالحج والعمرة من الميقات، ودليله حديث عمر رضي الله عنه أن النبي قال (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) (1) (3)
قوله (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ):
هذه هي صفة أخرى للقران وهي أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها أعمال الحج قبل الشروع في أحد أعمالها.
دليل ذلك حديث جابر رضي الله عنهما في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال (.. دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَوَجَدَهَا تَبْكِي فَقَالَ مَا شَأْنُكِ قَالَتْ شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا.. ) 2.
قلت: والأظهر عندي أن ما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - حال ضرورة فيقاس عليها من احتاج لذلك، فالقول بالإدخال مطلقاً فيه نظر، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أحرم بالحج أن يجعلها عمرة ولم يرشدهم إلى ما أرشد به عائشة رضي الله عنها.1
وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ العُمْرَةَ، لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ (1) (1)
قوله (وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ العُمْرَةَ، لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ): هذا هو المشهور في المذهب (1)، وعليه جمهور أهل العلم، وذلك لأن إدخال العمرة على الحج لا يفيد لأنه يدخل الأصغر وهو العمرة على الأكبر وهو الحج، وأفعال الحج هي أعمال العمرة وزيادة وسيبقى على إحرامه إلى يوم العيد.
وذهب الحنفية (2) إلى جواز ذلك وأنه يصير قارناً لحديث عمر المتقدم، ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج أولاً كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه قوله: (.. ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) (3)، وفي رواية (أَفْرَدَ بِالْحَجِّ) (4)، ثم جمع بينهما كما في حديث عمر.
وهذا هو الصحيح، وهو ما يميل إليه شيخنا (5) رحمه الله.
وتعليل الفقهاء بأنه لا يستفيد من ذلك فيه نظر، بل يستفيد بلا شك لأنه بدل من أن يأتي بنسك واحد أتى بِنُسكين.
ذكر بعض الفوائد
المتعلقة بما سبق:
فائدة (1): من أحرم بالعمرة في أشهر الحج
ولم يكن في نيته أن يحج ثم بدا له أن يحج: لا يكون متمتعاً لكونه لم يكن عنده نية حج.
وقال بعض أهل العلم لا يلزم أن ينوي التمتع عند الإحرام بالعمرة.12345
فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى (1)،
- فائدة (2): هل الأفضل للإنسان أن يسوق الهدي
ويقرن أو يدعه ويتمتع؟ نقول الأفضل يكون بحسب علم الناس وجهلهم بالسنة، فإذا كان الناس لا يعرفون أن سوق الهدي سُنَّة، أو قد أُمِيتت هذه السُنَّة فَسوقُ الهدي أفضل وذلك لإحياء هذه السنة، أما إذا كان الأمر معلوماً والناس يفعلونه ويشق عليه سوق الهدي فترك سوق الهدي أفضل.
-
فائدة (3): المذهب (1) أن الإفراد أفضل من القران.
والصواب: أن القران أفضل من الإفراد مطلقاً لأن المحرم يأتي فيه بنسكين بخلاف الإفراد.
فائدة (4): عمل المفرد والقارن سواء
: إلا أن القارن عليه هدي لحصول النُسكين له بخلاف المفرد.
فائدة (5): من أخذ عمرة في أشهر الحج ثم سافر مسافة قصر
هل يعتبر متمتعاً؟ نقول هذا محل خلاف: قيل: إنه متمتع شاء أم أبى، وقيل: ليس بمتمتع، وقيل إن سافر إلى بلده فليس بمتمتع وإن سافر إلى غير بلده فهو متمتع ولو كان سفره مسافة قصر، ويميل إلى ذلك شيخنا رحمه الله (2)، وهو الراجح.
(1)
قوله (فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى):
وقيل: بل يلبي في مصلاه، وهو المذهب 3 ومذهب الحنفية 4.12
فَيَقُوْلُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ (1)، لَبَّيْكَ لا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ (2) إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيْكَ لَكَ (3)،
وقيل: بل إذا علا أول شيء بعد ركوب راحلته.
وقيل: ما ذكره المؤلف هنا أن يلبي حين استواءه على راحلته.
والصواب: أنه يفعل الأيسر له، ونحن نلمس أن الأيسر إذا ركب راحلته.
وهذا ما ذهب إليه جمهور (1) الفقهاء.
(1)
قوله (فَيَقُوْلُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ):
هذه التلبية هي شعار الحج، وهي توحيد خالص لله تعالى ولم يذكر المؤلف هنا ما يلبي به الحاج عند إرادة نسكه.
والصواب: أنه يلبي فيقول (لبيك اللهم حجاً)، أو (لبيك اللهم عمرة وحجاً)، أو يقول (لبيك اللهم عمرة)، ثم يأتي بالتلبية المعروفة.
ومعنى (لبيك اللهم لبيك): أي إجابة لك بعد إجابة.
وقيل في معناها أيضاً: أنا مجيب لك مقيم على طاعتك.
(2)
قوله (لَبَّيْكَ لا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ):
أي إجابة وإقامة على شرعك وطاعة لك لا إشراك في ذلك كله، والتكرار هنا للتأكيد.
(3)
قوله (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيْكَ لَكَ):
(الحمد) هو الوصف بالكمال مع المحبة والتعظيم، (والنعمة) أي الفضل والإحسان، (لك) اللام للاختصاص لأنه سبحانه وتعالى هو المحمود والمنعم، (والملك) شامل لملك الأعيان وتدبيرها، وفي هذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له.1
وَيُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ مِنْهَا (1) وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا (2) -
فائدة (1): هل يشرع الزيادة على هذه التلبية؟
الجواب: نعم كما جاء ذلك عن بعض الصحابة حيث زادوا على ذلك، فقد روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يزيد في التلبية (لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ) (1)، فلا بأس بهذه الزيادة.
فائدة (2): هل للإنسان أن يكبر بدل التلبية؟
نقول له ذلك كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَدَاةِ عَرَفَةَ فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ) (2).
(1)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ مِنْهَا):
أي التلبية دليل ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا) (3)، ولقوله صلى الله عليه وسلم عِنْدَمَا سُئِلَ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ قَالَ: (الْعَجُّ وَالثَّجُّ) (4)، والعج: هو الإكثار من التلبية، والثج: سفك دم الهدي والقرابين.
2 قوله (وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا): أي يستحب رفع الصوت بالتلبية؛ ففي صحيح
البخاري من حديث أنس (.. وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا) 5، يعني التلبية.134
لِغَيْرِ النِّسَاءِ (1) وَهِيَ آكَدُ فِيْمَا إِذَا عَلا نَشَزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا (2)، = وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَمَرَنِي أَنْ أُعْلِنَ التَّلْبِيَةَ) (1).
لكن كيف يكون رفع الصوت بها؟
نقول: يكون على قدر الطاقة، ولا يرفع صوته في ذلك بأشد ما يقدر عليه بحيث لا يؤذي من حوله.
(1)
قوله (لِغَيْرِ النِّسَاءِ):
أي لا يستحب لهن رفع الصوت بها، أما الإكثار منها فيشرع وذلك لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت إذا كان بقربها رجال.
أما إذا انفرد بها محارمها كزوجها أو أخيها أو أبيها فلا بأس أن ترفع صوتها قليلاً.
(2)
قوله (وَهِيَ آكَدُ فِيْمَا إِذَا عَلا نَشَزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا):
أي يتأكد استحباب التلبية إذا علا مكاناً مرتفعاً أو هبط وادياً وذلك قياساً على استحباب التسبيح له إذا هبط وادياً.
فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال (كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا) 2.
وفيه أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (.. أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي) 3.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح 4 وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين إنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود.1
أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا نَاسِيًا، أَوْ لَقِيَ رَاكِبًا، وَفِيْ أَدْبَارِ الصَّلاةِ، وَبِالأَسْحَارِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (1). =قال إبراهيم النخعي (1) كانوا - يعني الصحابة رضوان الله عليهم - يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وإذا هبط وادياً، وإذا علا نشزاً، وإذا لقي ركباً، وإذا استوت به راحلته.
فائدة: اختلف الفقهاء في هل يلبي وهو جالس أو يلبي وهو سائر؟
قيل: يلبي وهو سائر فقط، أما إذا كان نازلاً في عرفات أو مزدلفة أو منى فلا يلبي، لأن التلبية معناها الإجابة وهي لا تتناسب مع المكث.
وقيل: بل تشرع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة سواء كان ماكثاً أو سائراً، وهو الصواب.
(1)
قوله: (أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا نَاسِيًا، أَوْ لَقِيَ رَاكِبًا، وَفِيْ أَدْبَارِ الصَّلاةِ، وَبِالأَسْحَارِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ):
أي أن التلبية تتأكد في هذه المواضع، فمتى سمع حاجاً أو معتمراً يلبي فهنا ينبغي له أن يلبي لأنه مثله في إحرامه، وهكذا لو فعل محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً فهنا لاشيء عليه، ويكفيه الاستغفار وتكرار التلبية، ويكرر التلبية إذا التقى بالآخرين من الركبان سواء كانوا على رواحلهم أو في سياراتهم، وكذا بعد الصلوات بعد أن ينهي ما يتعلق بالصلاة من الذكر يلبي، وهكذا في وقت السحر آخر الليل، وأول النهار وأول الليل، فالحاج والمعتمر يكثر من التلبية لأنها شعار الحج، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- عندما سئل أي الحج أفضل: (الْعَجُّ وَالثَّجُّ) 2.1
بَابُ مَحْظُوْرَاتِ الإِحْرَامِ
(1) وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعَرِ، وَقَلْمُ الظُّفُرِ (2) (1)
قوله (بَابُ مَحْظُوْرَاتِ الإِحْرَامِ):
هذا من إضافة الشيء إلى سببه؛ أي التي سببها الإحرام ومعنى المحظور: الممنوع؛ قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ (1) أي ممنوعاً.
فائدة: المحظورات ثلاثة أقسام
:
القسم الأول: ما يحرم على الرجال والنساء
، وهو:
(أ) إزالة الشعر.
(ب) تقليم الأظفار.
(ج) استعمال الطيب.
(د) الجماع ودواعيه؛ كعقد النكاح، والمباشرة، واللمس بشهوة، والتقبيل بشهوة.
(هـ) لبس القفازين باليدين.
(و) قتل الصيد، وهو الحيوان البري المتوحش الحلال.
القسم الثاني: ما يحرم على الرجال دون النساء
، وهو شيئان:
(ا) لبس المخيط.
(ب) تغطية الرأس بملاصق.
القسم الثالث: ما يحرم على النساء دون الرجال
، وهو النقاب.
(2)
قوله (وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعَرِ، وَقَلْمُ الظُّفُرِ):
هذان هما المحظوران الأول والثاني من محظورات الإحرام.1
..................................
=فالأول: (حَلْقُ الشَّعَرِ)، ولم يقل حلق الرأس وذلك ليشمل جميع أنواع الشعر الموجود في البدن كشعر العانة والإبط وما في الوجه وما في الرجل واليدين وغير ذلك مما هو في البدن.
وذهب الظاهرية 1 إلى أن الشعر الذي نهى عنه المحرم حال إحرامه والذي هو من محظورات الإحرام إنما هو شعر الرأس فقط وذلك لأن النص إنما ورد به، ولأن الأصل الحل فيما يأخذه الإنسان من الشعور فلا يمنع الإنسان أن يأخذ شيئاً من شعوره إلا بدليل.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فلا يجوز للمحرم أن يحلق شعر رأسه ولا غيره حال إحرامه قياساً على شعر الرأس، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ... ﴾ 2
وقوله (وَقَلْمُ الظُّفُرِ): هذا هو المحظور الثاني، وتقليم الأظافر يشمل إزالتها بأي شيء كان بالتقليم أو بالقص أو بالخلع أو بغير ذلك.
أما دليل هذا المحظور فلم يرد فيه نص لا من القرآن ولا من السنة، لكن نقل ابن المنذر 3 الإجماع على أنه من محظورات الإحرام قياساً على الشعر بجامع الترفه وإزالة الشعث في كل منهما.
وقد استدل بعض العلماء على أن تقليم الأظفار من محظورات الإحرام بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ 4، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما =
فَفِيْ ثَلاثَةٍ مِنْهَا دَمٌ (1)،
= وغيره في قضاء التفث: حلق الرأس وتقليم الأظفار، ونتف الإبط (1)..، وعلى هذا تكون الآية دالة على أن الأظفار كالشعر بالنسبة للمحرم.
وذهب الظاهرية إلى أن تقليم الأظفار ليس من محظورات الإحرام، وإليه ذهب ابن مفلح (2) من الحنابلة كما في الفروع (3) وذلك لأن العلة إن كانت الترفه فالترفه بإزالة الشعر لا يشابه الترفه بإزالة الأظفار فلا يتوجه الإلحاق.
والصحيح: كما ذكرنا إلحاق الظفر بالشعر لاسيما وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك ولتفسير ابن عباس رضي الله عنهما للآية.
(1)
قوله (فَفِيْ ثَلاثَةٍ مِنْهَا دَمٌ):
أي متى حلق المحرم ثلاث شعرات فعليه دم، أو قلم ثلاثة أظافر فعليه دم، لأن أقل الجمع ثلاثة.
وقد اختلف الفقهاء في العدد الذي تجب فيه الفدية في حلق الرأس وتقليم الأظفار على أقوال في المذهب 4:
فالمذهب: أن الفدية إنما تجب في ثلاث شعرات فما زاد، وفي رواية أخرى ذكرها الخرقي أنه لا يجب إلا في أربع فصاعداً لأن الأربع كثير أشبهت ربع الرأس، وفي رواية أنه لا يجب فيما دون خمس.
وقال أبو حنيفة 5 لا يجب الدم بدون ربع الرأس لأنه يقوم مقام الكل.
وقال مالك 6 إذا حلق من رأسه ما أماط به الأذى وجبت الفدية، وإليه =123
وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا دُوْنَهَا مُدُّ طَعَامٍ، وَهُوَ رُبُعُ الصَّاعِ (1)
= يميل شيخنا (1) رحمه الله.
وهو ما يسمى به حالقاً لرأسه، وهذا هو الراجح.
(1)
قوله (وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا دُوْنَهَا مُدُّ طَعَامٍ، وَهُوَ رُبُعُ الصَّاعِ):
أي وفي كل واحدة من شعر الرأس وتقليم ظفر واحد من ذلك مد من طعام، ففي الإصبعين مدان، وفي الشعرتين مدان، وهو ملأ يدي الرجل المتوسط ويقدر بالجرام بـ 562 جرام, وما ذكره المؤلف هنا هو المذهب (2)، وفي رواية عنه قبضة، وفي رواية أخرى درهم.
واختيار شيخنا رحمه الله (3) أنه لا دليل على ما ذكر وأنه لا يلزمه شيء إلا إذا حلق ما به إماطة أذى مما يسمى به حالقاً لرأسه، أما ما دونه فلا شيء عليه لعدم الدليل.
والأظهر عندي: ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله، دليل ذلك:
أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه، والحجامة في الرأس يترتب عليها حلق جزء من الشعر ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه فدى.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (4)، فهو لا يحلق إذا كان به أذى من رأسه إلا ما يماط به الأذى فعليه فدية.
فائدة (1): فاعل المحظورات لا يخلو من إحدى ثلاث حالات
:
1 - أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة؛ فهذا آثم وعليه الفدية.
2 - أن يفعل المحظور لحاجة إلى ذلك؛ فله فعل المحظور ولا إثم عليه وعليه =1234
..................................
=الفدية.
3 - أن يفعل المحظور جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً؛ فلا إثم عليه.
وهل عليه فدية؟
الصحيح: أنه لا فدية عليه لأنه معذور، وقد رفع الله الحرج عن الناسي والجاهل والمخطئ.
فائدة (2): أحوال حلق شعر الرأس بالنسبة للمحرم
:
أولاً: أن يحلق الرأس كله أو أكثره فعليه الفدية.
ثانياً: أن يحلق بعض الرأس لكنه معذور لحجامة أو من أثر جرح وما أشبه ذلك فإنه يحلق ما يحتاج إليه ولا شيء عليه.
ثالثاً: إذا أخذ شعرات من رأسه فعلى خلاف كما سبق، والصواب أنه لا شيء عليه لأنه لا يعد حلقاً.
فائدة (3): هل المتعين في الفدية الدم؟
المتعين في جميع المحظورات أحد أمور ثلاثة: الدم، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، أما الجماع قبل التحلل الأول ففيه بدنه، وجزاء الصيد فيه مثله من النعم.
فائدة (4): هل للمحرم أن يحك رأسه؟
نقول له ذلك إلا أن يحكه ليتساقط الشعر فهو حرام، أما إذا حكّه لحاجة ثم تساقط منه شعر بغير قصد فلا يضره.
فائدة (5): المحظورات في الفدية لها أقسام
: الأول: ما لا فدية فيه؛ كعقد النكاح، والخطبة، فهما حرام على المحرم ولا =
وَإِنْ خَرَجَ فِيْ عَيْنِهِ شَعَرٌ فَقَلَعَهُ (1)، أَوْ نَزَلَ شَعَرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ، أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ.
الثَّالِثُ: لُبْسُ المَخِيْطِ (2) إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ إِزَارًا، فَيَلْبَسَ سَرَاوِيْلَ (3)،
= فدية فيهما.
الثاني: ما فديته بدنة، وهو الجماع قبل التحلل الأول.
الثالث: ما فديته مثله وهو الصيد.
الرابع: ما فديته فدية الأذى وهو على التخيير بين دم أو إطعام أو صيام وهو باقي المحظورات.
(1)
قوله (وَإِنْ خَرَجَ فِيْ عَيْنِهِ شَعَرٌ فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعَرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ، أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ):
وهذا بالاتفاق عند أهل العلم فلا شيء على من فعل ذلك لأنه معذور.
(2)
قوله (الثَّالِثُ: لُبْسُ المَخِيْطِ):
أي النوع الثالث من محظورات الإحرام وهو لبس المخيط، والمراد بالمخيط كل ما خيط على قياس عضو أو على البدن كله مثل القميص والسراويل والجبة والسدرية وما أشبهها، وليس المراد بالمخيط ما فيه خياطه، وقوله (لُبْسُ) فيه إشارة أنه لا يعد محظوراً إلا إذا لبس، فلو وضعه وضعاً فليس عليه شيء أو طرحه على كتفه من غير لبس له فلا شيء عليه، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل ما يلبس المحرم قال (لا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلا الْعَمَائِمَ وَلا السَّرَاوِيلاتِ وَلا الْبَرَانِسَ وَلا الْخِفَافَ.. ) (1). (3)
قوله (إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ إِزَارًا، فَيَلْبَسَ سَرَاوِيْلَ):
لا فدية عليه لأنه بدل =1
أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ (1)، = شرعي، أما إذا لم يكن عنده رداء فيبقى على ما هو عليه لأنه يجوز للإنسان أن يبقى متزراً بين الناس وهو ليس في ضرورة إلى رداء، أما إذا احتاج لشيء يستر بدنه لكونه لا يستطيع أن يبقى مكشوف الصدر والظهر، أو يخاف من المرض فله أن يلبس القميص، وعليه إخراج فدية لأن الإنسان إذا احتاج لفعل المحظور فعله وفدى كما في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.
(1)
قوله (أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ):
هذا كسابقه، فمتى لم يجد المحرم النعلين فله أن يلبس الخفين ولا فدية عليه.
وهل يلبس الخفين عند الحاجة أم عند فقد النعلين؟
الجواب: الذي يظهر أن ذلك عند الحاجة، فمن لم يحتج الخفين عند فقد النعلين فلا يلبس كما هو الحال في وقتنا الحاضر.
فائدة (1): هل يلزم قطع الخفين حتى تكون أسفل الكعبين؟
اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: يلزمه أن يقطعهما لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (.. فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ) 1. وقيل: لا يجب القطع لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم وفيه (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ) 2، ولم يأمرنا بالقطع وهذا هو اختيار شيخنا رحمه الله 3.
الرَّابِعُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَالأُذُنَانِ مِنْهُ (1)
- فائدة: هل يلبس المحرم الإزار الذي هو على شكل تنورة؟
نقول ذهب شيخنا رحمه الله إلى جواز لبس ذلك، وعلل ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أشياء محدودة وليس هذا منها، وقد ناقشت شيخنا في ذلك ولكنه وسَّع في ذلك رحمه الله.
والصواب: أنه لا يجوز، ومن لبسه فقد أفتى أكثر أهل العلم المعاصرين أن عليه فدية.
(1)
قوله (الرَّابِعُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَالأُذُنَانِ مِنْهُ):
اتفق الفقهاء على أن تغطية الرأس يعد من محظورات الإحرام ويحرم على المحرم ستره أو ستر بعضه أخذاً من تحريم لبس العمائم والبرانس.
لكن اختلف الفقهاء في ضابط هذا الستر:
فالحنفية 1، والحنابلة 2 قالوا: يحرم ستره بما يقصد به التغطية عادة.
أما المالكية 3 فقالوا: يحرم ستر المحرم رأسه بكل ما يعد ساتراً مطلقاً حتى جعلوا وضع اليد على الرأس مما يحرم على المحرم فعله.
وقال الشافعية 4 بمثل قول المالكية غير أنهم قالوا يحرم ما يعد ساتراً عرفاً فإن لم يكن عرفاً فيحرم ما قصد به الستر مثل من وضع يديه على رأسه.
والصحيح من الأقوال: ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة: أنه يحرم ما قصد به التغطية وكان عادة.
.................................. =أما التظلل بما ليس بملاصق للرأس فهو جائز اتفاقاً مثل سقف الخيمة والبيت ومظلة الحمل والسيارات المسقوفة، دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث أم الحصين رضي الله عنها قالت (حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلالا وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) (1). ولأن ما حل للحلال حل للمحرم إلا ما قام الدليل على منعه.
ذكر بعض الفوائد
:
- فائدة 1: اختلف الفقهاء في حكم تغطية الوجه للمحرم: فذهب الحنفية 2، والمالكية 3، وهي إحدى الروايتين في المذهب 4 إلى أنه يحظر على المحرم ستر وجهه، واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال صلى الله عليه وسلم (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) 5. وفي رواية لمسلم: (وَلا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) 6. واستدلوا أيضاً بأن المرأة لا تغطي وجهها مع أن في الكشف فتنة، فالرجل =
..................................
= بطريق الأولى.
أما الشافعية (1)، والحنابلة (2) فذهبوا إلى أنه ليس بمحظور ستر الوجه بل يباح فعل ذلك، واستدلوا لذلك بما ورد من الآثار عن السلف في ذلك، وهذا هو اختيار شيخنا (3).
ورجح سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (4) عدم تغطية الوجه.
والذي يظهر لي: أن الأمر في ذلك واسع بالنسبة للحي، أما الميت فلا يغطى وجهه، وهذا هو الفرق بين المحرم الحي، والمحرم الميت.
- فائدة (2): في حكم لبس القفازين:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحرم على المرأة المحرمة لبس القفازين لقوله صلى الله عليه وسلم (.. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) 5.
وذهب الحنفية 6 إلى جواز لبس المرأة للقفازين، ويقتصر إحرامها على وجهها، واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (إِحْرَامُ المَرْأَة في وَجْهِهَا) 7، وأيضاً احتجوا لذلك بما ورد عن بعض الصحابة كسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يُلبس بناته القفازين وهن محرمات.
=1234
الخامِسُ: الطِّيْبُ فِيْ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ (1) = والراجح عندي: ما ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار الشيخين (1).
(1)
قوله (الخامِسُ: الطِّيْبُ فِيْ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ):
هذا هو المحظور الخامس من محظورات الإحرام فيحرم على المحرم وضع الطيب في بدنه وكذا ثيابه دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) (2). أما دليل النهي عن تطييب الثوب حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (.. لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلا الْوَرْسُ.. ) (3)، والزعفران نوع من الطيب، والمراد بالطيب هو ما يتطيب به عادةً فليس كل ما كان له رائحة زكية يسمى طيباً كالتفاح والنعناع، وكذا الصابون الذي له رائحة، وما أشبه ذلك مما له رائحة زكية تميل إليها النفس.
لكن ما الحكمة من نهي المحرم عن التطيب حال إحرامه
؟ نقول الحكمة من نهي المحرم عن الطيب أن الطيب يعطي الإنسان نشوة وربما يحرك شهوته ويلهب غريزته ويحصل بذلك فتنة له والله تعالى يقول ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (4)، ثم إنه أيضاً قد ينسيه ما هو فيه من العبادة فلذلك نهى عنه.
فائدة (1): هل يجوز شم الطيب للمحرم؟
1234
السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ (1)
نقول ذهب جمهور الفقهاء (1) إلى كراهة شم الطيب دون مسه ولا جزاء فيه عندهم وذهب الحنابلة (2) إلى حرمة تعمد شم الطيب ويجب فيه الفداء.
والصحيح عندي أن الشم له ثلاث حالات:
الأول: أن يشمه بلا قصد فهذا لا يحرم.
الثانية: أن يتقصد شمّه لكن لا يتلذذ به ولا يترفه كذلك به بل ليختبره، فهذا لا بأس به.
الثالثة: أن يقصد شمّه للتلذذ به، فهذا الأظهر عندي أنه لا ينبغي، لكن الإلزام بالفدية محل نظر.
- فائدة (2): القهوة التي يوضع فيها شيء من الطيب أو الزعفران: إذا بقي الطيب فيه فلا يشربها، وإذا لم تبق له رائحة وإنما مجرد لون فلا بأس.
(1)
قوله (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ):
أي السادس من محظورات الإحرام قتل صيد البر، ودليل تحريمه على المحرم الكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ... ﴾ 3 وقال تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما﴾ 4.
أما السنة: فكما في حديث أبي قتادةرضي الله عنه حيث أحرم أصحابه ولم يحرم ورأى حماراً وحشياً فاصطاده، وفيه قول الصحابة له (.. أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ)، إلى قوله صلى الله عليه وسلم لهم (.. أَمِنْكُمْ أَحَدٌ =12
وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا (1) مُبَاحًا (2)، = أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا قَالُوا لا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا) (1). أما الإجماع فقد قال ابن قدامة (2) في المغني (وقد أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء بقتله).
(1)
قوله (وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا):
هذا هو القيد الأول فيما لا يحل للمحرم صيده وهو الحيوان البري المتوحش فما كان بحرياً فلا يحرم اصطياده للمحرم.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (3).
- فائدة (1) لو استأنس البري هل يجوز للمحرم اصطياده؟
الجواب: لا؛ لأنه باعتبار أصله هو بري، فمتى استأنس الظباء أو الأرانب أو البط أو الحمام فلا يحل للمحرم اصطياده.
فائدة (2) ما يعيش في البر والبحر إلحاقه بالبري أحوط
: لاجتماع جانب الحظر والإباحة فيه فيغلب جانب الحظر.
فائدة (3) إذا صاد السمك داخل حدود الحرم
كأن تكون بحيرة بها أسماك فهل يجوز؟ قولان؛ والصحيح أنه يجوز لأن المحَّرم صيد البر.
(1)
قوله (مُبَاحًا):
أي مأكولاً وهذا هو القيد الثاني وخرج به غير المباح، فهو ليس من محظورات الإحرام.
لكن هل يجوز قتله؟123
فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ (1)، وَالأَهْلِيِّ (2)، وَمَا حَرُمَ أَكْلُهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ (3)
نقول هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما أمر بقتله: كالغراب والحدأة والعقرب، والفأرة والكلب العقور والحية والذئب والأسد وما أشبهها، فهذه تقتل في الحل والحرم.
قال صلى الله عليه وسلم (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحُدَيَّا) (1) وهذا ليس على سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل وإلا فما ذكرنا فهي أشد أذية.
الثاني: ما نهى عن قتله: مثل النملة، والنحلة، والهدد، والصُّرد فلا يقتل في الحل ولا في الحرم.
الثالث: ما سكت الشارع عنه: فلم يأمر بقتله ولم ينه عنه، فإن حصل منه أذية ألحق بالمأمور بقتله، وإن لم يؤذ فقد اختلف فيه الفقهاء: فقيل يقتل لأنه مما سكت عنه الشارع فهو مما عفي عنه، وقيل يكره لأن الله خلقه لحكمة فلا ينبغي قتله، وهذا هو الأولى عندي.
(1)
قوله (فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ):
فلا يحرم على المحرم صيده ولا أكله لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ... ﴾ (2). (2)
قوله (وَالأَهْلِيِّ):
أي وما كان أهلياً كالبعير والشاة والبقر والدجاج ونحوها فلا يحرم أيضاً صيده ولا أكله لأنه ليس بصيد.
(3)
قوله (وَمَا حَرُمَ أَكْلُهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ):
كالكلاب والخنازير والسباع ونحوها هذه لا شيء في صيدها، ويدخل في ذلك الحشرات كالذباب والبعوض =12
إِلاَّ مَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُوْلٍ وَغَيْرِهِ (1)
= وغيرها فلا شيء في قتلها.
لكن هل يجوز قتلها في الحرم؟ ذكرنا ذلك قريباً.
(1)
قوله (إِلاَّ مَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُوْلٍ وَغَيْرِهِ):
أي فلا يحل صيده تغليباً لجانب الحظر فلو تولد شيء من صيد بري متوحش وصيد بري غير متوحش فإنه يكون حراماً، أو يكون مأكولاً فينزو عليه غير مأكول فيصير حراماً مثل الذئب ينزو على ضبع فتلد منه فالضبع صيد والذئب ليس بصيد لكن الولد حرام تغليباً لجانب الحظر.
- فائدة (1): إذا صاد غير المحرم صيداً فهل يحل للمحرم أكله؟
نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الجمهور 1 إلى أن ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز للمحرم أكله فأما ما صاده من أجل حظ نفسه لا غير فلا يحرم على المحرم أكله.
وذهب الحنفية 2 إلى أنه يحل للمحرم ما صاده الحلال من الصيد ما لم يأمر به أو تكون منه إعانة عليه أو إشارة أو دلالة.
والصحيح عندي: أنه إذا لم يكن للمحرم أثر في هذا الصيد لا دلالة ولا إعانة ولا مشاركة ولا استقلالاً ولا صيد من أجله فإنه يباح للمحرم وإلا لم يبح له.
دليل ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه السابق ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم =
..................................
= استفصل عن أشياء مخصوصة فقال أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا لا قال فكلوا ما بقي من لحمها.
أما ما استدل به البعض على أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد الحلال مطلقاً وهو حديث الصعب بن جثامة وأنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال (.. إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلا أَنَّا حُرُمٌ) (1)، فيجاب عنه بأن الصعب بن جثامة إنما صاده من أجل النبي صلى الله عليه وسلم لا من أجل نفسه ولذا رده إليه النبي صلى الله عليه وسلم، أما حديث أبي قتادة فهو رضي الله عنه إنما صاده من أجل نفسه ولذا أباحه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
فائدة (2): المحرم إذا صاد الصيد في حال تحريمه عليه
فليس له أكله لأنه محرم لحق الله.
فائدة (3): المحرم إذا قتل الصيد فهو حرام عليه وعلى غيره
لأنه بمنزلة الميتة.
فائدة (4): من اضطر إلى الأكل فذبح الصيد لذلك
فإنه يحل له لأنه لا تحريم مع الضرورة قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ 2. لكن هل يأكل منها بقدر الضرورة أم له أن يأكل ويتزود منه؟ قولان، والأرجح أن له أن يتزود منه، لأنه لما حل قتله لم يؤثر الإحرام فيه شيئاً، وقد أبيح قتله لضرورة فكانت حلالاً، لأن الآدمي أكرم عند الله عز وجل من الصيد.1
السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ (1)
- فائدة (5): إذا شارك غير مُحِرمٍ مُحْرماً في قتل صيد
فإنه يحرم عليهما جميعاً لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال حيث إن الحرام لم يتميز.
(1)
قوله (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ):
أي الأمر السابع من محظورات الإحرام عقد النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكَحُ وَلا يَخْطُبُ) 1، رواه مسلم عن عثمان رضي الله عنه.
فلا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره، بل لا يجوز لغيره أن يعقد له وهذا القول هو قول الجمهور 2 وذهب الحنفية 3 إلى أنه لا بأس للمحرم أن ينكح وينكح ويخطب، لكن إن تزوج فلا ينبغي له أن يدخل حتى يحل، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) 4.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يجوز للمحرم أن ينكح أو يُنكح لحديث عثمان رضي الله عنه المتقدم.
أما احتجاج الحنفية بما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما فيجاب عنه بأن ميمونة رضي الله عنها روت أن النبي صلى الله عليه وسلم (تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلالٌ) 5، كما جاء في الصحيحين =
وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ (1)
= عنها، وعلى هذا تكون رواية صاحب القصة والمباشر لها أولى من رواية غيره.
وقوله رحمه الله (لا يَصِحُّ مِنْهُ) أي إذا عُقِدَ على امرأة محرمة لزوج حلال فالنكاح لا يصح، وكذا العكس، وذلك لأن النهي هنا عائد على عين العقد، وما كان النهي عائداً على عينه فلا يمكن أن يكون صحيحاً.
مسألة (1): في حكم عقد النكاح بعد التحلل الأول:
اختلفت الرواية في المذهب في هذه المسألة.
والصحيح: أنه يجوز ذلك، وهي إحدى الروايتين عن أحمد (1)، واختارها شيخ الإسلام رحمه الله (2)، وهو أيضاً اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (3).
مسالة (2): لو عقد النكاح في حال الإحرام ثم بعد الإحلال دخل رجل بزوجته فأنجبت منه أولادا
ً: فلا بد من عقد جديد فيكون وطؤه الأول وطئاً بشبهة، وأولاده أولاد شرعيون أي ينسبون إليه شرعاً كما أنهم منسوبون إليه قدراً.
مسألة (3): إذا عقد النكاح وهو لا يدري أن عقد النكاح في حال الإحرام حرام
: فلا إثم عليه، لكن العقد لا يصح لأن العقود يعتبر فيها نفس الواقع.
(1)
قوله (وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ):
أي ولا فدية في عقد النكاح حال الإحرام وذلك لعدم الدليل الذي يدل على وجوبها.123
الثَّامِنُ: الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُوْنَ الْفَرْجِ (1) فَإِنْ أَنْزَلَ بِهَا (2) فَفِيْهَا بَدَنَةٌ (3)،
= وقال بعض الفقهاء بل فيه الفدية قياساً على اللباس لأن العلة فيهما واحدة وهي الترفه، بل الترفه بالنكاح أشد من اللباس.
قلت والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف لعدم ورود النص في وجوب الفدية على من فعل ذلك.
(1)
قوله (الثَّامِنُ: الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُوْنَ الْفَرْجِ):
أي المحظور الثامن من محظورات الإحرام المباشرة لشهوة دون الفرج وذلك لأن المباشرة وسيلة للوقوع في الجماع المحرم على المُحْرم، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ.. ﴾ 1، والرفث يشمل جميع أنواع الاستمتاع.
2 قوله (فَإِنْ أَنْزَلَ بِهَا): أي إن أنزل بسبب الشهوة منياً فما الحكم إذاً؟
(3) قال رحمه الله (فَفِيْهَا بَدَنَةٌ): قياساً على الجماع لأنها فعل موجب للغسل مع الإنزال، فأوجب الفدية كالجماع وهذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب أن قياس المباشرة دون الفرج على الجماع في وجوب الفدية لا يصح لأن المباشرة مع الإنزال لا توافق الجماع إلا في مسألة واحدة وهي وجوب الغسل ولا توافقه في فساد النسك ولا في وجوب قضاءه فكيف تلحق به، والرواية الثانية في المذهب أن عليه شاة.
والراجح: أن المباشرة دون الفرج مع الإنزال كسائر المحظورات فيها الفدية
على التخيير ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (2)، وهذا هو الرواية=
وَإِلاَّ فَفِيْهَا شَاةٌ (1). التَّاسِعُ: الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ (2) فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَسَدَ الْحَجُّ (3) = الثالثة (1) في المذهب، وهي اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (2). (1) قوله (وَإِلاَّ، فَفِيْهَا شَاةٌ): أي فإن باشر بشهوة كتقبيل أو لمس أو ضم ونحو ذلك فلم ينزل فعليه شاة.
(2)
قوله (التَّاسِعُ: الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ):
أي من محظورات الإحرام الوطء في الفرج وهذا بإجماع أهل العلم وهو من أعظم محظورات الإحرام، بل هو أشدها إثماً وأعظمها أثراً في الحج حيث يترتب عليه أمور خمسة:
(أ) فساد الحج.
(ب) المضي في فاسده.
(ج) القضاء من قابل.
(د) عليه بدنة.
(هـ) ثبوت الإثم عليه.
ولا شيء يفسد الحج غير الجماع قبل التحلل الأول كما سيذكره المؤلف.
لكن بم يحصل الجماع؟
نقول يحصل الجماع بإيلاج الحشفة في قبل أو دبر.
(3) قوله رحمه الله (فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَسَدَ الْحَجُّ): للجماع حال الإحرام حالتان:
الأولى: أن يكون قبل التحلل الأول فهذا يترتب عليه فساد النسك والأمور =12
وَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيْ فَاسِدِهِ (1)، وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (2)،
=الخمسة التي ذكرناها آنفاً.
الثانية: أن يكون بعد التحلل الأول فلا يفسد حجه وإنما يكون عليه ما سيذكره المؤلف قريباً إن شاء الله, لكن بم يحصل به التحلل الأول.
نقول اختلف الفقهاء في ذلك:
فقال بعضهم: يحصل التحلل الأول بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد.
وقال آخرون: يحصل التحلل الأول بالرمي مضافاً إليه الحلق أو التقصير.
وقال آخرون: يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: الرمي، الحلق أو التقصير، الطواف والسعي.
وهذا هو الأحوط عندي، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (1).
وفي آخر حياته رحمه الله قال: إن التحلل يحصل بالرمي فقط.
(1)
قوله (وَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيْ فَاسِدِهِ):
وقد نقل غير واحد الإجماع على ذلك لثبوت ذلك عن جمع من الصحابة ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (2) وجه الدلالة أن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة فلا يجوز الخروج عنها ولو بالوطء فيمضي في هذا الفاسد مع وجوب القضاء من قابل.
(2)
قوله (وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ):
أي يجب القضاء على الفور سواء كان الحج نفلاً أو فرضاً، وهذا مروي عن جملة من الصحابة رضوان الله عليهم.
فقد روى البيهقي والحاكم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه أن رجلاً أتى =12
وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ (1) وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَفِيْهِ شَاةٌ (2)، وَيُحْرِمُ مِنَ التَّنْعِيْمِ؛ لِيَطُوْفَ مُحْرِمًا (3)، =عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار عبد الله بن عمرو إلى... ابن عمر فقال اذهب إلى هذا فسله، قال فلم يعرفه فذهبت معه فسأل ابن عمر فقال بطل حجه، فقال الرجل ماذا أصنع فقال اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون فإذا أدركت قابلاً فحج واهدي فرجع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وأنا معه فأخبره فقال اذهب إلى ابن عباس فسله فذهب الرجل، قال شعيب فذهبت معه إلى ابن عباس فأمره بما أمره به عبد الله بن عمر ثم رجع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال، ما تقول أنت؟ فقال بعد أن أخبره بقول ابن عمر وابن عباس قال قولي مثل ما قالا.
(1)
قوله (وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ):
أي وعلى من جامع قبل التحلل الأول بعد فساد حجه ووجوب المضي فيه وحجه من قابل أنه يجب عليه بدنة لارتكابه هذا المحظور وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
قوله (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَفِيْهِ شَاةٌ):
فمتى تحلل المحرم التحلل الأول حل له كل شيء عدا الجماع، فإن جامع المحرم بعد تحلله الأول لم يفسد حجه بل عليه شاة، وكون وجوب الشاة عليه قياساً على الاستمتاع دون الفرج إذا لم ينزل لأن العلة بينهما أن كلاً منهما لا يفسد الحج، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.
(3)
قوله (وَيُحْرِمُ مِنَ التَّنْعِيْمِ؛ لِيَطُوْفَ مُحْرِمًا):
وذلك لفساد إحرامه وليطوف فرضه وهو محرم فيجب عليه أن يخرج إلى أي مكان آخر من الحل فيحرم منه.