وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 187-226

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الجِهَادِ»:

أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بشعيرة الجهاد.
والجهاد: مصدر جاهد، وهو من الجهد - بفتح الجيم وضمها - أي الطاقة والمشقة، وقيل: الجهد - بفتح الجيم - هو المشقة، وبالضم الطاقة.
والجهاد القتال مع العدو كالمجاهدة، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (1)، وفي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (2)، يقال: جاهد العدو مجاهدة وجهاداً إذا قاتله.
والجهاد اصطلاحاً: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد بعد دعوته للإسلام وإبائه إعلاءً لكلمة الله.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية الجهاد

: القصد من الجهاد دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، أو الدخول في ذمة المسلمين ودفع الجزية، وجريان أحكام الإسلام عليهم، وبذلك ينتهي تعرضهم للمسلمين، واعتداؤهم على بلادهم، ووقوفهم في طريق نشر=12

..................................  =الدعوة الإسلامية، وينقطع دابر الفساد، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (1). وقال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (2). وقد مضت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته، وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده على جهاد الكفار، وتخييرهم بين ثلاثة أمور مرتبة، وهي: الأول: قبول الدخول في الإسلام.
الثاني: البقاء على دينهم مع أداء الجزية وعقد الذمة.
الثالث: فإن لم يقبلوا، فالقتال.

الفائدة الثانية: في أقسام الجهاد

: ينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارِزين المعاندين.
أما النوع الأول: فهو جهاد النفس: وهو إرغامها على طاعة الله، ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة، لا سيما إذا كان في بيئة فاسقة، فإن البيئة قد تعصف به حتى ينتهك حُرُمات الله، ويدع ما أوجب الله عليه.
أما النوع الثاني: فهو جهاد المنافقين، ويكون بالعلم، لا بالسلاح؛ =12

..................................  =لأن المنافقين لا يقاتَلون، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- استؤذن أن يُقْتَلَ المنافقون الذين علم نفاقهم فقال: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَه» 1. والدليل على أنهم يُجاهَدون قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ 2. ولما كان جهاد المنافقين بالعلم، فالواجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يوردون الشبهات على دين الله، ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان علم فإنه ربما تكثر عليه الشبهات والشهوات والبدع ولا يستطيع أن يردها.
أما النوع الثالث: فهو جهاد الكفار المبارِزين المعاندين المحاربين: وهذا يكون بالسلاح، وقد يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ 3، يشمل النوعين: جهاد المنافقين بالعلم، وجهاد الكفار بالسلاح، ولكنّ قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيْ» 4، يؤيد أن المراد بذلك السلاح، والمقاتلة.

  • الفائدة الثالثة: الجهاد قد يكون: بالقلب كالعزم عليه، أو بالدعوة إلى الإسلام وشرائعه، أو بإقامة الحجة على المبطل، أو ببيان الحق وإزالة=

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِيْ، سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ (1)،  =الشبهة، أو بالرأي والتدبير فيما فيه نفع المسلمين، أو بالقتال بنفسه، فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه.

الفائدة الرابعة: هل يكون الجهاد بالمال أو بالنفس أو بهما؟.

نقول: أنه تارة يجب بالمال في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه، وتارة يجب بالبدن في حال من لا مال له، وتارة يجب بالمال والبدن في حال القادر ماليّاً وبدنيّاً.
وكما في القرآن الكريم فإن الله - عزّ وجل - يذكر الجهاد بالمال والجهاد بالنفس، ويقدم الجهاد بالمال في أكثر الآيات؛ لأن الجهاد بالمال أهون على النفوس من الجهاد بالنفس، وربما يحتاج الجند إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال.

(1)

قوله «وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِيْ، سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ»:

هذا هو حكم الجهاد؛ فهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل، لأنه واجب في الجملة، وليس واجباً على الأعيان، أما كونه واجباً في الجملة فلقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ﴾ 2، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِفَاقٍ» 3، وقد أجمع المسلمون في =

..................................  =الجملة على وجوبه.
وأما كونه ليس واجباً على الأعيان فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلٍّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 2، فأثبت للمجاهد والقاعدين الأجر.
ولو كان فرض عين لكان القاعد آثماً، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه، فإذا لم يجب في الجملة ولم يجب على الأعيان، لزم كونه فرض كفاية.
وأما قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ 3، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ 4 5، ويحتمل أنه أراد حينما استنفرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى غزوة تبوك، ولذا هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- كعب بن مالك -رضي الله عنه- ومن تخلف معه حتى تاب الله عليهم.
ومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض إليه قوم يكفون في جهادهم، =

وَيَتَعَيَّنُ عَلى مَنْ حَضَرَ الصَّفَّ، أَوْ حَصَرَ العَدُوُّ بَلَدَهُ (1)،  =إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا أعدوا أنفسهم له تطوعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها، ويبعث في كل سنة جيشاً يغيرون على العدو في بلادهم.

(1)

قوله «وَيَتَعَيَّنُ عَلى مَنْ حَضَرَ الصَّفَّ، أَوْ حَصَرَ العَدُوُّ بَلَدَهُ»:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يصير الجهاد فرض عين في كل من الحالات الآتية:

الحالة الأولى: إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان

، حرم على من حضر الانصراف، وتعين عليه المقام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (1).

الحالة الثانية: إذا هجم العدو على قوم بغتة

، فيتعين عليهم الدفع ولو كان امرأةً أو صبياً، أو هجم على من بقربهم، وليس لهم قدرة على دفعه، فيتعين على من كان بمكان مقارب لهم أن يقاتلوا معهم إن عجز من فجأهم العدو عن الدفع عن أنفسهم، ومحل التعين على من بقربهم إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من عدو بتشاغلهم بمعاونة من فجأهم العدو، وإلا تركوا إعانتهم.

الحالة الثالثة: إذا استنفر الإمام قوما

ً لزمهم النفير معه إلا من له عذر قاطع؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا=1

وَلا يَجِبُ إِلاَّ عَلى ذَكَرٍ حُرٍّ، بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُسْتَطِيْعٍ (1)،  = فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} (1)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (2)، وذلك لأن أمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك.

(1)

قوله «وَلا يَجِبُ إِلاَّ عَلى، ذَكَرٍ، حُرٍّ، بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُسْتَطِيْعٍ»:

أي إنما يجب الجهاد على من تحققت فيه هذه الشروط: 1 -

أن يكون ذَكراً،

فلا يجب على المرأة، لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ، الحَجُّ وَالعُمْرَةُ» 3، ولأن المرأة ليست من أهل القتال، لضعفها وَخَوَرِها، وعلى ذلك فلا يجب عليهن الجهاد ما لم يتعين في الأحوال الثلاثة المتقدمة.
أما إخراج النساء مع المجاهدين فيكره في سرية لا يؤمن عليها؛ لأن فيه تعريضهن للضياع، ويمنعهن الإمام من الخروج للافتتان بهن، ولسن من أهل القتال لاستيلاء الخور والجبن عليهن؛ ولأنه لا يؤمن ظفر العدو بهن، فيستحلون منهن ما حرم الله تعالى.
=12

..................................  =وصرح الحنابلة (1) باستثناء امرأة الأمير لحاجته، أو امرأةً طاعنةً لمصلحة فقط، فإنه يؤذن لمثلهما؛ فعن الربيع بنت معوذ قالت: «كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنسقي القوم ونخدمهم الماء، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة» (2).

2 -

أن يكون حُرَّاً،

فلا يجب الجهاد على العبد، لحديث جابر -رضي الله عنه- قال: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «بِعْنِيهِ»، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَينِ أَسْوَدَينِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ: «أَعَبْدٌ هُوَ؟ » (3)، ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم يجب على العبد، كالحج.

3 -

أن يكون مُكَلفَاً،

وهو من اجتمع فيه وصفان البلوغ والعاقل، لأن غير المكلف لا يجب عليه شيء من فروع الإسلام، فكذلك الجهاد.
4 -

أن يكون مُستَطِيعَاً،

فلا يجب على غير المستطيع، كالمريض، والأعمى، والأعرج، وغير القادر على نفقته، وما يحمله، وما يقاتل به، لأنه عاجز، والعجز ينفي الوجوب شرعاً، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ 4.123

وَالجِهَادُ أَفْضَلُ التَّطَوُّعُ؛ لِقَوْلِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ، أَوْ أَيُّ الأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «إِيْمَانٌ بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُوْرٌ».
وَعَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ» 1،  (1)

قوله «وَالجِهَادُ أَفْضَلُ التَّطَوُّعُ؛ لِقَوْلِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ، أَوْ أَيُّ الأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «إِيْمَانٌ بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُوْرٌ» (1). وَعَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ»

2. ذكر المؤلف بعض الأدلة التي تدل على فضل الجهاد في سبيل الله.
فالجهاد عظيم، وحاصله بذل الإنسان نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وتقرباً بذلك إليه سبحانه وتعالى.
فلقد فضل الله المجاهدين على القاعدين في قوله عز وجل: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 3، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا =

..................................  =لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} 1، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ 2، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ أَمْوَاتًا بَل أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ 3. أما أدلة السنة فهي كثيرة جداً، فمن ذلك ما ذكره المؤلف هنا: 1 - كما قي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- حيث جعله من أفضل الأعمال: فعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله أَي الْعمل أَفضل؟ قال: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ» 4، وكما في حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- حيث جعل المجاهد في سبيل الله من أفضل الناس.
2 - ومن ذلك أيضاً: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَثَل الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَل الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّل اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» 5.

وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ البَرِّ (1)، وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بِرٍّ وَفَاجِرٍ (2)،  3 - أن أفضل ما يتطوع به الجهاد، قال الإمام أحمد بن حنبل (1): «لا أعلم شيئاً بعد الفرائض أفضل من الجهاد».

(1)

قوله «وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ البَرِّ»:

أي إن الغزو في البحر أفضل من الغزو في البر، لما روى أنس -رضي الله عنه- قال: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- القَيلولةَ عِنْدَ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلحَانَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُو يَضْحَكُ، قُلتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ، مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَّةِ، أَو مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ.. » الحديث (2). وعن أم حرام رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «المَائِدُ فِي البَحْرِ - الَّذِي يُصِيبُهُ القَيءُ - لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَينِ» (3). ولأن شهيد البحر أعظم خطراً ومشقةً، لأنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه، فكان أفضل من غيره.

(2)

قوله «وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بِرٍّ وَفَاجِرٍ»:

صرح بذلك جمهور الفقهاء، يعني يجاهد مع كل إمام براً كان أو فاجراً، ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطعه، وظهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم، وظهور كلمة=123

وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ العَدُوِّ (1)،  =الكافر، وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (1)

- فائدة: قال الإمام أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين

وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين، فإن كان يُعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه، ويروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (2) (3). (1)

قوله «وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ العَدُوِّ»:

الأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ 4، ولأن الأقرب أكثر ضرراً، وفي قتاله دفع ضرره عن المقاتل له وعمن وراءه، ولأن الاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه، إلا أن تدعو الحاجة إلى البداءة بغيرهم، إما لانتهاز فرصة فيهم، أو خوف الضرر تركهم، أو لمانع من قتال الأقرب؛ فيبدأ بالأبعد لذلك.123

وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيْمَا سِوَاهُ» وَقَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ 2،  (1)

قوله «وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيْمَا سِوَاهُ» (1). وَقَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ»

..................................  =واحدة حصل له أجر، قال الإمام «أحمد يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط» (1)، وتمامه أربعون يوماً، والرباط على أنواع منها:

الأول: الرباط على الثغور

: وهذا هو المراد من كلام المؤلف، وعليه تحمل النصوص التي وردت في فضل الرباط.
لأن المرابط على الثغر رابط في نحر العدو وهذا هو أعلى درجات المرابطة.

الثاني: الرباط على الخير وحبس النفس على طاعة الله سبحانه

وتعالى: كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ثَلاثاً» (2).

الثالث: جهاد النفس

: وذلك بكفها عن فعل الشر وإلزامها بفعل الخير وحضها عليه، وهذا النوع من الرباط في بعض الأحيان يكون أعظم من جهاد العدو، وذلك أن جهاد النفس أعظم فتنة، ولربما انتكس الإنسان إذا لم يوفق فيه بخلاف جهاد العدو، ومن هنا قالوا إن الرباط على الطاعة أفضل وأكمل وذلك أن الإنسان إذا رابط على هذه الخصال وداوم عليها رزق المرابطة على الخير.12

..................................

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: لا يستحب لمن رابط أن يحمل نساءه وذريته في المواضع المخوفة: لئلا يظفر العدو بذلك الثغر فيستولي على من فيه من نساء المسلمين وذراريهم، فهو موضع مخوف يحتمل في كل وقت أن يظفر فيه العدو، بل إن القول بالتحريم يقوى في تلك المواضع، فلا ينبغي للمسلمين أن يحملوا نساءهم وذراريهم إلى تلك المواضع المخوفة.
    ويستثنى من ذلك أهل الثغر، أي أهل تلك البلدة فإنه لا قرار لحياتهم إلا بذلك، فهم أهل الثغر وسكانه.
    أما من يأتي إليهم من المرابطين في سبيل الله فليس لهم أن يحملوا نساءهم وذراريهم.
  • الفائدة الثانية: من الأعمال الفاضلة: الحراسة في سبيل الله: 1 - فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: «عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» 1. 2 - وقال -صلى الله عليه وسلم- لأنس بن أبي مرثد الغنوي -رضي الله عنه- وقد بات يحرسهم ليلة: «قَدْ أَوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ أَنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَهَا» 2.

..................................  -

الفائدة الثالثة: في المفاضلة بين طلب العلم والجهاد في سبيل الله

: المشهور من مذهب الإمام أحمد 1 أن الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، فهو أفضل من سائر النوافل، واستدلوا لذلك بما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قيل له: أي الناس أفضل؟ فقال: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» 2، ولاشك أن تفضيل المتصف بهذه الصفة وجعله أفضل من غيره يدل على أن هذه الصفة أفضل من غيرها من الصفات، وعن أَبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل: أَي العمل أَفضل؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» 3. والرواية الثانية: أن تعلّم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد في سبيل الله.
قلت: الظاهر أن العلم تعلماً وتعليماً نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله وأن تفضيل أحد النوعين على الآخر راجع إلى المصلحة العامة.
فإذا كان الاشتغال بالعلم أصلح للأمة من الاشتغال بالجهاد - كما في هذه الأزمان - فإن العلم أفضل، وأما إن كانت الأمة محتاجة إلى الجهاد في سبيل الله وإلى المجاهدين فإن الاشتغال بالجهاد في سبيل الله أفضل من العلم.

وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، جَرَى لَهُ أَجْرُهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَوُقِيَ الفَتَّانُ» (1)، وَلا يُجَاهِدُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلاَّ بِإِذْنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ (2)،  (1)

قوله «وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، جَرَى لَهُ أَجْرُهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَوُقِيَ الفَتَّانُ»:

وذلك لحديث «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (1)، فهذه فضيلة مختصة به، أي أن عمله يجرى له أجره بعد موته.
وقد جاء هذا مبينًا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» (2).

(2)

قوله «وَلا يُجَاهِدُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلاَّ بِإِذْنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ»:

أي: لا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين المسلمين، أو بإذن أحدهما إن كان الآخر كافراً، إلا إذا تعين، كأن ينزل العدو بقوم من المسلمين، ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثاً لهم، أَذِنَ الأبوان أم لم يأذنا، إلا أن يضيعا، أو أحدهما بعده، فلا يحل له ترك من يضيع منهما لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستأذنه في الجهاد، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ » قَال: نَعَمْ.
قَال: =12

..................................  = «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» 1. فدل على أن بر الوالدين مقدم على الجهاد، ولأن الأصل في الجهاد أنه فرض على الكفاية ينوب عنه غيره فيه، وبر الوالدين فرض يتعين عليه؛ لأنه لا ينوب عنه فيه غيره.
وأما إن كان الأبوان كافرين أو أحدهما، فيرى جمهور الفقهاء أنه يجوز أن يجاهد من غير إذنهما؛ لأن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يجاهدون، وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، منهم أبو بكر الصديق وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبوه رئيس المشركين، ولأن الكافر متهم في الدين بالمنع من الجهاد لمظنته قصد توهين الإسلام.
وقال الحنفية 2 «إنه لا يخرج إلا بإذن الأبوين الكافرين أو أحدهما إذا كره خروجه مخافةً ومشقةً، وأما إذا كان لكراهة قتال أهل دينه فلا يطيعه ما لم يخف عليه الضيعة.
إذ لو كان معسراً محتاجاً إلى خدمته فرضت عليه ولو كافراً، وليس من الصواب ترك فرض عين ليتوصل إلى فرض كفاية، وذلك لعموم الأحاديث»، وإنما يجب استئذان الأبوين في الجهاد إذا لم يكن متعيناً، ولكن إذا تعين عليه الجهاد فلا إذن لهما من غير خلاف بين الفقهاء؛ لأنه صار فرض عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله.

وَلا يَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْضَ الحَرْبِ إِلاَّ امْرَأَةً طَاعِنَةً فِيْ السِّنِّ؛ لِسَقْيِ المَاءِ وَمُعَالَجَةِ الجَرْحَى (1)، وَلا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ (2)،  (1)

قوله «وَلا يَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْضَ الحَرْبِ إِلاَّ امْرَأَةً طَاعِنَةً فِيْ السِّنِّ؛ لِسَقْيِ المَاءِ وَمُعَالَجَةِ الجَرْحَى»:

يكره، وقيل: بل يحرم دخول النساء الشواب أرض العدو لأنهن لسن من أهل القتال وقلما ينتفع بهن فيه لاستيلاء الجبن والخور عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون ما حرم الله منهن، فأما المرأة الطاعنة في السن وهي الكبيرة إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء ومعالجة الجرحى فلا بأس به، فقد كانت أم سليم ونسيبة بنت كعب تغزوان مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأما نسيبة فكانت تقاتل وقُطِعتْ يدها يوم اليمامة، وقالت الربيع كنا نغزو مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لسقي الماء ومعالجة الجرحى.
وقال أنس كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى»؟.
(2)

قوله «وَلا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ»:

أي لا يستعان بالمشركين على المشركين، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على ثلاثة أقوال: أحدهما: المنع من ذلك، واحتجوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ لا، قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ=

..................................  = بِمُشْرِكٍ»، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «فَانْطَلِقْ» 1. القول الثاني: وهو رواية في مذهب أحمد 2، وهو ظاهر كلام الخرقي وقول الشافعي 3، واختيار المؤلف وهي أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين: أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك.
الثاني: أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى.
القول الثالث: وهو قول أبي حنيفة 4: يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق، ومتى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره.
قلت: والأظهر عندي هو القول الثاني، وهو اختيار ابن القيم 5، وشيخنا 6. =

وَلا يَجُوْزُ الجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ (1)،  =وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، هذا حين لم تكن المصلحة ظاهرة في الاستعانة به، وأما إذا كانت المصلحة ظاهرة في الاستعانة به وأمن شره فإن الاستعانة به جائزة لا حرج فيها جلباً للمصلحة ودرءًا للمفسدة، وأما عند الضرورة فلا إشكال في جوازه فإن المحرمات تباح عند الضرورة إليها.

(1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ الجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ»:

أي لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر؛ لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمور، وليس أفراد الناس، فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد، فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلاّ على سبيل الدفاع، وإذا فاجأهم عدو يخافون كلَبه فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم لتعين القتال إذاً.
وإنما لم يجز ذلك؛ لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتيات وتعدٍّ على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى، كل من شاء ركب فرسه وغزا، ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة، فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو، وهم يريدون الخروج على الإمام، أو يريدون البغي على طائفة من الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ 1، فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها - أيضاً - لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام.

إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُوْنَ كَلَبَهُ، أَوْ تَعْرِضَ فُرْصَةٌ يَخَافُوْنَ فَوْتَهَا (1)، وَإِذَا دَخَلُوْا أَرْضَ الحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ، أَوِ احْتِطَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ (2)، وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ مَالَهُ قِيْمَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ (3)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُوْنَ كَلَبَهُ، أَوْ تَعْرِضَ فُرْصَةٌ يَخَافُوْنَ فَوْتَهَا»:

أي لا يحتاج إلى إذن الإمام في مسألتين:

الأولى: «أن يفجأهم عدو يخافون كلَبه»:

أي شره وأذاه، فلا يحتاجون إلى الإذن، لأن دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعاً.

الثانية: إذا عرض فرصة للإيقاع بالعدو

، فلا يحتاج إذن الإمام، لئلا تضيع هذه الفرصة.
(2)

قوله «وَإِذَا دَخَلُوْا أَرْضَ الحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ، أَوِ احْتِطَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ»:

لقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (1). ولأنه أعرف بحال الناس والمواضع ومكامن العدو وحاله وقربه وبعده، ولأنهم إن خرجوا من غير إذنه لم يأمنوا أن يكون في الموضع الذي يذهبون إليه عدو فيظفر بهم، وربما ارتحل الأمير بالناس وبقي الخارج فيضيع.
(3)

قوله «وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ مَالَهُ قِيْمَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ»:

وذلك لأنه مال ذو قيمة مأخوذ من دار الحرب بقوة المسلمين فكان غنيمة كالمطعومات.1

إِلاَّ الطَّعَامَ وَالعَلَفَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ (1)،  =مثاله: أن يغنم مع المجاهدين شيئاً، ويكتمه يريد أن يختص به لنفسه، فهذا قد فعل إثماً عظيماً وأتى كبيرة من كبائر الذنوب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (1). ولما كانت المسألة كبيرة ومتعلقة بعموم المسلمين، امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يصلي على الغال، نكالاً لمن يأتي بعده، ولا تسقط الصلاة عن بقية المسلمين، فيجب عليهم أن يصلوا عليه.
ودليل ذلك: ما روى زيد بن خالد -رضي الله عنه- قال: «توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ الْيَهُودِ، لا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ» (2).

(1)

قوله «إِلاَّ الطَّعَامَ وَالعَلَفَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ»:

أي إذا دخل الغزاة أرض الحرب فلهم أن يأكلوا ما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من علفهم، لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ» 3. وكتب صاحب جيش الشام إلى عمر: إنا أصبنا أرضاً كثيرة الطعام =12

فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِيْ المَغْنَمِ (1)، وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوْعِهِ إِلى بَلَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ يَسِيْرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ (2)،  =والعلف وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك، فكتب إليه عمر -رضي الله عنه- «دع الناس يأكلون ويعلفون فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين» (1)، وعن عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته، وقلت والله لا أعطي أحداً منه شيئاً فالتفت فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحك فاستحييت منه» (2)، ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوا بهم فانه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإسلام ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه.

(1)

قوله «فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِيْ المَغْنَمِ»

أي: فإن باع ما أُبيح له أخذه من الطعام وعلف الدواب، ونحوه مما يحتاجه فإن الواجب عليه رده إلى الغنائم لقول عمر المتقدم «فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين».
(2)

قوله «وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوْعِهِ إِلى بَلَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ يَسِيْرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ»:

أي فان فضل منه ما لا حاجة به إليه رده على المسلمين إذا كان كثيراً لأنه إنما أبيح له ما يحتاج إليه فما بقي تبينا أنه أخذ أكثر مما يحتاجه فيبقى على أصل التحريم إلا أن يكون يسيراً فله =12

وَيَجُوْزُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيْقِ، وَقِتَالُهُمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَغَارَ عَلى بَنِيْ المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّوْنَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ 1،  =أكله وإهداؤه لأن اليسير مما تجري فيه المسامحة، قال الأوزاعي: أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم لبعض ولا ينكره أحد (1).

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيْقِ، وَقِتَالُهُمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَغَارَ عَلى بَنِيْ المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّوْنَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ»:

تبييت الكفار معناه: بأن يغير المسلمون عليهم ليلاً على حين غفلة منهم.
وقد ذهب جمهور الفقهاء بأنه يجوز ذلك ولو قتل في هذا التبييت من لا يجوز قتله من امرأة وصبي، وغيرهما كمجنون وشيخ فان إذا لم يقصدوا، لحديث الصعب بن جثامة -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسأل عن ديار المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال: «هُمْ مِنْهُمْ» 2. فإن قيل: قد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل النساء والذرية.
نقول: هذا محمول على التعمد لقتلهم.
والجمع بينهما ممكن بحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه.

وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ (1)، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا (2)،  (1)

قوله «وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ»:

أما كون الصبي والمرأة والشيخ الفاني لا يقتلون فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» (1)، ولأن الشيخ الفاني ليس من أهل القتال، فلا يقتل، كالمرأة.
وأما كون الراهب لا يقتل، فكما في حديث أبي بكر -رضي الله عنه- في وصيته ليزيد ابن أبي سفيان: «سَتَمُرُّونَ عَلَى قَومٍ فِي صَوَامِعَ لَهُم، وَاحتَبَسُوا أنفُسَهُم فِيهَا، فَدَعُوهُم حَتَّى يُمِيتَهُمُ الله عَلَى ضَلالَتِهِم» (2). ولأن الراهب لا يقاتل تَدَيُّناً، فأشبه من لا يقدر على القتال.
وأما الزَّمن - بفتح الزاي المشددة وكسر الميم، وهو الضعيف الذي لا يقدر على القيام - والأعمى فبالقياس على الشيخ الفاني، لاشتراكهم في عدم النكاية.

(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا»:

هذا شرط في عدم قتل المذكورين، وهو ألا يكون لهم رأي في القتال أو مشاركة، فإن كان أحدهم يقاتل أو كان له رأي فإنه يُقتل، لأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب، بل ربما كان أبلغ من القتال.
وأما كون من قاتل يقتل، فلحديث رباح بن الربيع -رضي الله عنه- قال: كُنَّا مَعَ =12

وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ (1)،  = رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيءٍ، فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: «انْظُرْ عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ؟ » فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ... » الحديث (1).

(1)

قوله «وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ»:

هذه هي الخصال التي تفعل في المقاتلة، فالإمام مخيّر بين هذه الخصال الأربع:

الخصلة الأولى: القتل

: لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (2). 2 - وروى البيهقي عن سعيد بن جبير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قُتِل يوم بدر ثلاثة صبراً» (3). وقال بعض الفقهاء: لا يجوز قتل الأسير، لأن ظاهر قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾، أنه ليس للإمام بعد الأسر إلا المنّ أو الفداء، والراجح جواز قتلهم.

الخصلة الثانية: المن

ّ: أي أن يطلق من غير مال، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في أسارى=123

وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ (1)،  =بدر: «لَو كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيّاً، ثُمَ سَألَني هَؤُلاءِ النَّتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» (1). «وقد مَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عَلَى ثُمَامَة بْن أُثَال» (2)، «ومَنَّ عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ» (3).

الخصلة الثالثة: الفداء

: أي يفدي نفسه بمال، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ (4)

الخصلة الرابعة: الاسترقاق

، أي أن يكون رقيقاً.
(1)

قوله «وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ»:

أي هذه التخييرات الأربع حسب المصلحة، لأن القاعدة الشرعية «أن كل من يتصرف لغيره إذا خيِّر بين شيئين فإن تخييره للمصلحة وليس للتشهي».
فالإمام يخيّر بين أن يقتل الأسير، وإن شاء جعله رقيقاً، وإن شاء قبل فيه المال فدية، وإن شاء منَّ عليه، هذا كله تحت خياره، وعلى حسب المصلحة التي يراها.1234

وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ (1)، وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ (2)،  (1)

قوله «وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ»:

أي ما أخذ الإمام من فدية الأسرى فهو غنيمة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين، ولأنه مال حصل بقوة الجيش أشبه الخيل والسلاح.
و

هل الهدية من جنس الفداء فتدخل في الغنيمة؟

نقول في ذلك تفصيل: فان كان في حال الغزو فهي غنيمة، لأن الظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لخوف من المسلمين، فظاهر هذا يدل على أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو له، وإن كانت الهدية من دار الحرب إلى دار الإسلام فهي لمن أهديت له سواء كان الإمام أو غيره لان النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل هدية المقوقس فكانت له دون غيره.

(2)

قوله «وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ»:

أي وإن حصل بعد القتال سَبْيٌ لم يجز التفريق ببيع، أو قسمة، أو هبة بين ذوي رحم محرم، وهو القريب قرابة سببها الولادة، كأب وابن، وكأخوين، وأختين، وكالعمة مع ابن أخيها والخالة مع ابن أختها ونحو ذلك، لما ورد عن علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَبِيعَ غُلامَينِ أَخَوَينِ فَبِعْتُهُمَا فَفَرَّقْتُ بَينَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إِلا جَمِيعاً» 1.

..................................  =وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «لَعَن رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَنْ فَرَّقَ بَينَ الوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَبَينَ الأَخِ وأَخِيهِ» 1. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يحرم التفريق بين القرابة إلا في الأخوة، لثبوت النص، وأما من عداهم من الأرحام فليس عليه دليل، وإلحاقه بالقياس فيه نظر، لأنه لا تحصل منهم بالمفارقة مشقة، كما تحصل بالمفارقة بين الوالد والولد، وبين الأخ وأخيه، فلا إلحاق لوجود الفارق، وينبغي الوقوف على ما تناوله النص، وهذا اختيار الشوكاني 2. أما التفريق بين الأم وولدها الصغير فهذا حرام بالإجماع، لما روى أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ فَرَّقَ بَينَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَينَ أَحِبَّتِهِ يَومَ القِيَامَةِ» 3. وقوله: «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ»: أي فيجوز التفريق بعد البلوغ، وهو رواية عن الإمام أحمد، والمذهب أنه لا يجوز ولو بعد البلوغ 4. ودليل الجواز قول سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-: «غَزَونَا فَزَارَةَ وَعَلَينَا أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَينَا، فَلَمَّا كَانَ بَينَنَا وَبَينَ المَاءِ سَاعَةٌ أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الغَارَةَ، فَوَرَدَ المَاءَ، فَقَتَلَ مَن قَتَلَ عَلَيهِ، وَسَبَى، وَأَنْظُرُ=

وَمَنِ اشْتُرِيَ مِنْهُمْ عَلى أَنَّهُمْ ذَوُوْ رَحِمٍ، فَبَانَ خِلافُهُ، رُدَّ الفَضْلُ الَّذِيْ فِيْهِ بِالتَّفْرِيْقِ (1)،  =إِلَى عُنُقٍ مِنْ النَّاسِ فِيهِم الذَّرَارِيُّ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الجَبَلِ، فَرَمَيتُ بِسَهْمٍ بَينهُمْ وَبَينَ الجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عَلَيهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ، مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ العَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي ابْنَتَهَا... » الحديث (1). قال النووي: «فيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا» (2). فأما من ليس بينهما رحم مُحرَّم فلا يُمنع من التفريق بينهم، لعدم النص فيهم، وامتناع قياسهم على المنصوص، فيجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها، والأخت من الرضاع وأخيها.

(1)

قوله «وَمَنِ اشْتُرِيَ مِنْهُمْ عَلى أَنَّهُمْ ذَوُوْ رَحِمٍ، فَبَانَ خِلافُهُ، رُدَّ الفَضْلُ الَّذِيْ فِيْهِ بِالتَّفْرِيْقِ»:

أي ومن اشترى الأسرى على أنهم ذوو رحم فبان خلافه رد الفارق لأنه إذا اشتراهم على أنهم ذوو رحم ثم بان أنهم ليس بينهم رحم فإن قيمتهم تزيد بذلك، فإنه إذا اشترى امرأتين على أن إحداهما بنت الأخرى لم يتمكن من وطئهما جميعاً ومتى وطئ إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد, ولا يتمكن من بيعها فإذا بانت أجنبية حل وطئها وبيعها وهبتها فتزيد قيمتها بذلك فيجب عليه رد =12

وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ فِيْ غَزْوِهِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَلَهُ مَا فَضَلَ (1)، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ لَمْ يُعْطَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَيَرُدُّ الفَضْلَ فِيْ الغَزْوِ (2)، وَإِنْ حُمِلَ عَلى فَرَسٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَهِيَ لَهُ إِذا رَجَعَ، إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ حَبِيْسًا (3)،  =الفضل كما لو أخذ دراهم بحقه فبانت أكثر عددا مما حسبت عليه.

(1)

قوله «وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ فِيْ غَزْوِهِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَلَهُ مَا فَضَلَ»:

لأنه أعطى على سبيل المعاونة والنفقة لا على سبيل الإجارة فكان له الفاضل، كما لو أوصى أن يحج عنه حجة بألف فإن الفضل له.
(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ لَمْ يُعْطَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَيَرُدُّ الفَضْلَ فِيْ الغَزْوِ»:

هذا مستثنى مما قبله، فإن كان ما أعطاه الإمام لغزوة بعينها فإنه يرد ما فضل في الغزو لأنه أعطاه شيئاً ينفقه في الغزو أو في سبيل الله ففضل منه فضل أنفقه في غزوة أخرى لأنه أعطاه الجميع في سبيل الله مطلقاً فلزمه امتثال ما أمره به.
(3)

قوله «وَإِنْ حُمِلَ عَلى فَرَسٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَهِيَ لَهُ إِذا رَجَعَ، إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ حَبِيْسًا»:

أي إن حمل على فرس يعني أعطيها ليغزو عليها فإذا غزا عليها ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه إلا أن تكون لصاحبه أو حبيسا فيبقى حبيساً بحاله، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «حملت على فرس عتيق في سبيل الله فباعه صاحبه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «لا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» 1.

وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِيْنَ، رُدَّ إِلَيْهِمْ، إِذَا عُلِمَ صَاحِبُهُ قَبْلَ القَسْمِهِ، وَإِنْ قُسِمَ قَبْلَ عِلْمِهِ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ الَّذِيْ حُسِبَ بِهِ عَلى آخِذِهِ 1،  (1)

قوله «وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِيْنَ، رُدَّ إِلَيْهِمْ، إِذَا عُلِمَ صَاحِبُهُ قَبْلَ القَسْمِهِ، وَإِنْ قُسِمَ قَبْلَ عِلْمِهِ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ الَّذِيْ حُسِبَ بِهِ عَلى آخِذِهِ»:

أما قبل القسمة فقد اتفق الفقهاء على أنه يرد إلى صاحبه إذا علم، دليل ذلك ما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن غلاماً له أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ابن عمر ولم يقسم» (1). أما بعد القسمة فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد 2 ففي رواية عنه أن صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على من هو في يده، وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن، لئلا يفضي إلى ضياع الثمن على المشتري، وحرمان آخذه من الغنيمة، وحقها ينجبر بالثمن، فرجوع صاحب المال في عين ماله بثمنه جمع بين الحقين، كأخذ الشقص بالشفعة.
والرواية الثانية أنه إذا قسم فلا حق له فيه, وهذا هو الصواب.
قال الإمام أحمد: أما قول من قال هو أحق به بالقيمة فهو قول ضعيف عن مجاهد.

وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ (1)، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، رَدَّهُ (2)، وَمَنِ اشْتَرَى أَسِيْرًا مِنَ العَدُوِّ، فَعَلى الأَسِيْرِ أَدَاءُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ»:

أي ولو باع مال المسلم آخذه من الكفار أخذه بثمنه إن أخذ منهم بشراء لأنه اشتراه بثمن، فلم يجز أخذه منه بغير شيء.
(2)

قوله «وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، رَدَّهُ»:

دليل ذلك حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-: «أسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ قال وناقة منوقة فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم - قال - ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة رآها الناس.
فقالوا العضباء ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها.
فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكروا ذلك له.
فقال: «سُبْحَانَ اللَّهِ بِئْسَمَا جَزَتْهَا نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» (1). (3)

قوله «وَمَنِ اشْتَرَى أَسِيْرًا مِنَ العَدُوِّ، فَعَلى الأَسِيْرِ أَدَاءُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ»:

أي فإن تطوع أحد من المسلمين بشراء أسير من المسلمين فعلم الأسير=1

..................................  =المسلم أداء ما اشتراه به لقول عمر -رضي الله عنه-: «..... وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى»، فحكم للتجار برؤوس أموالهم؛ ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار ويخرج من تحت أيديهم فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه كما لو قضى الحاكم عنه ما امتنع من أدائه.

بابُ الأَنْفالِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الأَنْفالِ»:

الأنفال: جمع نفل، والنَّفَل في اللغة: الزيادة، فإذا زاد الشيء على الأصل فإنه يقال: هذا نافلة.
أي: شيء زائد، ومنه سميت نافلة الصلوات؛ لأنها زائدة على الفريضة التي أوجب الله، فالنَّفَل هو: زيادة على حظ الإنسان في الغنيمة، كما سيذكر ذلك المؤلف.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعية التنفيل مطلقاً.
وذهب المالكية 1 والشافعية 2 إلى أنه لا تنفيل إلا إذا مسّت الحاجة بأن كثر العدو وقل المسلمون، واقتضى الحال بعث السرايا، وحفظ المكامن؛ لذلك نفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض الغزوات دون بعض.
وقال الحنفية 3 هو مستحب، لأنه نوع من التحريض على الجهاد.
والأظهر عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: أي أنه مشروع مطلقاً، لما فيه من التحريض على القتال، والله تعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ 4، فلا بأس أن يُنفِّل الإمام في حال القتال، ويحرض بالنَّفَل على القتال، فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه، أو يقول لسرية: قد جعلت لكم الربع، أو النصف بعد أخذ الخمس، لما فيه من تقوية القلوب، وإغراء المقاتلة على المخاطرة وإظهار الجلادة رغبة في القتال.

وَهِيَ: الزِّيادَةِ عَلى السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَضْرُبٍ (1): أَحَدُهَا: سَلَبُ المَقْتُوْلِ غَيْرُ مَخْمُوْسٍ لِقَاتِلِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ (2)،: «وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ، وَحَلْيٍ، وَسِلاحٍ، وَفَرَسِهِ بِآلَتِهِ (3)،  (1)

قوله «وَهِيَ: الزِّيادَةِ عَلى السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَضْرُبٍ»:

النفل: سبق تعريفه، وهو ما يعطاه المجاهد زيادة على سهمه، وهي على ثلاثة أضرب.
(2)

قوله «أَحَدُهَا: سَلَبُ المَقْتُوْلِ غَيْرُ مَخْمُوْسٍ لِقَاتِلِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ»

(1): هذا هو الضرب الأول من ضروب النفل، وحقيقته: أن كل مَن قتل رجلاً بعينه فإنه يستحق سَلَبه.
والسَّلَب كما سيأتي: هو ما على المقتول من سلاح، وثياب، ودابته، وحلي، وكل ما عليه، فهذا الشيء يستحقه، وله أخذه، والأصل في ذلك ما ذكره المؤلف وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: «مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه».
فإذا قتل قتيلاً وله عليه علامة أي: بينة، فإن من حقه أن يأخذ سلبه، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نفَّل السَّلَب.

(3)

قوله «وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ، وَحَلْيٍ، وَسِلاحٍ، وَفَرَسِهِ بِآلَتِهِ»:

هذا هو

تعريف السلب الوارد في الحديث

، فالسلب: هو ما على القتيل من ثيابه وحليه، وسلاحه، وإن كثر.
=1

وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَتَلَهُ حَالَ قِيَامِ الحَرْبِ غَيْرَ مُثْخَنٍ، وَلا مُمْتَنِعٍ مِنَ القِتَالِ (1)،  =و

هل الدابة وآلتها من السلب؟

فيها روايتان: الأولى: هي من السلب لأنها يستعان بها في الحرب فهي كالسلاح، وهذا هو الصواب.
والثانية: ليست منه لأن السلب ما كان على البدن والدابة ليست كذلك.

(1)

قوله «وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَتَلَهُ حَالَ قِيَامِ الحَرْبِ غَيْرَ مُثْخَنٍ، وَلا مُمْتَنِعٍ مِنَ القِتَالِ»:

هذه هي

الشروط التي يستحق بها القاتل سلب قتيله

.

الأول: أن يقتله وهو مقبل على الحرب

، وهذا معنى قوله «غَيْرَ مُثْخَنٍ»، فإن قتل مثخناً، يعني مجروحاً لم يستحقه لأن ابن مسعود ذفف على أبي جهل يوم بدر فلم يعط سلبه، ولأن استحقاق السلب للمخاطرة والتغرير بالنفس ولا خطر هاهنا.

الثاني: أن لا يكون «مُمْتَنِعاً مِنَ القِتَالِ»

حراً كان، أو عبداً رجلاً، أو صبياً، أو امرأة لعموم الخبر، وإن لم يكن ذا حق كالمخذل، والمرجف، والكافر إذا حضر بغير إذن لم يستحقه لأنه لا حق له في السهم الثابت فغيره أولى.
الثالث: أن يقتله لأن الخبر خصّ القاتل بالسلب فاختص به دون غيره، فإن أسره لم يستحق سلبه كذلك.
وقيل: له سلبه سواء قتله الإمام، أو منّ عليه، أو فاداه، وله فداؤه لأن مال حصل بسبب تغريره في تحصيله أشبه سلب القتيل.

الثَّانِيْ: أَنْ يُنَفِّلَ الأَمِيْرُ مَنْ أَغْنَى عَنِ المُسْلِمِيْنَ غَنَاءً مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَوْمَ ذِيْ قَرَدٍ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَنَفَّلَهُ أَبُوْ بَكْرٍ -رضي الله عنه- لَيْلَةَ جَاءَهُ بِتِسْعَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ امْرَأَةً مِنْهُمْ 1،  (1)

قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يُنَفِّلَ الأَمِيْرُ مَنْ أَغْنَى عَنِ المُسْلِمِيْنَ غَنَاءً مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَوْمَ ذِيْ قَرَدٍ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَنَفَّلَهُ أَبُوْ بَكْرٍ -رضي الله عنه- لَيْلَةَ جَاءَهُ بِتِسْعَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ امْرَأَةً مِنْهُمْ»:

هذا هو الضرب الثاني: وهو أن يخص الإمام بعض الغانمين بشيء لغنائه وبأسه أو لمكروه تحمله ككونه طليعة أو عيناً فيجوز من غير شرط لما روى سلمة بن الأكوع قال: «أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتبعتهم... »، وذكر الحديث إلى قوله: «فأعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفارس والراجل» (1). وعنه -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّر أبا بكر فبيتنا عدونا فقتلت منهم تسعة أهل أبيات فأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر -رضي الله عنه- فلما قدمت المدينة استوهبها مني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوهبتها له» 2. ولأن في هذا تحريضا على القتال ونفعاً للمسلمين والدفع عنهم فجاز كإعطاء السهم.

الثَّالِثُ: مَا يُسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُوْلَ الأَمِيْرُ، مَنْ دَخَلَ النَّقْبَ، أَوْ صَعِدَ السُّوْرَ، فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ جَاءَ بِعَشْرٍ مِنَ البَقَرِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَلَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، فَيَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ 1،  (1)

قوله «الثَّالِثُ: مَا يُسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُوْلَ الأَمِيْرُ، مَنْ دَخَلَ النَّقْبَ، أَوْ صَعِدَ السُّوْرَ، فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ جَاءَ بِعَشْرٍ مِنَ البَقَرِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَلَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، فَيَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ»:

هذا هو الضرب الثالث من ضروب النفل، وهو ما كان مشروطاً.
وهو نوعان: الأول كما ذكر المؤلف، ومعناه أن يجعل الأمير جعلاً لمن يعمل عملاً فيه غناءً عن المسلمين مثل أن يقول: من طلع هذا الحصن فله كذا، أو من نقبه، أو من جاء بأسير فله كذا، ومن جاء بعشرة رؤوس فله رأس، وأشباه هذا مما يراه الإمام مصلحة للمسلمين فيجوز لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» (1). ويجوز أن يجعل الجعل من مال المسلمين ومما يؤخذ من المشركين، فإن جعله من مال المسلمين لم يجز إلا معلوماً مقدراً كالجعل في المسابقة ورد الضالة.
وإن كان من الكفار جاز مجهولاً لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل الثلث والربع وسلب المقتول وهو مجهول، ولأنه لا ضرر فيه على المسلمين، فجاز مع الجهالة كسلب القتيل.

جارٍ التحميل