.................................. = المرأتين اللتين زنتا وأتي بهما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهما محصنتان، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولي المرأة أن يبقى معها حتى تضع ما في بطنها ثم يأتي بها إليه، وفي الثانية قال: حتى ترضعه؛ لأنه لم يوجد من يقوم به ويرضعه، فهذا يدل على أنه لا يجوز التعدي على المرأة الحامل؛ لأن الجنين لا ذنب له، ثم ينظر إذا وضعت ما في بطنها أمرت بسقيه اللبن، لأنه يكون به حياته، ولا بد له منه، ثم ننظر في رضاعته، فإن وجدت امرأة بدلها ترضعه وتقوم عليه أُخذت أمه واقتص منها وقتلت، وإن لم يوجد امرأة ترضعه والولد متعلق بأمه لا يريد إلا أمه ولا يرتضع إلا من أمه، فإنه في هذه الحالة لو قتلنا أمه لقتلناه معها، لأنه سيمتنع من الرضاعة وسيموت، أو يتضرر في صحته، فحينئذ يكون قد حصل القصاص من الجاني وزيادة، وهي زيادة الضرر على الجنين، فننتظر إلى أن ترضعه وتفطمه، ثم بعد ذلك يُقتص من هذه الأم.
فَصْلٌ فِيْ سُقُوْطِ القِصَاصِ
(1) وَيَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوْبِهِ بِأُمُوْرٍ ثَلاثَةٍ (2): أَحَدُهَا: العَفْوُ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ (3)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ سُقُوْطِ القِصَاصِ»:
بعد أن بين المصنف -رحمه الله- الشروط الموجبة للقصاص وشروط استيفاءه، شرع فيما يسقط به القصاص، فهذا الفصل يتعلق بعفو ولي المقتول عن حقه في القود، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل لولي المقتول الحق في أن يأخذ بحقه فيقتص، وبين أن يسامح فيعفو، فقوله: «فَصْلٌ فِيْ سُقُوْطِ القِصَاصِ» أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بسقوط القصاص وذلك بعفو ولي المقتول عن القصاص والقود.
(2)
قوله «وَيَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوْبِهِ بِأُمُوْرٍ ثَلاثَةٍ»:
أي ويسقط القصاص بعد تحقق شروطه وانتفاء موانعه بأُمور ثلاثة.
(3)
قوله «أَحَدُهَا: العَفْوُ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ»:
شرع المؤلف ببيان الأمر الأول الذي يحصل به سقوط القصاص عن المقتول وهو «العفو»، فمن مسقطات القصاص العفو وهو مما أجمع الفقهاء على جوازه وأنه مستحب.
قال النووي -رحمه الله-: «هو مستحب فإن عفا بعض المستحقين، سقط القصاص وإن كره الباقون، ولو عفا عن عضو من الجاني، سقط القصاص كله» 1.
والأصل في مشروعية القصاص قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ=
..................................
=شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} 1، فرغم أن القصاص حق لصاحب الدم، وهو بذلك مخول أن يستوفي هذا الحق بإنزال عقوبة القصاص على الجاني، لكنه مع ذلك يجب التنبيه على أن العفو خير وأفضل من القصاص، وذلك لما في العفو من إحياء لنفس عسى أن تتوب إلى ربها بصالح الأعمال، وفي أفضلية العفو يقول الله سبحانه: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ 3. وقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ 4 وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ 5، والمقصود أحياها بالعفو.
فيستدل بهذه النصوص على أفضلية العفو وأنه خير من القصاص، وقوله «عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ»: أي قد يكون العفو عن القصاص كله وذلك بأن يعفو جميع الورثة أو يعفو بعضهم فيسقط القصاص لأنه مما لا يتبعض فهو كالطلاق والعتق، ولأن القصاص حق مشترك بينهم لا يتبعض ومبناه على الإسقاط فإذا أسقط بعضهم سرى إلى الباقي كالعتق.
فَلَوْ عَفَى بَعْضُ الوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَ كُلُّهُ، وَلِلْبَاقِيْنَ حَقُّهُمْ مِنَ الدَّيَةِ (1)، وَإِنْ كَانَ العَفْوُ عَلى مَالٍ، فَلَهُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الثَّوْابُ (2). (1)
قوله «فَلَوْ عَفَى بَعْضُ الوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَ كُلُّهُ، وَلِلْبَاقِيْنَ حَقُّهُمْ مِنَ الدَّيَةِ»:
أي متى عفا بعض الورثة عن القاتل واسقط حقه عن المطالبة بالقصاص، فإن القصاص يسقط كله وليس لباقي الورثة إلا حق المطالبة بالدية، وفد سبق بيان ذلك مع ذكر الأدلة.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ العَفْوُ عَلى مَالٍ، فَلَهُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الثَّوْابُ»:
أي إذا عفا بعض الورثة عن القصاص على مال فله حقه من الدية إن كان العفو على الدية، وذلك لأن العفو عفوان عفو على عوض كأن يعفو عن القاتل في مقابل بذل الدية، أو مال، وهو ما ذكره المؤلف، وعفو بلا عوض أي عفو مجاني بلا دية، أي بدون أن يأخذ شيئاً وهذا أفضل؛ لأنه إذا فعل ذلك تولى الله تعالى أجره وثوابه كما سبق في الآيات، ولأن غاية الإحسان أن يعفو عمَّن ظلمه وعمَّن آذاه، ولا يأخذ منه شيئاً، وإنما ينتظر من ربه العوض والخلف، ولو أنه عفا ثم أخذ الدية فلا يلام، فله حقه من الدية إن كان العفو على الدية، فإن قال عفوت ولم يذكر مالاً فقد ذكر المؤلف أنه ليس له إلا الثواب، لأنه لما لم يذكر الدية عند عفوه فدل ذلك على تنازله عنها.
وقول آخر في هذه المسألة أنه إذا قال: عفوت ولم يقيده بقصاص ولا دية فله الدية لانصراف العفو إلى القصاص لأنه المطلوب الأعظم، ولأن=
الثَّانِيْ: أَنْ يَرِثَ القَاتِلُ، أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ (1). =القصاص والدية كلاهما بدل عن النفس المقتولة والوارث مخير بينهما، فإذا عفا عن القصاص بقي حقه في البدل الآخر، وهو الدية، فله المطالبة بها، وهذا هو الأقرب عندي.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَرِثَ القَاتِلُ، أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ»:
هذا هو الأمر الثاني الذي يسقط به القصاص، فمتى ورث القاتل شيئاً من دم المقتول سقط القصاص عن القاتل، لأنه لو لم يسقط عنه لترتب عليه أن يقتصَّ الإنسان من نفسه، ولم يقل أحد بذلك.
فإذا قتل أحدُ الولدين أباه، ثم مات غير القاتل ولا وارث له سوى القاتل، فقد ورث القاتل دم نفسه كله، ووجب القصاص لنفسه على نفسه، فيسقط القصاص.
ولو قتل الزوج أخا زوجته فورثته، ثم ماتت الزوجة فورثها القاتل أو ورثها ولده سقط القصاص، وسواء كان لها ولد من غيره أو لا، لسقوط القصاص فيما ورثه ولده منها، فيسقط جميعه.
وقوله «أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ» بأن كان في ورثة المقتول ولد للقاتل سقط القصاص، لأنه لو لم يسقط لوجب للولد على أبيه، والولد لا يجب له قصاص على أبيه، لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه قصاص، فلأن لا يجب عليه له قصاص بالجناية على غيره أولى.
ولو قتل أحد الزوجين صاحبه ولهما ولد لم يجب القصاص، لأنه لو وجب لوجب لولده عليه، ولا يجب للولد قصاص على والده.
الثَّالِثُ: أَنْ يَمُوْتَ القَاتِلُ، فَيَسْقُطُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِيْ تَرِكَتِهِ (1)، وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ عَمْدًا، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلى قَتْلِهِ بِهِمَا، جَازَ (2)، وَإِنْ تَشَاحُّوْا فِيْ المُسْتَوْفِيْ، قُتِلَ بِالأَوَّلِ، وَلِلثَّانِيْ الدِّيَةُ (3)، (1)
قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَمُوْتَ القَاتِلُ، فَيَسْقُطُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِيْ تَرِكَتِهِ»:
هذا هو الأمر الثالث الذي يحصل به سقوط القصاص وهو موت الجاني، فإذا مات الجاني فهنا تتعين الدية، وذلك لتعذر القصاص، وتكون الدية في تركة القاتل.
(2)
قوله «وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ عَمْدًا، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلى قَتْلِهِ بِهِمَا، جَازَ»:
أي وإن قتل شخص واحد اثنين عمداً واتفق أولياؤهم على قتله جاز قتله، لأن الحق لهم وقد اتفقوا على استيفائه، ولا شيء لهم غير القتل، وإن طلب أحدهم القصاص والباقون الدية فلهم ذلك، لأن كل واحد له حق مستقل، فإذا صار القصاص لواحد فللباقين الدية.
(3)
قوله «وَإِنْ تَشَاحُّوْا فِيْ المُسْتَوْفِيْ، قُتِلَ بِالأَوَّلِ، وَلِلثَّانِيْ الدِّيَةُ»:
أي وإن تشاح أولياء المقتولين فيمن يقتله منهم، قُتل الجاني قوداً للمقتول الأول، لأن المحل لا يتسع للكل، وَحَقُّ الأول سابق، فقدم لسبقه، وللَثاني الدِيةُ لأن القتل إذا فات بقيت الدية.
مثال آخر: أن يقتل هذا الجاني أربعة أشخاص، تعلق به أربع رقاب، فإذا اختار أولياء المقتول الأول القصاص وقتل، فهنا يتعين للآخرين الدية، لكن نبدأ بالأول فالأول، فإن كان القتل في وقت واحد قدم أحدهم بالقرعة، فمن خرجت له القرعة أُقيد له.
فَإِنْ سَقَطَ قِصَاصُ الأَوَّلِ، فَلِأَوْلِيَاءِ الثَّانِيْ اسْتِيْفَاؤُهُ (1)، وَيُسْتَوْفَى القِصَاصُ بِالسَّيْفِ فِيْ العُنُقِ (2)، (1)
قوله «فَإِنْ سَقَطَ قِصَاصُ الأَوَّلِ، فَلِأَوْلِيَاءِ الثَّانِيْ اسْتِيْفَاؤُهُ»:
أي إذا أسقط ورثة المقتول الأول حقهم في القصاص بأن عفو مطلقاً أو اختاروا الدية فلأولياء المقتول الثاني استيفاؤه لأنه حقهم فكان لهم استيفاؤه كما لو لم يكن قتل غيره.
(2)
قوله «وَيُسْتَوْفَى القِصَاصُ بِالسَّيْفِ فِيْ العُنُقِ»:
أي يستوفى القصاص في النفس بضرب العنق بالسيف، سواء وقعت الجناية بالسيف أم بغيره، وهذا هو المذهب 1، وهو قول أبي حنيفة 2، ودليلهم على ذلك حديث النعمان ابن بشير -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا قَوَدَ إِلا بِالسَّيفِ» 3، ولأن السيف أمضى الآلات وأسرع في إزهاق روح الجاني، لئلا يقع الحيف والظلم على الجاني، ولا يؤمن ذلك إلا إذا كان التنفيذ بالسيف.
وذهب جمهور الفقهاء 4، وهو رواية عن أحمد 5، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية 6 أن عقوبة القصاص تنفذ بمثل ما قَتَلَ به الجاني، إلا إذا كان =
..................................
=قتله بوسيلة محرمة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ 2. وعن أنس - رضي الله عنه -: «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَينَ حَجَرَينِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلانٌ، فُلانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيَّاً، فَأَومَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَينَ حَجَرَينِ» 3.
ومن النظر أيضاً قالوا: كيف يمثل هذا الجاني بالمقتول، ويقتله بأبشع قتلة ويمزقه تمزيقاً، ثم نقول له: سنضربك بالسيف؟ فهذا ليس بعدل، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ 4، إلاّ إذا قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط والعياذ بالله، أو بالسحر، أو أن يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت فإنه لا يفعل به كذلك.
والظاهر في هذه المسألة: أنه إذا كان المقصود إزهاق نفس الجاني وأن ذلك يكون بأسرع آلة، فلا مانع أن يترك ذلك لرأي الإمام، فله أن يختار أيَّ آلة تكون أسرع من السيف وأقل إيلاماً.
وَلا يُمَثَّلُ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَيُفْعَلُ بِهِ مِثْلُهُ (1)، (1)
قوله «وَلا يُمَثَّلُ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَيُفْعَلُ بِهِ مِثْلُهُ»:
أي ولا يمثل بالجاني إلا إذا مثَّل الجاني بالمقتول، بأن قطع يده، ثم قتله، أو قتله بحجر، أو أغرقه بالماء، أو غير ذلك من أنواع القتل، فللأولياء أن يفعلوا بالجاني مثل فعله، كما في حديث أنس المتقدم.
بابُ الاِشْتِرَاكِ فِي القَتْلِ
(1) وَتُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ (2)، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَتْلُ أَحَدِهِمْ؛ لِأُبُوَّتِهِ (3)، (1)
قوله «بابُ الاِشْتِرَاكِ فِي القَتْلِ»:
وهو أن يشترك أكثر من واحد في القتل.
(2)
قوله «وَتُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ»:
أي إذا اجتمع جماعة على قتل إنسان فإنهم يقتلون جميعاً به، لكن لا بد من شرط، وهو أن يتمالئوا على قتله، أو يصلح فعل كل واحد للقتل لو انفرد.
والدليل على ذلك ما ورد عن عمر -رضي الله عنه- في جماعة اشتركوا في قتل رجل من أهل اليمن، فأمر عمر -رضي الله عنه- أن يقتلوا جميعاً، وقال: «لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا» (1)، أي: لو اتفق أهل بلد كامل على قتله لقتلتهم به، وعمر -رضي الله عنه- ممن اشتهر بالعدالة، ومع ذلك قتلهم جميعاً به، فالحُكْم ليس بجَور.
ولأن هؤلاء الجماعة قتلوا نفساً عمداً، وتجزئة القتل عليهم مُحال؛ إذ لا يمكن أن نقتل كل واحد خمس قتلة، والقتل لا يمكن أن يتبعَّض، ورفع القتل عنهم ظلم للمقتول؛ لأنهم أعدموه وأزهقوا نفسه، فكيف لا تزهق أنفسهم؟ !
(3)
قوله «فَإِنْ تَعَذَّرَ قَتْلُ أَحَدِهِمْ؛ لِأُبُوَّتِهِ»:
كما إذا اشترك في القتل أب وأجنبي في قتل الولد، فالأجنبي يقتل بالولد، والأب لا يقتل بولده كما مر، فالقتل هنا اجتمع فيه سببان: أحدهما: يثبت به القود، والثاني: لا يثبت به القود، فيكون القود على الشريك، والثاني لا قود عليه؛ =1
أَوْ عَدَمِ مُكَافَأَةِ القَتِيْلِ لَهُ، أَوِ العَفْوِ عَنْهُ، قُتِلَ شُرَكَاؤُهُ (1)،
= لوجود المانع وهو الأبوة، وأما الأجنبي فلا مانع في حقه فينفذ فيه القود، فإذا نفَّذنا القصاص على الأجنبي فإن الأب يكون عليه نصف الدية؛ لأن الدية تتبعض، والقصاص لا يتبعض، وفي رواية عن الإمام أحمد (1) لا يقتل شريك الأب لأنه شارك من لا قصاص عليه فلم يجب عليه قصاص كشريك الخاطئ.
والصواب هو القول الأول.
(1)
قوله «أَوْ عَدَمِ مُكَافَأَةِ القَتِيْلِ لَهُ، أَوِ العَفْوِ عَنْهُ، قُتِلَ شُرَكَاؤُهُ»:
سبق أن ذكرنا أن من شروط وجوب القصاص في القتل المكافأة بين القاتل والقتيل في الدين والحرية أو الرق، فلا يقتل الأعلى بالأدنى، ولكن يقتل الأدنى بالأعلى، فإذا اشترك اثنان في قتل شخص غير مكافأْ لأحدهما، كأن يشترك مسلم وكافر في قتل كافر، وقد سبق أنه لا يقتل المسلم بالكافر، فالكافر يجب قتله، والمسلم عليه نصف الدية.
وكذلك رقيق وحر اشتركا في قتل رقيق، فالحر لا يقتل بالرقيق، والرقيق يقتل به، ففي هذه الحال يقتل الرقيق ولا يقتل الحر، ولكن عليه نصف ديته، أي: نصف قيمته.
وكذلك إذا تعذر قتل أحد الشريكين للعفو عنه فإن القصاص يجب على شريكه لأن سقوطه عنه للعفو عنه وهو معنى لا يتعدى إلى شريكه فلم يسقط عنه القصاص.1
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ (1)، أَوْ خَاطِئًا، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ»:
أي إذا كان الشريك في القتل غير مكلف كالصبي والمجنون والآخر مكلفا لم يجب القود على المكلف, وفي رواية (1) يجب عليه لأن القصاص يجب عليه جزاء لفعله لا عن فعل غيره فيجب أن يكون الاعتبار بفعله فمتى تمحض عمداً أو عدواناً وجب القود إذا كان المقتول مكافئا له, وإنما يسقط عن الصبي والمجنون لمعنى فيهما وهو عدم التكليف فلم يقتض سقوطه عن شريكهما كشريك الأب, وهذا هو الصواب عندي، لأنهم تعمدوا قتله، فوجب عليهم القصاص.
(2)
قوله «أَوْ خَاطِئًا، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ»:
أي وكذلك لو اشترك عامد ومخطئ في قتل إنسان، فإنه لا قصاص عليهما؛ لأن جناية أحدهما لا تصلح للقصاص وهي الخطأ، ولا نعلم هل مات بالخطأ أو بالعمد، وحينئذٍ نرفع حكم القصاص، وفي رواية 2 أخرى أن العامد يقتل، وعلى المخطئ نصف الدية.
مثال ذلك: رجل تعمد قتل إنسانٍ، وآخر رمى صيداً، فأصاب هذا الإنسان فمات بهما، فهنا يقتل العامد، ولا يُقتل المخطئ.
وهذا هو الصواب لما ذكرناه في المسألة السابقة.1
وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلاً عَلى القَتْلِ، فَقَتَلَ (1)، (1)
قوله «وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلاً عَلى القَتْلِ، فَقَتَلَ»:
أي: لو أُكره إنسان على القتل فَقَتَل فالقصاص عليهما، أما المكرِه: فلأنه تسبب بما يقتل غالباً، حيث أكره هذا المكلف القادر على القتل، ولأنه تسبب في قتله بشيء يُفضي إليه غالباً، فوجب عليه القصاص، كما لو ألسعه حية، أو ألقاه إلى أسد في زريبة 1، وأما المُكرَه - بفتح الراء - فلأنه قتل شخصاً ظلماً لاستبقاء نفسه، أشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله.
وهذا هو المذهب، وهو قول الجمهور 2.
والقول الثانِي: أن القصاص على المكرَه دون المكرِه لأنه مباشر، وليس له أن يقتل غيره لاستبقاء نفسه.
والقول الثالث: أن القَوَد يختص بالمُكرِه لأنه هو الملجئ لغيره، والمُكرَه مضطر، ولولا إكراه ذلك ما قتله، لكن هذا تعليل ضعيف بالنسبة للتعليل المتقدم، وهذا قول أبي حنيفة 3.
والأظهر أنه على المُكرَه أو عليهما جميعاً، لأنهما شريكان في ارتكاب الجريمة، وحينئذ فينظر القاضي ما هو الأصلح للناس في هذه المسألة، فإن رأى قتلهما جميعاً فله ذلك 4.
أَوْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالآخَرُ مِئَةً (1)، أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الكُوْعِ وَالآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَهُمَا قَاتِلانِ، وَعَلَيْهِمَا القِصَاصُ (2)، وَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ، اسْتَوَيَا فِيْهَا (3)، (1)
قوله «أَوْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالآخَرُ مِئَةً»:
أي فإنه يجب عليهما القصاص إذا مات المجروح وإن صار الأمر إلى الدية فهما فيها سواء، لأنه يجوز أن يموت من الجرح دون الجراحات فسقط اعتبار عددها ولأن الجراح إذا صارت نفساً أوجبت دية واحدة كما لو قطع يده فمات ولو كانت إحدى الجراحتين أعمق من الأخرى فمات منها فالقود عليهما لأن ذلك لا يمنع من تساويهما كما لا يمنع زيادة عدد الجراحات.
(2)
قوله «أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الكُوْعِ وَالآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَهُمَا قَاتِلانِ، وَعَلَيْهِمَا القِصَاصُ»:
أي فهما سواء لأنهما جرحان حصل الزهوق عقيبهما فأشبه ما لو كانا في يدين.
أما إذا برأت جراحة الأول قبل قطع الثاني فالقاتل الثاني وحده وعليه القود أو الدية كاملة إن عفا عن قتله فله قطع يد الأول أو نصف الدية وان لم تبرأ فهما قاتلان وعليهما القصاص في النفس أو الدية إن عفا عنهما.
(3)
قوله «وَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ، اسْتَوَيَا فِيْهَا»:
أي إذا أسقط الورثة القصاص عن الجناة وقبلوا الدية استويا فيها فيكون على كل واحد منهم نصفها لاشتراكهما في القتل.
وَإِنْ ذَبَحَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ قَطَعَ الآخَرُ يَدَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَالقَاتِلُ الأَوَّلُ (1)، (1)
قوله «وَإِنْ ذَبَحَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ قَطَعَ الآخَرُ يَدَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَالقَاتِلُ الأَوَّلُ»:
أي إذا اتفق اثنان على قتل شخص، فجاءا وفعلا فعلاً أزهق روحه، فإن كان الفعل الذي أزهق الروح صدر منهما معاً؛ فهما قاتلان بلا إشكال.
مثال ذلك: لو أن شخصين أمسكا آلة قتل بالسيف وبقرا به بطن المقتول، فهما قاتلان.
أما ما ذكره المؤلف هنا وهو أن ينفرد كل منهما بفعل، فإذا انفرد كل منهما بفعل، فإما أن يكون فعل كل منهما مزهقاً، وإما أن يكون فعل أحدهما مزهقاً والآخر لا يزهق، فإن كان فعل كل منهما مزهقاً، فإما أن يكون وقوع الفعلين مع بعضهما، كأن يكون أحدهما طعنه في بطنه، والآخر طعنه في قلبه، وحصلت الطعنتان مع بعضهما، فالإزهاق حصل بالطعنتين، فكلاهما قاتل، وإما أن يتأخر أحدهما عن الآخر، فإن تأخر أحدهما عن الآخر، فينظر: فإن كان الأول قد فعل الفعل، فاندمل جرحه، أو ضعف عن القتل، أو برئ، ثم جاء الآخر وأزهق، أو فعل الفعل القاتل، فالقاتل هو الثاني دون الأول، وإن كان الأول قد ضرب مقتلاً، وأصاب المقتل، ثم جاء الثاني بعده وضرب مقتلاً بعد المقتل الأول، فالقاتل هو الأول دون الثاني.
وهذا هو مقصود المؤلف هنا، وعبر عنه بقوله: «وَإِنْ ذَبَحَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ قَطَعَ الآخَرُ يَدَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَالقَاتِلُ الأَوَّلُ»، وذلك لأن الإزهاق=
وَإِنْ قَطَعَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِيْ، قُطِعَ القَاطِعُ، وَذُبِحَ الذَّابِحُ (1)، فَإِنْ أَمَرَ مَنْ يَعْلَمُ تَحْرِيْمَ القَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالقِصَاصُ عَلى الْمُبَاشِرِ، وَيُؤَدَّبُ الآمِرُ (2)، =وقع بالأول دون الثاني، لكن يشترط هنا أن يتأخر فعل الثاني تأخراً يقوى به الإزهاق بالفعل الأول، فإن لم يتأخر، ولم يتراخ، فكلاهما قاتل.
(1)
قوله «وَإِنْ قَطَعَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِيْ، قُطِعَ القَاطِعُ، وَذُبِحَ الذَّابِحُ»:
أي فإن قطع أحد الجناة أحد أعضاء المجني عليه كأن يقطع يده مثلاً، ثم جاء الثاني فقام بذبحه، فالحكم هنا أن تقطع يد القاطع فيقتص منه بقدر ما جناه، أو الدية لأنه حصل بجنايته، وأما الآخر فهو الذي قتل الميت، فيقتل به، لكن يشترط أن لا يقعا في وقت واحد، وإلا فكلاهما قاتل.
(2)
قوله «فَإِنْ أَمَرَ مَنْ يَعْلَمُ تَحْرِيْمَ القَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالقِصَاصُ عَلى الْمُبَاشِرِ، وَيُؤَدَّبُ الآمِرُ»:
أي وإن أمر إنسان شخصاً بالقتل حالة كونه عالماً بتحريم القتل ففعل ما أُمر به، وجب القصاص على القاتل، لأنه مباشر مكلف عالم بتحريم ما فعله، فكان القصاص عليه دون غيره، ولأنه غير معذور في فعله، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» 1، ويؤدَّب الآمر بالقتل ظلماً بما يراه الإمام لارتكابه معصية، ولأنه متسبب في القتل.
وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لا يَعْلَمُ تَحْرِيْمَهُ بِهِ، أَوْ لا يُمَيِّزُ، فَالقِصَاصُ عَلى الآمِرِ (1)، وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَاناً لِلْقَتْلِ، فَقُتِلَ، قُتِلَ القَاتِلُ، وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوْتَ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لا يَعْلَمُ تَحْرِيْمَهُ بِهِ، أَوْ لا يُمَيِّزُ، فَالقِصَاصُ عَلى الآمِرِ»:
أي إذا أمر من يعلم تحريم القتل وأن هذا الشخص معصوم الدم أمر غير مكلف أن يقتل، كأن يأمر صبياً وأعطاه سلاحاً، أو يأمر مجنوناً وأعطاه سلاحاً وقال: اقتل هذا الإنسان فالقصاص على الآمر؛ لأن هذا غير مكلف، مرفوع عنه القلم.
كذلك إذا كان المأمور جاهلاً بالحكم لا يدري هل القتل حرام أو حلال كمن نشأ في غير بلاد الإسلام فقتل، أو لا يدري هل هذا المقتول مستحق للقتل أو غير مستحق، ويظن أن هذا الآمر لا يأمر إلا بقتل من يستحق القتل.
(2)
قوله «وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَاناً لِلْقَتْلِ، فَقُتِلَ، قُتِلَ القَاتِلُ، وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوْتَ»:
أي وإن أمسك إنساناً لآخر ليقتله، فقتله، قتل القاتل، لأنه مباشر للقتل الموجب للقَوَد، ويحبس الممسك حتى يموت، لأنه حبس المجني عليه حتى مات، فالجزاء من جنس العمل، وهذا هو المذهب.
وفي رواية أخرى 1: أنه يقتل الممسك - أيضاً -، لأن القتل حصل من إمساكه ومباشرة رفيقه، وذلك يوجب الاشتراك في القتل، وهو يوجب القصاص منهما معاً.
قلت: والذي يظهر لي أن في ذلك تفصيلاً؛ فإن كانا قد تمالئا على قتله=
.................................. =فأمسكه أحدهما وباشر الآخر القتل فإنهما يقتلان به، وإن كان يظن أنه لا يريد قتله بل يعتدي عليه بما هو دون القتل، حبس المجني عليه حتى يموت، والله تعالى أعلم.
بابُ القَوَدِ فِي الجُرُوْحِ
(1) يَجِبُ القَوَدُ فِيْ كُلِّ عُضْوٍ بِمِثْلِهِ (2)، فَتُؤْخَذُ العَيْنُ بِالعَيْنِ، وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ (3)، (1)
قوله «بابُ القَوَدِ فِي الجُرُوْحِ»:
القود كما سبق تعريفه هو القصاص، وهو نوعان: إما أن يكون في النفس وهذا ما سبق بيانه، فيقتل القاتل بمن قتله.
وإما أن يكون فيما دون النفس كالعضو، مثل اليد والرِّجل وغيرهما، وهذا ما سيذكره المؤلف في هذا الباب.
(2)
قوله «يَجِبُ القَوَدُ فِيْ كُلِّ عُضْوٍ بِمِثْلِهِ»:
القصاص فيما دون النفس نوعان: أحدهما: في الطرف، فتؤخذ العين، والأنف، والأذن، والسن، والجفن، والشفة، واليد، والرجل، والإصبع، والكف، والمرفق، والذكر، والخصية، والإلية، والشفر، كل واحد من ذلك بمثله.
النوع الثاني: الجراح، فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم، كالموضحة، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى.
(3)
قوله «فَتُؤْخَذُ العَيْنُ بِالعَيْنِ، وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ»:
هذا بإجماع أهل العلم، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 1، أي: فتؤخذ العين بالعين، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، فالعين الأولى عين الجاني، تؤخذ بالعين الثانية التي هي عين المجني عليه، وأن يكون هذا على سبيل المماثلة=
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الجَفْنِ وَالشَّفَةِ، وَالِّلسَانِ وَالسِّنِّ، وَاليَدِ وَالرِّجْلِ (1)، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ (2)، =ولكن بالشروط التي سيأْتي بيانها.
(1)
قوله «وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الجَفْنِ وَالشَّفَةِ، وَالِّلسَانِ وَالسِّنِّ، وَاليَدِ وَالرِّجْلِ»:
أي متى تعدى على واحدة من هذه المذكورات فأتلفها وجب فيها القصاص بالمثل، لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (1) (2)
قوله «وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ»:
أي وكذلك الذكر إذا جنى عليه بقطعه، فإنه يقتص من الجاني، فيقطع ذكره كما قطع ذكر المجني عليه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 2، وهذا بالإجماع، سواءٌ قطعه كاملاً مع الخصيتين أم قطع العضو وحده دون الخصيتين، فيُقطع منه مثلما قطع من المجني عليه.
وقوله «وَالأُنْثَيَيْنِ» هما الخصيتان فلو جنى على خصيتيه، فقطعها قطعنا منه مثلما قطع، وهذا كله بشرط أمن الحيف، كما سيأتي، أي: أن يكون القطع بطريقة يمكن أن يقتص منه فيها، ولا تكون هناك زيادة عند القصاص، أما إذا لم تؤمن الزيادة فلا.
ولو جنى عليه جناية في خصيته عطلت منافعه فأصبح عقيماً، فيفعل به مثلما فعل بالمجني عليه إذا أمكن ذلك وأمن الحيف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كِتَابُ=1
وَكَذلِكَ كُلُّ مَا أَمْكَنَ القِصَاصُ فِيْهِ (1)، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِيْ (2)، =اللهِ الْقِصَاصُ» (1)، وكذلك لو اعتدى عليه فعطل منفعة الذكر فأصبح لا ينتشر، فيفعل به ما يمنع انتشار ذكره.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ كُلُّ مَا أَمْكَنَ القِصَاصُ فِيْهِ»:
أي وكذلك يكون القصاص فيما أمكن القصاص فيه منها، وفيما وجد منه محل القصاص، ولم يخش منه تلف النفس كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(2)
قوله «وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِيْ»:
شرع المؤلف ببيان الشروط التي إذا وجدت حكمنا بالقصاص، وإذا فقدت أو فقد بعضها لا يُحكم به، وقد سبق ذكر بعض هذه الشروط، منها ما ذكره المؤلف هنا وهو المكافئة بين المجني عليه والجاني، وهو أن يكون القاتل مساوياً للمقتول في الدين والحرية، فلا يقتل مسلم بكافر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» 2، ولا يقتل حر بعبد على قول جمهور الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ 3، فمقتضى ظاهر الآية أن الحر لا يقتل=1
..................................
=إلا بالحر، وأن العبد لا يقتل إلا بالعبد، ولما ورد عن ابن عباس مرفوعاً: «لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» 1، وعن علي -رضي الله عنه- قال: «إنَّ السُّنَّة: أَنْ لا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ» 2.
والقول الثانِي: أن الحر يقتل إذا قتل العبد، وهو قول ذهب إليه أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية 3، وهو رواية عن أحمد 4، وداود الظاهري 5، قال شيخنا -رحمه الله- 6: وهذا القول هو الصواب، وذلك لعموم الأدلة في وجوب القصاص، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» 7، فدل الحديث على أن دماء المؤمنين متكافئة، وأن العبرة بأصل الإيمان، وليست العبرة بالحرية أو الرِّق».
وهذا هو الراجح إن شاء الله، لقوة أدلته، ولأنه يتمشى مع ما تهدف إليه الشريعة من حقن الدماء والحفاظ على الأرواح من أن تزهق بغير حق.
وأما الآية فلا دلالة فيها على المُدَّعَى لأمرين:
وَكَوْنُ الجِنَايَةِ عَمْدًا (1)، وَالأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ (2)،
1 - أنها لم ترد لبيان مقابلة الجنس بجنسه وحتمية ذلك، وإنما وردت - والله أعلم - رداً على أناس حصل بينهم قتال في الجاهلية، ولم يقتصوا إلا بعد الإسلام، وحلفوا ألا يرضوا إلا بالحر بدل العبد، والرجل بدل المرأة (1).
2 - أن الاستدلال بها عن طريق مفهوم المخالفة، لا يعتبر حجة إذا عارضه المنطوق، وهو ما تقدم من الأدلة.
وأما الأحاديث التي احتجوا بها فهي ضعيفة لا تقوم بها الحجة كما هو مبين في تخريجها.
(1)
قوله «وَكَوْنُ الجِنَايَةِ عَمْدًا»:
هذا هو الشرط الثاني من شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس، فإن كانت الجناية عن خطأ لم يقتص منه كما في قتل الخطأ.
(2)
قوله «وَالأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ»:
هذا هو الشرط الثالث، وهو «الأمن من الحيف»: أي من الزيادة في القصاص على مقدار الجناية، وهو أن يؤمن التعدي إلى غير الجاني حال التنفيذ، لقوله تعالى: ﴿فَلا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ 2، والإسراف مجاوزة الحد، إما أن يمثل بالقاتل أو يقتله بغير ما قتل به أو يقتل غير القاتل، وإذا أفضى القصاص إلى التعدي كان فيه إسراف، وهو محرم.
ومن الأدلة على ذلك أيضاً أن الله تعالى أوجب القصاص، ولا يمكن =1
بِأَنْ يُقْطَعَ مِنْ مِفْصَلٍ (1)،
=أن يتحقق القصاص مع وجود الزيادة، أن الجاني حينها يكون مظلوماً، ولذا قال الفقهاء لو غلب على الظن أننا سنزيد ولا نأمن أن تحدث مضاعفات، وقد يموت الجاني، فيسقط القصاص عندها وينتقل إلى البدل وهو الدية.
مثال ذلك لو أن شخصاً مصاب بمرض السكر تعدى على شخص آخر فقطع أصبع من أصابعه، ومعلوم أن مرض السكر تحصل معه مضاعفات قد تؤدي بحياة الجاني فهنا يسقط عنه القصاص في هذا العضو وينتقل إلى البدل، لأن الجناية التي فعلها الجاني لا يمكننا أن نفعل مثلها بالجاني، وحينئذٍ لا يتحقق القصاص الذي أوجب الله عز وجل وفرضه.
(1)
قوله «بِأَنْ يُقْطَعَ مِنْ مِفْصَلٍ»:
أي ويكون الأمن من التعدي بأن يكون القطع من مفصل فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع، فمثلا في الأصبع من مفصل الأنملة، وفي الكف من مفصل الرسغ، وفي الذراع من مفصل المرفق، وفي العضد من مفصل الكتف، فلو أن رجلا قطع يد رجل من مفصل اليد تماماً فإنه يقتص منه، ولو قطعه من نصف الذراع فلا يقتص منه، لأن القطع ليس من مفصل، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء 1، وفي رواية أخرى في المذهب 2، وهو مذهب الشافعية 3، أنه يقتص من المفصل الذي دونه، وهذا هو =
أَوْ حَدٍّ يَنْتَهِيْ إِلَيْهِ، كَالْمُوْضِحَةِ الَّتِيْ تَنْتَهِيْ إِلَيْهِ العِظَامُ (1)،
=الصحيح عندي.
وهل له أرش على الزائد أم لا؟
قولان في مذهب الإمام أحمد (1): أصحهما ثبوت الأرش له وذلك لتعذر الاستيفاء، فإذا تعذر الاستيفاء وجب الأرش.
إذاً الصحيح أنه إذا كان القطع من غير مفصل فله القود من المفصل الذي دونه، وله في أصح القولين الأرش، أي الارش الذي يكون مقابلاً لهذا القطع من طرفه.
فعندنا ثلاثة احتمالات على خلاف كلام المؤلف:
الأول: أن يقتص من المفصل الذي دون القطع، ويأخذ أرش الزائد.
الثاني: أن يقتص من مكان القطع إذا أمكن.
الثالث: أن يقتص من دون محل القطع، وفوق المفصل ويسقط المجني عليه الزائد (2).
(1)
قوله «أَوْ حَدٍّ يَنْتَهِيْ إِلَيْهِ، كَالْمُوْضِحَةِ الَّتِيْ تَنْتَهِيْ إِلَيْهِ العِظَامُ»
أو أن تكون الجناية إلى حد تنتهي إليه، وإن لم يكن مفصل، فأما ما سوى ذلك فلا قصاص فيه لعدم أمن الحيف وضرب المؤلف مثالاً فقال: «كَالْمُوْضِحَةِ الَّتِيْ تَنْتَهِيْ إِلَيْهِ العِظَامُ» الموضحة، وهي الجناية التي توضح العظم وتبرزه، هي الشجة التي توضح العظم، كالشجة التي =12
فَأَمَّا كَسْرُ العِظَامِ، وَالقَطْعُ مِنَ السَّاعِدِ وَالسَّاقِ، فَلا قَوَدَ فِيْهِ (1). وَلا قَوَدَ فِيْ الجَائِفَةِ (2)،
= في الوجه، أو التي في الرأس إذا وصلت إلى العظم، ولكن العظم لم ينكسر، فهذه يجوز القصاص فيها لإمكان الاستيفاء بلا حيف، ولا زيادة.
أما لو وصلت إلى العظم فهشمته وكسرته فهي الجناية بالهاشمة ولا يجب فيها قصاص، لأن المماثلة غير ممكنة وله أن يقتص عنها موضحة، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله.
(1)
قوله «فَأَمَّا كَسْرُ العِظَامِ، وَالقَطْعُ مِنَ السَّاعِدِ وَالسَّاقِ، فَلا قَوَدَ فِيْهِ»:
اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في كسر العظام - بما فيها الضلع - لعدم الوثوق بالمماثلة لأنه لا يعلم موضعه، فلا يؤمن فيه التعدي.
وقال المالكية (1): يجري فيها القود كسائر جراحات الجسم، إلا ما عظم خطره منها، كعظم الصدر والصلب، وعظام العنق والفخذ، أما ما لا خطر في إجراء القصاص فيه ففيه القود، كالزندين، والذراعين، والعضدين، والساقين، ونحوها.
(2)
قوله «وَلا قَوَدَ فِيْ الجَائِفَةِ»:
الجائفة: هي التي تصل إلى الجوف، من البطن أو الظهر أو الحلق أو من غير ذلك، تكون في غير الرأس والوجه، فتكون في البطن، وفي الصدر، وفي ثغرة النحر، وتكون جائفة فيما بين السبيلين، وهذه الجائفة فيها ثلث الدية كما سيأتي، فلو طعنه بسكين ودخلت السكين إلى جوفه فأبانت أحشاءه فهي جائفة، وهكذا لو =1
وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ، إِلاَّ الْمُوْضِحَةِ (1)، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى فِيْمَا فَوْقَ المُوْضِحَةِ بِمُوْضِحَةٍ (2)،
=ضربه من ظهره فأظهر عظمه فهي جائفة، ولو ضربه على صدره فأبان جوف الصدر فهي جائفة.
وقد اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة، وأن فيها ثلث الدية سواء أكانت عمداً أم خطئًا، وعليه الإجماع؛ ولأنه لا تؤمن الزيادة فيها فلم يجب فيها قصاص، ولحديث ابن عباس: «لا قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَلا الْجَائِفَةِ» (1).
(1)
قوله «وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ، إِلاَّ الْمُوْضِحَةِ»:
الشجاج جمع شجة، والشجة الجراحة في الوجه أو الرأس، ولا تكون في غيرهما من الجسد، فهذه إن كانت موضحة ففيها القصاص باتفاق الفقهاء، وهذا معنى قوله «إِلاَّ الْمُوْضِحَةِ» لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (2) ولأنه يمكن الاستيفاء فيها بغير حيف ولا زيادة لأن لها حداً تنتهي إليه السكين وهو العظم، وإن كانت الشجة فوق الموضحة كالمنقلة والآمة فلا قصاص فيها، لأنه لا يؤمن الزيادة والنقصان فيها فلا يوثق باستيفاء المثل من غير حيف بخلاف الموضحة.
(2)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَرْضَى فِيْمَا فَوْقَ المُوْضِحَةِ بِمُوْضِحَةٍ»:
أي يجوز للمجني عليه جناية فوق الموضحة أن يقتص موضحة؛ لأنه يقتص بعض حقه، ويقتص من محل جنايته، وإذا اقتص موضحة كان له أرش ما زاد =12
وَلا فِيْ الأَنْفِ إِلاَّ مِنَ الْمَارِنِ، وَهُوَ مَا لانَ مِنْهُ (1)، =على الموضحة، لأنه تعذر القصاص فيه فانتقل إلى البدل، مثال ذلك أن يجني عليه جناية هشمت عظامه، أو نقلت العظم، فإنه يُمكن جرحه موضحة.
وهل له أن يطالب أرش ما زاد على الموضحة؟
قولان للفقهاء:
الأول: أنه له أن يأمر الجاني بدفع الفرق بين الموضحة وبين الجناية وذلك لأنه جنى عليه جناية يتعذر القصاص فيها، فأخذ بعض حقه، وبقي له الآخر، كما لو قطع له أصبعين، فاقتص من أحدهما وأخذ قيمة الثاني، وكما لو كان الأصبع الثاني مشلولاً فقال المجني عليه: أريد أن تقطعوا منه مثل ما قطع مني، وآخذ أرش الباقي لي من الأصبع المشلول، فلا أريد القصاص فيه، فله ذلك، وبناءً على ذلك فإن الأصل يقتضي أن يطالب بحقه كاملاً، وهو القصاص، فلما تعذر أن يأخذ بالقصاص كان من حقه أن يقتص موضحة، فالموضحة فيها خمس من الإبل، فإذا كانت الجناية هاشمة ففيها عشر من الإبل، فيدفع خمساً من الإبل باقية عليه.
القول الثاني: أنه ليس له أرش ما زاد على الموضحة؛ لأنه جرح واحد فلا يجمع فيه بين قصاص ودية.
(1)
قوله «وَلا فِيْ الأَنْفِ إِلاَّ مِنَ الْمَارِنِ، وَهُوَ مَا لانَ مِنْهُ»:
أي ولا قود في الأنف إلا ما لان منه، وهو العضو البارز في الوجه، يعني: الزائد عن حد الوجه، وهو الذي يسمى: مارن الأنف، وفيه ثلاثة أشياء: المنخر الأيمن، والمنخر الأيسر، والحاجز بينهما.
=
وَيُشْتَرَطُ التَّسَاوِيْ فِي الاِسْمِ وَالْمَوْضِعِ (1)، فَلا تُؤْخَذُ وَاحِدَةٌ مِنَ اليُمْنى وَاليُسْراى وَالعُلْيَا وَالسُّفْلى إِلاَّ بِمِثْلِهَا (2)، وَلا تُؤْخَذُ إِصْبَعٌ وَلا أَنْمُلَةٌ وَلا سِنٌّ إِلاَّ بِمِثْلِهَا (3)، =فلو أنه قطع الجزء المارن من الأنف وهو ما عبر عنه بقوله «ما لان منه» ففيه القصاص لإمكان الاستيفاء بلا حيف لأن للمارن حدا ينتهي إليه، أشبه اليد، فإن قطع قصبة الأنف فلا قصاص وله الدية.
(1)
قوله «وَيُشْتَرَطُ التَّسَاوِيْ فِي الاِسْمِ وَالْمَوْضِعِ»:
هذا هو الشرط الربع من الشروط المعتبرة لاستيفاء القصاص، فلابد من المماثلة والتَسَاوِي في محل العضْوين، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر، لأنهما جوارح مختلفة المنافع والأماكن، فلم يؤخذ بعضها ببعض، كالعين بالأنف، ولو تراضيا فهو حرام، لكن تجزئ ولا ضمان، وكذا لو قطعها غلطاً أو ظناً أنها تجزئ، وقوله: «فِي الاِسْمِ وَالْمَوْضِعِ» الاسم تكون يداً بيد، وكذلك خنصر بخنصر، هذا اسم، والموضع يمين بيمين مثلاً.
(2)
قوله «فَلا تُؤْخَذُ وَاحِدَةٌ مِنَ اليُمْنى وَاليُسْراى وَالعُلْيَا وَالسُّفْلى إِلاَّ بِمِثْلِهَا»:
فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، كالأيدي والأرجل والأعين والآذان ونحوها؛ ولا تؤخذ الشفة العليا بالسفلى لأن كل واحد منها يختص باسم، وله منفعة خاصة؛ فلا تماثل، ولا تؤخذ خنصر ببنصر من الأصابع؛ للاختلاف في الاسم، ولا يؤخذ عضو أصلي بعضو زائد.
(3)
قوله «وَلا تُؤْخَذُ إِصْبَعٌ وَلا أَنْمُلَةٌ وَلا سِنٌّ إِلاَّ بِمِثْلِهَا»:
أي وكذلك لا تؤخذ إصبع بإصبع إلا أن يتفقا في الاسم والموضع، فلا تؤخذ خنصر=
وَلا تُؤْخَذُ كَامِلَةُ الأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ (1)، =ببنصر من الأصابع؛ للاختلاف في الاسم، ولا تؤخذ أنملة بأنملة إلا أن يتفقا في ذلك, ولا يؤخذ السن بالسن إلا أن يتفق موضعهما واسمهما ولا يؤخذ سن ولا إصبع أصلية بزائدة ولا زائدة بأصلية ولا زائدة بزائدة في غير محلها لما ذكرناه.
(1)
قوله «وَلا تُؤْخَذُ كَامِلَةُ الأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ»:
أي لو كان الجاني كامل الأصابع والمجني عليه أصابعه ناقصة، فلا تؤخذ يد الجاني بيد المجني عليه، لأن أصابع يد المجني عليه ناقصة فلا يتم القصاص، وهذا أحد الأقوال في المسألة.
وذهب الحنفية 1، والشافعية 2، والحنابلة على الصحيح من المذهب 3، إلى أنه تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة الأصابع مع عدم المماثلة وعدم المساواة، وذلك لأن أصابع اليد الناقصة فيها منفعة، كالحركة والإحساس، ومثل ما لو قتل شخص رجلا مقطع الأربع، يعني قد قطعت يداه ورجلاه، فإن الجاني يقتل، ولو كان كامل الأطراف، فهذه مثلها.
قال شيخنا -رحمه الله-: «والقول بأنه يقتص من كاملة الأصابع بالناقصة أقوى من الأول» 4.
وَلا صَحِيْحَةٌ بِشَلاَّءَ (1)، وَتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بِالكَامِلَةِ (2)، (1)
قوله «وَلا صَحِيْحَةٌ بِشَلاَّءَ»:
هذا أيضا شرط لاستيفاء القصاص فلابد من استواؤهما في الصحة والكمال، أي: لا تؤخذ اليد الصحيحة باليد الشلاء ولا رجلٌ صحيحة برجلٍ شلاء، ولا أصبعٌ صحيحة بأصبعٍ شلاء، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، وهذا يقتضي أن يكون هناك تماثلٌ، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ (1) إلى آخر الآية.
فالمقصود من هذه الآية الكريمة العدل بين الجاني والمجني عليه، فإذا كان طرف الجاني المماثل للطرف المجني عليه أكمل، فإنه لا يمكن أن يتحقق العدل بقطع ذلك الطرف الكامل بالطرف الناقص.
فالحاصل أنه لا تقطع يد صحيحة «كاملة» بيدٍ شلاء، سواءٌ أكانت مشلولة بكاملها أم كان الشلل في بعضها، وسواءٌ أكان الشلل في أكثر اليد أم في بعض اليد، فلابد من وجود التماثل (2).
(2)
قوله «وَتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بِالكَامِلَةِ»:
أي فإذا كانت يد القاطع ناقصة ويد المجني عليه كاملة فإنها تؤخذ بها، لأنها دون حقه.
وهل له أخذ دية الأصابع الناقصة؟ على وجهين:
«أحدهما» له ذلك، وهو قول الشافعي 3.12
وَالشَّلاَّءُ بِالصَّحِيْحَةِ إِذَا أُمِنَ التَّلَفُ (1)، والثاني: ليس له مع القصاص إرش، وهو مذهب أبي حنيفة (1) لئلا يفضي إلى الجمع بين قصاص ودية في عضو واحد.
(1)
قوله «وَالشَّلاَّءُ بِالصَّحِيْحَةِ إِذَا أُمِنَ التَّلَفُ»:
أي فإذا كان القاطع أشل والمقطوعة سالمة فاختار القصاص فله ذلك لأنه رضي بدون حقه اللهم إلا أن يخاف من القصاص التلف فإنه يسقط القصاص ولأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف وإن أمن هذا كله فله القصاص, وليس له أرش معه لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة وإنما نقصت عنها في الصفة فلم يكن له أرش، فإن اختار المجني عليه دية يده فله ذلك لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه عجز عن استيفاء حقه على الكمال بالقصاص فكانت له الدية كما لو لم يكن للقاطع يد.1
فَصْلٌ فِي الجِنايَةِ عَلى بَعْضِ العُضْوِ
(1) وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ أَوْ مَارِنِهِ أَوْ شَفَتِهِ أَوْ حَشَفَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ، أُخِذَ مِثْلُهُ، يُقَدَّرُ بِالأَجْزَاءِ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِمَا (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِي الجِنايَةِ عَلى بَعْضِ العُضْوِ»:
الجناية على الأعضاء لها ثلاث حالات
:
الأولى: أن تذهب حاسته كاملة
، كأن تذهب حاسة الشم للأنف وتتعطل منافعه في هذه الحالة، وهذا لا إشكال فيه.
الثانية: أن يذهب العضو كاملا
ً كقطع اليد أو الرجل أو شلل أصابها.
الثالثة: أن يقطع بعض العضو
، وهذا هو مراد المؤلف في هذا الفصل.
(2)
قوله «وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ أَوْ مَارِنِهِ أَوْ شَفَتِهِ أَوْ حَشَفَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ، أُخِذَ مِثْلُهُ، يُقَدَّرُ بِالأَجْزَاءِ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِمَا»:
أي إذا قطع بعض أذنه أو مارنه أي «ما لان من أنفه»، كما سبق أو لسانه أو شفته أو حشفته، يعني «حشفة ذكره» أخذ منه مثله بأن يقدر ذلك بنسبة الأجزاء كالنصف والثلث والربع، وفي رواية أخرى لا يؤخذ بعض اللسان ببعض، قال أبو الخطاب وهو الأصح 1. قلت: والصواب عندي هو القول الأول لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 2، ولأن له حداً ينتهي إليه.
وَإِنْ أُخِذَتْ دِيَتُهُ، أُخِذَ بِالقِسْطِ مِنْهَا (1)، وَإِنْ كُسِرَ بَعْضُ سِنِّهِ، بُرِدَ مِنْ سِنِّ الجَانِيْ مِثْلُهُ، إِذَا أُمِنَ انْقِلاعُهَا (2)، وَلا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا (3)، (1)
قوله «وَإِنْ أُخِذَتْ دِيَتُهُ، أُخِذَ بِالقِسْطِ مِنْهَا»:
أي إن قطع الجاني نصف هذه المذكورات كأن يقطع نصف اللسان أو نصف أُذن وما شابه ذلك وعدل المجني عليه عن القصاص إلى الدية أو تعذر القصاص، أخذ منه نصف ديته أي نصف دية هذا العضو وإن كان أكثر أو أقل فبالحساب.
(2)
قوله «وَإِنْ كُسِرَ بَعْضُ سِنِّهِ، بُرِدَ مِنْ سِنِّ الجَانِيْ مِثْلُهُ، إِذَا أُمِنَ انْقِلاعُهَا»:
أي إذا كسر بعض سن المجني عليه فإنه يقتص من الجاني بقدر جنايته، وذلك بأن نحكه بالمبرد، حتى يتحقق القصاص، ويكون القصاص بالنسبة لا بالقدر؛ لأن سن الجاني قد يكون قدر سن المجني عليه مرتين، فإذا كسر نصف سن المجني عليه، وقلنا: القصاص بالقدر، فإننا نأخذ ربع سن الجاني، لكننا إذا قلنا بالنسبة، فإننا نأخذ نصف سن الجاني، لكن يشترط أمن الحيف كما ذكرنا سابقاً ولذا قيده المؤلف هنا بقوله «إِذَا أُمِنَ انْقِلاعُهَا».
(3)
قوله «وَلا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا»:
وذلك لأنه مما يحتمل العود فلا يجب شيء مع الاحتمال وإنما يعرف ذلك بقول عدلين من أهل الخبرة كالأطباء ونحوهم، فإن عاد بدل السن على صفتها في موضعها فلا شيء على الجاني، وإن عادت مائلة عن محلها أو متغيرة عن صفتها كان عليه حكومة لأنها لو لم تعد ضمن السن فإذا عادت ناقصة=
وَلا مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ (1)، وَسِرَايَةُ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ (2)، =ضمن ما نقص، وإن عادت قصيرة ضمنه بالحساب: ففي نصفها نصف ديتها، وفي ربعها ربع ديتها, وإن مضى زمان عودها ولم تعد سئل أهل العلم بالطب فإن قالوا قد يئس من عودها فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن.
(1)
قوله «وَلا مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ»:
أي ولا يقتص من الجاني حتى يبرأَ المجني عليه من جرحه وذلك لأن الجرح لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه وما الواجب فيه.
(2)
قوله «وَسِرَايَةُ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ»:
السراية: هي أن ينتقل الشيء من مكان إلى آخر، فيسري الجرح من المكان الأول إلى مكان آخر ويتسع، وكذلك الأعضاء، كما لو قطع أصبعاً فتآكلت الكف كلها، أو قطع أنملة فتآكل الأصبع كله، أو جرح موضحة بقدر الظفر ثم اتسعت حتى صارت بقدر الكف.
وقوله «وَسِرَايَةُ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ»: أي فلو قطع طرفاً قودًا كأن تقطع رجلاه أو يداه فسرى إلى النفس، فتسبب القطع في وفاة الجاني فلا شيء على قاطع، لعدم تعديه، ولأن «ما ترتب على المأذون فليس بمضمون»، قال الوزير: «اتفقوا على أن الإمام إذا قطع يد السارق، وسرى إلى نفسه، فلا ضمان عليه» 1. =
وَسِرَايَةُ الجِنَايَةِ مَضْمُوْنَةٌ بِالقِصَاصِ وَالدِّيَةِ (1)، إِلاَّ أَنْ يُسْتَوْفَى قِصَاصُهَا قَبْلَ بُرْئِهَا، فَيَسْقُطُ ضَمَانُهَا (2)، =يستثنى هنا ما إذا اقتص منه في حال يخشى فيه من السراية، مثل أن يكون في شدة حر، أو في شدة برد، أو إنسان فيه داء السكري، فإن هذا في الغالب لا يبرأ، ويخشى فيه السراية، فإذا كان كذلك، قال أهل العلم: إن السراية في هذه الحال تكون مضمونة، لأنها مترتبة على شيء غير مأذون فيه.
(1)
قوله «وَسِرَايَةُ الجِنَايَةِ مَضْمُوْنَةٌ بِالقِصَاصِ وَالدِّيَةِ»:
أي إذا كانت السراية من جناية فإنها مضمونة، مثل لو قطع أصبع إنسان عمدا فنزف الدم حتى مات، فهنا نقتل الجاني، فإذا قال الجاني: أنا لم أقطع إلا الأصبع، فنقول له: لكن هذه الجناية سرت إلى النفس، وأنت السبب، وربما أنك لم تقصد أن تقتل هذا الشخص، لكنه مات بسببك فتكون ضامنا.
وهذا الضابط مبني على قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: «ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون»، فكل شيء ترتب على شيء لم يؤذن فيه، لا شرعاً ولا عرفاً، فإنه يكون مضموناً وقد تقع السراية بالأسلحة والآلات المسمومة، كما لو ضربه بسكين مسمومة، أو ضربه بسكين كآلة وحصل تلوث بسببها، فإنه يكون ضامناً لهذه النفس، فإما القصاص وإما الدية.
(2)
قوله «إِلاَّ أَنْ يُسْتَوْفَى قِصَاصُهَا قَبْلَ بُرْئِهَا، فَيَسْقُطُ ضَمَانُهَا»:
سبق أن ذكرنا أنه لا يقتص من الجاني حتى يبرأَ المجني عليه من جرحه، فإذا=
..................................
=استعجل المجني عليه القصاص أو الدية فقال أريد أن أقتص، فقال له القاضي: انتظر حتى تبرأ، مخافة سراية الجناية، فأصر على حقه ليقتص فوراً، فإنه يُمَكَّن من حقه، فإذا مُكن من حقه، ثم سرت الجناية بعد اقتصاصه، كما لو قُطع أصبعه، فقال: أريد القصاص وأريد أن آخذ بحقي، فمكنه القاضي، فقطع أصبع الجاني، ثم بعد القطع سرت الجناية حتى سقطت كفه، فسريان الجناية هدر.
وقال بعض العلماء: له القصاص، والصحيح ما ذكرناه، دليل ذلك حديث جابر أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستقيد فقيل له «حَتَّى تَبْرَأَ فَأَبَى وَعَجَّلَ فَاسْتَقَادَ قَالَ فَعَنِتَتْ رِجْلُهُ وَبَرِئَتْ رِجْلُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لَهُ لَيْسَ لَكَ شَيْءٌ إِنَّكَ أَبَيْتَ» 1.
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (الديات - الحدود - الجهاد - القضاء - الشهادات) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء الثامن مدار الوطن للنشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (الديات - الحدود - الجهاد - القضاء - الشهادات)