وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 45-84

باب الربا

(1)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الرِّبَا»:

هذا الباب من أهم الأبواب ومن أصعبها، وقد تساهل الناس بالربا كثيراً رغم ما جاء من نصوص الكتاب والسنة في النهي عنه، والوعيد الشديد والإذن بالحرب لمن وقع في ذلك الإثم العظيم.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: تعريف الربا: الربا في اللغة: الزيادة.
    وشرعاً: الزيادة الحاصلة بمبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات، وقيل أيضاً في تعريفه الزيادة في أشياء مخصوصة والمقصود بها هنا الزيادة على رأس المال قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (1).

الفائدة الثانية: حكمه الشرعي

: الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فهي قوله تعالى ﴿.. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 2. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 3.1

..................................  =قال السرخسي في المبسوط: «ذكر الله تعالى لأكل الربا خمساً من العقوبات: الأولى: التخبط؛ قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ 1. الثانية: المحق؛ قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ 2 والمراد الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع حتى لا ينتفع به، ولا ولده بعده.
الثالثة: الحرب؛ قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ﴾ 3. الرابعة: الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ 4 وقال سبحانه بعد ذكر الربا: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ 5، أي كفار باستحلال الربا أثيم بما جر بأكل الربا.
الخامسة: الخلود في النار؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 6» 7. أما دلالة السنة فهي كثيرة منها: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ =

..................................  = الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» 1. ومن ذلك أيضاً ما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ» 2. أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على تحريم الربا 3.

  • الفائدة الثالثة: الحكمة من تحريمه: حرم الله الربا لأمور عديدة منها: 1 - أن الربا يقتضي أخذ أموال الناس بالباطل لأن بيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له به درهم من غير عوض، ومال المسلم متعلق بحاجته وله حرمته العظيمة.
    قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «.. فَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَيَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا... » 4. 2 - أن الربا يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق التي لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات.
    3 - أن الربا يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، قال ابن القيم=

..................................  = -رحمه الله- (1) حول هذا المعنى: «.. فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافاً مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربوا المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا».
4 - أن المرابي متصف بالغلظة في طبعه، والشح في إنفاقه، والعزوف عن الصدقات، والبعد عن فعل الخيرات، فالربا يقتل كل مشاعر الشفقة في الإنسان، ولا يتردد المرابي في تجريد المدين من أمواله.

الفائدة الرابعة: أقسام الربا

: ينقسم الربا إلى قسمين «ربا الفضل وربا النسيئة»: الأول ربا الفضل: أي الزيادة؛ ومعناه: بيع شيء من الأموال الربوية بجنسه متفاضلاً، كأن يبيع صاعاً من البر بصاعين.
ذكر بعض الأحكام المتعلقة بربا الفضل: 1 - إذا كان البيع من جنس واحد ربوي حرم فيه التفاضل والنَساء.
مثاله: كأن يبيع ذهباً، أو براً ببر ونحوهما فهنا يشترط لصحة هذا البيع =1

..................................  = التساوي في الكمية والقبض في الحال لاتفاق البدلين في الجنس والعلة.
2 - إذا كان البيع من جنسين اتفقا في ربا الفضل واختلفا في الجنس حرم النَساء وجاز التفاضل.
مثاله: أن يبيع ذهباً بفضة، أو براً بشعير ونحوهما فيجوز البيع مع التفاضل 3 - إذا كان القبض في الحال يداً بيد لأنهما اختلفا في الجنس، واتحدا في العلة.
4 - إذا كان البيع بين جنسين ربويين لم يتفقا في العلة جاز الفضل والنَساء.
مثاله: أن يبيع طعاماً بفضة، أو طعاماً بذهب ونحوها فيجوز التفاضل والتأجيل لاختلاف البدلين في الجنس.
5 - إذا كان البيع بين جنسين ليسا ربويين فيجوز الفضل والنَساء.
مثاله: أن يبيع بعيراً ببعيرين، أو ثوباً بثوبين ونحوهما فهنا يجوز التفاضل والتأجيل.
6 - إذا كان بيع أحد نوعي جنس بالأخر غير أنهما ليسا في مستوى واحد فلا يجوز بيع أحدهما بالأخر.
مثال ذلك: أن يبيع صاعاً من الرطب بصاع من التمر، فهذا لا يجوز لأن الرطب ينقص إذا جف فيحصل التفاضل المحرم.
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: بيع الذهب المصنوع، كأن يبيع ذهباً جديداً بذهب قديم فلا تجوز الزيادة من أجل الصنعة في أحد العوضين.
لكن المشروع هنا أن يبيع الرطب أو الذهب القديم ويشتري بثمنها التمر أو الذهب الجديد.

..................................  ثانياً: ربا النسيئة: النسيئة هي التأخير، وربا النسيئة هو أن يبيع شيئاً ربوياً بشيء ربوي مع تأخير القبض فيهما.
مثاله: أن يبيع صاعين من البر بصاع من الأرز ويتفرقا بدون تقابض أو صاعاً من البر بصاع من الأرز أو الشعير مع تأخير القبض.
ومنه أيضاً قلب الدين على المعسر وذلك بأن يكون له مال مؤجل على رجل، فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم ترابي، فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال، فيضاعف المال في ذمة المدين وهذا أصل الربا في الجاهلية وهو أخطر أنواع الربا وقد اجتمع فيه الربا بأنواعه ربا الفضل وربا النسيئة وربا القبض وهو البيع مع تأخير قبض العوضين أو قبض أحدهما من غير ذكر الأجل.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: وجه العلاقة بين ربا الفضل وربا النسيئة

: العلاقة بينهما قد يجتمعان، وقد يفترقان، وقد يرتفعان.
فإذا بعت عليك عشرة دراهم بدينار مع تأخير القبض فهذا ربا النسيئة، وإذا بعت عليك صاعاً من البر بصاعين من البر مع القبض في مجلس العقد فهذا ربا الفضل وإذا بعت عليك صاعاً من البر بصاعين منه مع تأخير القبض اجتمع فيه ربا النسيئة وربا الفضل، وإذا بعت عليك صاعاً من البر بصاع من البر مع التسليم انتفى ربا الفضل وربا النسيئة.

  • الفائدة الثانية: في الأصناف التي يجري فيها الربا: يجري الربا في ستة أصناف وهي المذكورة في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- كما سيذكره المؤلف وهي=

..................................  =الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وهذه هي الأشياء التي أجمع العلماء على جريان الربا فيها.
واختلف العلماء فيما سواها، هل يلحق بها أم لا؟ فذهب الظاهرية 1 إلى أنه لا يلحق بهذه الأصناف المنصوص على تحريم الربا فيها شيء لأن الأصل الإباحة، ولأن الشارع خص من المكيلات والمطعومات أربعة أشياء، فلو كان الحكم ثابتاً في كل المكيلات أو كل المطعومات لقال لا تبيعوا المكيل بالمكيل.
وذهب جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة 2 إلى أن الربا يجري في هذه الأصناف الستة وما يماثلها في العلة.
وهذا هو الراجح عندي: لأنه ما دام أن العلة واضحة وموجودة في غير هذه الأصناف فيلحق بها كل ما كان بمعناها، لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين.

  • الفائدة الثالثة: في بيان علة التحريم في الأجناس المنصوص عليها: اختلف الفقهاء في علة تحريم الربا في الأجناس المنصوص عليها.
    فذهب الحنفية 3 إلى أن العلة الجنس والقدر.
    فالجنس في قوله الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والقدر في قوله مثلاً بمثل، ويعني بالقدر الكيل، فيما يكال والوزن فيما يوزن.

..................................  =وقال المالكية 1 بل العلة في النقود الثمنية، وعلة ربا الفضل في الاقتيات والادخار، وعلة ربا النسيئة مجرد الطعم، ومعنى الاقتيات ما تقوم به بنية الآدمي وصيانتها بحيث لا تفسد بالاقتصار عليه، ومعنى الادخار عدم فساده بالتأخير.
وقال الشافعية 2 بل العلة في الذهب والفضة كونها في الأثمان غالباً وهذه العلة لا تتعدى إلى غيرها من الموزونات فلا تتعدى إلى النحاس والرصاص والكتان والصوف وغيرها.
أما في الأشياء الأخرى «التمر - البر - الشعير - الملح» فالعلة فيها أنها مطعومه، والمراد بالمطعوم: ما قصد طعم الآدمي غالباً.
أما الحنابلة 3 فقد اختلفت الروايات عن الإمام أحمد في ذلك: فالرواية الأولى: أن العلة في الذهب والفضة كونها موزونة، وفي الأجناس الأخرى كونها مكيلات.
وفي الرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية، وفي الأجناس الأخرى كونها مطعومة جنس فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها.
والرواية الثالثة: أن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونها مطعومة جنس مكيلا أو موزوناً فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والخوخ والرمان ونحوه.

عَنْ عُبَادَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيْرُ بِالشَّعِيْرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيْعُوْا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» 1  =والذي يترجح عندي بعد ذكر أقوال المذاهب: أن العلة في الذهب والفضة كونهما ثمناً للأشياء، وفي الأجناس الأربعة الأخرى كونها مكيلة مطعومة، وهذا هو إحدى الروايات (1) في مذهب الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية 2، وابن القيم 3 رحمهما الله.

(1)

قوله «عَنْ عُبَادَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيْرُ بِالشَّعِيْرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيْعُوْا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»

4. هذا الحديث رواه مسلم وهو عمدة في أحاديث الربا، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «الذهب بالذهب»: أي لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، وكذا في جميع الأصناف المذكورة فلا بد فيها من أمور ثلاثة: «المثلية، والتساوي، والقبض في مجلس العقد».
فقوله: «مثلاً بمثل»: المراد به النوعية، «سواء بسواء»: المراد به المقدار في الوزن، وقوله: «يدا بيد»: أن يقبض كل واحد من المتابيعين عوض ما دفع=

وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَطْعُوْمٍ مَكِيْلٍ، أَوْ مَوْزُوْنٍ بِجِنْسِهِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ (1) وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَكِيْلٍ مِنْ ذلِكَ بِجِنْسِهِ وَزْنًا، وَلا مَوْزُوْنٍ كَيْلاً (2)  =من المال في مجلس العقد.
وقوله: «فإذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا حيث شئتم يداً بيد»: أي إذا اختلفت هذه الأصناف كبيع المكيل أو الموزون بغير جنسه مما يساويه في العلة يشترط لصحة البيع شرط واحد وهو التقابض قبل التفرق من المجلس، فإذا بعت صاعاً من بر بصاعين من الأرز جاز لكن بشرط التقابض قبل التفرق.
وعلى ذلك يكون التقابض شرطاً عاماً لجميع كل مكيل أو موزون سواء كان من جنسه أو من غير جنسه إذا كان يساويه في العلة.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فمن زاد فقد أربى»: أي فمن زاد في المبيع من هذه الأصناف المذكورة وفي غيرها مما يجري فيه الربا أو استزاد أي طلب زيادة فيها فقد وقع في الربا.

(1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَطْعُوْمٍ مَكِيْلٍ، أَوْ مَوْزُوْنٍ بِجِنْسِهِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ»:

العلة عند المؤلف الطعم والكيل، وهذا هو الصحيح كما مر بنا.
أما دليل ما ذكره المؤلف فهو ما ثبت عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ فَقَالَ بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا فَذَهَبَ الْغُلامُ فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ وَلا تَأْخُذَنَّ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ» (1)، والمماثلة المعتبرة في الشرع: هي الكيل والوزن.

(2)

قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَكِيْلٍ مِنْ ذلِكَ بِجِنْسِهِ وَزْنًا، وَلا مَوْزُوْنٍ كَيْلاً»:

أي=1

..................................  =لا يجوز بيع ما يكال كالبر والشعير والزبيب وغيره مما يكال بشيء من جنسه إلا كيلاً.
وكذلك لا يجوز بيع ما يوزن كلحم مثلاً بجنسه إلا وزناً، فلو باع لحماً من خروف بلحم من خروف أخر فلابد من الوزن، فلو أراد أن يقطع اللحم قطعاً صغيرة ويضعه في إناء ويبيعه بجنسه كيلاً فإنه لا يصح لأن معيار اللحم هو الوزن فلابد من مراعاة المساواة في البيع.
والمساواة المرعية في الشرع: هي المساواة في الكيل كيلاً وفي الموزون وزناً ولا يحصل العمل بالتساوي مع مخالفة المعيار الشرعي وهو كيلاً فيما يكال ووزناً فيما يوزن، والفرق بينهما أي بين المكيل والوزن أن المكيل تقدير الشيء بالحجم، والوزن بالثقل والخفة، فالبر مكيل فإذا بيع ببر فلا بد أن يكون طريق التساوي هو الكيل، فلو بيع وزناً لا يصح ولا يعتبر ذلك تساوياً، والدليل على ما ذكره المؤلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ كَيْلاً بِكَيْلٍ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ كَيْلاً بِكَيْلٍ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (1).

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: ما لا يختلف بالوزن والكيل: كالأدهان والألبان فإنها من قسم المكيل.
    لو بيعت هذه المائعات وزناً هل يجوز؟ نقول: المذهب 2 يرى عدم الجواز.1

وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، جَازَ بَيْعُهُ كَيْفَ شَاءَ يَدًا بِيَد (1) وَلَمْ يَجُزِ النَّسَاءُ فِيْهِ، وَلا التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ (2)  =وذهب شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-: إلى أنه إذا كان الكيل والوزن يتساويان فلا بأس أن يباع المكيل بجنسه كيلاً أو وزناً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثلاً بمثل»، والمثلية هنا متحققة.

  • الفائدة الثانية: قال بعض أهل العلم: ما لا يكال لقلته وحقارته فإنه لا يعتبر فيه التماثل كتمرة بتمرتين مثلاً فلا بأس لأن هذا مما تعارف عليه الناس ولا يمكن أن تكال التمرة.

(1)

قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، جَازَ بَيْعُهُ كَيْفَ شَاءَ يَدًا بِيَد»:

أي بيع الذهب بالفضة والبر بالشعير أو الملح بالتمر يجوز مع وجود التفاضل لكن لا بد أن يكون يداً بيد، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «.. فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2)، وكذلك يجوز بيع المكيل وزناً والعكس.
مثال ذلك: اشترى شعيراً ببر كأن يشتري كيلو جرام بر بكيلو جرام شعير فيجوز ذلك لأنه من غير جنسه، وإذا باع شعيراً بتمر وزناً بمثل كيلو جرام من هذا وكيلو جرام من هذا فيجوز لكن بشرط أن يكون ذلك يداً بيد.
(2) قوله «وَلَمْ يَجُزِ النَّسَاءُ فِيْهِ»: أي لا يجوز التأخير فيه «وَلا التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ»: أي لا بد من التقابض قبل التفرق كما سبق بيانه.

وخلاصة الأمر هنا أن بيع

ما يجري فيه الربا ينقسم إلى قسمين

: الأول: أن يبيع ما يجري فيه الربا من جنسه كالذهب بالذهب والفضة =12

إِلاَّ فِي الثَّمَنِ بِالْمُثَمَّنِ (1)، وَكُلُّ شَيْئَيْنِ جَمَعَهُمَا اسِمٌ خَاصٌ، فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ (2)،  =بالفضة والتمر بالتمر والشعير بالشعير والبر بالبر والملح بالملح وغير ذلك، فهذا يشترط لها شرطان: 1 - التقابض من الطرفين وقت البيع.
2 - التساوي بالمعيار الشرعي.
الثاني: أن يبيع ما يجري فيه الربا بما ليس من جنسه، كأن يبيع ذهباً بفضة، أو براً بشعير، وهكذا فإنه لا يشترط له إلا شرطٌ واحدٌ هو القبض قبل التفرق.

  • الفائدة الأولى: النقود التي انتشرت في هذا العصر: تعد نقداً قائماً بذاته لها حكم الذهب والفضة، فلا يجوز بيع عملة بأخرى مع الاتفاق على تأجيل العملتين أو أحدهما إلى تاريخ معلوم في المستقبل كما يجري الآن في تعامل كثير من البنوك مع عملائها وذلك لأن علة الربا في العملتين واحدة وهي الثمنية.
  • الفائدة الثانية: يشترط لصحة بيع إحدى العملتين بالأخرى: قبضهما معاً في مجلس العقد، مع جواز التفاضل بين عملتي بلدين مختلفتين كما سبق، فيجوز بيع مائة جنيه مصري بمائة وخمسين ريال سعودي مثلاً، أو بيع ألف ريال سعودي بخمسمائة يورو أوربي لأنهما جنسان مختلفان، فعملة كل بلد جنس مستقل بذاته.

(1)

قوله «إِلاَّ فِي الثَّمَنِ بِالْمُثَمَّنِ»:

فيجوز فيه الأمران التأخير والتفرق قبل القبض، كأن يبيع بر بريالات فيجوز تأخير القيمة والتفرق قبل قبضها.
(2)

قوله «وَكُلُّ شَيْئَيْنِ جَمَعَهُمَا اسِمٌ خَاصٌ، فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ»:

الجنس هو الشيء الذي يشمل أشياء مختلفة بأنواعها كالبر فإنه يشمل الحنطة والجريباء واللقيمى وغير ذلك والتمر جنس يشمل البرحي والسكري والخضري ونحوه.

إلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (1)، فَإِنَّ فُرُوْعَ الأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهَا كَالأَدِقَّةِ وَالأَدْهَانِ (2)،  =فلا يجوز أن يباع سكري ببرحي إلا مثلاً بمثل يدً بيد، لأنهما نوعان من جنس واحد، ولا يجوز أن بيع تمراً يابساً بأخر مثله إلا مثلاً بمثل يداً بيد لأنهما من جنس واحد، فاشترط لها التقابض قبل التفرق والتساوي، وكذلك لا يجوز بيع جديد بقديم أكثر منه.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ»:

أي إلا أن يكون هذان الجنسان من أصلين مختلفين كبر وشعير فيجوز فيهما التفاضل، فلو باع كيلو جرام من دقيق الحنطة بكيلوين من دقيق الشعير فلا بأس، وإن كان كل منهما يسمى دقيقاً لأنهما فرعان من أصلين مختلفين فكانا جنسين.
لكن يحرم أن يكون أحدهما مؤجلا لأن علة الربا فيهما واحدة وهي الاقتيات.

(2)

قوله «فَإِنَّ فُرُوْعَ الأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهَا كَالأَدِقَّةِ وَالأَدْهَانِ»:

ذكرنا سابقاً أن الجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً مختلفة كالبر جنس يشمل الحنطة واللقيمي، والأرز جنس يشمل المزة والبيشاور وغيرها، والنوع شيء يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها كالحنطة، هذا نوع يشمل الحنطة التي في أماكن متعددة في الزلفي، والرياض، والمدينة، ومكة، وغيرها، والحنطة التي عند فلان وفلان في بلدان مختلفة أو بلد واحد.
وعلى هذا فالإنسان جنس يشمل الذكر والأنثى.
والحيوان جنس يشمل البقر والغنم والإبل، وفروع الأجناس أجناس كالدقيق والجريش والخبز واللحم... إلخ.

..................................  = فقوله «فَإِنَّ فُرُوْعَ الأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ.. »: كالدقيق والجريش ونحوها، فالدقيق فرع جنس وهو البر - مثلاً - فهو بمنزلة البر لأن الفرع تبع الأصل، فكلما كانت أصول هذه الأشياء المذكورة أجناساً وجب أن تكون هذه أجناساً إلحاقاً بالفروع لأصولها فدقيق الحنطة جنس، ودقيق الذرة جنس، وكذا الباقي، فلا يجوز بيع صاع من البر بصاع من دقيق البر لأمرين: الأول: تعذر التساوي.
الثاني: فوات المماثلة.
لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن فيزيد.
ولا يجوز بيع صاع من البر بصاع من السويق لتعذر التساوي من جهتين: الأول: تفرق الأجزاء بالطحن.
الثاني: النقصان بأخذ النار بسبب التحميص، ولا يجوز كذلك بيع بر بجريش لأن النار تفقد أجزاء المطبوخ وتنفخها فلا يحصل التساوي.
أما إذا اختلفت هذه الأجناس كبر وشعير جاز البيع كما ذكرنا، فلو باع دقيق بر بدقيق شعير مع وجود التفاضل فيهما فيجوز لاختلاف الجنس.
أما الأدهان فقد اختلفت الرواية في المذهب 1 هل يجري فيها الربا أم لا؟ ففي رواية وهي المذهب جريان الربا في الأدهان لأنه كان يباع بالكيل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو مكيل وكل مائع فهو مكيل كالدهن والزيت وغيره.
القول الثاني: أنه لا يجري فيها الربا فلا بأس أن يبيع بعضه ببعض مع وجود التفاضل.

وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ رَطْبٍ مِنْهَا بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ (1)، وَلا خَالِصِهِ بِمَشُوْبِهِ (2)، وَلا نِيْئِهِ بِمَطْبُوْخِهِ (3)  (1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ رَطْبٍ مِنْهَا بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ»:

كما مر سابقاً، والمعنى لا يجوز بيع رطب ما يجري فيه الربا بيابسه مثل أن يبيع رطباً بتمر، فالتمر يابس والرطب رطب فلا يجوز حتى وإن تساويا وزناً لأن الرطب إذا جف خف الوزن فلا يحصل التساوي, ولذا لما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرطب بالتمر، فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْهُ» (1). أما دليل النهي عنها فسيأتي قريباً - إن شاء الله - في آخر هذا الباب.

(2)

قوله «وَلا خَالِصِهِ بِمَشُوْبِهِ»:

الخالص هو النقي الذي لم يخالطه غيره، والمشوب عكسه فهو الذي خالطه غيره فلا يجوز بيع بعضها بالآخر لتعذر التساوي لكن يستثنى من ذلك الخلط اليسير أو ما كان لإصلاح المخلوط كالملح في الطعام، فالخلط اليسير لا يضر فإنه يتعذر وجود بر خالص ليس فيه حبة شعير.
وكذلك لا يجوز بيع الذهب غير الخالص كذهب عيار (18)، أو عيار (21) وهو الذي خالط به غيره من نحاس ونحوه لا يجوز بيعه بذهب خالص خالياً من ذلك كله وهو ما يسمى بعيار (24) سواء كانا متساويين في الوزن أم لا وذلك لعدم التمكن من التساوي مع وجود هذه الشوائب.

(3)

قوله «وَلا نِيْئِهِ بِمَطْبُوْخِهِ»:

كما ذكرنا ذلك، فلا يجوز بيع حنطة مثلاً بجريش ولا يجوز بيع كيلو جرام من اللحم النيئ بكيلو جرام من اللحم المطبوخ لأن الطبخ يؤثر في الوزن إذ يدخل فيه أشياء، وإذا كان من غير الجنس جاز كما=1

قَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَهُوَ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِيْ رُؤُوْسِ النَّخْل (1)، وَأَرْخَصَ فِيْ بَيْعِ الْعَرَايَا فِيْمَا دُوْنَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رَطْبًا (2)،  =سبق ذلك.

(1)

قوله «وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَهُوَ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِيْ رُؤُوْسِ النَّخْلِ»:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمًّى.. » (1)، فهو من تفسير الصحابي لها، وهي أن يشتري رطباً وهو لا يزال في النخل بتمر مكيل عنده.
والعلة في النهي عنها: لأن فيها بيع معلوم بمجهول، فالمعلوم هو الكيل والمجهول ما كان على رؤوس النخل، فإنه إذا باع النخل بتمر كيلاً أو باع العنب بزبيب كيلاً فقد جهل مقدار أحد العوضين.

(2)

قوله «وَأَرْخَصَ فِيْ بَيْعِ الْعَرَايَا فِيْمَا دُوْنَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رَطْبًا»:

العرايا: هي أن يكون عند إنسان تمر من العام الماضي وجاء الرطب هذا العام، وأراد أن يتفكه بالرطب لكنه ليس عنده دراهم وليس عنده إلا تمر يابس من العام الماضي، فهنا رخَّص الشارع بجواز شراء الرطب بالتمر, وسميت عرايا لعروها عن الثمن، فيأتي هذا الرجل الفقير الذي عنده تمر من العام الماضي إلى صاحب البستان ويقول - يعني - «تمر هذه النخلة الذي هو الآن رطب بالتمر هذا»، فهذا جائز لدعاء الحاجة إليه لكن يشترط لذلك شروط:1

..................................  الأول: ألا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر.
فلو وجد من يشتري منه هذا التمر بدراهم وغيرها فإنه لا يجوز أن يشتري رطباً بتمر.
الثاني: أن تكون خمسة أوسق فأقل.
الثالث: أن يكون الرطب عند يبوسته بقدر التمر، ويعرف ذلك عن طريق الخراص الماهر العارف فيقول هذا الرطب إذا يبس يكون بقدر هذا التمر.
الرابع: أن يكون الرطب على رؤوس النخل، فإن كان الرطب في أنية وعرضت للبيع فلا يجوز لأنه يفوت التفكه لأن كونه على رؤوس النخل يتفكه به الإنسان شيئاً فشيئاً.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: ما كان تحريمه تحريم وسائل فيجوز للحاجة لأن المحرمات نوعان: محرمات تحريم غاية لذاتها ومحرمات تحريم وسيلة، فما كان محرماً لذاته فلا يجوز إلا لضرورة فقط كالميتة لا يجوز الأكل منها إلا لضرورة وكذا الخمر لأنها محرمات لذاتها.
    أما المحرمات تحريم وسائل فيجوز فعلها للحاجة والضرورة، فالحرير تحريمه على الرجال هو من تحريم الوسائل لأنه سيكون وسيلة إلى أن يكون الإنسان الذكر الذي فُضِّل بالرجولة بمنزلة الأنثى التي تنشأ في الحلية، ومن ذلك أيضاً آنية الفضة فإذا كان عند إنسان إناء من غير الفضة وانكسر وأراد أن يلم بعضه إلى بعض بسلسلة من فضة جاز مع أن تحريمه تحريم وسائل إذ أن الذهب والفضة استعمالهما يؤديان إلى الفخر والخيلاء والاستكبار والتعاظم.

..................................  -

الفائدة الثانية: في كيفية التخلص من الأموال الربوية

: التخلص من الربا لا بد منه ولكن كيف ذلك؟ نقول الربا الذي يريد أن يتخلص منه لا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون الربا في ذمم الناس: فهنا الواجب في حقه أن يأخذ رأس ماله فقط ويترك ما زاد عليه من الربا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ 1. الحالة الثانية: أن تكون أموال الربا مقبوضة عنده: فلا يردها على أصحابها ولا يأكلها لأنها كسب خبيث ولكن يتخلص منها بالتبرع بها بنية التخلص منها لا بنية التقرب إلى الله بها، والتبرع هنا له طريقان: الأول: توزيعها على الفقراء والمحتاجين والمساكين وغيرهم، وهذا قال به بعض العلماء، وقال بعض العلماء لا تعطى للفقراء ولا غيرهم لأنه مال خبيث والله طيب لا يقبل إلا الطيب.
الثاني: أن تصرف في مشاريع لا علاقة لها بالأكل والشرب وغيره، بل تنفق في المشاريع الخيرية كالمدارس، والطرق، ودورات مياه، وغير ذلك مما فيه نفع للناس.

  • الفائدة الثالثة: في حكم الصرف والأوراق المالية: الصرف هو بيع نقد بنقد سواء اتحد الجنس أو اختلف، سواء كان النقد من الذهب والفضة أو من الأوراق النقدية المتعامل بها الآن.
    1 - إذا باع نقداً بجنسه وجب التساوي في المقدار والتقابض في المجلس كريال =

..................................  =بريال، أو جنيه مصري بجنيه مصري، أو دولارٍ أمريكي بدولار أمريكي.
2 - إذا باع ريالات ورقية بريالات فضية فقد اختلف أهل العلم المعاصرون في ذلك: فقال بعضهم: يجوز التفاضل لأن الفضة جنس والورق جنس والفضة قيمتها أغلى من قيمة الورق وإنما جعل الورق مكان الفضة من باب التخفيف وعدم الكلفة وإلا فالفضة هي الأصل وهي أغلى قيمة من الورق.
وقال الآخرون لا يجوز التفاضل لآن قيمة الريال من الورق في الأخذ والإعطاء كقيمة ريال الفضة وما يشتري به هذا يشتري به هذا، والراجح عندي أنه لا يجوز التفاضل.
3 - إذا باع نقداً بنقد من غير جنسه كريالات ورقية سعودية بدولارات أمريكية جاز التفاضل في المقدار ووجب القبض قبل التفرق من المجلس.
4 - إذا افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو قبض البعض صح العقد فيما قبض وبطل فيما لم يقبض كأن يعطيه ديناراً بعشرة دراهم فلم يجد إلا خمسة دراهم فيصح العقد في نصف الدينار ويبقى نصف الدينار أمانة عند البائع.

الفائدة الرابعة: في بيان بعض صور الربا في هذا العصر

: الودائع التي يدفع المصرف - البنك - لها فوائد، كما هو الحال في كثير من الودائع في المصارف الربوية، هي قروض ربوية محرمة سواء كانت هذه الودائع حسابات جارية، أم من الودائع لأجل، أو من حسابات التوفير.
ما يحصل من إقراض البنك لبعض العملاء قروضاً بفائدة يأخذها المصرف أو الدائن مقابل هذا القرض، كما هو جاري في كثير من المصارف الربوية.

..................................  =فهذا القرض من الربا الصريح وإن كان المصرف يزيد الفائدة على عميله كلما تأخر السداد، فهذا هو عين ربا الجاهلية المحرم.
بيع الأوراق التجارية من شيكات أو كمبيالات أو مستندات التزم مصدرها بدفع قيمتها في وقت أجل محدد, بثمن أقل من قيمتها من قبل مصدرها بقيمتها الحقيقية المذكورة فيها, مع التزام مصدرها بنفع معين يقدمه لمشتريها, فهذه الأوراق محرمة شرعاً إصداراً, أو بيعاً, أو تداولاً, لأن هذه المعاملة من الربا الصريح سواء سميت ربحاً أو عائداً أو عمولة أو تم تسميتها استثمارية أو خارجية.
ما تقوم به المؤسسات التجارية أو بعض الشركات بإقناع بعض الأشخاص بشراء سلعة بسعر معين, على أن يقوم بإقناع آخرين بالشراء من هذه الشركة ثم كل شخص يقوم بإقناع آخرين وهكذا, ويعطي كل شخص عمولة مقابل كل شخص يأتي عن طريقه, وهذه السلع تباع لمن يشتريها بأكثر من قيمتها لتغطي تكاليف العمولات فهذه المعاملة محرمة لوجوه: الأول: اشتمال هذه المعاملة على الربا بنوعية, لأن من يشتري هذه السلعة إنما يشتريها من أجل العمولة لا من أجل السلعة، فهو يدفع نقوداً قليلة في مقابل ما سيحصل عليه من النقود الكثيرة ووجود السلعة لا أثر لها, وإنما هي ستار لهذه المعاملة.
الثاني: اشتمال هذه المعاملة على أكل أموال الناس بالباطل, حيث لا يستفيد من هذا العمل سوى هذه الشركة، أو المؤسسة وأشخاص معدودين من المشتركين.

..................................  الثالث: اشتمالها على الغرر والجهالة, لأن المشتري لهذه السلعة بهذا الثمن الذي لا تستحقه لا يدري هل يكون الأشخاص الذين سيأتون عن طريقه وعن طريق من أقنعهم كثيرين فيربح أم أن هذا التسويق سيتوقف قريباً فيكون خاسراً.

  • الفائدة الخامسة: لا يجوز إيداع المال في البنوك الربوية التي تتعامل بالربا إلا عند الاضطرار إلى ذلك بأن لا يجد المسلم من يودع عنده سوى المصرف الربوي, لأن الإيداع عنده إعانة له على الإثم والعدوان, ولأن حقيقة الإيداع في المصرف إقراض له ولا يجوز إقراضه مالاً يرابي به.

بَابُ بَيْعِ الأُصُوْلِ وَالثِّمَارِ

(1) رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تَؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (2).  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ بَيْعِ الأُصُوْلِ وَالثِّمَارِ»:

الأصول: جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره والمراد بهذه الأصول: الأراضي، والدور، والأشجار لأن هذه الأشياء يتعلق بها غيرها.
والثمار: جَمْعٌ، وواحدهِ: ثَمَرَةٌ، وهي ما يجنى من النخيل وغيره.

(2)

قوله «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تَؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ»

1، التأبير: التلقيح؛ والحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وفي الحديث فوائد منها: 1 - أن من باع نخلاً قد أبر فثمرته للبائع كما هو مفهوم الحديث.
2 - أن من باع نخلاً لم يؤبر فثمرته للمشتري.
3 - إذا استثنى البائع الثمرة التي لم تؤبر أو بعضها فهي له بشرطه.
4 - إذا اشترط المشتري دخول الشجرة المؤبرة بالعقد فهي له بشرطه.
5 - إذا كان بعض ثمره مؤبراً وبعضه لم يؤبر فقد اختلف فيه الفقهاء، والصحيح: أن لكلٍ حكمه، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً إلا إذا كان التأبير في نخلة واحدة فيكون كل ثمرتها للبائع لأن باقيها تبع لأولها.

وَكَذلِكَ بَيْعُ الشَّجَرِ، إِذَا كَانَ ثَمَرُهُ بَادِيًا (1). فَإِنْ بَاعَ الأَرْضَ، وَفِيْهَا زَرْعٌ (2)،  6 - دخول الثمرة في البيع إذا اشتريت قبل التأبير أو اشترطها المشتري وهي مؤبرة يعد بيعاً للثمرة قبل بدو صلاحها، لكن رخّص فيه لأنه تابع لأصله وليس مستقلاً، والقاعدة العامة «يثبت تبعاً مالا يثبت استقلالاً»، وهذه الصورة منها وبهذا يجمع بين النصين.
7 - دل الحديث بمفهومه على أن الثمرة قبل التأبير تدخل في البيع، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (1). وقال أبو حنيفة (2) تكون الثمرة للبائع قبل التأبير وبعده أخذاً بمنطوق الحديث وألحقوا ما قبل التأبير بما بعده لأن مفهوم الصفة غير معتبر عندهم.
والراجح عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لأن الشرع جعل التأبير حداً لملك البائع الثمرة، فيكون ما قبله للمشتري وإلا لم يكن لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «قد أبرت» معنىً فيكون لغواً، وهذا ينزه عنه كلام الشارع.

(1)

قوله «وَكَذلِكَ بَيْعُ الشَّجَرِ، إِذَا كَانَ ثَمَرُهُ بَادِيًا»:

أي وكذلك سائر الشجر يلحق بالنخل إذا ظهرت ثمرته فإنه يأخذ حكمه كالعنب والتين والرمان ونحو ذلك فهو للبائع قياساً على النخل، لأن بُدِّو ذلك من شجرة بمنزلة ظهور ثمر النخل من طلعه, فإذا ظهر التفاح والمشمش من زهرة فهو كالنخل المؤبر.
وقوله «بادياً» أي بمجرد ظهوره.

(2)

قوله «فَإِنْ بَاعَ الأَرْضَ، وَفِيْهَا زَرْعٌ»:

أي زرعه البائع.12

لا يُحْصَدُ، إِلاَّ مَرَّةً، فَهُوَ لِلْبَائِعِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ (1) وَإِنْ كَانَ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَالأُصُوْلُ لِلْمُشْتَرِيْ، وَالْجُزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِع (2)،  (1)

قوله «لا يُحْصَدُ، إِلاَّ مَرَّةً، فَهُوَ لِلْبَائِعِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ»:

أي لا يدخل في العقد الزرع الذي لا يحصد إلا مرة واحدة إذا كان في الأرض كالبر والشعيرِ فهو للبائع إلا أن يشترط ذلك المبتاع وهو المشتري دليل ذلك الحديث المتقدم.
(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَالأُصُوْلُ لِلْمُشْتَرِيْ، وَالْجُزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِع»:

أي إذا كان الزرع مما يجز مرة بعد أخرى كالبرسيم والبقدونس والكراث أويلقط مرة بعد أخرى كالباذنجان والباقلاء والقثاء والخيار والطماطم وغير ذلك، فهذه أصولها للمشتري قياساً على النخل إلا الجزة الأولى الظاهرة لما يحصد مرة بعد مرة أو لما يلقط مرة بعد أخرى للبائع لأنه يكون كالثمر المؤبر فيعطي حكمه، وأما إذا اشترط المشتري الحصول على الجزة الأولى فله ذلك.
قوله «وَالْجُزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ»: قياساً على الثمرة المؤبرة ولا خلاف في ذلك لأنها ظاهرة في الحال,لا تراد للبقاء, فلم يدخل في البيع إلا بالشرط كالثمرة المؤبرة.

فَصْلٌ فِيْ حُكْمِ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِهَا نَهَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا (1)، وَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا عَلَى التَّرْكِ إِلَى الْجُذَاذِ، جَازَ (2)  الشرح:

(1)

قوله «نَهَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا»:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ» (1)، هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، والحكمة في النهي عن ذلك أن بيعها قبل بدو صلاحها يجعلها معرضة لكثير من الآفات، فإذا تلفت أو تضررت صار ذلك في ملك المشتري الذي لم ينتفع منها فيكون من أكل أموال الناس بالباطل، ويكون سبباً أيضاً في حصول الشحناء والبغضاء والحقد والحسد بين المسلمين, كما أن بيعها قبل بدو الصلاح ليس فيه فائدة لعدم الانتفاع بها، وكذلك فيه قطع للتنازع والتخاصم بين المتعاملين وإزالة لأسباب العداوة والبغضاء بينهم.
أما كيفية معرفة بدو الصلاح فيأتي - إن شاء الله - قريباً.

(2)

قوله «وَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا عَلَى التَّرْكِ إِلَى الْجُذَاذِ، جَازَ»:

لأن المسلمين على شروطهم لكن لا بد أن يبادر بالجذاذ أو الحصاد عند حصول بدو الصلاح ولا يجوز له أن يبقيها بقاءً يتضرر منه البائع فإذا وقَّت الجذاذ فلابد أن يجذ المبتاع الثمرة ولا يبقيها لما في ذلك من الضرر، وكذلك في الحصاد، وهنا فائدتان:1

فَإِنْ أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ (1) رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيْكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْه وَسَائِرُ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيْهِ النُّضْجُ، وَيَطِيْبَ أَكْلُهُ شَيْئًا، أَتَأْخُذُ مَالَ أَخِيْكَ بِغَيْرِ حَقٍّ (2)  - الفائدة الأولى: إذا باع الثمرة بعد بدو الصلاح واحتاجت إلى سقي فيلزم البائع سقيها إلى وقت جذها أو حصادها.
وهل يلزمه سقيه إذا لم يحتج إلى ذلك قولان؟ الصحيح أنه لا يلزمه إلا إذا احتاج إلى سقي.

الفائدة الثانية: بيع الثمار بعد بدو صلاحها والحب بعد اشتداد حبه له ثلاث حالات

: الأولى: أن يبيعه بشرط القطع فإنه يصح البيع ويقطعه.
الثانية: أن يبيعه بشرط التبقية فهذا جائز.
الثالثة: أن يبيعه ويسكت فهذا أيضاً جائز.

(1)

قوله «فَإِنْ أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ»:

الجائحة من الجوح وهو الاستئصال، يقال: جاحتهم جائحة، وجاح الله ماله، وأجاحه بمعنى أهلكته الجائحة.
أما تعريفها عند الفقهاء: فهي كل آفة لا صنع لأدمي فيها كالريح والبرد والجراد والعطش ونحو ذلك.
(2) قوله «رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيْكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْه، وَسَائِرُ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيْهِ النُّضْجُ، وَيَطِيْبَ أَكْلُهُ شَيْئًا، أَتَأْخُذُ مَالَ أَخِيْكَ بِغَيْرِ حَقٍّ»: أي إذا تلفت الثمرة بعد بدو صلاحها بشيء من الآفات السماوية فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن كله إذا تلقت كلها أو بعضه إذا تلف بعضها، وهذا هو قول=

..................................  =جمهور الفقهاء 1، دليل ذلك الحديث الذي ذكره المؤلف وعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.. ﴾ 2. وروى أيضاً مسلم عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - «أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» 3، وذهب أبو حنيفة 4، والشافعي 5 في الجديد، وابن حزم 6، وجماعة من السلف أنه إذا اجتيحت الثمار المبيعة فهي من ضمان المشتري، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم عن أبى سعيد الخدري قال: أُصِيبَ رَجُلٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِغُرَمَائِهِ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ» 7، وجه الدلالة منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الغرماء جميع ماله ولم يسقط عنه لأجل الجائحة شيئاً, فدل على عدم وجوب وضع الجائحة.
والراجح عندي: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول لقوة الأدلة وصراحتها، أما ما استدل به أصحاب القول الثاني فدليلهم وإن كان صحيحاً لكنه ليس بصريح في هذه المسألة أما الأدلة التي أخذ بها الجمهور فهي أدلة صحيحة=

..................................  =صريحة في وضع الجوائح، ومع القول بأن ما أصابته الجائجة يكون الرجوع فيه على البائع إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه فيستثنى من ذلك ما إذا أخر المشتري هذا المبيع عن العادة فإن الضمان عليه لا على البائع, فإذا قدر أن المشتري تهاون في جذ المبيع عن وقت الجذاذ حتى جاء المطر فأفسدها فالرجوع على المشتري لأنه هو الذي فرط.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: إذا تغير بعض الثمر كأن يصير بعضه حشفاً كما في النخيل فينقص الثمر بذلك فهل يضمنه البائع؟ نقول: نعم لأنه إذا ضمن الكل ضمن البعض فهذا الثمر الذي حشف وصار لا يأكله إلا البهائم هو كالتالف في الواقع فضمان النقص على البائع.

- الفائدة الثانية: إذا أتلف آدمي الثمر:

فالمشتري بالخيار بين الفسخ ويكون الضمان على البائع وإن شاء الإمضاء وطالب المتلف بما أتلفه.

  • الفائدة الثالثة: قد يقول قائل كيف يخير المبتاع والمشتري بين الفسخ والإمضاء والثمرة في ملكه، فلماذا لا يطالب المتلف ولا يرجع على البائع؟ ويقال له: لأن الثمرة كانت في ضمان البائع فعليه حفظها وحراستها، فكأنه هو المفرط في ذلك حتى أتلفه من أتلفه من الآدميين.
  • الفائدة الرابعة: الجائحة إذا كانت قبل تخلية الثمرة للمشتري فهي على البائع، وإن كانت بعد الجذاذ فهي على المشتري، وأما بينهما فالصواب أنها على البائع.

وَصَلاحُ ثَمَرِ النَّخْلِ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرّ (1)

- الفائدة الخامسة: لاضمان على البائع في ثلاث صور:

1 - إذا كان التلف يسيراً.
2 - إذا اشترى الثمرة مع أصولها.
3 - إذا أخر المشتري أخذ الثمرة عن وقت الجذاذ المعتاد لأنه مفرط وقد سبق ذلك.

- الفائدة السادسة: إذا اختلف البائع والمشتري في التلف

وقدره ولا بينة فالقول قول البائع.

الفائدة السابعة: إذا تعيبت الثمرة من غير تلف

خُير المشتري بين الإمضاء مع الأرش وبين الرد وأخذ الثمن.
(1)

قوله «وَصَلاحُ ثَمَرِ النَّخْلِ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرّ»:

ودليل ذلك ما رواه البخاري عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ فَقِيلَ وَمَا تُشَقِّحُ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا» 1، ومعنى تشقح بضم أوله من الرباعي يقال اشقح النخل اشقاحاً: إذا احمر أو أصفر.
وأيضاً روى البخاري عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَعَنْ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ قِيلَ وَمَا يَزْهُو قَالَ يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ» 2، فالاحمرار والاصفرار علامة على نضج الثمرة.

وَالْعِنَبِ أَنْ يَتَمَوَّهَ (1)، وَسَائِرُ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيْهِ النُّضْجُ، وَيَطِيْبَ أَكْلُهُ (2)،  (1)

قوله «وَالْعِنَبِ أَنْ يَتَمَوَّهَ»:

معنى يتموه أي يلين فيصير ماءه يميل إلى السواد ويكون حلواً، دليل ذلك عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ» (1)، وهذا إنما يكون في العنب الذي لا يكون صلاحه إلا باسوداده، لكن هناك عنب لا يسود ولو بلغ الغاية في النضوج ولذلك لو كان التعبير يقول «والعنب أن يطيب أكله» لكان أجود.
(2)

قوله «وَسَائِرُ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيْهِ النُّضْجُ، وَيَطِيْبَ أَكْلُهُ»:

هذا في بقية الثمار كالبرتقال والتفاح والخوخ وغير ذلك، فلا يتم بدو الصلاح إلا بالنضج، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- قَالَ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا الْعَرَايَا» 2.

  • فائدة: ما يوضع على الثمار بغرض تعجيل نضجه أو تعجيل احمراره أو اصفراره وبخاصة في البرتقال والتفاح والخوخ وغير ذلك، فهذا فيه مضرة عظيمة على البشر، وقد ثبت علمياً أن ما يضاف إلى الثمار من هرمونات بغرض إنضاجها واستعجال حصادها كل ذلك فيه مضرة عظيمة على الناس فلا يجوز للمسلم أن يقدم عليه.
    أما ما يستخدم من مبيدات حشرية أو إضافة بعض الكيماويات بغرض الحفاظ على الأصل، وتقوية الزرع، وحفظه من العاهات فهذا لا بأس به إلا إذا كانت الكثرة منه تصيب الإنسان بالأمراض، فهنا لا يجوز بل يعطي للثمار منه على قدر الحاجة.1

بَابُ الْخِيَارِ

(1)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الْخِيَارِ»:

الخيار في اللغة: اسم مصدر من الاختيار والفعل منهُ اختار، وقول القائل: «أنت بالخيار»، أي: اختر ما شئت، فهو الأخذ بخير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ سواء كان للبائع أو المشتري.
وعرف الخيار في الاصطلاح: بأنه حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي.
ذكر بعض الفوائد:

الفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية الخيار

: الخيار في البيع من محاسن الإسلام إذ قد يقع البيع بغتة من غير تفكير ولا تأمل ولا نظر في القيمة فيندم المتبايعان أو أحدهما، من أجل ذلك أعطى الإسلام فرصة للتروي تسمى الخيار يتمكن المتبايعان أثناءها من اختيار ما يناسب كلاً منهما من إمضاء البيع أو فسخه.

الفائدة الثانية: في أقسام الخيار

: ينقسم الخيار إلى عدة أقسام سيذكرها المؤلف وسنوضحها في أثناء الشرح وهي على سبيل الإجمال لا الحصر: 1 - خيار المجلس.
2 - خيار الشرط.
3 - خيار الغبن.
4 - خيار التدليس.
5 - خيار العيب.
6 - خيار تخيير الثمن.
7 - خيار اختلاف المتبايعين في قدر الثمن.
وهناك أنواع أخرى، لكن هذا هو المشهور من أنواع الخيارات.

الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا (1)،  (1)

قوله «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا»:

هذا هو النوع الأول من الخيارات ويسمى خيار المجلس، وقد اختلف الفقهاء في مشروعية خيار المجلس: فذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف ومنهم الشافعية 1، والحنابلة 2 إلى مشروعيته، فلا يلزم العقد عندهم إلا بالتفرق عن المجلس أو التخاير واختيار إمضاء العقد، واستدل هؤلاء بأدلة منها: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» 3، وفي رواية: «أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَه» 4، وفي رواية عند مسلم قال نافع: فَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلاً فَأَرَادَ أَنْ لا يُقِيلَهُ قَامَ فَمَشَى هُنَيَّةً ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ»، وفي رواية: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمًا الآَخَر» 5، وفي رواية: «وَكَانَا جَمِيعًا» 6. روى البخاري ومسلم عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» 7، وجه الدلالة من الحديثين=

..................................  =إثبات الخيار من الشرع للمتبايعين بعد تمام البيع بالإيجاب والقبول، أما قبل ذلك فهما متساويان والتساوي لا يسمى بيعاً.
ومن الأدلة أيضاً قول ابن عمر رضي الله عنهما «وَكَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا.. » 1. دليل المعقول: حيث أن حاجة الناس داعية لذلك لأن الإنسان بعد أن يبيع شيئاً أو يشتريه يبدو له عدم البيع أو الشراء فيندم، فالخيار ثابت له في المجلس يمكنه من خلاله التدارك.
القول الثاني: أنه لا يلزم الخيار في المجلس بل يلزم بمجرد العقد وهذا هو اختيار الحنفية 2، والمالكية 3، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 4، وجه الدلالة من الآية: أن الآية أباحت أكل المال بالتجارة عن تراض مطلقاً عن قيد التفرق من مكان العقد، ويترتب عليه جواز الأكل في المجلس قبل التفرق أو التخاير.
قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 5. وجه الدلالة أنه إذا لم يقع العقد لازماً لم يتحقق وجوب الوفاء به وهو ما تقضي به الآية.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ =

..................................  =حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» 1، وجه الدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقيده بالتفرق فلو كان فيه لذكره.
القياس: حيث قاسوا البيع ونحوه من المعاملات المالية على النكاح والخلع والعتق من المال والكتابة وكل منها عقد معاوضة يتم بلا خيار المجلس.
قلت: وبعد بيان رأي الفريقين وأدلتهم أقول: الراجح عندي من الأقوال: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من ثبوت خيار المجلس لصراحة الأدلة عليه 2. وقول المؤلف -رحمه الله- «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا»: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن حكيم ابن حزام -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
أما قوله «بِأَبْدَانِهِمَا»: فهو تفسير لمعنى الخيار، وهو أن يكون التفرق بالأبدان دليل ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا» 3. فقوله «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»: ما: مصدريه ظرفية، أي أن الخيار ممتد زمن عدم تفرقهما، ويؤيد ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في نفس الحديث «وَكَانَا جَمِيعًا».
=

..................................  =ومن الأدلة أيضاً ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما وهو راوي الحديث السابق «أنه كان إذا باع البيعة التي تعجبه مشى خطوات ليلزم البيع» (1)، ففعله هذا تفسيرٌ للحديث.
قلت: وذهب من قال بعدم جواز خيار المجلس إلى أن التفرق إنما يكون بالأقوال لا الأبدان.
والصحيح: هو المذهب.
والمرجع في حد التفرق هو عرف الناس وعاداتهم فيما يعدونه تفرقاً، فما عده العرف تفرقاً فهو كذلك وإلا فلا، لأنه لم يرد في الحديث تحديد لمعناه، ففي مكتب أو دكان خروج أحدهما، وفي سوق أو صحراء بأن يولي أحدهما للأخر ظهره ويمشي قليلاً، وفي دار كبيرة بأن ينتقل من غرفة أو إلى صحن الدار وفي سيارة ينزل أحدهما وهكذا، فإن كان التعاقد عن طريق الهاتف، فعلى القول بجواز البيع عن طريق الهاتف - وهو الأظهر - تنتهي مدة الخيار بإنهاء كلامهما لأن مثل هذا البيع يعتمد على السماع حتى لو بقيا يتكلمان مدة طويلة ولو في غير موضوع البيع فالخيار باق قياساً على بقائهما في مكان واحد.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: إذا قاما من المجلس جميعاً وذهبا جميعاً فالمجلس ممتد معهما حتى يتفرقا.
  • الفائدة الثانية: إذا كانا في مجلس واحد ونام أحدهما أو أغمي عليه فلا يعد تفرقاً.1

فَإِنْ تَفَرَّقَا 1، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ 2، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ لَهُمَا، أَوْ لأَحَدِهِمَا مُدَّةً مَعْلُوْمَةً 3،  - الفائدة الثالثة: لو مات أحدهما في المجلس بطل خيار الميت وبقي خيار الحي وقيل إن الخيار للورثة.
(1) قوله «فَإِنْ تَفَرَّقَا»: أي بأبدانهما.
(2) قوله «وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ»: أي إن تفرقا وبقي ما اتفقا عليه من البيع فقد وجب البيع، وقوله «وَجَبَ الْبَيْعُ»: أي ليس لأحدهما فسخه إلا بسبب.
(3) قوله «إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ لَهُمَا، أَوْ لأَحَدِهِمَا مُدَّةً مَعْلُوْمَةً»: هذا هو خيار الشرط، وهو القسم الثاني من أقسام الخيار، ويسميه بعض الفقهاء بخيار التروي، وهو من إضافة الشيء إلى سببه أي الخيار الذي سببه الشرط، وقد اتفق الفقهاء على هذا النوع من الخيار.
أما تعريفه: فهو أن يشترط المتعاقدان الخيار في صلب العقد أو بعده، كأن يقول المشتري للبائع عند شرائه سلعة كسيارة مثلاً «سأشاور الزوجة أو حتى أفحصها»، وهكذا.
وهذا النوع من الخيار يشترط لصحته شرطان: الأول: كما ذكر المؤلف أن تكون المدة معلومة، فإذا كان الأمد مجهولاً ففيه خلاف بين الفقهاء.
والصحيح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم إلى أنه لا بد من تقييد الخيار بمدة معلومة مضبوطة عن الزيادة والنقصان فلا يصح اشتراط خيار غير مؤقت أصلاً.

فَيَكُوْنَانِ عَلَى شَرْطِهِمَا.
وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ (1)،  الثاني: أن لا تكون حيلة للتوصل إلى الانتفاع بالمبيع دون شرائه.
(1) قوله «فَيَكُوْنَانِ عَلَى شَرْطِهِمَا.
وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ»: اختلف الفقهاء في مدة خيار الشرط على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المدة تصح ولو كانت طويلة إذا كانت محددة دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق «المسلمون على شروطهم»، فهي مثل الأجل قد يطول وقد يقصر وهذا هو قول الحنابلة (1). القول الثاني: أن المدة التي تحدد هي ثلاثة أيام، وهذا هو قول الحنفية (2)، والشافعية (3). واستدلوا لذلك بما يلي: النص الوارد في ذلك عن ابن عمر قال: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ وَكَانَتْ بِلِسَانِهِ لَوْثَةٌ يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّهُ لا يَزَالُ يُغْبَنُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا بَايَعْتَ فَقَلْ لا خِلابَةَ ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلاثَ لَيَالٍ» 4. أن هذه المدة قريبة كما قال صالح عليه السلام لقومه: ﴿قَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ 5، وقد قال فبلها ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ 6.

إِلاَّ أَنْ يَقْطَعَاهُ (1)،  القول الثالث: قول المالكية (1) وهو أن المدة ثلاثة أيام ولا بأس بالزيادة اليسيرة مدة يوم أو يومين للحاجة إذا كانت البلد بعيدة.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الحنابلة لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»، فلو فرض أن جعل خيار الشرط لمدة شهر أو سنة أو سنتين فلا بأس.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَقْطَعَاهُ»:

أي إلا أن يقطعا الشرط في أثناء المدة فهنا يبطل الخيار لأن الحق لهما مثل أن يقول: «أشتري منك هذا الشيء ولي الخيار لمدة شهر»، وفي أثناء الشهر قالا: «نريد إلغاء هذا الشرط حتى يكون لنا التصرف الكامل» فلا بأس.

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بخيار الشرط

:

  • الفائدة الأولى: إذا مضت المدة في خيار المجلس أو الشرط فهل لا بد من إمضاء العقد من الطرفين أم أنه يلزم تلقائياً؟ نقول هذه المسألة فيها قولين لأهل العلم: الأول: يلزم العقد بمضي المدة ولا يحتاج إلى إمضاء من الطرفين لأن الأصل هو اللزوم وهذا هو رواية عن الإمام أحمد 2. الثاني: أن العقد لا بد له من إمضاء الطرفين ومن امتنع من الإمضاء فإن الحاكم يلزمه كالمُولى إذا مضت المدة الأربعة أشهر ولم يفي، فإن لم يرجع استدعاه الحاكم فإن فاء وإلا طلق فكذلك هنا يستدعيه الحاكم، فإن أمضى=1

..................................  =البيع وإلا ألزمه بالإمضاء.
والأظهر عندي: هو القول الأول.

الفائدة الثانية: هل فسخ الخيار في أثناء المدة حق لكل منهما

بدون حضور الآخر ورضاه؟ نقول المسألة على قولين: الأول: أنه حق لكل منهما فله الفسخ ولو لم يحضر الطرف الثاني وله أن يمضي ولو لم يرض الطرف الثاني.
الثاني: أنه لا بد من حضور الطرف الثاني فلابد من إشعاره بالإمضاء أو الفسخ لأنه حق للطرفين.
قلت: والأظهر عندي أنه ما دام في مدة الخيار فله أن يقطع الخيار بدون حضور الطرف الثاني لكن لابد من إبلاغه، ولو قيل الأفضل والأحسن الأخذ بالقول الثاني لقطع النزاع بين المتعاقدين لكان ذلك جيداً.

الفائدة الثالثة: لمن يكون الملك في مدة الخيار

؟ اختلف الفقهاء 1 في هذه المسألة على أقوال: الأول: أن الملك مدة الخيارين للمشتري.
الثاني: أن الملك مدة الخيارين للبائع بناء على الأصل لأنه لم يحصل بيع يلزم فيبقى الملك مدة الخيارين للبائع.
الثالث: أن المبيع يكون موقوفاً فإن أتم البيع فهو للمشتري وإن أبطل البيع =

جارٍ التحميل