.................................. القول الثاني: أن العارية غير مضمونة: وهذا مذهب أبي حنيفة (1)، وقول بعض الحنابلة اختاره ابن القيم (2)، وحجتهم في ذلك أن المستعير أمين كما ثبت عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ» (3). القول الثالث: إن كان التلف بشيء ظاهر كالحريق وأخذ السيل وموت الحيوان وانقلاب السيارة فلا يضمن، وإن كان بشيء لا يطلع عليه كدعوى ضياع الكتاب أو سرقته ونحو ذلك فهنا يضمن إلا أن يأتي ببينة تشهد على التلف وهذا مذهب مالك (4). والراجح عندي: هو القول بضمان العارية عند تلفها سواء أكان يتعد أم لم يكن بتعدٍ للأحاديث الواردة فيها، ولأن المصلحة في الانتفاع بها للمستعير دون المعير وتضمينه يدفعه إلى المحافظة عليها، وليكون ذلك دافعاً للناس لبذل المنافع إذا وثقوا من سلامة ملكهم إما بعودته أو ضمانه وبدونه تقل الرغبة بالتعاون في ذلك.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالعارية
:
الفائدة الأولى: شروط العارية
يشترط للعارية ثلاثة شروط:
1 - أن يكون المعير أهلاً للإعارة.
2 - أن تكون العين منتفعاً بها مع بقائها.1234
.................................. 3 - أن يكون النفع مباحاً.
الفائدة الثانية: حكم عقد العارية
:
اختلف الفقهاء في حكم عقد العارية، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (1)، والشافعية (2) إلى أن عقد العارية عقد جائز للمعير أن يرجع في العارية متى شاء.
وذهب المالكية (3) في المشهور عندهم أنه ليس له استرجاعها قبل الانتفاع، وإن شرط مدة لزمته تلك المدة، وإن لم يشترط مدة لزمه من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية.
وذهب الحنابلة (4) أن للمعير أن يرجع ما لم يكن على المستعير ضرر في رجوع المعير كما إذا أعاره أرضاً ليزرعها فله الرجوع ما لم يزرع، فإن زرع لم يملك الرجوع فيها إلى أن ينتهي الزرع.
الراجح من الأقوال الذي يظهر لي أن الأولى هو القول بأن للمعير الرجوع في عاريته ما لم يكن في ذلك ضرر على المستعير، فإن كان فيه ضرر فينظر المدة اللازمة لانتهاء الغرض الذي يزول فيه الضرر، وذلك لما فيه من تحقيق الهدف من العارية.
الفائدة الثالثة: في حكم إعارة العارية وإجارتها
: ذهب بعض الفقهاء منهم الحنفية 5 إلى أن المستعير له إعارة العارية وإن لم=1234
..................................
=يأذن المالك إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل وذهب الشافعية (1)، والحنابلة (2) إلى أن المستعير ليس له حق الإعارة أو التأجير إلا بإذن المالك.
والراجح عندي: أنه لا يجوز إعارة العارية ولا تأجيرها إلا بإذن مالكها لأنه قد لا يرضى مالكها ذلك، وهو قول الحنابلة، والشافعية قياساً للمستعير على الضيف، فكما أن الضيف الذي أبيح له الطعام لا يجوز له أن يبيحه لغيره فكذلك المستعير لا يجوز له أن يعير غيره، أما إذا أذن له مالكها جاز ذلك باتفاق الفقهاء، وكذلك إذا علم المستعير أن المعير يأذن في مثل تلك العادة فله إعارتها، المهم إذاً إذن المستعير بالإعارة أو وجد ما يدل على ذلك فله أن يعيرها وإلا فلا، وبذلك يتبين لنا خطأ كثير من الناس الذين يعيرون ما لا يملكون بلا إذن مالك الإعارة.
الفائدة الرابعة: في كيفية تضمين العارية
: يرى الفقهاء أنه يجب ضمان العين بمثلها فإن لم تكن مثلية فإنها تضمن بقيمتها يوم تلفها إلا إذا تلف فيها أجزاء قبل ذلك فإنه يضمنها يوم تلف أجزائها.
- الفائدة الخامسة: يقع بعض الناس في أخطاء بالنسبة للعارية: منها عدم إعادة العين إلى صاحبها متى انتهى منها المستعير، بل يهملها ويتركها، وقد ينساها صاحبها، أو لا يدري من المستعير إذا طال الزمن وهذا من الأخطاء التي لا بد للمستعير أن يتوقاها، ومن ذلك أيضاً الإساءة إلى العين المعارة وعدم ردها كما أخذت وهذا يقع كثيراً في استعارة الكتب، وبعض الأمتعة.12
بَابُ الإِجَارَاتِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الإِجَارَاتِ»:
الإجارة في اللغة: 1 مشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجراً، لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته، أو صبره عن معصيته.
أما تعريفها في الشرع: فقد اختلفت تعريفات المذاهب في تعريف الإجارة لفظا وإن كانت قد اتفقت في معناها، فعند الحنفية 2 مثلاً: الإجارة عقد على المنافع بعوض.
والمالكية 3 «عقد وارد على المنافع لأجل»، أو «هي تمليك منافع بشيء مباح مدة معلومة بعوض»، وعند الشافعية 4 «عقد على منفعة معلومة مقصودة قابلة للبذل، والإباحة بعوض معلوم وضعاً».
وعند الحنابلة 5 هي عقد على منفعة مباحة معلومة، مدة معلومة، من عين معلومة، أو موصوفة في الذمة، أو عمل بعوض معلوم.
فهذه هي تعريفات أصحاب المذاهب في تعريف الإجارة، ومن نظر إليها وجدها كما ذكرت فيها اختلاف يسير في الألفاظ لكنها تؤدي إلى معنى واحد.
ومن نظر إلى تعريف الحنابلة وجده قد تضمن ما في التعريفات «السابقة» =
..................................
=وأضاف إليها بعض الشروط اللازم توافرها في عقد الإجارة.
شرح تعريف الحنابلة للإجارة:
قولهم «عقد» أي التزام أحد الطرفين أو كليهما «على منفعة» كسكنى دار أو تأجير دابة ونحو ذلك وقولهم منفعة احترازاً من العقد على الأعيان، فإن العقد على الأعيان يسمى بيعاً، فالمعقود عليه في الإجارة هو المنافع لا الأعيان.
وقولهم «مباحة» خرج منها ما لو كانت المنفعة غير مباحة كأن يستأجر داراً ليجعل فيها أشياء محرمة، أو استأجر دكاناً ليبيع فيه أشياء محرمة وغير ذلك.
وقولهم «معلومة» أي لا بد أن تكون المنفعة معلومة فيقول أريد كذا وكذا ويعين ما يريد، وقولهم «مدة معلومة» أي وتكون مدة الإجارة معلومة كيوم، أو شهر أو سنة.
وقولهم «من عين معلومة» أي مشاهدة بالعيان.
وقولهم «موصوفة في الذمة» كأن يقول أريد استئجار دابة صفتها كذا، أو داراً صفتها كذا وهكذا، وقولهم «بعوض معلوم» أي لا بد أن تكون الأجرة معلومة، فلو قال له استأجرت منك هذه الدار بما في يدي من الدراهم، فالإجارة غير صحيحة، لجهالة ما في يده من الدراهم.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالإجارة
:
- الفائدة الأولى: الإجارة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع: دليل الكتاب: قال الله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ.. ﴾ 1،
..................................
=ومن ذلك أيضاً قوله تعالى ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ 1. فالإجارة هي سُنَّة الأنبياء كما حصل مع موسى، وهي كذلك سنة الأولياء كما حصل مع الخضر.
أما السنة فالأدلة فيها كثيرة منها:
(1) ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» 2.
(2) ومن ذلك أيضاً ما جاء عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» 3.
أما الإجماع 4: فقد انعقد على مشروعية الإجارة وإباحتها، قال الإمام الشافعي 5 في الأم: ولا يختلف أهل العلم ببلدنا فيما علمناه من إجازتها، وعوام فقهاء الأمصار.
- الفائدة الثانية: أركان الإجارة هي: أولاً: العاقدان «المؤجر والمستأجر»: ويشترط لهما شروط: 1 - أن يكونا رشيدين، فإن عقد السفيه والمحجور عليه لا ينفذ، وما عقد=
..................................
=عليه مما يتضمن تملكاً موقوف على نظر وليه.
2 - أن يكونا مميزين، فلا يصح عقد الإجارة من الصغير والمجنون والسكران.
3 - أن يتم العقد من مالك، أو وكيل، أو ناظر.
4 - أن يتم العقد باختيارهما، فإن وقع العقد تحت الإكراه بغير حق فالعقد باطل.
ثانياً: الصيغة «الإيجاب والقبول»:
والصحيح أن الإجارة تنعقد بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما، وهذا عام في جميع العقود كما سبق، وذلك لأن الشارع لم يحد في ألفاظ العقود حداً، بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ «الفارسية، والرومية وغيرها» من الألسن العجمية فهي تنعقد بما يدل عليها من الألفاظ العربية.
ثالثاً: المعقود عليه «المنفعة والأجرة»: ويشترط له شروط هي:
1 - القدرة على تسليم العين المؤجرة، ليتمكن المستأجر منها.
2 - بقاء العين المؤجرة بعد استيفاء المنفعة المعقود عليها، دون أن يعود ذلك على استهلاكها، أو أجزاء منها.
3 - اشتمال العين على المنفعة المعقود عليها فلا يصح إجارة أرض لا تنبت مثلاً.
4 - معرفة العين المؤجرة وذلك بأن تكون معلومة علماً يمنع المنازعة ويرفع الجهالة ويمنع الضرر، أما المنفعة فيشترط لصحة العقد بها شروط هي:
1 - كون المنفعة لها قيمة مالية، ليحسن بذل المال في مقابلتها فإن كانت محرمة=
..................................
=كالزنا، والزمر، والنوح، والغناء فلا يجوز الاستئجار لفعلها.
2 - كون المنفعة مملوكة للمؤجر، أو مأذوناً له فيها، لأنها من بيع المنافع فاشترط فيها ذلك كالبيع.
رابعاً: الأجرة: وهي العوض الذي يعطى مقابل منفعة الأعيان، أو منفعة الآدمي.
- الفائدة الثالثة: لو استأجر رجلاً يرعى الغنم
بنصف درها وبنسلها وصوفها وشعرها أو أكثر أو أقل لم يجز لأن الأجرة غير معلومة، فإن كان رعيه بنصف الغنم أو ربعها أو جزء مشاع معلوم منها جاز ذلك لأن الأجرة معلومة.
الفائدة الرابعة: إذا فسخ المستأجر قبل انقضاء المدة
وترك الانتفاع لزمته الأجرة كاملة، فإن أخرجه المالك قبل تمام المدة لم يستحق قسطها من الأجرة.
- الفائدة الخامسة: الإجارة عقد لازم ليس لهما فسخها إلا برضا الطرف الآخر، وأجاز الحنفية للمستأجر جواز الفسخ لعذر قاهر، كالمرض لمن استأجر دابة للحج مثلاً، وكذا لو ظهر عيب لم يعلم به المشتري حال العقد فله الفسخ، فإن لم يُسَلِّم المؤجر العين أو لم ينتفع المستأجر مع تمكنه من العين فإن المقصر يتحمل في هذه الحالة وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك.
- الفائدة السادسة: في حكم الاستئجار على القُرب، لا تصح الإجارة على القُرب - العبادات - كالحج والآذان وغير ذلك لأن هذه الأعمال مما يتقرب بها إلى الله وأخذ الأجرة عليها يخرجها عن ذلك أما أخذ رزق من بيت المال على أعمال القربة كالآذان والإمامة وتعليم القرآن فلا بأس به لأنها ليست معاوضة.
وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ (1)، لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ (2)، لا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا (3)، (1)
قوله «وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ»:
الإجارة ضربان:
الأول: الإجارة على العين يستوفي منافعها نحو أجرتك هذه الدار أو هذه الدابة مثلاً.
الثاني: الإجارة على عمل: وهي عقد على عمل معلوم يقوم به العامل كحمل هذا المتاع إلى مكان كذا، أو بناء هذا الجدار ونحو ذلك وقوله «عَلَى الْمَنَافِعِ» احترازاً كما قلنا من أن يكون العقد على العين، فالعقد على العين بيع كما سبق.
(2)
قوله «لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ»:
اتفق الفقهاء على أن عقد الإجارة من العقود اللازمة بين الطرفين ليس لواحد منهما فسخه اختياراً كما سبق في الفائدة الخامسة وعلى ذلك يترتب على عقد الإجارة أمور:
1 - عدم جواز الفسخ في حالة استيفاء المنفعة المعقود عليها.
2 - إذا ظهر مانع من الانتفاع بالعين المعقود عليها قبل العقد، أو أثناءه كما لو اكترى أرضاً لها ماء ليزرعها فانقطع ماؤها، أو استأجر داراً ليسكنها فانهدمت الدار قبل انقضاء مدة الإجارة انفسخت ويكون الفسخ بحسب المدة، فإن كان قد ظهر المانع من الانتفاع من البداية انفسخت الإجارة من البداية، وإن كان قد ظهر المانع بعد انقضاء مدة من الإجارة فيكون الفسخ فيما تبقى من المدة.
(3)
قوله «لا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا»:
لأن الإجارة كما سبق عقد لازم بين الطرفين، يقتضي تملك المؤجر الأجرة، وتملك المستأجر المنافع، فلا يمكن فسخه إلا لسبب أو لأنها أيضاً عقد معاوضة فكان لازماً كالبيع.
وَلا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ وَلا جُنُوْنِهِ (1)، وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُوْدِ عَلَيْهَا (2)، (1)
قوله «وَلا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ وَلا جُنُوْنِهِ»:
أي لا تنفسخ الإجارة بموت ولا جنون المؤجر أو المستأجر، لأن الإجارة كما سبق معاوضة أي متعلقة بالمنفعة، فإذا مات أو جن المؤجر أو المستأجر قام ورثتهما مقامهما فيقوم ورثة المستأجر مقامه في استيفاء المنفعة من العين المؤجرة، ويقوم ورثة المؤجر مقامه بأخذ الأجرة واستمرار المستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة إلى انتهاء الإجارة فإن لم يكن للمستأجر وارث انفسخت الإجارة بموته لتعذر استيفاء المنفعة.
(2)
قوله «وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُوْدِ عَلَيْهَا»:
أي تنفسخ الإجارة بتلف العين المعقود عليها، كدار انهدمت أو دابة ماتت، لأن المنفعة زالت بالكلية والتلف له حالات:
الأولى: أن تتلف العين المؤجرة بعد مضي مدة فالحكم هنا أنها انفسخت فيما بقي، ووجب للماضي القسط من الأجرة.
مثال ذلك: شخص استأجر داراً لمدة سنة بألفي ريال، وانهدم البيت بعد تمام ستة أشهر فهنا يلزمه ألف ريال، فلو قدر أن الزمن الذي انهدمت فيه زمن موسم تكون فيه العقارات أغلى، كأن تكون الأربعة أشهر الأخيرة تساوي ثلثي الأجرة باعتبار قيمة المنفعة لا باعتبار قيمة الزمن، فقد تكون ستة أشهر إذا وزعنا الأجرة عليها مع بقية السنة لا تساوي إلا ربع الأجرة، فنعطيه خمسمائة ريال.
الثانية: أن تتلف العين المؤجرة قبل أن يقبضها المستأجر للانتفاع بها فهنا تنفسخ الإجارة ولا شيء للمؤجر بغير خلاف.
الثالثة: أن يكون الإتلاف قد حصل من المستأجر فتنفسخ الإجارة، ويضم المستأجر ما أتلف من العين.
وَانْقِطَاعِ نَفْعِهَا (1)، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخَهَا بِالْعَيْبِ قَدِيْمًا كَانَ أَوْ حَادِثًا (2)،
الرابعة: إن كانت العين المؤجرة موصوفة في الذمة، كأن يستأجره ليحمله إلى مكة - مثلاً - وتعطلت السيارة لم تنفسخ الإجارة، وعليه إبدالها، فإن عجز أو امتنع فللمستأجر الفسخ.
الخامسة: أن تتلف العين المؤجرة عقيب قبضها، فإن الإجارة تنفسخ أيضاً، ويسقط الأجر في قول عامة الفقهاء.
(1)
قوله «وَانْقِطَاعِ نَفْعِهَا»:
وذلك لفوات المقصود بالعقد، فأشبه تلف العين المؤجرة.
(2)
قوله «وَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخَهَا بِالْعَيْبِ قَدِيْمًا كَانَ أَوْ حَادِثًا»:
أي وللمستأجر فسخ عقد الإجارة إذا حدث في المعقود عليه عيب في مدة العقد، وكان هذا العيب يخل بالانتفاع بالمعقود عليه ويفوِّت المقصود بالعقد فإن كان العيب لا يفوت به المقصود أي لا يفوت به غرض المستأجر فإنه لا أثر له.
فالحاصل أن المستأجر إذا وجد عيباً في المعقود عليه قديماً كان العيب أو حادثاً فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى لأنه استوفى ما مضى من المنفعة فلزمه عوضها.
- فائدة: إذا قال المستأجر أَصْبر على العيب الذي فيها ولكن أريد الفرق بين أجرتها سليمة وأجرتها معيبة فهل له ذلك؟ الجواب: ظاهر المذهب 1 أنه لا يخيرَّ المستأجر بل يقال له إما أن تبقيها بما فيها من العيب وإلا فاتركها وتنفسخ الإجارة، وفي رواية في المذهب 2 أنه له الأرش قياساً على العيب في المبيع.
وَلا تَصِحُّ إِلاَّ عَلَى نَفْعٍ مَعْلُوْمٍ (1)، =والأقرب أنه ليس له أرش، وهذا ما ذهب إليه شيخنا -رحمه الله- (1).
(1)
قوله «وَلا تَصِحُّ إِلاَّ عَلَى نَفْعٍ مَعْلُوْمٍ»:
سبق بيان شروط الإجارة، وقلنا بأنه لا بد من معرفة النفع للطرفين المؤجر، والمستأجر، فجهالة المنفعة تجعلها من الميسر، لأن المؤجر والمستأجر بين غانم أو غارم للجهالة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» 2، وكل مجهول فهو غرر، والإجارة بيع كما سبق لكنه بيع للمنافع، ولأنه إذا كانت المنفعة مجهولة ستؤدي إلى المنازعة والمخاصمة والعداوة والبغضاء.
قلت: ولا بد أن يكون هذا النفع مباحاً كما سبق، فالمحرم لا يجوز كالزنا والغناء والتصوير، أو جعل داره كنيسة أو لبيع الخمر أو الدخان أو القنوات الفضائية الهابطة التي تروج للفاحشة، أو لبيع التلفزيونات التي تنشر الشر، فالإجارة حرام إذا كان الغالب على مشتري التلفزيونات أن يستعملها في محرم، لأن التلفزيون فيه شيء محرم وشيء مباح، لأنه آلة يصرفها الإنسان كما يريد.
فإن كان حين العقد تم التعاقد على شيء مباح ثم صرفه المستأجر إلى شيء محرم، فإن الإجارة صحيحة، كما لو استأجر البيت على أنه يسكنه وكان نصرانياً، فجعل في البيت معبداً فإن الإجارة صحيحة، لأنه حين العقد إنما عقد على عمل مباح وهو السكنى، فالمعصية هنا معصية في البيت لكنه لم يستأجر البيت من أجلها.1
إِمَّا بِالْعُرْفِ، كَسُكْنَى دَارٍ (1)،
مثال آخر: لو أن شخصاً أجَّر بيتاً ثم وضع فيه القنوات الفضائية، وصار يأتي بكل قناة فاسدة، فحكمه أنه إذا كان قد استأجر البيت لهذا الغرض فالإجارة محرمة وفاسدة، وإن استأجره للسكنى ثم وضع هذا فيه فالإجارة صحيحة.
لكن إذا تم العقد أي: إذا تمت مدة الإجارة يقول المؤجر للمستأجر إما أن تخرج هذه الآلة، القنوات الفضائية، وإما أن لا أجدد لك العقد.
وأما ما تم عليه العقد من قبل فإنه يجب إتمامه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.. ﴾ (1).
(1)
قوله «إِمَّا بِالْعُرْفِ، كَسُكْنَى دَارٍ»:
هذه طرق العلم بالمنفعة؛ فالطريق الأول لمعرفتها يكون بالعرف، أي أن العرف هو الذي يحدد المنفعة.
فإذا استأجر الدار شهراً أو سنة انصرفت المنفعة إلى سكناها، فلم يحتج إلى ذكر ذلك في العقد لأنه أمر متعارف عليه بين الناس، فيسكن فيها ويضع فيها متاعه، ويترك فيها من الطعام ما جرت العادة به.
ولو استأجرها لغرض آخر غير السكنى فيها كأن يستأجرها لحدادة أو ليبيع فيها الحُمُر أو ليضع غنمه ودوابه فيها أو يجعلها مستودعاً للأطعمة لم يصح ذلك إلا إذا أخبر المؤجر بذلك، لأن الاستئجار لهذه الأغراض لا يدل عليه العرف.1
وَإِمَّا بِالْوَصْفِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ، وَحَمْلِ شَيْءٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ (1)، وَضَبْطِ ذلِكَ بِصِفَاتِهِ (2)، (1)
قوله «وَإِمَّا بِالْوَصْفِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ، وَحَمْلِ شَيْءٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ»:
هذا هو الطريق الثاني لمعرفة المنفعة وهو الوصف كخياطة ثوب معين بأجرة معينة، واتفق مع المستأجر على وصف الخياطة فيذكر طول الثوب وعرضه ونوع الخياطة وغير ذلك، وكذلك إذا تم التعاقد على بناء حائط فإنه يذكر طوله وارتفاعه وعرضه وآلته من حجارة أو طين ونحو ذلك، وكذلك إذا تم التعاقد على حمل شيء معين فإنه يذكر وزنه أو عدده إذا كان مما يعد إلى موضع كذا.
(2)
قوله «وَضَبْطِ ذلِكَ بِصِفَاتِهِ»:
أي ويتم ضبط هذه المذكورات بصفاته التي تم ذكرها، فيكفي في معرفة المنفعة أن توصف وصفاً تنتفي معه الجهالة والغرر.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: الإجارة في الدور والأرض للزرع وما أشبه ذلك: لا يكفي عقد الإجارة فيها على الصفة، فلا بد فيها من الرؤية، لأنه لا يمكن إحاطة الوصف بها، فلو أتاك إنسان أشد دقة في الوصف فإنه لا يمكن أن يحيط بالدار أو الأرض لأن الأرض قد تكون تربتها رملية أو سبخية أو طينية، وأيضاً تختلف ارتفاعاً وانخفاضاً فلا يمكن أن يحاط بها بوصف، فلا بد فيها من الرؤية، وإن جعل الخيار بعد الوصف فلا بأس يعني تقول له عندي شقة وصفها كذا وكذا أو أرض صفتها كذا وكذا ووصفها له وصفاً دقيقاً، وله الخيار إذا رآها وتم العقد على الإجارة بذلك فلا بأس.
- الفائدة الثانية: ما استأجر لصوته كساعة منبه، فلا بد أن تسمع، ولا تكفي=
وَمَعْرِفَةِ أُجْرَتِهِ (1)،
=الرؤية.
ولو استأجر ديكاً من أجل أذانه فلا بد أن يسمع صوته، لأن بعض الديكة صوته جميل، وبعضها ليس بجميل، لكن إن استأجره ليوقظه للصلاة فإنه لا يصح، لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة لأن الديك ربما ينام في بعض الأيام.
- الفائدة الثالثة: يجوز استئجار الكافر إذا كان أميناً عارفاً بالأمر، ودليله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «استأجر عبد الله بن أريقط في الدلالة على طريق للهجرة» (1).
(1)
قوله «وَمَعْرِفَةِ أُجْرَتِهِ»:
هذا شرط آخر من شروط الإجارة وهو معرفة الأجرة، وهي العوض المأخوذ على المنافع أو هي ما يلتزم به المستأجر عوضاً عن المنفعة التي يتملكها، ودليل هذا الشرط هو دليل معرفة المنفعة، لأنها أحد المعقود عليهما، فلا بد من العلم بها.
فإذا كانت الأجرة مجهولة فلا تصح الإجارة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (2)، والإجارة نوع من البيع فوجب بيان معرفة الأجرة، فلو قال له مثلاً: استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم، فالإجارة غير صحيحة، ولو قال: استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الناقة فلا تصح الإجارة أيضاً لأن الأجرة غير معلومة.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: كل ما يصلح أن يكون ثمناً في البيع يصلح أن يكون أجرة في=12
وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنٍ، فَلا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا (1)، =الأجرة، فيجوز أن يكون العوض عيناً أو منفعة أخرى، كأن يؤجره داره بألف ريال في الشهر، أو بدار أخرى يسكنها.
- الفائدة الثانية: إن أجره داره بإصلاح ما انهدم منها لم تصح للجهالة فقد ينهدم منها شيء كثير، أو لا ينهدم منها شيءٌ، وأما عمارة شيء معلوم حال العقد فجائز لأن الأجرة معلومة، وإن قال له أجرتك الدار بألف ريال وإصلاح ما ينهدم منها لم يصح لأن ما زاد مجهول، فقد تزيد العمارة وقد تنقص وقد يقول المؤجر، أردت عمارة أحسن من هذا، أما إن قال أجرتك بعشرة ألاف ريال وإصلاح ما انهدم من الدار على أن يكون من الأجرة صح، لأن الأجرة معلومة.
(1)
قوله «وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنٍ، فَلا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا»:
أي إذا وقعت الإجارة على عين كسيارة أو منزل أو دابة ونحو ذلك فلا بد من معرفة هذه العين وتكون المعرفة بما سبق بيانه بالرؤية أو الصفة إن كانت تنضبط بها, ويشترط أيضا في هذه العين المؤجرة أن تكون مملوكه للمؤجر أو مأذوناً له في تأجيرها.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: يجوز للشخص أن يعد آخر بشراء سلعة يحتاجها للتأجير أو الشراء لكن لا يكون ذلك إلا بعد تملكه لهذه السلعة لأنه مجرد وعد بالشراء, وإن وكّل هذا الشخص العميل بشراء هذه السلعة التي يحتاجها العميل فاشتراها له ويرجو أن يؤجره إياها أو يشتريها منه فيجوز ذلك, لأن هذا رجاء ونية لكن لا يتم عقد بين العميل وهذا الشخص لشراء هذه السلعة وإلا فقد دخلا في بيع منهي عنه وهو بيع ما لا يملك فكون المشتري ينوي أن =
وَمَنِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يُقِيْمَ مَقَامَهُ مَنْ يَسْتَوْفِيْهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (1)،
=يؤجر أو يبيع هذه السلعة للوكيل لا يضر، وكذلك كون الوكيل يرجو أن يؤجر هذه العين أو يشتريها منه لا يضر لأنه لم يحصل بسبب ذلك عقد على التأجير أو الشراء.
مثال ذلك: شخص أتى لمصرف - بنك - أو بائع ليستأجر منه سيارة أو ليشتريها منه فلم يجد عنده السيارة التي يريد فقال له البنك أو البائع أُوكلك بشراء هذه السيارة التي تريد ولم يتم بينهما عقد على الشراء وإنما هو وكالة، فذهب الوكيل فاشترى السيارة يرجو أن يبيعها عليه البنك أو يبيعها عليه البائع، وكذلك البنك أو الشخص الأخر الموكل يرجو أن يبيعها على هذا الوكيل، فكل ذلك لا يضر مادام أنه لم يكن هناك عقد مسبق على شراء هذه السيارة، وألا يكون ذلك من باب التحايل على المحرم.
- الفائدة الثانية: الإجارة للعين تنقسم إلى قسمين: أحدهما أن يكون على مدة كإجارة دار للسكن شهراً, أو العبد للخدمة مدة معينة، فيشترط معرفة العين هنا لأن الأعيان تختلف فتختلف أجرتها.
الثاني: أجارتها لعمل معلوم كإجارة سيارة للركوب إلى موضع معين أو استئجار بقر لحرث مكان معين فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف.
(1)
قوله «وَمَنِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يُقِيْمَ مَقَامَهُ مَنْ يَسْتَوْفِيْهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا»:
أي من حق المستأجر أن يؤجر ما استأجره لأخر يقوم مقامه في استيفاء المنفعة لأنها مملوكة له فجاز له أن يستوفيها بنفسه أو نائبه لكن لا يستغلها المستأجر الثاني بأكثر ضرراً من المستأجر الأول, فلو استأجر الأول لعائلة فلا يؤجرها لأعزب, ولو استأجرها للسكن فلا يؤجرها محلاً تجارياً وهذا ما ذهب إليه=
إِذَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْ دُوْنَهُ (1)، وَإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعٍ، فَلَهُ زَرْعَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ ضَرَرًا (2)
=جمهور الفقهاء (1) وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وفي رواية في المذهب (2) لا يجوز إجارتها، وفي رواية أخرى لا يجوز إلا بإذنه، وفي رواية لا يجوز بزيادة إلا بإذنه، وفي رواية إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة.
وعلى كل حال فلو استأذن المؤجر الأول صاحب الملك لكان أولى، وإلا فله أن يؤجرها ما دامت أن العين لا تتأجر بخلاف المستعمل.
(1)
قوله «إِذَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْ دُوْنَهُ»:
فلا يجوز أن يجعل غيره يستوفي المنفعة وهو يخالف في صورة الانتفاع بأن يكون المستأجر الثاني أكثر ضرراً منه لأن العقد الذي أبرم بين المؤجر والمستأجر الأول اقتضى منفعة مقدره, فلا يجوز بأكثر منه.
فلو استأجر سيارة للرياض وهو في الزلفي مثلاً فلا يؤجرها المستأجر الأول إلى من يذهب بها إلى مكة, وكذلك استأجر محلاً لبيع الذهب لم يجز له أن يؤجره لمن يبيع الخضروات أو يؤجره لحداد أو خباز.
(2)
قوله «وَإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعٍ، فَلَهُ زَرْعَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ ضَرَرًا»:
أي إن استأجر أرضاً لزراعتها زرعاً معيناً فله أن يستبدله بغيره لكن يشترط أن يكون المستبدل به أقل ضرراً مما استأجرها لأجله أو مثله.
مثال ذلك: أن يستأجر أرضاً لزراعة بر فأبدل زراعته بشعير فضرر زراعة البر على الأرض كضرر زراعة الشعير, فإن أبدل البر بقطن مثلاً لزمه أجرة المثل كما سيأتي، لأن المنفعة في البر غير المنفعة في القطن.12
فَإِنْ زَرَعَ مَا هُوَ أَكْبَرُ ضَرَرًا مِنْهُ (1)، أَوْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ (2)، وَإِنِ اكْتَرَى إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَجَاوَزَهُ أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ، وَضَمَانُ الْعَيْنِ إِنْ تَلِفَتْ (3)، (1)
قوله «فَإِنْ زَرَعَ مَا هُوَ أَكْبَرُ ضَرَرًا مِنْهُ»:
كما سبق فيزرعها قطناً أو برسيماً أو ذرة بدلاً من البر فهنا يلزمه أجرة المثل, فيلزمه الأجرة المتفق عليها, ويزاد عليه الفرق بين أجرة البر وأجرة القطن.
(2) قوله «أَوْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ»: أي انتقلت المنفعة المتفق عليها إلى منفعة أخرى تخالف المعقود عليها كأن يستأجر أرضاً للزراعة فيبني عليها بناءاً، أو يستأجر بيتاً للسكن فيجعله ورشة حدادة أو نجارة، وهكذا، فهنا يلزمه أجرة المثل, لأن الأجرة في مقابل المنفعة فتقدر بقدرها، وقد سبق بيان أجرة المثل.
(3)
قوله «وَإِنِ اكْتَرَى إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَجَاوَزَهُ أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ، وَضَمَانُ الْعَيْنِ إِنْ تَلِفَتْ»:
أي وإن استأجر سيارة أو دابة ونحو ذلك لكن تحمله من مكان معين إلى أخر كأن يستأجرها من الزلفي إلى الرياض مثلاً فيذهب بها إلى الدمام، أو استأجر دابة أو سيارة لكي يحمل عليها حمولة معينة كطن مثلاً فزاد على الحمولة فجعلها «طناً أو نصف طن» مثلاً فهنا يترتب على ذلك أمران:
الأول: عليه الأجرة المتفق عليها، وكذلك أجرة المثل للزائد لأنها غير مأذون فيها فلزمه أجرتها.
الثاني: الضمان، أي لزمه ضمان العين إن تلفت بسبب هذه الزيادة لأنه متعد بهذه الزيادة، ولأنه تجاوز المسموح له به.
وَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ (1)، وَلا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيْرِ الَّذِيْ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ مُدَّةً بِعَيْنِهَا فِيْمَا يَتْلَفُ فِيْ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيْطٍ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»:
أي أن تلفت العين المؤجرة من المستأجر من غير تعد منه ولا تفريط فإنه لا يضمن لأنه لم يتعمد التلف وهذا مجمع عليه ولذا من استأجر سيارة أو شاحنة أو بعض المعدات الزراعية كماكينة لسقي الأرض أو لحصد الزرع ونحو ذلك فتلفت أو تعطلت منه فلا يلزمه إصلاحها ولا دفع قيمتها عند تلفها.
(2)
قوله «وَلا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيْرِ الَّذِيْ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ مُدَّةً بِعَيْنِهَا فِيْمَا يَتْلَفُ فِيْ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيْطٍ»:
الأجير نوعان: أجير خاص، وأجير مشترك.
والفرق بينهما أن ما كان مستأجراً بالزمن فهو الأجير الخاص وما كان مستأجراً على عمل فهو الأجير المشترك.
مثال ذلك: استأجرت عاملاً يعمل عندك في البيت، أو في الدكان، أو في مزرعة فهذا أجير خاص، لأن عمله مقدر بالزمن فالشهر بكذا وبكذا والأسبوع بكذا وكذا، واليوم بكذا فلا يملك أن يعمل عند أحد، فإن استأجرت خياطاً يخيط لك الثوب، فهذا أجير مشترك فهو يخيط لك ولغيرك لأن نفعه مقدر بالعمل الخاص والفرق بينهما من حيث الحكم كما سيذكره المؤلف أن الأجير الخاص لا يضمن لأنه يعمل كالوكيل عن المستأجر.
وقول المؤلف -رحمه الله- «وَلا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيْرِ الَّذِيْ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ.. » المراد به الأجير الخاص فإنه لا يضمن.
مثال ذلك: استأجرت عاملاً للمزرعة أو عاملاً للبيت وفي أثناء عمله حصل منه خطأ في العمل وصار في هذا الخطأ ضرر عليك فهذا العامل لا يضمن، =
وَلا عَلَى حَجَّامٍ أَوْ خَتَّانٍ أَوْ طَبِيْبٍ إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ، وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيْهِمْ (1)، =لأنه يشتغل عندك بالوكالة عنك، والوكالة كما سبق لا يضمن ما تلف من فعله من غير تعد ولا تفريط.
(1)
قوله «وَلا عَلَى حَجَّامٍ أَوْ خَتَّانٍ أَوْ طَبِيْبٍ إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ، وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيْهِمْ»:
الحجامة نوع من أنواع العلاج التي يعالج بها المريض وقد جاء عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ» 1.
والحجامة: هي استخراج الدم من الإنسان بطرق معينة لها أحوال وأوقات ذكرها أهل المعرفة بها.
أما الختَّان فهو الذي يختن سواء كان ذكراً أو أنثى.
وكذلك الطبيب: وهو الذي يعالج البشر.
والبيطار: وهو الذي يعالج البهائم.
فهؤلاء لا ضمان عليهم فيما أتلفوه إذا توفر فيهم شرطان:
الأول: أن يكونوا حُذَّاقاً في مهنتهم، أي عالمين بها مهرة في ذلك.
الثاني: أن لا يخطئوا في عملهم، أي لم تجن أيديهم كأن يحصل ضررٌ على من يحجمه الحجام أو يختتنه الخاتن أو من يعالجه الطبيب، فهؤلاء لا يضمنون على واحد منهم بإجماع أهل العلم.
مثال ذلك: رجل حجَّام حَجَم شخصاً وكان هذا الحجام حاذقاً في الحجامة=
وَلا عَلَى الرَّاعِيْ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ (1).
= ماهراً في عملها، وحجم هذا الشخص بطريقة صحيحة لم يخطئ فيها، وفجأة توفي المحجوم، فهنا لا يضمن الحجَّام لأنه لم يفرط ولم يتعد، وهذا بإجماع أهل العلم.
أما إن كان حاذقاً ولكنه أخطأ في عمله كأن يزيد الخاتن أو الحجام أو الطبيب في مقدار الجرح، فقد اختلف الفقهاء في وجوب الضمان عليه:
فذهب جمهور الفقهاء (1) إلى أنه لا يضمن لأن الإتلاف يستوي عمده وخطؤه.
وذهب بعض الفقهاء (2) إلى أنه لا يضمن إذا لم يكن متعدياً، فإن حصل التلف بخطئه وغلطه فإنه يضمن لأنه إذاً مؤتمن، فإن كان الحجَّام أو الختَّان أو الطَّبيب غير حاذق فيضمن إذا أخطأ بكل حال، وهذا بإجماع أهل العلم (3) لقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ» (4).
(1)
قوله «وَلا عَلَى الرَّاعِيْ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ»:
أي وكذلك الراعي للبهائم إذا عَدَت عليه ذئاب وأكلت ما أكلت من الماشية، أو حصل موت لبعضها أو تنكسر رجلها ونحو ذلك فإنه لا يضمن لأنه لم يتعد ولم يفرط، ولأن البهائم حصلت في يده بإذن مالكها، فيده يد أمانة، فلا يضمن كالمودع.1234
وَيَضْمَنُ الْقَصَّارُ وَالْخَيَّاطُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ الْعَمَلَ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ (1)، (1)
قوله «وَيَضْمَنُ الْقَصَّارُ وَالْخَيَّاطُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ الْعَمَلَ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ»:
هذا هو القسم الثاني من أقسام الأجراء، وهو الأجير المشترك وقد سبق تعريفه.
والقصَّار: هو الذي ينقش الثياب والقلنسوة، ثم يدقها على سندان، فقد تنخرق الثياب أو تتمزق، والخياط معروف: وهو الذي يخيط الثياب.
وقوله «وَنَحْوُهُمَا» كالحداد، والنجار، والبناء، والميكانيكي، والكهربائي، والسباك، ونحوهم كل هؤلاء إذا عمل أحدهم عملاً لشخص بأجرة معينة فحصل منهم خطأ فتلفت السلعة أو أصابها عيب في أثناء عمله، بل إذا أصابها ذلك وهو لم يخطي كأن تعثر الدابة التي فوقها السلعة فتسقط السلعة فتتلف، أو يحترق المكان الذي فيه السلعة، أو يتلف الثوب عند الغسال بسبب عطل في الغسالة، أو تحترق ناقلة سيارات فيحترق ما عليها من سيارات، وهكذا كل هذا يضمنه الأجير المشترك، لأن الإتلاف يستوي فيه العمد والخطأ.
فحقوق الآدميين يجب ضمانها لمن تسبب في تلفها أو عيبها، ولأن الأجير المشترك إنما قبض العين لمنفعته، فكان ضامناً لها كالمستعير.
وذهب بعض الفقهاء 1 إلى أن الأجير المشترك لا يضمن إلا إذا تعمد أو أخطأ أو فرط لأنه مؤتمن ولم يتعد، ولأنه قد قبض العين بإذن المالك، لمنفعته وهي إقامة العمل فيها، فيده عليها يد أمانة لا يد خيانة فلا يضمن، كالمودع، والأجير الخاص وعامل المضاربة، وفي قول آخر في هذه المسألة: ما تلف =
دُوْنَ مَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ (1).
= بفعله الذي يفعله هو بنفسه اختياراً يضمنه.
والراجح عندي: أن الأجير المشترك لا يضمن مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1)
(1)
قوله «دُوْنَ مَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ»:
أي لا يضمن الأجير المشترك ما تلف من حرزه، فإذا تلفت العين عنده وقد حفظها في مكان مناسب لها، كأن يكون خياطاً فأخذ الثياب ووضعها في مكانها المخصص لها ثم اشتعلت النار في الدكان، أو أغلق الدكان بما جرت العادة أن يغلق به ولم يقصر في الإغلاق، فلما كان من الليل قام اللصوص وسرقوا الدكان فإنه لا يضمن، لأن التلف بغير فعله، ولأنه وضع الثياب في موضعها وحرزها.
فإن قال قد خطت الثياب وأعطوني الأجرة فلا أجرة له لأنه لم يسلم الثوب لصاحبه.
وقيل بل له الأجرة لأنه وفَّى بما استؤجر عليه، وما دام أنه لا يضمن لك الثوب، فإنه لا يضمن لك العمل في الثوب، ولأنه لم يكن متعدياً ولا مفرطاً وقد قام بالعمل الذي عليه، وهذا ما رجحه ابن عقيل وقواه في الإنصاف 2 وهو ما رجحه شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 3.1
..................................
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالإجارة
:
-
الفائدة الأولى: في إجارة الوقف: تصح إجارة الوقف لأن منافعه مملوكة للموقوف عليه فجاز له إجارتها كالمستأجر، فإن مات المؤجر، فانتقل الوقف إلى من بعده لم تنفسخ لأنه أجر ملكه في زمن ولايته فلا تبطل بموته وللثاني حصته من الأجرة من حيث موت الأول.
-
الفائدة الثانية: متى تستحق الأجرة: تستحق الأجرة بما يأتي: 1 - الفراغ من العمل.
2 - استيفاء المنفعة.
3 - التمكن من استيفاء المنفعة إذا مضت مدة كافية ولو لم يستوفها.
4 - الاتفاق بين الطرفين على تعجيل الأجرة.
الفائدة الثالثة: ما الذي يلزم كل من الأجير والمستأجر
:
يلزم المؤجِّر بذل كل ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع بالمؤجَّر كإصلاح السيارة المؤجرة وتهيئتها للحمل والسير وعمارة الدار المؤجرة، وتهيئة منافعها ومرافقها ليتم الانتفاع بها ويلزم المؤجر أن يسلم العين المؤجرة للمستأجر.
ويمكنه من الانتفاع بها، فإن أجَّره شيئاً منعه من الانتفاع به كل المدة أو بعضها فلا شيء له من الأجرة، وإذا سلمه السيارة أو غيرها كل المدة ولم ينتفع بها المستأجر برغبته لزمه دفع الأجرة كاملة وعلى المستأجر أن يستخدم السيارة حيث الاتفاق دون زيادة ودون إخلال بها، فإن لحق العين شيء لزمه إزالته.
..................................
- الفائدة الرابعة: تخالف الأجرة الجعالة بما يلي:
1 - الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بالعمل.
2 - الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بمدة العمل.
3 - الجعالة يجوز فيها الجمع بين المدة والعمل بخلاف الإجارة.
4 - الجعالة لا يشترط فيها تعيين العامل بخلاف الإجارة.
5 - الجعالة عقد جائز بخلاف الإجارة فعقدها لازم كما سبق.
الفائدة الخامسة: ما يسمى بخلو القدم
: الأصل عدم الجواز إلا إذا كان المبلغ الزائد مقابل أشياء وضعها المستأجر الأول في المحل.
-
الفائدة السادسة: ليس للمرأة أن تؤجر نفسها بغير إذن زوجها: لأنه يملك منافعها، حتى الصيام ليس لها أن تصوم النفل إلا بإذنه.
-
الفائدة السابعة: يجوز استئجار الكافر إذا كان أميناً عارفاً بالأمر: ودليله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «استأجر عبد الله بن أريقط في الدلالة على طريق الهجرة» (1).
الفائدة الثامنة: في الاستئجار على القرب
: الاستئجار على أعمال العبادة والقرب كالحج والآذان لا تصح لأن هذه الأعمال يتقرب بها إلى الله وأخذ الأجرة عليها يخرجها عن ذلك، أما أخذ رزق من بيت المال على الأعمال التي نفعها متعدي كالآذان والإمامة وتعليم القرآن فلا بأس به لأنها ليست معاوضة.
- الفائدة التاسعة: الاستئجار بالطعام والكسوة: اختلف فيها أهل العلم فأجازها بعضهم ومنعها آخرون، وحجة المجيزين ما جاء في قصة موسى =1
..................................
=عليه السلام حيث أنه عليه السلام أجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه، وقال بعض أهل العلم لا يصح للجهالة.
والصواب: جواز ذلك ويرجع إلى العرف، والجهالة الموجودة مفتقدة وخصه بعضهم بالظئر «المرضع» فقط.
الفائدة العاشرة: إجارة الظئر
: استئجار مرضع غير الأم يجوز بأجر معلوم، ويجوز أيضاً بطعامها وكسوتها، وجهالة الأجرة في هذه لا يفضي إلى المنازعة في الغالب، فالناس درجوا على التوسعة على المرضعات مراعاة لحق الرضع، لكن يشترط العلم بالمدة ومعرفة الطفل بالمشاهدة وموضع الرضاع قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 1، وهل هي أجير خاص أي ليس لها أن ترضع صبياً آخر أم أن لها ذلك؟ الصواب: أنه ليس لها أن ترضع صبياً آخر لأن الرضيع الأول يتضرر وعليها القيام بما يتطلبه الرضاع مما يحتاجه الصبي من التنظيف وغسل الثياب وطبخ الطعام وعلى الأب النفقة وما يحتاجه الصبي من اللوازم، فإن مات الصبي أو ماتت المرضعة انفسخت الإجارة.
- الفائدة الحادية عشرة: في الإجارة المنتهية بالتمليك: من الأمور المستحدثة في هذا العصر ما يسمى بالإيجار المنتهي بالتمليك، وهي أن يستلم أحد المتعاقدين عيناً لآخر ينتفع بها بعوض على أقساط، ويتملكها بسداد هذه الأقساط، وإن عجز المؤجر عن سداد بعض الأقساط استحق المالك =
..................................
=الأقساط السابقة واستحق استرجاع العين المعقود عليها.
وقد اختلف أهل العلم المعاصرين في هذا النوع من الإجارة: فذهب جمهورهم 1 إلى تحريمها، ورأى بعضهم جوازها وعللوا لذلك بأن الأصل في العقود الصحة والجواز، وبأن هذه المعاملة تقاس على بيع العربون حيث أنها تشابهه في الكثير من أحكامه، وبيع العربون جائز.
والذي رجحه المجمع الفقهي بجدة 2 أن هذا النوع من الإجارة فيه تفصيل: فإن كانت صورة هذا النوع كالصورة السابقة فهذا لا يجوز، وإن كانت صورة هذا النوع من الإجارة بأن يعد المؤجر المستأجر أن يبيعه هذه السلعة بعد انتهاء مدة الإجارة المتفق عليها بينهما بسعر يتفقان عليه وقت البيع، أو أن يعده المؤجر أن يهبه السلعة بعد انتهاء مدة الإجارة المتفق عليها بينهما فهذا جائز.
- الفائدة الثانية عشرة: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة: فقال المستأجر أجرتني بثمانية آلاف، وقال المستأجر بل بعشرة، فقيل إذا اختلفا تحالفا كالاختلاف في ثمن المبيع، ويبدأ بيمين المؤجر، فيحلف له ما أجرها بثمانية بل بعشرة، ثم يحلف المستأجر أنه استأجرها بثمانية لا بعشرة، فإذا تحالفا قبل مضي شيء من المدة فسخا العقد، ورجع كل واحد منهما بماله، وإن رضي أحدهما بما حلف عليه الآخر ثبت العقد، وهذا أحد الأقوال في المسألة.
وهناك قول آخر وهو أن القول قول المستأجر، لأنه منكر للزيادة في الأجرة، =
.................................. =والقول قول المنكر، والقول الأول هو الأظهر عندي، قال ابن قدامة -رحمه الله- 1 هذا الصحيح.
- الفائدة الثالثة عشر: إذا اختلفا في المدة فقال المؤجر: أجرتكها سنة بعشرة ألاف، وقال المستأجر بل سنتين بعشرين، فالقول قول المالك، لأنه منكر للزيادة، فكان القول قوله فيما أنكره لكن مع يمينه، فإن قال: أجرتكها سنة بعشرة قال: بل سنتين بعشرة تحالفا لأنه لا يوجد الاتفاق بينهما على مدة بعوض، فكان كما لو اختلفا في العوض مع اتفاق المدة.
- الفائدة الرابعة عشرة: من أحكام العمل:
1 - يجب على العامل إتقان العمل المنوط به ومراقبة الله تعالى وعدم الغش.
2 - يجب على صاحب العمل أن يعطي العامل أجرته كاملة دون نقص ولا يحسم عليه شيء إلا ما تم الاتفاق عليه معه.
3 - لا يجوز إحضار العمال وتركهم دون عمل أو أخذ مبلغ شهري عليهم والتستر عليهم لما في ذلك من مخالفة نظام ولي الأمر الذي وضعه لمصلحة الناس.
4 - لا يسوغ الاتفاق مع العامل من الباطن.
5 - عند النزاع والخلاف يرجع إلى الاتفاق بينهما فالمؤمنون على شروطهم.
6 - يجوز للمرأة أن تعمل لكن مع الضوابط الشرعية التي تخصها من عدم كشف الوجه بحضرة الرجال، وأمن الفتنة، وخروجها متسترة بالحجاب الشرعي، وعدم الاختلاط، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالمرأة.
بَابُ الْغَصْبِ
(1) هُوَ اسْتِيْلاءُ الإِنْسَانِ (2) عَلَى مَالِ غَيْرِهِ (3)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْغَصْبِ»:
الغصب في اللغة: أخذ الشيء ظلماً.
أما في الاصطلاح: فهو كما ذكره الاستيلاء على حق غيره قهراً بغير حق.
والغصب حكمه حرام بدليل الكتاب والسنة بل أجمع المسلمون على تحريمه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.. ﴾ (1)، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً.. ﴾ (2).
ومن السنة ما جاء عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (3).
قال ابن قدامة في المغني (4) «وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة»
وقال ابن هبيرة (5) «اتفقوا على أن الغصب حرام».
(2)
قوله «هُوَ اسْتِيْلاءُ الإِنْسَانِ»:
الاستيلاء هو كما ذكرنا أخذ الحق من صاحبه مع القهر والغلبة، وعلى ذلك يخرج السارق وهو الذي يأخذ المال على خفية، والمختلس وهو الذي يأخذ الشيء جهاراً بحضرة صاحبه في غفلة منه.
(3)
قوله «عَلَى مَالِ غَيْرِهِ»:
المال هو ما كان فيه منفعة مقصودة مباحة شرعاً=12345
بِغَيْرِ حَقٍّ (1)، وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ (2)، وَأَجْرُ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ، مُدَّةَ مَقَامِهِ فِيْ يَدَيْهِ (3)، =كالعقار، والحيوان، وسائر الأمتعة، والأقوات، والفلوس وغير ذلك.
(1)
قوله «بِغَيْرِ حَقٍّ»:
خرج منه ما لو استولى عليه بحق، فإن استولى عليه بحق فإنه ليس بغاصب.
مثال ذلك: أخذ الولي أموال اليتامى وحفظها والقيام عليها والاتجار بها وما شابه ذلك هذا بحق، فلا يعد أخذ الولي لمال اليتيم والتصرف فيه ببيع وشراء وغير ذلك غاصباً، وكذلك استيلاء الحاكم على مال المفلس ليبيعه ويوفي به الغرماء فإن هذا بحق.
(2)
قوله «وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ»:
أي وجوباً لما ثبت عن سَمُرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّىَ» (1)، ولما روي أيضاً عن عبد الله ابن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاعِبًا وَلا جَادًّا وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا» (2)، ولأن هذا أيضاً حق ليس للغاصب فوجب رده إلى صاحبه.
(3)
قوله «وَأَجْرُ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ، مُدَّةَ مَقَامِهِ فِيْ يَدَيْهِ»: أي وإن غصب شيئاً له أجرة، كالعقار والدواب ونحوها فعليه أجرة مثله، لأنه فوت منفعته على صاحبه والمنافع لها قيمة فيضمنها ومنفعتها، فمتى غصب أرضاً فعليه أجرتها منذ غصبها إلى وقت تسليمها، وإن غصب عقاراً فعليه أجرته إذا كان يؤجر وإن غصب سيارة أجرة فعليه أجرتها من حين غصبه إلى تسلم صاحبها لها، وهكذا.12
وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ (1)، وَإِنْ جَنَى فَأَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ (2) سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ (3)، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَلِسَيِّدِهِ تَضْمِيْنُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا (4) (1)
قوله «وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ»:
أي وإن حصل للمغصوب نقص، فعليه أرش نقصه، لأن ذلك نقص في المغصوب، فكان مضموناً على الغاصب وطريقة معرفة الأرش هو أن ينظر كم قيمة المغصوب قبل غصبه، وكم قيمته عند رده إلى صاحبه فيغرم الغاصب لصاحب المغصوب ما نقص من قيمته عند رده له لأنه يلزمه ضمان السلعة كاملة لو تلفت فلزمه ضمان نقصها.
(2)
قوله «وَإِنْ جَنَى فَأَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ»:
أي وإن جنى العبد المغصوب وقت وجوده عند الغاصب وهذه الجناية توجب قصاصاً أو مالاً فأرش الجناية مضمونة على الغاصب.
مثاله: أن يغصب شخص عبداً فيقوم العبد وهو عند غاصبه بإتلاف مال شخص أو يتعدى على شخص فيتلف عضواً من أعضائه فهنا يجب على الغاصب أن يدفع للمعتدى عليه قيمة هذه الجناية لأن هذه الجناية نقص في هذا العبد لأن الجناية تتعلق برقبته فكانت مضمونة على الغاصب، كسائر نقصه.
(3)
قوله «سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ»:
أي سواء كانت جنايته على مالكه أو أجنبي أخر طالما أن الجناية حصلت عند الغاصب فيجب على الغاصب أن يدفع قيمة هذه الجناية.
(4)
قوله «وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَلِسَيِّدِهِ تَضْمِيْنُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا»:
أي وإن جنى على العبد شخص غير الغاصب ولا مالكه فللمالك تضمين من شاء منهما=
وَإِنْ زَادَ الْمَغْصُوْبُ أَوْ نَقَصَ رَدَّهُ بِزِيَادَتِهِ وَضَمِنَ نَقْصَهُ (1)، = «الغاصب أو الجاني» أما الجاني فلأنه أتلف، وأما الغاصب فلأن الجناية على العبد حصلت وهو في يده فلزمه ضمانه.
(1)
قوله «وَإِنْ زَادَ الْمَغْصُوْبُ أَوْ نَقَصَ رَدَّهُ بِزِيَادَتِهِ وَضَمِنَ نَقْصَهُ»:
أي إن زاد الشيء المغصوب عند غاصبه رده مع زيادته، سواء كانت الزيادة متصلة كالسمن وتعلم العبد أو سمن الدابة أو حرث الأرض، أو زيادة منفصلة كأجرة الدابة أو ولادتها أو إجارة سيارة فتكسب ونحو ذلك فإنه يلزم الغاصب أن يردها إلى مالكها مع حصول هذه الزيادة ولا يستحق الغاصب شيئاً لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» 1، فإن حصل للمغصوب نقص فإنه يضمنه كما سبق بيانه.
- فائدة: إن كان النقص بسبب دنو الأسعار: كأن تكون العين المغصوبة، سعرها عند غصبها ألف ريال، ثم حصل نزول في الأسعار فصار عند ردها لصاحبها قيمتها في السوق تساوي خمسمائة فهل يضمن؟ قولان: المذهب 2 لا يضمن النقص لأن النقص ليس عائداً إلى عين المغصوب بل لأمر خارج وهو قيمته عند الناس، ومعلوم أن القيمة ترتفع أحياناً وتنقص أحياناً.
القول الثاني في المسألة: أنه إذا نقص السعر فإن الغاصب يضمن النقص، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 3، وابن سعدي 4، وشيخنا محمد بن صالح=
سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً (1)، وَإِنْ زَادَ وَنَقَصَ رَدَّهُ بِزِيَادَتِهِ وَضَمِنَ نَقْصَهُ (2)، =العثيمين (1) رحمهم الله وهذا هو الصحيح، فيقال للغاصب رد العين المغصوبة إلى صاحبها ومعها نقص السعر.
(1)
قوله «سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً»:
الزيادة المتصلة هي التي لا يمكن انفكاكها عن المغصوب كالسِّمن وتعلم الصنعة وما شابه ذلك، أما الزيادة المنفصلة فهي التي يمكن انفصالها عن المغصوب كأن تلد الدابة فولدها منفصل عنها أو أن يكون بها لبن أو يحصل لها أجرة وما شابه ذلك، فهذه الزيادات لا يكون للغاصب فيها مقابل بل يلزمه رد المغصوب وحصول هذه الزيادة، فلو تلف المغصوب بعد حصول هذه الزيادة فعليه ضمانه وزيادته، لأن زيادة المغصوب حدثت على ملك المالك، فيجب عليه إذا أتلفه أن يضمنه وزيادته.
(1)
قوله «وَإِنْ زَادَ وَنَقَصَ رَدَّهُ بِزِيَادَتِهِ وَضَمِنَ نَقْصَهُ»:
كأن يغصب دابة فتسمن عند الغاصب أو تلد عنده أو غصب عبداً فتعلم صنعة، فهنا زادت قيمة الدابة بسبب سمنها أو بسبب ولادتها وكذلك زادت قيمة العبد بسبب تعلمه صنعة أو كتابة، ثم لما حصلت هذه الزيادة للدابة بسبب ما ذكرنا نقصت قيمتها لنقص حصل في بدنها أو مات وليدها أو نسي العبد الكتابة أو الصنعة فهنا يقول المؤلف ضمن الغاصب الزيادة التي حصلت مع رد المغصوب، لأنها زيادة في نفس المغصوب فلزم الغاصب ضمانها وهذا هو المذهب 2 وفي قول=1
سَوَاءٌ زَادَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ (1)، فَلَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا أَوْ عَمِلَ الْحَدِيْدَ إِبْرًا رَدَّهُمَا بِزِيَادَتِهِمَا وَضَمِنَ نَقْصَهُمَا إِنْ نَقَصَا (2)، وَلَوْ غَصَبَ قُطْنًا فَغَزَلَهُ أَوْ غَزْلاً فَنَسَجَهُ (3)،
=آخر في المذهب، وهو رواية عن الإمام أحمد (1) أنه لا يضمن إلا المغصوب لأنه رد العين كما أخذها.
(1) قوله «سَوَاءٌ زَادَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ»: أي سواء حصلت هذه الزيادة في المغصوب بفعل الغاصب كتعليم صنعة للعبد أم بغير فعله كسمن الدابة فهي لمالكه الأصلي «المغصوب منه»، وقد سبق بيان ذلك.
(2) قوله «فَلَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا أَوْ عَمِلَ الْحَدِيْدَ إِبْرًا رَدَّهُمَا بِزِيَادَتِهِمَا وَضَمِنَ نَقْصَهُمَا إِنْ نَقَصَا»: أي إن غصب خشبة فصنعها باباً أو غصب حديدة فصنعها إبراً وجب على الغاصب رد ما صنع بزيادته إن كان له زيادة، ونقصانه إن حصل له نقصان لأن النقص إنما حصل بفعله، ويكون ذلك أرشاً بسبب النقص فينظر كم قيمة هذا الخشب أو هذا الحديد قبل نجره أو صناعته، ثم كم قيمته بعد صناعته له، فيعطى الفارق وهو الأرش بينهما إلى مالكهما.
(3)
قوله «وَلَوْ غَصَبَ قُطْنًا فَغَزَلَهُ أَوْ غَزْلاً فَنَسَجَهُ»:
أي لو نسج الغزل وهو خيوط، كما لو غصب غزلاً من صوف أو وبر أو شعر ثم حوله إلى نسيج، فهو لمالكه وليس للغاصب شيء لأنه ظالم ولأنه نوع تبرع في ملك غيره بلا إذنه، فكان لاغياً، وفي رواية عن الإمام أحمد 2، اختارها شيخ الإسلام 3 =1
أَوْ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ أَوْ فَصَّلَهُ وَخَاطَهُ (1)، أَوْ حَبًّا فَصَارَ زَرْعًا (2)، أَوْ نَوًى فَصَارَ شَجَرًا (3)، أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فِرَاخًا (4)، فَكَذلِكَ (5)، وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَزَادَ فِيْ بَدَنِهِ أَوْ بِتَعْلِيْمِهِ ثُمَّ ذَهَبَتِ الزِّيَادَةُ، رَدَّهُ وَقِيْمَةَ الزِّيَادَةِ (6)، =أنه يكون - يعني الغاصب - شريكاً للمالك في الزيادة، والقول الأول هو الأظهر عندي لأن الغاصب ظالم وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1).
(1)
قوله «أَوْ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ أَوْ فَصَّلَهُ وَخَاطَهُ»:
أي غسله بعد أن كان وسخاً أو نقشه وطرزه المهم أنه زاد فيه حسناً أو قام بتفصيله وخياطته بعد أن كان قماشاً فإنه يضمن إن نقص أما الزيادة فهي لمالكه فيردها معه.
(2)
قوله «أَوْ حَبًّا فَصَارَ زَرْعًا»:
أي صار الحب زرعاً فهو لمالك الحب لا للغاصب، لأن هذا الزرع هو عين ملكه ولكنه تحول بإرادة الله تعالى إلى زرع.
(3)
قوله «أَوْ نَوًى فَصَارَ شَجَرًا»:
أي إن غصب نوى - يعني نواة التمر - ثم وضعه في الأرض فصار النوى شجراً، فيكون الشجر لصاحب النوى وليس للغاصب شيء لأنه ظالم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
(4) قوله «أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فِرَاخًا»: وكذلك إن صارت البيضة المغصوبة فرخاً، كأن يغصب بيضة ثم يضعها تحت طائر فتصير فرخاً فإن الفرخ يصير لمالك البيضة، لأنه عين ماله.
(5) قوله «فَكَذلِكَ»: أي كذلك جميع ما سبق يلزم الغاصب ردها بزيادتها إن كانت لها زيادة وضمان النقص إن نقصت.
(6)
قوله «وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَزَادَ فِيْ بَدَنِهِ أَوْ بِتَعْلِيْمِهِ ثُمَّ ذَهَبَتِ الزِّيَادَةُ، رَدَّهُ
وَقِيْمَةَ الزِّيَادَةِ»:
سبق بيان هذه المسألة وقلنا بأن العبد إذا زاد في القيمة عند=1
وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوْبُ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مَكِيْلاً أَوْ مَوْزُوْنًا (1)،
=الغاصب، كأن يسمن عند الغاصب، أو يتعلم صنعة عنده، أو يتعلم كتابة عنده فيزيد في قيمته ثم ذهبت الزيادة الحاصلة كأن يضعف بدنه بعد أن كان سميناً أو ينسى التعليم أو الصنعة بعد أن تعلمها عند الغاصب فهنا يلزم الغاصب رد العبد مع قيمة الزيادة التي حصلت عنده، وهذا هو المذهب كما سبق وعللوا لذلك لأنه فوت على المغصوب منه الاستفادة من المغصوب حال وجود هذه الزيادة فيه فلزمه ضمانها.
وقيل بل يرد العبد فقط ولا يضمن الزيادة لأنه رد العين وهي العبد كما أخذها فلا يلزمه رد الزيادة.
(1)
قوله «وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوْبُ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مَكِيْلاً أَوْ مَوْزُوْنًا»:
أي بموت أو احتراق أو تعذر رده إلى مالكه وجب عليه رد بدله وهو ما كان مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً والمكيل كحب وتمر وغيره مما يكال، والموزون كحديد ونحاس ونحوه مما يوزن.
وكون الغاصب لزمه رد مثله لأنه لما تعذر رد العين لزمه رد ما يقوم مقامها والمثل أقرب إليه من القيمة.
- فائدة: في تعريف المثلي:
المثلي تعريفه في المذهب 1 هو كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه، فإن كانت الصناعة فيه محرمة، كحلي الرجال مثلاً لم يجز ضمانه بأكثر من وزنه وجهاً واحداً لأن الصناعة لا قيمة لها شرعاً، أما ما كان فيه صناعة كمعمول الحديد، أو منسوج القطن ونحوها ففيه القيمة، لأن الصناعة تؤثر في قيمته.
وَقِيْمَتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ (1)، =والقول الصحيح في هذه المسألة: ما ذهب إليه شيخ الإسلام (1)، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي (2)، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (3) أن المثلى ما له مثيل أو مشابه، سواء كان مكيلاً أو موزوناً مصنوعاً أو غير مصنوع، فكل ما له مثيل أو مشابه فإنه مثلي وعلى ذلك لو أن شخصاً كسر فنجالاً لشخص، فهل يلزمه أن يأتي بمثله لصاحبه؟ نقول: المذهب لا يلزمه، بل له قيمة فنجال لأنه مصنوع وكل ما دخل فيه صنعة يختلف، وعلى القول الصحيح أنه يلزمه أن يأتي بفنجال.
(1)
قوله «وَقِيْمَتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ»:
أي إن لم يكن ضمانه بمثله لعدم وجود ما يماثله أو كان بعيداً لا يستطيع الوصول إليه، وغير ذلك فإنه يلزمه قيمته، لكن هل تكون القيمة وقت الضمان أو وقت التعذر؟ على أقوال:
الأول: وهو المذهب 4 أن القيمة تكون وقت التعذر، لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل.
مثاله: لو أن شخصاً غصب سلعة معينة من شخص آخر ثم تلفت في يده وكان وقت غصبها في شهر محرم وكان لها مثل فلما جاء شهر ربيع فقدت من السوق أي لم يكن لها مثل في السوق ثم طالب صاحبها - يعني المغصوب منه - طالب الغاصب برد سلعته في شهر جمادى فلم يجد مثلها فأراد أن يرد =123
ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيْمَةَ (1)، وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوْبَ بِمَا لا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْهُ (2)، وَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ (3).
=القيمة، فالمذهب يقول القيمة وقت التعذر، يعني وقت فقدها من السوق.
القول الثاني: أنه إذا تغير السعر وفقد المثل فإن القيمة تكون وقت الغصب.
القول الثالث: أن القيمة وقت المحاكمة.
والأظهر عندي: أن الضمان بالقيمة يكون وقت الاستيفاء منه لأن الأصل ثبوت المثل في ذمته حتى يسلمه، وهذا قول في المذهب (1).
(1)
قوله «ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيْمَةَ»:
أي متى قدر الغاصب على رد المغصوب إلى صاحبه بعد فقده له ودفعه القيمة فإنه يرده إلى صاحبه ويرد القيمة إلى الغاصب، لأن القيمة إنما وجبت لتعذر رد العين وقد زال، فوجب رد العين إلى مالكها ويأخذ القيمة.
(2) قوله «وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوْبَ بِمَا لا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْهُ»: أي وإن خلط الغاصب ما غصب بشيء لا يتميز بعضه عن بعض كزيت بزيت، أو حنطة بحنطة مثلها، فعلى الغاصب مثل المغصوب من المختلط كيلاً أو وزناً، لأنه مثلى فيجب مثله.
وفي وجه في المذهب: يلزمه مثله من حيث شاء، لأنه تعذر رد عينه أشبه ما لو أتلفه كله.
والقول الأول هو الأظهر عندي، أي يلزمه رد مثل المغصوب من نفس المخلوط ما دام لا يتميز لأنه يقدر على دفعه فلا ينتقل إلى البدل.
(3) قوله «وَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ»: أي وإن خالط المغصوب بغير جنسه كدقيق حنطة بدقيق شعير وزيت ذرة بزيت زيتون=1
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَرَدِّهَا وَأَرْشِ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا (1)
=وجب على الغاصب أن يدفع المثل من حيث شاء، فيقال له - يعني صاحب الحق - إن شئت أن تأخذ قدر مالك من المخلوط الموجود أو تطالب بالمثلى فأنت بما شئت، لأنه صار بالخلط مستهلكاً، وقد تعذر الوصول إلى عين ماله.
والقول الثاني (1) في هذه المسألة، وهو ظاهر كلام أحمد أنهما شريكان بقدر ملكيهما كاختلاطهما من غير غصب فيباع ويعطى كل واحد قدر حصته.
(1)
قوله «وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَرَدِّهَا وَأَرْشِ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا»:
هذه أمور أربعة يجب على الغاصب للأرض أن يؤديها إلى صاحب الحق، وهي:
1 - قلع ما غرسه، وهدم ما بناه على الأرض إن كان قد فعل ذلك.
2 - رد الأرض إلى مالكها كما كانت عليه قبل الغصب.
3 - إن تسبب الغرس أو البناء في نقصان الأرض ألزم بأرش النقصان.
4 - دفع أجرتها مدة بقائها في يده، دليل ذلك ما ثبت عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - قال: قال رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أرض غرس أحدهما فيها نخلاً، والأرض لآخر، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، وقال «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» 2، أما لزوم الأرش عليه فلأنه تسبب في نقصان قيمة الأرض فلزمه تعويض المالك عن هذه الخسارة الذي كان سبباً فيها، وكيف يعلم الأرش؟ نقول يعرف الأرش بأن نقدر الأرض مغروسة وغير مغروسة=1