وَلَوْ الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ (1).
=ذلك، وتفرع عليه جواز معالجة المسلم للكافر إذا كانت له حرمة.
5 - أن الجعل يكون بالشيء المعين المحدد كما في قولهم «قطيعاً من الغنم».
6 - في قوله - صلى الله عليه وسلم - «خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ»: دليل على حل مال الجعل، وحل أكل المال من الرقية الشرعية إذا نفعت بإذن الله تعالى، وفي قوله: «خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» أيضاً تأكيد بالإباحة والحل.
7 - مشروعية أخذ الأجرة على الطب وعمل الطب لأن كلاً من الرقية الشرعية والطب يشترك في معالجة الأجساد والأرواح.
(1)
قوله «وَلَوْ الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ»:
أي من عمل ما قاله صاحب العمل قبل أن يبلغه الجُعل الذي قدره صاحب العمل فإنه لا يستحقه لأنه لا يوجد عقد بينهما.
والذي يظهر لي والله أعلم أن الأولى في حق صاحب العمل أن يعطيه ما يطيب به قلبه لأنه عمل معروفاً، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ.. » 1، ولأنه مثل هذا الرجل ينبغي أن يشجع لأن كونه أتى به بدون أن يطلب منه فإنه يدل على أمانته.
بَابُ اللُّقَطَةِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ اللُّقَطَةِ»:
اللقطة في اللغة: هي الشيء الملتقط، أي المأخوذ من الأرض، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً.. ﴾ (1). أما في الاصطلاح: فهي «مال أو ما في حكمه» وجد في مكان غير مملوك ولم يعرف مستحقه.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: في حكم اللقطة:
اتفق الفقهاء على جواز الالتقاط في الجملة، لكنهم اختلفوا فيما هو الأفضل والأولى، هل الأفضل الالتقاط أم الأولى تركه؟
ذهب الحنفية 2، والشافعية 3 إلى أنه إذا خاف عليها الضيعة لو تركها فأخذها لصاحبها أفضل من تركها لما فيه من حفظ مال المسلم.
وذهب مالك 4 إلى كراهية الالتقاط، وهذا مروي عن ابن عباس وابن عمر.
وقال الإمام أحمد 5 الأفضل ترك الالتقاط لأن في أخذها تعريضاً لنفسه لأكل الحرام وتضييعاً للواجب من تعريفها فكان تركه أولى وأسلم.
وقال ابن هبيرة والذي أرى أنه إذا أخذها ناوياً بأخذها حفظها لصاحبها =1
وَهِيَ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ (1) أَحَدُهَا: مَا تَقِلُّ قِيْمَتُهُ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيْفٍ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: رَخَّصَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ (2)،
=واثقاً من نفسه بتحمل الأمانة من ذلك فإن الأفضل أخذها، وإن كان يخاف منها الفتنة ولا يستطيع القيام بواجبها فليتركها.
وهذا قول جيد، وفيه جمع بين الأقوال الواردة في اللقطة.
- الفائدة الثانية: في حكمة مشروعية اللقطة: أن صاحب اللقطة يصيبه الهم والغم عند فقدها وكيف أنه فقد هذا المال، فإذا وجده أحد غيره وأعلن ذلك ووصل إلى صاحبه فإنه يسر به وبذلك يشيع الأمن والطمأنينة لأن مالهم إذا فقد فإنه قد يرد ويرجع إليهم لأنه بأيدي أمينة.
- الفائدة الثالثة: حكم الإشهاد على اللقطة: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإشهاد على اللقطة واجب, وذهب بعضهم إلى عدم الوجوب لأنها مبنية على ثقة الناس وأمانتهم، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريباً ذكر الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.
(1)
قوله «وَهِيَ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ»:
«هذا إجمال قبل التفصيل والبيان»، أي اللقطة على ثلاثة أضرب باعتبار الشيء الملقوط هل يملك أم لا؟ هل يُعَرَّف أم لا؟ فهي على هذا الاعتبار ثلاثة أضرب.
قوله «أَحَدُهَا: مَا تَقِلُّ قِيْمَتُهُ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيْفٍ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: رَخَّصَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ»
الثَّانِيْ: الْحَيَوَانُ الَّذِيْ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالإِبِلِ وَالْخَيْلِ، وَنَحْوِهَا، فَلا يَجُوْزُ أَخْذُهَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: «مَالَكَ وَلَهَا، دَعْهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا» 1 =حكمه، فالضرب الأول ما تقل قيمته أي قيمته قليلة ولا يهتم به أوساط الناس بحيث إذا فقد لا يبحث عنه ولا يسأل عنه غالباً كالسوط والرغيف وبعض الأقلام الجافة مثلاً والنقد اليسير وغير ذلك فهذا يملك بمجرد التقاطه ولا يجب تعريفه، دليل ذلك ما رواه أبو داود وغيره من حديث جابر الذي ذكره المؤلف.
- فائدة: من وجد مالاً فالمال على ثلاثة أقسام: الأول: أن يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه، فهذا لواجده كما يوجد الآن كبعض الكراسي المكسرة ترمى في الأسواق أو الأواني التي تلقى ونحو ذلك مما يوجد بجانب براميل البلدية نعلم أن صاحبها تركها رغبة عنها فهذه يملكها واجدها بدون شيء.
الثاني: أن يكون مما لا تتبعه الهمة لكونه زهيداً كقلم يساوي ريال، فهذا زهيد لا تتبعه همة أوساط الناس، فأي إنسان يجده فهو له، وقد سبق شرح ذلك في كلام المؤلف.
الثالث: وهو الذي تتبعه همة أوساط الناس، فهذا يجب أن يُعَرَّف سنة كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: الْحَيَوَانُ الَّذِيْ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالإِبِلِ وَالْخَيْلِ، وَنَحْوِهَا، فَلا يَجُوْزُ أَخْذُهَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: مَالَكَ وَلَهَا، دَعْهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا»
(1) هذا هو الضرب الثاني وبيان حكمه، والحيوان الضائع قسمان:
وَمَنْ أَخَذَ هَذَا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ بِدَفْعِهِ إِلَى نَائِبِ الإِمَامِ (1)
الأول: ما يمتنع بنفسه كالثور والجمل والخيل من صغار السباع، وصغار السباع «كالذئب، والثعلب، وولد الأسد، والكلب الذي يفترس»، وغير ذلك فهذه يحرم التقاطها ولا يملك بالتقاطه ولو عرَّفه لم يملكه لأنه متعد، اللهم إلا إذا خاف على هذه المذكورات «الإبل، والخيل، والثور» ونحو ذلك، إذا خاف عليها من قطاع الطرق ففي هذه الحال له أن يأخذها إن لم نقل بالوجوب.
الثاني: وهو الحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع كالضأن والمعز وصغار الإبل وما أشبهها، فهذه حكمها أنه يجوز التقاطها وينفق عليها ويرجع بها على ربها إن وجده.
فإن خشي أن تزيد نفقته على قيمتها فإنه يضبط صفاتها ثم يبيعها ويحفظ ثمنها لربها، فإذا جاء ووصفها على الصفة الذي ضبطها فإنه يعطيه الثمن، وسيذكر ذلك المؤلف -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَمَنْ أَخَذَ هَذَا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ بِدَفْعِهِ إِلَى نَائِبِ الإِمَامِ»:
هذه أمور ثلاثة تترتب على أخذ ما يمتنع بنفسه من صغار السباع.
الأمر الأول: أنه لا يملكه بالتقاطه لأنه يحرم أخذه.
الأمر الثاني: أنه يلزمه ضمانه لأنه بمنزلة الغاصب.
الأمر الثالث: أنه لم يبرأ إلا بدفعه للإمام فيزول عنه الضمان لأن الإمام له نظر في ضوال الناس، فكان نائباً عن أصحابها.
لكن يستثنى من ذلك ما ذكرناه قريباً أنه إذا خاف على ما يمتنع بنفسه من الضياع والهلاك فإنه يجوز له التقاطه لأن في التقاطها صيانة لها من الضياع والهلاك، ولا ضمان عليه بذلك، لأن فيه إنقاذها من الهلاك.
وَالثَّالِثُ: مَا تَكْثُرُ قِيْمَتُهُ مِنَ الأَثْمَانِ وَالْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ الَّذِيْ لا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ (1)، وَيَجِبُ تَعْرِيْفُهُ حَوْلاً (2)، (1)
قوله «الثَّالِثُ: مَا تَكْثُرُ قِيْمَتُهُ مِنَ الأَثْمَانِ وَالْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ الَّذِيْ لا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ»:
هذا هو الضرب الثالث من أنواع اللقطة وهو ما له قيمة من الدراهم والمتاع الذي له قيمة في أوساط الناس، وكذلك ما لا يمتنع بنفسه من الحيوان كالغنم، والفصلان، والعجاجيل، ونحو ذلك، فهذه حكمها:
1 - جواز أخذها لمن أمن نفسه من الخيانة.
2 - تعريفها سنة كما سيذكره المؤلف.
3 - دفعها إلى صاحبها بعد وصفه لها.
4 - بعد تعريفها سنة ولم يُعْرف صاحبها تكون في ملكه غنياً كان أو فقيراً.
5 - أنه يجب معرفة صفة ما التقطه، وجنسه، وقيمته، وما يختص به، ونحو ذلك حتى إذا جاء صاحبها ردها إليه أو رد قيمتها، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله -.
(2)
قوله «وَيَجِبُ تَعْرِيْفُهُ حَوْلاً»:
أي يجب تعريف ما التقطه سنة كاملة، دليل ذلك ما ورد عن زيد بن خالد -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» 1.
فِيْ مَجَامِعِ النَّاسِ، كَالأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ (1)، فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (2)،
=والتعريف يكون بأن ينادي في المجامع التي وجدها فيه، أو في مجامع الناس كعلى أبواب المساجد، ولا يكون داخل المسجد بل على أبواب المساجد، وفي الأسواق ونحو ذلك.
والأمر بالتعريف للوجوب، لكن لا يلزم أن يعرفها في الليل والنهار ولا استيعاب الأيام بل يعرفها على المعتاد في كل يوم مرة أو مرتين أو في كل أسبوع مرة، وهكذا.
(1)
قوله «فِيْ مَجَامِعِ النَّاسِ، كَالأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ»:
هذه هي أماكن تعريف اللقطة، لكن تعريفها في مكان التقاطها مقدم على غيره لأنه مكان بحث صاحبها عنها، فإن عدم عرَّفها في هذه الأماكن المذكورة وهي مجامع الناس، أي الحافلة بالناس وبخاصة يوم الجمعة أو في الأسواق وبخاصة الأوقات التي يكثر فيها وجود الناس، ويمكن كذلك أن يقوم بوضع إعلانات على جدران المحلات ونحو ذلك، وتنوب وسائل الإعلام المختلفة في وقتنا الحاضر عن التعريف بمجامع الناس.
- فائدة: لا يجوز إنشاد الضالة في المسجد كما يفعله بعض الناس لما ثبت عن أبى عبد الله مولى شداد بن الهاد أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (1).
(2)
قوله «فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ»:
أي في أي وقت جاء=1
وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ (1)، =صاحبها قبل تعريفها حولاً أو بعد تعريفها فوصفها طبق الواقع فإنه يلزمه أن يدفعها إليه، ولا يلزم أن يطلب منه بينة لأنه لا منازع للواصف لها ولا يلزمه كذلك اليمين لأن الأصل أنها ملكه، وقد وصفها بما لا يكون فيه ريب ولا شك فوجب دفعها إليه بمقتضى السنة.
فائدة: هل له أن يشهد على رده اللقطة
؟ نقول ليس له ذلك لأنه متبرع، والمتبرع يقبل قوله في رد العين إلى مالكها.
(1)
قوله «وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ»:
أي وإن لم يعرف صاحبها بعد تعريفها سنة فإنها يعني اللقطة تدخل في ملك الملتقط لقوله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث زيد بن خالد المتقدم «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَشَأْنَكَ بِهَا» 1. وفي رواية: «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا.. » 2.
- فائدة: وهل يكون ملكه لها قهراً أم اختياراً؟ على قولين:
الأول: أنها تدخل في ملكه قهراً وهذا هو المذهب.
وعلى ذلك إن تلفت قبل الحول بتعدٍ منه فعليه الضمان وبغير تعدٍ فلا ضمان عليه، وإن تلفت بعد الحول فعليه الضمان سواء تعدى أو لم يتعد لأنها دخلت في ملكه وصارت في ضمانه، وفي قول آخر لا يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط فيكون الحكم واحداً.
القول الثاني: أنها تدخل في ملكه اختياراً.
وعلى ذلك تكون أمانة في يده، وإن تلفت من غير تعد ولا تفريط فلا =
وَلا يَتَصَرَّفَ فِيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهُ، وَوِكَاءَهُ وَصِفَتَهُ (1)، =ضمان عليه، والأقرب عندي أنها تدخل في ملكه قهراً فإن تلفت من غير تعد منه ولا تفريط قبل الحول أو بعده فإنه لا ضمان عليه.
(1)
قوله «وَلا يَتَصَرَّفَ فِيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهُ، وَوِكَاءَهُ وَصِفَتَهُ»:
الوكاء: الحبل الذي يربط به ويشد عليها والمعنى أنه لا يتصرف واجدها - يعني اللقطة - قبل معرفة وعاءها، والحبل الذي تشد به وصفتها، وغير ذلك مما تنضبط به لئلا تختلط بماله ويشتبه عليه، وليعلم صدق واصفها من كذبه.
لكن هل يشهد على واجدها، يعني يأتي بشهود فيقول اشهدوا أني وجدت لقطة؟
نقول اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على اللقطة:
فذهب مالك 1، والشافعي 2 في أحد قوليه، وهو المذهب عند الحنابلة 3 أن الإشهاد مستحب، واحتجوا لذلك بالحديث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر الإشهاد فيه فيحمل هذا على الندب.
القول الثاني: أن الإشهاد على اللقطة واجب، وهو قول في مذهب الإمام أحمد 4 اختاره جمع، وهو قول أبي حنيفة 5، وأحد قولي الشافعي 6، واختاره الصنعاني 7، وسماحة شيخنا بن باز -رحمه الله- 8.
..................................
=واحتجوا لذلك بحديث عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَا يَكْتُمْ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَإِنَّهُ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» (1).
قالوا وهذا أمر يقتضي الوجوب ولا ينافي ذلك عدم ذكره في الأحاديث الأخرى.
قلت: والأظهر عندي القول باستحباب الإشهاد عليها وذلك لما يلي:
(1) صيانة نفس الملتقط عن الطمع فيها، فقد يطمع بعد إيجادها، لكن لو علم أن هناك شهوداً عليه فإنه يخاف من التهمة.
(2) أن في الإشهاد عليه حفظها من ورثته إذا مات لأنه لا يأمن من حدوث المنية به فيدِّعيها ورثته ويحوزونها في تركته أو يستولى عليها غرماؤه إذا أفلس.
(3) أن في الإشهاد عليها وسيلة من وسائل ضبطها والأمر بالضبط واجب كما سبق.
فائدة: هل للملتقط الانتفاع باللقطة؟
الجواب: إن كان بعد تمام الحول فله أن ينتفع بها لأنها ملكه, وأما قبل تمام الحول فإن احتاجت إلى نفقة كالحيوان يحتاج إلى علف وسقي فله أن ينتفع بقدرها، وإلا فلا كالإناء فليس له أن ينتفع به.
وعلى القول بأنها تدخل في ملكه هل يجوز له أن يتصرف فيها؟
الجواب: ما دام أنه بعد تمام الحول فقد دخلت في ملكه فله أن يتصرف فيها بأي شيء بهبة أو بيع أو رهن أو إيقاف، أما قبل تمام الحول فهي وديعة =1
فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دَفَعَهُ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ (1)، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إِلىَ مُؤنَةٍ (2)، أَوْ شَيْئًا يَخْشَى تَلَفَهُ (3)،
=عنده لا يجوز له أن يتصرف فيها إلا إذا كانت اللقطة فيها ضرر على صاحبها فله أن يتصرف فيها.
مثال ذلك: لو كانت اللقطة من الأشياء التي لا تبقى مثل الأشياء التي تفسد فهنا يتصرف فيها بالبيع ويحفظ الثمن، وإن كانت من الأشياء التي تبقى لكن تستنفق أكثر من قيمتها أضعافاً مضاعفة، كما لو وجد شاة فهنا يبيعها وإن كان لم يملكها لأن بقاءها ضرر على صاحبها.
وسيأتي كلام المؤلف قريباً - إن شاء الله -.
(1)
قوله «فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دَفَعَهُ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلَهُ، إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ»:
أي متى جاء صاحب اللقطة بعد تمام الحول فوصفها فوافق الوصف اللقطة لزم الملتقط أن يردها إليه إن كانت اللقطة موجودة بعينها، أو يدفع ثمنها إذا لم تكن موجودة عنده، وكانت من ذوات المثل، أو دفع قيمتها إن لم يكن لها مثل وذلك لأنها وديعة عنده، هذا إذا كان الهلاك والإتلاف بسبب تفريطه.
أما إذا تلفت بغير تفريط فقد سبق أن القول الصحيح أنه لا ضمان عليه، ودليل ما ذكره المؤلف حديث زيد بن خالد «فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْه» (1).
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إِلىَ مُؤنَةٍ»:
كعلف أو سقي ونحو ذلك.
(3)
قوله «أَوْ شَيْئًا يَخْشَى تَلَفَهُ»:
كالفواكه والخضروات.1
فَلَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ التَّعْرِيْفِ، أَوْ بَيْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ».
وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيْكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» (1)، وَإِنْ هَلَكَتِ الُّلقَطَةُ فِيْ حَوْلِ التَّعْرِيْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا (2).
(1) قوله «فَلَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ التَّعْرِيْفِ، أَوْ بَيْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ».
وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيْكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»: أي فهو بالخيار بين أكله أو بيعه ثم بعد ذلك يعرفه، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
(2)
قوله «وَإِنْ هَلَكَتِ الُّلقَطَةُ فِيْ حَوْلِ التَّعْرِيْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا»:
لأنها لم تدخل في ملكه بعد، فلا ضمان عليه وقد سبق الخلاف فيما إذا هلكت بعد تمام الحول هل يضمن أم لا؟ وبيان الراجح.
فَصْلٌ فِي اللَّقِيْطِ
وَاللَّقِيْطُ، هُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوْذُ (1)، وَهُوَ مَحْكُوْمٌ بِحُرَّيَتِهِ (2)، وَإِسْلامِهِ (3)، الشرح:
(1)
قوله «وَاللَّقِيْطُ، هُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوْذُ»:
انتقل المؤلف هنا إلى بيان حكم اللقيط وهو الصبي من سن الولادة إلى سن البلوغ سواء كان ذكراً أو أنثى, والمنبوذ أي المطروح في شارع أو مسجد وغير ذلك.
حكم التقاطه: التقاط الصبي اللقيط فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين لأن في التقاطه إحياء نفس فكان واجباً كإطعامه إذا اضطر.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.. ﴾ 1، وما ثبت عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ.. » 2.
(2) قوله «وَهُوَ مَحْكُوْمٌ بِحُرَّيَتِهِ»: وهذا في قول عامة أهل العلم، بل نُقل الإجماع على ذلك، وذلك لأن الأصل في الإنسان الحرية.
(3) قوله «وَإِسْلامِهِ»: هذا هو الحكم الثاني، فيحكم بإسلامه لكن هذا مقيد بالدار التي وجد فيها، فإن كان في دار إسلام فقط، أو دار إسلام ويوجد فيها أهل ذمَّة حُكِمَ بإسلامه تغليباً للإسلام أو الدار، أما إن كان في دار كفار فقد قال الفقهاء بأنه يحكم بكفره تغليباً لجانب الدار والقرينة لأن الدار للكفار وأهلها منهم.
وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ (1) وَوِلايَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَدْلاً (2) =والذي رجحه شيخنا -رحمه الله- (1) أنه مسلم يحكم بإسلامه حتى وإن وجد في دار كفر لأن انقطاع تبعيته نسباً يستلزم انقطاع تبعيته ديناً لما ثبت عن أبى هريرة -رضي الله عنه- أنه كان يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» (2). وهذا الطفل ليس له أبوان فلما انقطعت تبعيته في الأبوين من حيث النسب فلتنقطع من حيث الدين ونرجع إلى الأصل وهو الفطرة، والفطرة هي الإسلام.
(1)
قوله «وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ»:
هذا هو الحكم الثالث فما وجد قريباً منه من فراش أو ثياب أو مال ونحو ذلك مما ينتفع به فهو له لأن هذا هو الظاهر، ولأنه كالمكلف له يد صحيحة، بدليل أنه يرث ويورث، ويمنع التقاطه بدون التقاط المال الموجود عنده لما فيه من الحيلولة بين المال ومالكه.
(2)
قوله «وَوِلايَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَدْلاً»:
هذا هو الحكم الرابع من أحكام اللقيط وهو أن حضانته لا تكون لأي أحد بل تكون لمن توفر فيه شرطان الإسلام والعدل، والعدالة هي الاستقامة على الدين وذلك يكون بفعل الأوامر وترك النواهي، واستقامة المروءة بفعل ما يفعله الناس من الآداب والأخلاق الجميلة.
أما دليل ما ذكره المؤلف فهو ما رواه مالك عن ابن شهاب عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ=12
وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ (1)، وَمَا خَلَّفَهُ فَهُوَ فَيْءٌ (2)، = عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ، وَلاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ (1).
(1)
قوله «وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ»:
هذا هو الحكم الخامس من أحكام اللقيط أي تكون نفقته على بيت مال المسلمين إن لم يكن مع اللقيط شيء ولا تجب نفقته على الملتقط، فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت مال المسلمين فعلى من علم حاله من المسلمين، ودليل ما ذكره المؤلف في قصة عمر المتقدمة.
(2)
قوله «وَمَا خَلَّفَهُ فَهُوَ فَيْءٌ»:
هذا هو الحكم السادس من أحكام اللقيط، فما تركه من مال أو ديته إن قُتل فإنها فيء يكون لبيت مال المسلمين هذا إن لم يكن له وارث، أما إذا كان له وارث كأن يكون قد تزوج وله أولاد وزوجة فماله لوارثه، وقولنا إذا لم يكن له وارث وله مال أو قتل فديته وماله إلى بيت مال المسلمين.
هذا هو أحد القولين في المسألة، وهو المذهب 2.
والقول الثاني في المسألة أن ميراثه وديته إن قتل تكون لواجده، وهذا رواية في المذهب 3، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 4، وشيخنا رحمهما الله 5، وهو الصحيح.1
وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَهُ، أُلْحِقَ بِهِ (1)، =دليل ذلك ما جاء عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لاعَنَتْ عَنْهُ» (1)، ولأن هذا أولى من أن نجعله في بيت المال لأن بيت المال ينتفع به عامة المسلمين، لكن هذا ينتفع به الواجد الذي تعب عليه وربما يكون هو السبب أيضاً في تحصيل المال.
(1)
قوله «وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَهُ، أُلْحِقَ بِهِ»:
هذا هو الحكم السابع من أحكام اللقيط وهو أنه إذا ادعاه أحد فإنه يلحق به وينسب إليه لأن هذا فيه مصلحة للطفل ولا مضرة على غيره فيه، ولأن شريعة الإسلام تتشوف إلى إلحاق الأنساب وكذلك ما ثبت عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» 2.
فإن ادعته امرأة فقالت هذا ولدي ففي إلحاقه بها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يلحق بها مطلقاً سواء كانت ذات زوج أم لا، لأن الإقرار به سبب لمصلحة الطفل، وهذا هو المذهب 3.
القول الثاني: لا يلحق بها مطلقاً لأن المرأة لا ينسب إليها، فلا فائدة من إلحاقه بها.
القول الثالث: يلحق بها إلا أن تكون ذات زوج، فلا يلحق بها إلا أن يقر به الزوج، لأن في إلحاق الولد بها وهي ذات زوج إلحاقاً للنسب وذلك غير جائز ولأن في إلحاقه بها عاراً على الزوج فيلزم أن تكون زانية أو موطوءة بشبهة.1
إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا، أُلْحِقَ بِهِ نَسَبًا، لا دِيْنًا، وَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ (1)، = قلت: وهذا هو الأقرب عندي، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (1).
(1)
قوله «إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا، أُلْحِقَ بِهِ نَسَبًا، لا دِيْنًا، وَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ»:
أي إلا إذا ادعاه كافر فإنه يلحق به نسباً لأن الكافر يثبت له حق النكاح والفراش كما للمسلم، أما الدين فلا يلحق به لأن الطفل محكوم بإسلامه، وقد تقدم بيان ذلك عند قول المؤلف «وهو محكوم بحريته وإسلامه».
لكن ما هو وجه الإلحاق به نسباً وعدم الإلحاق به ديناً؟
نقول: كما ذكرنا أن الشريعة تتشوف إلي إلحاق الأنساب فكونه يلحق به نسباً فيه مصلحة للطفل، أما كونه يلحق به ديناً فهذا ليس فيه مصلحة للطفل بل فيه مضرة عليه بكفره، وقد يكون الطفل ليس بابن له ويكون أبواه مسلمين فلا يزول ذلك بدعوى كافر، فالحاصل أن الطفل يحكم له بالإسلام.
ولا يقبل قول الذَّمي في كفره ولا حق له في حضانته ولا يسلم إليه لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، فإذا جاء كافر وقال هذا اللقيط ابني قلنا له نعم هو ابنك لكنه محكوم بإسلامه ولا حضانة لك عليه.
- فائدة: لا يلحق اللقيط بمن ادعاه إذا ثبت عن طريق تحليل الدم أو عن طريق البصمات الوراثية أنه ليس ولداً له، أو ثبت طبياً أن هذا المدعي للقيط كان عقيماً لوجود الدليل القاطع على نفي ثبوته له وعكس ذلك إذا ثبت عن طريق الطب وعن طريق البصمات الوراثية إن هذا اللقيط ابن شخص ادعاه فإنه يلحق به، فيقدم هذا الشخص على من ادعاه أو ألحقه القافة به، ولو كان الملتقط له.1
بَابُ السَّبْقِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ السَّبْقِ»:
السبق بسكون الباء بلوغ الغاية قبل غيره، وبالتحريك «السبَق» ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل والنضال فمن سبق أخذه ويسمى «الجعل».
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: حكم السبق
:
السبق جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ.. » 1 أي نترامى بالسهام أو نتجارى على الأقدام، وقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.. » 2.
أما دليل السنة: فمنها ما ثبت عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يقول: «{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» 3.
وما جاء عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا سَبْقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ» 4. وجه الدلالة منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز السباق على جعل، وأيضاً ما ثبت عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «سَابَقَ بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ =
..................................
=أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِى زُرَيْقٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا» 1
ومعنى المضمرة: هي التي تربط وتعلف ويسقى كثيراً ثم يعلف قليلاً ويركض في الميدان حتى يخف.
أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على جواز السبق في الجملة لا بالجملة.
- فائدة: في أقسام السبق:
ينقسم السبق إلى ثلاثة أقسام:
الأول: سبق لا يجوز لا بعوض ولا بغير عوض.
الثاني: سبق يجوز بعوض وغيره.
الثالث: سبق يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض.
أما القسم الأول: «ما لا يجوز بعوض ولا بغير عوض»: فهو كل سبق فيه مفسدة راجحة على المنفعة، وكل مغالبة ألهت عن واجب أو دخلت في محرم.
من أمثلة ذلك النرد والشطرنج، ومن ذلك أيضاً المصارعة والملاكمة التي فيها كشف للعورات وضرب يؤدي إلى الموت، وكذلك المسابقات الفنية المحرمة كالتصوير المحرم، والتمثيل المحرم، والغناء والرقص والموسيقى، وكالمناطحة بين الثيران والشياه، وغير ذلك مما هو محرم، فهذا لا يجوز بعوض ولا بغير عوض.
..................................
أما القسم الثاني: ما يجوز بعوض وغيره: وهو ما فيه مصلحة راجحة كالرمي، والسباق بالخيل، والإبل لصريح النص الوارد في ذلك.
وهل يجوز القياس على هذه الثلاث؟
محل خلاف بين العلماء، والراجح عندي الجواز لما في ذلك من المصلحة المترتبة عليه كالمسابقات على قيادة الطائرات والدبابات والغواصات الحربية وجميع فنون القتال، وكذلك المسابقة على السيارات التي يستخدمها رجال الأمن ومكافحة المخدرات أو رجال حرس الحدود في مطاردة المجرمين، وكذلك المسابقات العلمية النافعة، كالمسابقة في حفظ القرآن والمسابقة في حفظ السنة والمتون العلمية، وكذلك المسابقة في تأليف الكتب والبحوث العلمية، وإجراء التجارب العلمية فكل هذه وغيرها فيها مصلحة راجحة فيجوز فيها السبق بعوض وغيره.
أما القسم الثالث: ما يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض: وهو ما كان مباحاً ولا يجوز أخذ الجعل عليه كالمسابقة في الرسم المباح، والصور المباحة، والسباق على عموم السيارات والدراجات، وكذا المسابقة على الفيلة والبغال والحمير ونحو ذلك مما هو مباح في أصله، ويدخل في ذلك المباح الذي يغلب عليه اللهو ولا يهدف في الغالب إلى تحقيق أمر مندوب إليه في الشرع، وإن كان قد يكون أحياناً مندوباً إليه كالمسابقة على الأقدام وحمل الأثقال والمصارعة التي لا خطورة فيها وكذلك كرة القدم والسلة واليد ونحو ذلك من أنواع الكرة، فهذه منع أهل العلم المعاصرين 1 وضع الجعل فيها.
وَتَجُوْزُ الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ جُعْلٍ فِي الأَشْيَاءِ كُلِّهَا (1)، وَلا تَجُوْزُ بِجُعْلٍ، إِلاَّ فِيْ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالرَّمْيِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا سَبْقَ إِلاَّ فِيْ نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (2) - فائدة: جميع أنواع ألعاب الكرة الأصل فيها الإباحة، وإن نوى المسلم فيها تقوية بدنه ليتقوى بذلك على طاعة الله كان ذلك عبادة يثاب عليها، لكن إن كان يترتب على لعبه كشف للعورات وضياع للواجبات فهنا يحرم، أما وضع الجعل فيها فهو محرم.
(1)
قوله «وَتَجُوْزُ الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ جُعْلٍ فِي الأَشْيَاءِ كُلِّهَا»:
أي يجوز السبق في جميع الأشياء كلها بغير جعل ويكون أكل المال في غير ما سيذكره المؤلف مما ورد النص بجوازه مما يحرم فلا يجوز أخذ الجعل عليه.
(2)
قوله «وَلا تَجُوْزُ بِجُعْلٍ، إِلاَّ فِيْ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالرَّمْيِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا سَبْقَ إِلاَّ فِيْ نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ»
فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَبِقَيْنِ، جَازَ، وَهُوَ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا (1)، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَسَبَقَ الْمُخْرِجُ (2)، أَوْ جَاءَا مَعًا، أَحْرَزَ سَبْقَهُ، وَلا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ (3)، وَإِنْ سَبَقَ الآخَرُ أَخَذَهُ (4)، (1)
قوله «فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَبِقَيْنِ، جَازَ، وَهُوَ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا»:
أي فإن كان العوض من غير المتسابقين وذلك بأن يبذله طرف ثالث فإنه يصح سواء كان من ماله أو بيت مال المسلمين ويكون العوض لمن سبق منهما.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَسَبَقَ الْمُخْرِجُ»:
أي فإن كان الجعل «العوض» بين المتسابقين وقد قام به أحد المتسابقين، فهنا لا يخلو من حالين:
الأولى: إما أن يسبق من جعل المال عوضاً.
الثانية: أو لا يسبق أحدهما الأخر ففي الحالتين يكون المال لمن تبرع به، لأنه لم يستحقه أحد بالمسابقة.
(3)
قوله «أَوْ جَاءَا مَعًا، أَحْرَزَ سَبْقَهُ، وَلا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ»:
أي وإن كان الجعل وهو العوض من أحد المتسابقين على أن من سبق أخذ الجعل فسبق من أخرج العوض أو جاء المتسابقان معاً فهنا يعود الجعل لمن أخرجه منهما وليس للآخر شيء.
(4)
قوله «وَإِنْ سَبَقَ الآخَرُ أَخَذَهُ»:
أي إن سبق المتنافس الأخر فإنه يأخذ سَبْقَ صاحبه لأنه سبقه فملك المال الذي جعله عوضاً.
وهل يعد ذلك قماراً؟
نقول لا يعد ما بذله أحد المتسابقين قماراً لانتفاء شبهة القمار فيه، وهو رأي الجمهور 1.
وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيْعًا، لَمْ يَجُزْ، إِلاَّ أَنْ يُدْخِلا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيْرُهُ بَعِيْرَيْهِمِا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمِا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ.
وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَار» 1
(1)
قوله «وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيْعًا، لَمْ يَجُزْ، إِلاَّ أَنْ يُدْخِلا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيْرُهُ بَعِيْرَيْهِمِا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمِا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ.
وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَارٌ»
(1): أي فإن أخرج المتسابقان العوض جميعاً كأن يجعل هذا ألفاً وهذا ألفاً مثلاً فإنه لا يجوز لأنه من القمار ولأن أحدهما لا يخلو من كونه غارماً أو غانماً وهذا هو عين القمار المحرم فما الحل إذاً؟ قال يدخلان بينهما محللاً وهو فرس ثالث لم يضع رهناً فيتسابق معهما وهذا ما ذهب إليه الجمهور 2، وذلك لأن بذل الجعل من كلا المتسابقين يعد قماراً كما سبق وهذا أحد القولين في هذه المسألة.
وذهب شيخ الإسلام 3، وابن القيم 4 إلى أنه يجوز بذل العوض من كلا المتسابقين ولو بدون محلل واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - عدم ثبوت الأحاديث التي تدل على اشتراط المحلل.
2 - لو كان المحلل شرطا لكان التصريح به في الحديث المتقدم يعني حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس =
فَإِنْ سَبَقَهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَيْهِمِا (1)، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ (2)، = بقمار.. » (1). 3 - أن إدخال المحلل حيلة، لأنه إن جاز أخذ العوض بلا محلل فلا حاجة إلى المحلل، وإن كان حراماً لكونه قماراً صار إدخال المحلل من أجل استحلال الحرام، والحيل ممنوعة شرعاً، وهذا هو الراجح عندي وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2). وعلى ذلك إخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه الحالة ليس قماراً محرماً، بل هو مستثنى منه لأن فيه مصلحة تربو على مفسدته، والمصلحة هي التمرن على آلات القتال، وهذه مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر، والشرع كله مصالح إما غالبة وإما متمحضة.
(1)
قوله «فَإِنْ سَبَقَهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَيْهِمِا»:
أي إن سبق المحلل المتسابقين الذين دفع كل واحد منهما مالاً كرهان بينهما فإنه يأخذ هذا المال الذي دفعاه.
(2)
قوله «وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ»:
أي إن سبق أحد المتسابقين اللذين دفعا مالاً كرهان بينهما لمن يفوز فإنه يأخذ ماله الذي دفعه مضافاً إليه سبق الأخر لأنه جعل لمن يسبق وقد وجد، وقد سبق الخلاف فيما ذكره المؤلف هنا، وقلنا بان الصحيح بأنه لا يشترط وجود المحلل مع المتسابقين اللذين دفعا مال الرهان لكن إن دخل معهما غيرهما ممن لم يدفع شيئاً صح ذلك لعدم المانع منه.12
وَلا بُدَّ مِنْ تَحْدِيْدِ الْمَسَافَةِ، وَبَيَانِ الغَايَةِ (1)، وَقَدْرِ الإِصَابَةِ (2)، وَصِفَتِهَا (3)، وَعَدَدِ الرِّشْقِ (4)، (1)
قوله «وَلا بُدَّ مِنْ تَحْدِيْدِ الْمَسَافَةِ، وَبَيَانِ الغَايَةِ»:
هذا أحد شروط السبق فلا بد من تحديد المسافة من الجري، وتحديد مدى الجري، والمراد بالمسافة بداية المسابقة، بأن يكون لابتداء عدوهما وأخره غاية لا يختلفان فيهما.
وذهب المالكية (1) إلى عدم اشتراط المساواة في المسافة في الميدان ولا في الغاية، فإذا دخلا على اختلاف في ذلك جاز.
والصواب عندي: ما ذهب إليه المؤلف، فلا بد من اشتراط تحديد المسافة والغاية لأنه لا يعلم اسبقهما إلا بذلك.
(2)
قوله «وَقَدْرِ الإِصَابَةِ»:
هذا في الرمي فلا بد من تحديد مدى الإصابة لأنها تختلف بالقرب والبعد، كما يشترط بيان عدد الإصابة كما سيذكره المؤلف بقوله «عدد الرشق».
(3)
قوله «وَصِفَتِهَا»:
صفة الإصابة كأن يقال يشترط في الإصابة أن تخرق الشيء الذي يرمى أو يشترط أن تصيبه فقط ونحو ذلك.
(4)
قوله «وَعَدَدِ الرِّشْقِ»:
أي لا بد من تعيين عدد الإصابات كأن يقول من أصاب عشر إصابات من عشرين فهو السابق أو من أصاب الغرض قبل صاحبه في العشرين رميه الأول فهو السابق ونحو ذلك.
إذاً لا بد من هذه الأمور الثلاثة في الرمي:
1 - تحديد قدر الإصابة.
2 - صفتها.
3 - عدد الرشق، لأنه لا يمكن معرفة السابق إلا بها، ولقطع التنازع بين المتسابقين فلو كان ذلك مجهولاً =1
وَإِنَّمَا تَكُوْنُ الْمُسَابَقَةُ فِي الرَّمْيِ عَلىَ الإِصَابَةِ، لا عَلَى الْبُعْدِ (1) = لأفضى إلى النزاع.
(1)
قوله «وَإِنَّمَا تَكُوْنُ الْمُسَابَقَةُ فِي الرَّمْيِ عَلىَ الإِصَابَةِ، لا عَلَى الْبُعْدِ»:
هذا أحد القولين في المسألة، والمعنى أن المسابقة بالرمي إنما تكون على الإصابة في عدد من الرشق بأن يقول العاقد الرشق عشرون والإصابة ثمان مثلاً لأن الغرض معرفة الحذق ولا يحصل إلا بمعرفة العدد، ولأن المقصود من الرمي الإصابة لا بعد المسافة ولأن المقصود من الرمي التعلم إما لقتل العدو أو جرحه أو الصيد ونحو ذلك وكل هذا إنما يحصل بالإصابة لا الإبعاد.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن تكون المسابقة على الأبعد رمياً لأنه يمتحن به قوة الساعد ويستعان به على قتال العدو عن بعد، وهذا هو الأظهر عندي.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: يشترط لصحة السبق خمسة شروط:
1 - تعيين المركوبين لأن الغرض معرفة سيرهما ومن ثم فلا يجوز إبدالهما ولا إبدال أحدهما لاختلاف الغرض.
2 - أن يكون المركوب والآلة التي يركبها من نوع واحد، فإن كانتا من جنسين كالفرس مثلاً والبعير لم يجز لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة، وذهب المالكية 1 إلى الجواز مع الجنس أو اختلافه.
3 - تحديد المسافة وتحديد مدى الرمي وقد سبق.
4 - أن يكون العوض معلوماً وذلك لأنه مال في عقد فلا بد أن يكون =
..................................
=معلوماً كسائر العقود ويكون معلوماً بالمشاهدة أو القدر أو الصفة ويجوز أيضاً أن يكون حالاً أو مؤجلاً كالعوض في البيع أو يكون بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً.
5 - الخروج عن شبة القمار، فإن كان منهما لم يجز، وإن كان من إمام أو أجنبي جاز، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة (1) فإنهم يلزمون أن يكون بين المتسابقين محلل وهو ثالث على فرس كفء.
وذهب شيخ الإسلام (2) إلى عدم اشتراط هذا الشرط، وقد سبق بيان الخلاف في هذه المسألة، وبيان أن الراجح فيها ما رجحه شيخ الإسلام -رحمه الله-.
الفائدة الثانية: حكم عقد المسابقة
:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الحنفية 3، والحنابلة 4 إلى أن عقد المسابقة جائز كعقد الجعالة، فلكل واحد من المتسابقين فسخه قبل الشروع في المسابقة.
وذهب المالكية 5 إلى أنه عقد لازم ليس لأحد المتسابقين فسخه إلا برضاهما.
وذهب الشافعية 6 وهو الأظهر عندهم إلى أن عقد المسابقة لازم لمن التزم بالعوض، أما من لم يلتزم شيئاً فجائز في حقه.
=12
..................................
=والراجح عندي ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، فهي عقد جائز لكل واحد منهما فسخه لكن يشترط في الفسخ أن لا يظهر الفضل لأحدهما، فإن ظهر الفضل لأحدهما فإنه يمتنع على صاحبه الفسخ لئلا يؤدي إلى التلاعب.
مثال ذلك: إذا كانت الإصابة تسعة من عشرة ثم إن صاحبه أخذ ثلاثة وهو أخذ خمسة فلا يجوز لصاحب الثلاثة أن يفسخ ويجوز لصاحب الخمسة أن يفسخ لأنه ظهر له الفضل، وهذا ما رجحه شيخنا -رحمه الله- (1).
- الفائدة الثالثة: حكم المسابقة في وسائل الإعلام
والمؤسسات والشركات:
كثرت في الآونة الأخيرة هذه المسابقات، وتفنن الناس في أنواعها بهدف الفائدة أحياناً وبهدف كسب الربح المادي فقط أحياناً وبهدف إيصال المعلومة إلى أكبر شريحة من المجتمع في بعض الأحيان، وعلى كل حال فهذه المسابقات يحكمها قواعد في باب المعاملات إذا سلمت منها فالأصل جوازها، فإذا خلت من الربا والغرر والميسر والقمار والظلم فالأصل جوازها، ولذا فمتى كان المتسابق سالماً أو غانماً فهي جائزة أما إن كان غانماً أو غارماً فهنا لا تجوز ومن أمثلة ذلك.
أـ المسابقات في الإذاعة والتليفزيون أو غيرها إن كان المتسابق يدفع نقوداً ليحصل على المسابقة أو ليتم الاتصال بالجهة صاحبة المسابقة فهذه لا تجوز لأنه هنا إما غانم أو غارم، فإما أن يكسب المسابقة ويكون غانماً أو لا يكسب ويكون غارماً قيمة المسابقة أو قيمة الاتصال بالجهة المعينة، لكن لو كانت المسابقة مجانية أو كان الاتصال مجاناً فالأصل الجواز.1
..................................
ب - المسابقات الصحفية: وهذه المسابقات إذا لم تشترط الصحيفة شراءها ولم تشترط نموذجاً - كوبوناً - معيناً، فالأصل الجواز ما دام فيها فائدة ثقافية أما إذا اشترطت الصحيفة شراءها أو اشترطت وضع «الكوبون» ضمن الإجابة فهنا نقول لا تجوز هذه المسابقة إلا لمن كان يشتري الصحيفة قبل المسابقة أو كانت تأتيه من دون قيمة لأنه هنا إما أن يكون غانماً أو سالماً.
ج - الجوائز في المؤسسات والمحلات والشركات، هذا النوع جائز بشروط:
1 - ألا يزيد صاحب المحل من قيمة السلعة.
2 - ألا يوقع الضرر على المحلات الأخرى المماثلة له.
3 - ألا يشترط الشراء بل يسمح لكل من يرغب في دخول المسابقة.
4 - أن لا يشتري المتسابق سلعة لا يحتاج إليها، وبهذا يعلم أن الهدايا التشجيعية عند المحلات التجارية لا حرج فيها - إن شاء الله - لأن المتسابق إما أن يكون غانماً للهدايا أو سالماً لم يخسر شيئاً.
بَابُ الْوَدِيْعَةِ
(1) وَهِيَ أَمَانَةٌ (2)، لا ضَمَانَ فِيْهَا عَلَى الْمُوْدَعِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ (3)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْوَدِيْعَةِ»:
الوديعة في اللغة: من ودْع الشيء إذا تركه عند المودع، وفي الشرع توكيل المودع من يحفظ ماله بلا عوض.
حكم الوديعة
: الوديعة جائزة، بل هي مستحبة لمن كان أميناً وعلم من نفسه القدرة على حفظها.
عقد الوديعة: عقد الوديعة عقد جائز من الجانبين يملك كل منهما فسخه، قال ابن جِزي (1) «وهي أمانة من الجهتين فلكل واحد منهما حلَّها متى شاء».
(2)
قوله «وَهِيَ أَمَانَةٌ»:
أي الوديعة أمانة عند المودع والأمانة أعم من الوديعة، لأن الأمانة تكون في معاملة الإنسان مع ربه ومع الناس ومع نفسه، والوديعة نوع من الأمانة والأخص دائماً يستلزم معنى الأعم ولا عكس، وعلى ذلك كل وديعة أمانة وليست كل أمانة وديعة.
(3)
قوله «لا ضَمَانَ فِيْهَا عَلَى الْمُوْدَعِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ»:
لأنه أمين قبض المال بإذن مالكه والقاعدة في ذلك أن الأمين لا يضمن ما تلف تحت يده إلا بتعد أو تفريط بدليل قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.. ﴾ 2، والمودع محسن فإذا كان محسناً فلا ضمان عليه لكن إن تعدى أو فرط فإنه يضمن، وللتفريط والتعدي صور كثيرة نذكر منها ما يلي: 1 - أن يودعها المودع عند غيره دون إذن المالك فيضمن بذلك.1
وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا (1)،
2 - السفر بها بدون إذن صاحبها مع أن بقاءها أضمن.
3 - ترك الإيصاء فإذا مرض المودع مرضاً مخوفاً أو حبس لقتل لزمه أن يوصي بها فإن لم يفعل ضمن.
4 - الانتفاع بالوديعة، فالانتفاع بها يوجب الضمان عليه.
5 - المخالفة في الحفظ فإن أمره بحفظها بوجه مخصوص فجعلها في دونه ضمن.
6 - التأخر في رد الوديعة بعد طلب صاحبها بدون عذر حتى تلفت فإنه يضمن (1).
(1)
قوله «وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا»:
الحرز: ما يصون الشيء ويحميه، وهو يختلف بعدة اعتبارات، فيختلف باختلاف الأموال، وباختلاف البلدان وباختلاف السلطان قوة وضعفاً وعدلاً وجوراً.
فاختلاف الأموال مثل حرز الذهب والفضة كحرز الأواني.
واختلاف البلدان مثل البلد الذي فيه جنود الأمن منتشرة ليس كالبلد مفتوح الأبواب ليس فيه أحد من قوى الأمن فهذا أولى بالتحرز.
وكذلك السلطان، فالسلطان إن كان قوياً هان الاحتراس وإن كان ضعيفاً يجب أن يشتد الاحتراس، ومعنى قوله «وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا» أي إن حفظها في مكان أقل من مستوى حفظ وصيانة هذه الأمانة فتلفت أو سرقت وجب عليه ضمانها لأنه مفرط في حفظها.1
أَوْ مِثْلِ الْحِرْزِ الَّذِيْ أُمِرَ بِإِحْرَازِهَا فِيْهِ (1)، أَوْ تَصَرَّفَ فِيْهَا لِنَفْسِهِ (2)، أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ (3)، أَوْ أَخْرَجَهَا لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ رَدَّهَا (4)، (1)
قوله «أَوْ مِثْلِ الْحِرْزِ الَّذِيْ أُمِرَ بِإِحْرَازِهَا فِيْهِ»:
أي حفظها في مكان ليس مثل الذي أمر بإحرازها فيه، كأن يأمره صاحبها بأن يضعها في صندوق حديدي بعيداً عن أعين الناس فوضعها في صندوق خشبي عادي أمام أعين الناس فإنه يضمن بذلك لأنه فرط، لأن صاحب الوديعة عيَّن مكاناً للحفظ فلا بد من الضمان عند عدم القيام بما أُمر به.
فإن عين صندوقاً فوضعها في صندوق مثله فلا ضمان عليه إلا إذا كان فيما عينه زيادة حرز، أما إذا جعلها في حرزٍ أقوى منه فلا ضمان عليه.
(2)
قوله «أَوْ تَصَرَّفَ فِيْهَا لِنَفْسِهِ»:
كأن ينفقها على نفسه أو يستخدمها فتلفت فإنه يضمن لأنه تسبب في إتلافها فلزمه ضمانها.
(3)
قوله «أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ»:
كأن تكون الوديعة بُرًّا فيخلطها بِبُرٍّ فهنا خلط الوديعة بشيء غير متميز لأن حب البُر واحد لا يختلف، فلو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن.
وما ذكره المؤلف هنا له حالات:
الأولى: أن يخلطها بغير متميز فعليه الضمان.
الثانية: أن يخلطها بتميز يصعب فيه التمييز فعليه الضمان، كما لو خلط وديعة الشعير ببر عنده فهذه يصعب عليه استخلاص الوديعة فهنا يضمن.
الثالثة: أن يخلطها بمتميز يسهل فيه التمييز فهنا ليس عليه ضمان.
(4)
قوله «أَوْ أَخْرَجَهَا لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ رَدَّهَا»:
كأن تكون الوديعة دراهم ثم استقرضها فإنه يضمن لأنه ليس له الحق في أن يستقرضها أو يتصرف فيها بأي شيء.
أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيْسِهَا (1)، أَوْ جَحَدَهَا (2)، أَوِ امْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا عِنْدَ طَلَبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، ضَمِنَهَا (3)، وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِيْ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا، أَوْ رَدَّهَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (4)، (1)
قوله «أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيْسِهَا»:
وهذا فيما مضى فإنهم كانوا إذا وضعوا المال في كيس ربطوا أعلاه ثم صبوا على رأس الخيط شمعاً مذاباً ثم ختموا عليه بخاتم، لئلا يجترئ أحد على فكه، فإذا قام المودع عنده بكسر ختم الكيس فإنه يضمن، ومثله أيضاً إذا كسر القفل الذي على الصندوق الذي فيه الوديعة ثم تلفت فإنه يضمن لأنه بذلك قد خان الأمانة فأصبحت يده خائنة لا أمينة واليد الخائنة يلزمها الضمان.
(2)
قوله «أَوْ جَحَدَهَا»:
أي إن جحد المودع الوديعة ثم أقر بها صار خائناً فيضمن بذلك لخروجه بهذا الجحود عن كونه أميناً إلى كونه غاصباً، فإن تلفت عنده صار ضامناً وكذلك إن كان ما ادعاه من الرد أو التلف بعد جحوده كما لو ادعى بالوديعة يوم الجمعة فجحدها ثم أقر بها يوم الأحد ثم ادعى ردها أو تلفت بغير تفريط يوم السبت، وأقام بذلك بينة قبلت بينته لأن جحوده لا يكذبها، إذ يمكن أن يحدث الوديعة آخر نهار الجمعة بعد إنكاره، وإنما لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه بإنكاره لها صار غير أمين فلم يقبل قوله.
(3)
قوله «أَوِ امْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا عِنْدَ طَلَبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، ضَمِنَهَا»:
أي إذا طلب صاحب الوديعة «الوديعة» من صاحبها المودع عنده ثم رفض ردها إليه مع إمكانه حين طلبها ردها إليه فإنه يضمنها عند تلفها لأنه معتدٍ بذلك، وقد سبق بيان صور التعد في أول باب الوديعة.
(4)
قوله «وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِيْ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا، أَوْ رَدَّهَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ»:
و
صورة هذه المسألة
أن يقول صاحب الوديعة «لي وديعة عندك»، فقال =
وَإِنْ قَالَ: مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ، ثُمَّ ادَّعَى رَدَّهَا، أَوْ تَلَفَهَا، قُبِلَ مِنْهُ (1)
=المستودع «ما أودعتني شيئاً»، ثم ثبتت الوديعة عنده ببينة أو إقرار، ثم ادعى أنه ردها على صاحبها أو ادعى بأن الوديعة تلفت فهنا لم تقبل دعواه.
وهل لا تقبل دعواه مطلقاً أم تقبل مع البينة؟ قولان:
الأول: ما ذهب إليه المؤلف هنا أنها لا تقبل دعواه مطلقاً.
الثاني: في المسألة أن دعواه تقبل بالبينة، وهذه رواية عن الإمام أحمد (1).
وهذا هو الأظهر عندي أنه إن جاء ببينة تثبت دعواه على تلف الوديعة أو ردها على صاحبها تقبل دعواه لأنهم قوم عدول شهدوا بردها إلى صاحبها.
(1)
قوله «وَإِنْ قَالَ: مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ، ثُمَّ ادَّعَى رَدَّهَا، أَوْ تَلَفَهَا، قُبِلَ مِنْهُ»:
هذا بخلاف الذي قبله والفرق بينهما أن العبارة الأولى وهي قوله «مَا أَوْدَعْتَنِيْ» فيها إنكار أصل الإيداع.
أما قوله «مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ» فإنه لم ينكر أصل الإيداع وإنما نفى أن يكون عنده له شيء، فإن ادعى تلفها أو ردها قبل قوله بيمينه في الرد والتلف لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «.. وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» 2، ولا ضمان عليه لأن دعواه التلف أو الرد لا ينافي جوابه في قوله «مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ» لجواز أن يكون أودعه ثم تلف بغير تفريط أو ردها.
ومن تلفت عنده الوديعة بلا تفريط فلا شيء لمالكها عنده ولا يستحق عليه شيئاً.1
..................................
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوديعة
:
-
الفائدة الأولى: لو شرط الضمان على المودع فهل يضمن؟ قولان لأهل العلم أصحهما أنه لا يضمن إذا لم يتعد أو يفرط.
الفائدة الثانية: يعتبر للوديعة ما يعتبر للوكالة
: من كون المتعاقدين جائزي التصرف رشيدين.
الفائدة الثالثة: في أنواع الوديعة
:
1 - استئجار خزائن حديدية لوضع الوديعة فيها.
2 - وديعة تحت الطلب.
3 - وديعة ادخارية.
4 - وديعة استثمارية.
5 - وديعة وثائق ومستندات.
وسيأتي بيان هذه الأنواع وغيرها قريباً إن شاء الله.
الفائدة الرابعة: أركان الوديعة
: «مودِع، ومُودَع إليه، ومُودَع - وهو المال -».
الفائدة الخامسة: الأموال التي عند البنوك هل هي وديعة
؟ الجواب: الصواب أنها قروض، ويترتب على ذلك مسألة التلف والزيادة وغيرها، فإذا تلفت في البنك صار ضامناً بخلاف لو قلنا بأنه وديعة، وكذلك الزيادة يكون قرضاً جر نفعاً فهو ربا.
الفائدة السادسة: من ادعى سرقة الوديعة دون ماله
فعليه ضمانها.
الفائدة السابعة: من مات وعنده وديعة
لغيره ففقدت فهي دين تقضى من تركته.
- الفائدة الثامنة: إذا حدث للمودع إليه سفر أ
و خوف فعليه أن يرد الوديعة لصاحبها أو وكيله، فإن لم يفعل وتلفت فإنه يضمنها.
..................................
الفائدة التاسعة: إذا أودعها - المودع - عند القاضي أو أجنبي فتلفت فإنه يضمن، وهل يطالبهما بذلك؟
الصواب: أنهما إن لم يفرطا فلا يضمنان، لكنه هو يضمن لأنه لم يؤذن له في الإيداع عند غيره.
الفائدة العاشرة: الودائع المصرفية:
تتنوع الودائع المصرفية من حيث موعد استردادها إلى نوعين:
أولاً: الوديعة الحالة: وتسمى الودائع الجارية أو المتحركة أو الحسابات الجارية كما تسمى الودائع تحت الطلب، وهي المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بحيث تُرَّد بمجرد الطلب دون توقف أو أخطار سابق، وذلك عن طريق الشيكات أو أوامر التحويل المصرفي أو بطاقات الصرف الآلي ونحو ذلك.
حكم هذا النوع من الودائع؟
هذا النوع يعد قرضاً بالمنظور الفقهي حيث إن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم شرعاً بردها عند الطلب، وعليه فإن أرصدة ودائع الحساب الجاري تنتقل إلى المصرف فيجوز له التصرف فيها وقد صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم (86) (3/ 9) وجاء فيه:
«أولاً: الودائع تحت الطلب «الحسابات الجارية» سواء أكانت لدى البنك الإسلامي أو البنوك الربوية هي قرض بالمنظور الفقهي حيث أن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم بالرد عند الطلب.
..................................
ثانياً: الودائع الآجلة: وتسمى الودائع الثابتة وغير الجارية، وهي الودائع التي لا يلتزم المصرف بردها إلا عند أجل معين حسب الشروط المتفق عليها، ولا يحق للمودع طلب استردادها قبل هذا الأجل، وعرفت بأنها عبارة عن المبالغ التي يودعها أصحابها في البنك بقصد الحصول على دخل فيما يتقاضونه من الفوائد وهذا النوع من الودائع ينقسم إلى أقسام منها:
أـ الودائع لأجل ثابت معين وهي عبارة عن المبالغ التي يضعها صاحبها في البنك بناء على اتفاق بينهما بعدم سحب المودع لها شيئاً منها إلا بعد مضي فترة معينة من الزمن مقابل فائدة ثابتة.
ب - الودائع بشرط الإخطار: وهي الودائع التي يمكن لصاحبها أن يسحبها ولكن بعد أن يعطي إشعاراً بذلك إلى البنك يحدد له مهله معينة لسحبها ابتداء من تاريخ الإخطار لقاء نسبة معينة من المال المودع.
ج - ودائع التوفير ولها صور متعددة:
1 - أن يقوم صاحب هذا النوع بإيداع مبالغ متفرقة بين الحين والآخر، بحيث إنه إذا أودع مبلغاً استحق فائدة عليه من حين الإيداع.
2 - ودائع الادخار، وهي عبارة عن مبالغ تودع لدى البنك ويكون لهم حق السحب منها في فترات محددة كمرة في الأسبوع مثلاً لقاء فائدة معينة وقد تحدد بعض البنوك حداً أعلى للسحب في كل مدة كنسبة مئوية أو مبلغ ثابت.
3 - ما يودعه الموفر في البنك من مبالغ ينشئون بها حساباً في دفتر خاص توضح به إيداعات ومسحوبات صاحبه مقابل نسبة فائدة ثابتة وتوجد حدود للسحب اليومي من الرصيد في هذا الدفتر، ولا يمكن لصاحبه سحب كامل=
..................................
=رصيده دفعة واحدة».
حكم الودائع المؤجلة: الودائع المؤجلة بجميع أنواعها التي تم ذكرها يعطي البنك عليها فائدة ثابتة على المبالغ المودعة، وحيث إن تلك المبالغ المودعة تعتبر من القروض ولا يجوز شرعاً إعطاء الفائدة على القروض وقد صدر بتحريم ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة في دورته التاسعة سنة 1406 هـ، كما صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة رقم (86) (3/ 9) وقد جاء فيه:
«ثانياً: إن الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين حسب واقع التعامل المصرفي.
أـ الودائع التي تدفع لها فوائد كما هي الحال في البنوك هي قروض ربوية محرمة سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب «الحسابات الجارية» أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار أم حسابات التوفير.
وبناء عليه فإنه ينبغي إيجاد بدائل عن تلك الودائع الممنوع أخذ فوائد عليها، ومن ذلك أن تكون تلك الودائع بغرض الاستثمار في أشياء مشروعة بحيث تكون رأس مال مضاربة تستثمر باتفاق بين البنك والمودع بحصة من الربح للمودع وبذلك تخرج عن أحكام القرض إلى أحكام المضاربة».
- الفائدة الحادية عشر: وديعة الوثائق والمستندات: تعريفها: هي ودائع يتم من خلالها تسليم المودع الوثائق إلى البنك لحفظها بأعيانها ويعطي صاحبها إيصالاً بها ويقوم البنك بردها عند طلبها أو نهاية الأجل المحدد وذلك مقابل أجرة يتفقان عليها، وحكم هذا النوع من الودائع الجواز لأنه يعتبر عقد إجارة على حفظ ودائع بأجرة معلومة للطرفين.
.................................. -
الفائدة الثانية عشر: عقد التأمين
:
عقد التأمين من العقود الحادثة التي لم تكن موجودة في عصور الفقه الإسلامي السابقة ولذلك تعددت آراء الباحثين فيه.
تعريفه: التأمين نوعان: تعاوني وتجاري ولكل منهما تعريفه.
1 - التأمين التعاوني: «التبادلي» ويتم عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر تعاوناً منهم على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث.
2 - التأمين التجاري: وهو عقد يلزم فيه أحد الطرفين وهو المؤمن أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو المؤمن له عوضاً مادياً يتفق عليه يدفع عند وقوع الخطر وتحقق الخسارة المبنية في العقد، وذلك نظير رسم يسمى «قسط التأمين» يدفعه المؤمن له حسب ما ينص عليه عقد التأمين.
حكم التأمين:
أولاً: حكم التأمين التعاوني: يجوز التأمين التعاوني «التبادلي» لأنه يقصد به التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث، وهو يتماشى مع الأصول والقواعد الشرعية ولا يخالفها وهو مبني على التبرع والتكافل.
وقد قال بجواز هذا النوع هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وكذلك مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، وقالوا إن هذا النوع من التأمين من عقود التبرع وخلوه من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسأ، كما أنه لا يضر جهل=
وَالْعَارِيَةُ مَضْمُوْنُةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيْهَا المُسْتَعِيْرُ (1)،
=المساهمين لأنهم متبرعون فلا مخاطر ولا غرر ولا مقامرة.
ثانياً: حكم التأمين التجاري: اتفق أكثر الباحثين على عدم جواز هذا النوع من التأمين، وهذا ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعللوا القول بحرمته بأنه عقد من عقود المعاوضات المالية المشتملة على الغرر الفاحش، وأنه ضرب من ضروب المقامرة وأنه من الرهان المحرم.
(1)
قوله «وَالْعَارِيَةُ مَضْمُوْنُةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيْهَا المُسْتَعِيْرُ»: ما ذكره المؤلف هنا هو باب العارية، وقد اختصره المؤلف اختصاراً شديداً وجعل له مسألة واحدة وهي ضمان المستعير للعارية سواء حدث تفريط منه وتعد أم لا، وقد اختلف الفقهاء في ضمان العارية على المستعير على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف أن العارية مضمونة، وهذا هو قول ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء، وهو قول الشافعية 1، وهو قول الإمام مالك 2، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد 3، بل ذكر ابن حجر 4 أن هذا هو قول الجمهور، واستدل لذلك بأدلة منها، ما ثبت عَنْ سَمُرَة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» 5، وجه الدلالة من الحديث أن اليد مطالبة برد ما أخذته ولا يتم ذلك إلا بالضمان.