وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 205-244

..................................  =وذهب المالكية (1)، وهو رواية في مذهب أحمد (2) إلى جواز البيع على النفس لكن بشرطين: 1 - أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء.
2 - أن يتولى النداء غيره.
والأظهر عندي ما ذهب إليه الجمهور.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: هل له أن يبيع على ولده أو والده ومن لا تقبل شهادته له؟ على روايتين في المذهب (3): الرواية الأولى: وهي المذهب أنه لا يجوز لحصول التهمة بذلك ولما قد يحصل فيه من المحاباة.

  • الرواية الثانية: جواز ذلك إلا إذا ظهرت المحاباة لأنه وكله في البيع ولم يقل له لا تبع على هؤلاء، فاللفظ يشمل هؤلاء وهؤلاء، والأحوط عندي أن لا يبيع عليهم لحصول التهمة ولما يحصل فيه من المحاباة.

  • الفائدة الثانية: قال بعض العلماء إذا كان البيع في المزايدة وانتهى الثمن على ولده أو نفسه فإن البيع يصح لأنه ليس فيه تهمة، والأحوط عندي أن لا يبيع على نفسه حتى وإن كان في المزاد العلني.

  • الفائدة

الثالثة: إذا حدد الموكل الثمن للوكيل

وقال بعها بكذا فاشتراها الوكيل لنفسه بالسعر الذي حدده الموكل جاز هذا البيع اللهم إلا إذا كان الموكل لا يعلم سعر السلعة التي حددها وسعرها أكثر مما حددها به والوكيل يعلم ذلك فهذا لا يجوز لما فيه من الغش.123

وَلا الْبَيْعُ لَهَا، إِلاَّ بِإِذْنٍ (1)، وَإِنِ اشْتَرَى لإِنْسَانٍ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيْهِ، فَأَجَازَهُ، جَازَ، وَإِلاَّ لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ (2)  (1)

قوله «وَلا الْبَيْعُ لَهَا، إِلاَّ بِإِذْنٍ»:

الضمير يعود على الوكيل، أي كما أنه لا يشتري لنفسه لا يجوز أن يبيع لنفسه لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره فحملت الوكالة عليه.
(2)

قوله «وَإِنِ اشْتَرَى لإِنْسَانٍ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيْهِ، فَأَجَازَهُ، جَازَ، وَإِلاَّ لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ»:

سبق أن بينا حكم بيع الفضولي، وكذلك الحكم هنا قريباً منه وهو أن يشتري الإنسان ما لم يأذن له فيه، اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه إذا اشترى الوكيل شيئاً لم يأذن له فيه الموكل.
فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفاً على إجازة الموكل فإن أجازه صح ولزم الموكل.
وإن لم يجزه لزم الوكيل لأن الشراء صدر منه ولا يلزم الموكل لأنه لم يأذن له في شرائه، وهذا ما ذكره المؤلف، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 1. القول الثاني: أن الشراء له باطل، لأن الموكل لم يرض بخروج نقوده من ملكه على غير الوجه الذي يرتضيه، والبدل الذي وقع عوضاً له خلاف مطلوبه، وهذا قول الشافعية 2، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة 3 إذا كان التزم بعين مال الموكل.
القول الثالث: أن الشراء صحيح ويكون للوكيل لا للموكل وهذا قول =

وَالْوَكِيْلُ أَمِيْنٌ (1)،  =الحنفية (1)، والمالكية (2)، ورواية في مذهب الإمام أحمد (3)، وذلك لأن العقد يعتمد على صحة عبارة العاقد لكونه أهلاً لذلك، فإذا فسدت الإنابة بقي العقد على أصله وهو الصحة.
والأظهر عندي هو القول الأول، وأن حكمه في ذلك حكم تصرف الفضولي في البيع، فالأمر راجع إلى الموكل فهو بالخيار بين الإمساك والرد على الوكيل.

(1)

قوله «وَالْوَكِيْلُ أَمِيْنٌ»:

أي الوكيل مؤتمن على مال الموكل لأن المال حصل بيده بإذن مالكه.
لكن ما هو الضابط في حد المؤتمن؟

نقول الضابط كل من كان المال بيده بإذن من الشرع أو إذن من المالك، كولي اليتيم وناظر الوقف والموصي إليه والمستأجر الذي تحت يده العين المؤجرة والوكيل الذي حصلت بيده الوكالة بإذن من الموكل.
ومتى ترفع الأمانة؟ ترفع إذا فرط أو تعدى وصارت يده غير أمينة، و

ماذا يترتب على كون الوكيل أمين

اً؟ يترتب على كون الوكيل أميناً أن القول يكون قوله في دفع الضمان عن نفسه - كما سيأتي إن شاء الله -، بمعنى أنه لو ادعى الموكل عليه التعدي أو التفريط، فأنكر الوكيل ذلك، كان القول قوله مع يمينه في دفع الضمان عن نفسه، لأن مبنى الوكالة على التسامح والتيسير والإرفاق بالناس، فيقبل فيها قول الأمين مع يمينه في دفع الضمان عن نفسه، وإلا امتنع الناس عن الدخول في الأمانات وفي ذلك من الضرر ما فيه.123

لا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْمَا يَتْلَفُ، إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ (1)، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيْ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ وَنَفْيِ التَّعَدِّيْ (2)  (1)

قوله «لا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْمَا يَتْلَفُ، إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ»:

ما ذكره المؤلف هنا بيان للحكم الذي يترتب على كونه أميناً، فإنه إذا كان أميناً وتلف المال بيده بلا تعد منه فإنه لا ضمان عليه فيما أتلفه لأنه أثناء قيامه بتنفيذ الوكالة مقيد بما يقضي به الشرع من عدم الإضرار بالموكل لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (1)، ومقيد بما يأمره به الموكل، كما أنه مقيد بما يقضي به العرف إذا كانت مطلقة عن القيود، فإذا تعدى الوكيل فيما تحت يده من مال لموكله أو فرط في المحافظة عليه كان ضامناً لما أتلفه، فلو حمل على الدابة فوق طاقتها أو ضيع المال الذي تحت يده ولا يعرف كيف ضاع أو وضعه في محل فنسيه كان ضامناً لمال موكله، ولكن ما كيفية الضمان؟ نقول: كيفية الضمان تكون كالأتي: إذا كان المال مثلياً كان الوكيل ضامناً لمثله، وإن كان قيمياً ضمن قيمته، وكذلك إذا كان مثلياً وتعذر الحصول على المثل فإنه يضمن، وتعتبر القيمة التي يضمنها الوكيل بقيمة الشيء يوم التعدي والتلف أو الهلاك لا من أي وقت آخر فلا غرر فيما زاد أو نقص فيها عن هذا الوقت، وقد سبق بيان ذلك في باب الضمان.

(2)

قوله «وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيْ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ وَنَفْيِ التَّعَدِّيْ»:

أي القول قول الوكيل في نفي التفريط والتعدي والهلاك مع يمينه وذلك لأن الأصل عدم التفريط ولأن الموكل قد ائتمنه على ذلك.1

وَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ضَمِنَ (1)، إِلاَّ أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ (2)،  - فائدة: هل يقبل قول الموكل في طلب التفصيل بمعنى أن يقول الموكل بأي شيء تلفت؟ وكيف تلف؟ ومتى تلف؟ نقول لا يُلزم بالتفصيل لكن لو ادعاه بسبب ظاهر فقال الدكان قد احترق أو انهدم ونحو ذلك فلا بد من بينة.

(1)

قوله «وَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ضَمِنَ»:

أي إذا قضى ديناً عن الموكل وقد وكله بقضائه عنه ولم يكن مع الوكيل ما يثبت سداده عنه وأنكر الغريم «صاحب الدين» السداد ضمن الوكيل ذلك لأنه مفرط حيث لم يُشهد والمفرط ضامن، فللموكل الرجوع على الوكيل، لأنه أذن له في قضاءً يبرئه، وهذا هو المذهب عند الإمام أحمد (1)، ومذهب الشافعي (2). وذهب الإمام أبو حنيفة (3)، وهو وجه لأصحاب الشافعي، ورواية في مذهب أحمد أنه لا يرجع عليه بشيء لأنه لم يطلب إلا أن يكون أمره بالإشهاد فلم يفعل، وعليه فإن صدقه الموكل في الدفع لم يرجع عليه بشيء، وإن كذبه فالقول قول الوكيل بيمينه لأن الوكيل ادعى فعل ما أمره به موكله، فكان القول قوله كما لو أمره ببيع سيارته فادعى أنه باعها، وهذا هو الأظهر عندي.

(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ»:

أي إن قضى الدين بحضرة الموكل فإنه لا يضمن، لأن حضور الموكل مترتب على رضاه بقضاء الدين بغير بينة، وقد سبق الخلاف فيما إذا قضاه عنه بدون حضوره وبغير بينة.123

وَيَجُوْزُ التَّوْكِيْلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِهِ (1)، وَلَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ، فَلَكَ، صَحَّ (2).  (1)

قوله «وَيَجُوْزُ التَّوْكِيْلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِهِ»:

هذا بالاتفاق بين الفقهاء، فالوكالة يجوز فيها الأمران: أن تكون بجعل أو بدون جعل، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمران، فقد وكل أنيساً في إقامة الحد، وعروة بن الجعد في شراء شاة، وعمرو بن أمية الضمري وأبا رافع في قبول النكاح، كل هؤلاء وكلهم بلا جعل، أما ما كان بجعل فقد كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم جعلاً، ولهذا قال له ابنا عمه - صلى الله عليه وسلم - «قَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ فَجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّىَ إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّى النَّاسُ وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ» (1) يعنيان العمالة على الأجرة، فمتى اتفق الوكيل والموكل على الجعل وغيره وجب ذلك اتفاقاً، أما إذا لم يتفقا على الجعل واختلفا في ذلك؟ نقول: إذا لم يتفق الطرفان على الجعل فإن الوكيل لا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون ممن لا يعمل بالجعل فتكون الوكالة هنا تبرعاً لأن الأصل فيها ذلك، فإذا لم يشترط الأجرة حمل على الأصل.
الحالة الثانية: أن يكون الوكيل من أصحاب المهن الذين يعملون بالجعل كالسمسار والدلال ونحوه فهنا يستحق الوكيل الجعل ولو لم يتفقا عليه وقت التعاقد ويكون له جعل المثل.

(2)

قوله «وَلَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ، فَلَكَ، صَحَّ»:

وله الزيادة لكن هل يلزم أن يخبر الموكل بثمن البيع؟ نقول لا يلزم.1

..................................  وهل يلزم أن يخبر المشتري بسعرها الذي حدده الموكل؟ قولان؛ قيل يلزم، وقيل لا يلزم.
وهو الصحيح إلا إذا رفع السعر عن حده لأن فيه غبناً.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: شروط استحقاق الجعل في الوكالة

: إذا كانت الوكالة بجعل فقد اشترط الفقهاء للاستحقاق بجعل شروطاً هي: 1 - أن يكون العمل الموكل به معلوماً علماً يمكن معه إنفاذ الوكالة.
2 - أن يكون الجعل معلوم المقدار.
3 - أن لا يكون الجعل من الموكل به ولو كانت كذلك فسدت التسمية واستحق الوكيل أجر المثل، وهذا الشرط عند بعض الفقهاء.
والصحيح: أنه لا يشترط ذلك كما سبق، فلو جعل له جعلاً في قيمة شيء يبيعه لصح.
4 - أن يقوم الوكيل بتنفيذ الوكالة تنفيذاً صحيحاً.

- الفائدة الثانية: إذا عُزِل الوكيل هل بمجرد العزل تنتهي الوكالة؟

مثل أن يبلغ الموكَل أن وكيله يتصرف في ماله كثيراً فقال أمام الشهود أن قد عزلته، ثم تصرف بعد عزله بدون علمه أنه عزله فهل يضمن ما تصرف فيه؟ نقول قولان: الصواب: أنه لا يضمن إلا بعد علمه بعزله.

  • الفائدة الثالثة: الوكيل في الخصومة ليس وكيلاً بالقبض لأنه قد يكون أهلاً للخصومة وليس أهلاً للقبض، وكذا الوكيل في القبض ليس وكيلاً في=

..................................  =الخصومة بل لو ذهب وكيل القبض إلى من عنده الحق ثم أنكر فهنا يرجع الوكيل للموكل ويخبره ويطلب توكيله في الخصومة.

الفائدة الرابعة: الوكالة نوعان

: وكالة خاصة ووكالة عامة.

الوكالة الخاصة

: هو ما كان إيجاب الموكل فيها خاصاً بتصرف معين، كأن يوكل إنساناً في بيع سلعة معينة، وفي هذه الحالة لا يكون للوكيل التصرف إلا فيما وكل به.

الوكالة العامة

: كأن يقول الموكل للوكيل أنت وكيلي في كل شيء أو في القليل والكثير، وهذه محل خلاف بين الفقهاء: وقد ذهب الحنفية 1، والمالكية 2 إلى صحة الوكالة العامة ولهم تفصيلات في ذلك.
وذهب الشافعية 3، والحنابلة 4 إلى عدم صحة التوكيل العام لأنه يشترط أن يكون الموكل فيه معلوماً من بعض الوجوه حيث يقل معه الغرر ويحصل معه الخطر.

بَابُ الشَّرِكَةِ

(1)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الشَّرِكَةِ»:

الشركة في اللغة: مصدر شركتك في الأمر أشركتك شركاً، وشِرْكة، وشَرِكة، أي صرت شريكاً لك في المال.
أما في الاصطلاح: فهي الاجتماع في استحقاق أو تصرف، فالاستحقاق يعني أن يشترك شخصان في ملك شيء ملكاه، إما بشراء أو إرث أو هبة أو وصية.
أما التصرف: فالمراد به الاجتماع في التصرف بأن يجتمع اثنان في ماليهما بالتصرف فيهما، فيكون لكل واحد منهما التصرف بالشركة بالبيع والشراء ونحوهما، وهذا النوع هو المراد في هذا الباب.

أما

حكمها الشرعي

: فقد جاء بها الكتاب، والسنة، وانعقد الإجماع على جوازها.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.. ﴾ 1 أي الشركاء، وقال تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ 2 أي أجعله شريكاً لي في شأني وهو الرسالة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 3، هذا اجتماع في استحقاق، وتسمى شركة أملاك كما سبق.
أما دلالة السنة على جوازها: فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها حديث=

..................................  =السائب بن السَّائِبِ «قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كُنْتَ شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكُنْتَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا تُدَارِينِي وَلَا تُمَارِينِي» (1). أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على مشروعيتها، قال ابن قدامة (2) في المغني أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة وإنما اختلفوا في أنواع منها.
الحكمة من مشروعية الشركة: الحاجة داعية إليها لما فيها من التعاون والألفة والنصح، وكثرة العمل المثمر، وغير ذلك، لأن من الناس من يملك المال الكثير لكن ليس عنده المهارة الكافية لممارسة التجارة، فهو محتاج إلى من يقوم بذلك، كما يوجد من لا يملك المال وعنده المهارات والخبرات والشيء الكثير، فباجتماع هؤلاء وهؤلاء يستفيد المجتمع كله وتسعد الأمة في بناء اقتصادها بناءً سليماً.

  • فائدة:

حكم عقد الشركة

: يرى عامة الفقهاء أن عقد الشركة من العقود الجائزة غير اللازمة بمعنى أن لكل من الشركاء فسخه متى شاء ولو بدون رضا الآخر وذلك لتضمن عقد الشركة توكيل كل شريك لصاحبه والوكالة عقد غير لازم.
ويرى الحنفية 3 أنه لا بد من علم الشريك الآخر بالفسخ، فإن لم يعلم به فلا تنفسخ الشركة حتى يعلم لأن في الفسخ من دون علم شريكه بذلك إضراراً به والضرر ممنوع.12

وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ (1):  - فائدة: في أركان وشروط الشركة: أركان الشركة أربعة وهي: الصيغة - العاقدان - المعقود عليه «محل العقد».

أولاً:

الركن الأول: الصيغة

: وهو التعبير الصادر من كل من المتعاقدين الدال على إرادة إنشائه، وتتكون من الإيجاب والقبول وتنعقد بكل ما دل عليه مقصودها من قول أو فعل.
الركن الثاني والثالث: العاقدان: وهما طرفا العقد اللذان لا يتم انعقاده إلا بهما، ولابد أن يكون كل من العاقدين ممن تتوفر فيه الأهلية المباشرة للعقد ولا يكون ذلك إلا بأوصاف أربعة كما سبق «البلوغ - الرشد - العقل - كونه غير محجور عليه».

الركن الرابع: المعقود عليه

: ويقصد به رأس مال الشركة، وقد يكون مالاً وقد يكون عملاً، ولا بد من أن يكون رأس مال الشركة موجوداً، فلا يجوز أن يكون ديناً ولا مالاً غائباً، لأنه لا يمكن التصرف فيه لتحصيل مقصود الربح حيث لا يؤمن أداء الدين وحضور المال الغائب عند الحاجة إليه، أما شروط الشركة بمعناها العام فهي: 1 - أن يكون كل من العاقدين جائز التصرف.
2 - أن يكون المالان معلومين للشريكين.
3 - حضور المال، فلا تصح الشركة بمال غائب.
4 - اشتراط جزء معلوم من الربح لكل منهما.

(1)

قوله «وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ»:

يعني شركة العقود على أربعة أضرب وسيذكرها المؤلف.

شَرِكَةُ الْعِنَانِ (1)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا بِمَالَيْهِمَا وَبَدَنَيْهِمَا (2)  (1)

قوله «شَرِكَةُ الْعِنَانِ»:

هذا هو النوع الأول من أنواع الشركات وهي ما تسمى بشركة العنان، والعنان بكسر العين وضمها «العُنان» وهي من إضافة الشيء إلى نوعه لأن الشركات أجناس وأفرادها أنواع، والعنان قيل: أنها مشتقة من أعنة الخيل، فالشريكان كالمتسابقين كل منهما قد أمسك بعنان فرسه.
وقيل: من «عنَّ له» إذا طرأ عليه كأن كل منهما طرأ عليه أن يشارك الأخر، وقيل: مشتقة من العُنان من عنَّ يَعِنُّ إذا ظهر أمامك وذلك لظهور مال كل من الشريكين لصاحبه أو لأنها أظهر أنواع الشركة.
أما تعريفها في الاصطلاح: فقد اختلف الفقهاء في تعريفها، لكن أولى التعريفات لها أنها: عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم بدفع حصة معينة في رأس مال يتجرون به ويقتسمون ما ينتج عنه من أرباح.

(2)

قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا بِمَالَيْهِمَا وَبَدَنَيْهِمَا»:

هذا هو تعريفها، وهي أن يشترك شخصان أو أكثر «بِمَالَيْهِمَا»، أي المعلوم بان يدفع كل منهما حصة معينة في رأس المال ولو كان متفاوتاً، كأن يدفع أحدهما عشرة آلاف والأخر خمسة آلاف «بَدَنَيْهِمَا»، أي بأن يعملا في هذا المال ببدنيهما أو يعمل فيه أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح صاحبه.
وحكم هذه الشركة: الجواز باتفاق الفقهاء، دليلها ما ثبت عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» 1، وما ورد عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ=

..................................  =أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بشيء» 1.

  • فائدة: شروط شركة العنان: 1 - أن يكون رأس المال من النقد دون العروض، وهذا اشترطه صاحب العدة في شرح العمدة، وهو شرط في المذهب، أي يشترط أن يكون رأس المال من النقدين «الذهب والفضة» المضروبين «وهو الذي جعل سكة ونقداً»، وهناك قول آخر في هذا الشرط أنه يصح أن يكون رأس المال من عروض التجارة، لكن يقوَّم عند عقد الشركة بنقد حتى إذا حصل فسخ رجعنا إلى القيمة ويقسم الربح حسب الشرط، وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 2. 2 - أن يكون لكل واحد منهما جزء من الربح، وأن يكون مشاعاً معلوماً، ومعنى كونه مشاعاً أي مشتركاً، فيكون المضارب والمضارب له شريكين في كل حبة، فلو لم يذكر الربح أو شرطاً لأحدهما جزءًا مجهولاً أو دراهم معلومة كأن يقول لك من الربح عشرة آلاف والباقي لي وشرط له ربح شيء يضارب به كأن يقول ربح هذه السيارات لي وربح الأطعمة هذه لك فهذا كله لا يصح لأن الشركة مبنية على أصل وهو اشتراك الشريكين في المغنم والمغرم.
    3 - أن يكون المال معلوماً للشريكين، فلا يجوز أن يكون مجهولاً لأنه لا بد أن نرجع عند فسخ الشركة إلى المال، فكل شخص يريد ماله ولا يمكن الرجوع إلى المال إلا بمعلوميته عند عقد الشركة.

وَشَرِكَةُ الْوُجُوْهِ (1)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَشْتَرِيَانِ بِجَاهِهِمَا (2)،  4 - أن يكون العاقدان جائزي التصرف وقد سبق بيان ذلك.
(1) قوله «وَشَرِكَةُ الْوُجُوْهِ»: هذا هو النوع الثاني أو الضرب الثاني من أضرب الشركة في العقود، والمراد بالوجه هنا الجاه، وجاه الإنسان يعني شرفه وقيمته عند الناس ومنزلته بينهم، وتكييفها الفقهي هنا أنها تقوم على الاشتراك والتعامل في البيع والشراء نتيجة لما يتمتع به الشركاء من الوجاهة والثقة عند التجار دون أن يكون هناك رأس مال للشركة، فهي تقوم على شراء شيء نسيئة وبيعه نقداً، وقد اختلف الفقهاء في جوازها.
والراجح جوازها لأنها تقوم على البيع والشراء وهو عمل وذلك إلى جانب الوجاهة، كما أنه ليس فيها غرر، وجهالة الكسب لا يمنع الصحة لأن الكسب في كل أنواع الشركات مجهول ولم يمنع صحتها لأن العبرة إنما هي بمعرفة مقدار النصيب من الربح، وما زال الناس يتعاملون بهذا النوع من الشركات، وفي التعامل بهذا النوع من الشركات مصالح كثيرة للفرد والجماعة والإسلام يحرص على مراعاة المصالح.

(2)

قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَشْتَرِيَانِ بِجَاهِهِمَا»:

وقد سبق بيان ذلك، فما ربح فهو بينهما على ما شرطاه نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً، وكذلك الوضيعة على قدر ملكيهما فيه فما رزق الله تعالى فهو بينهما على ما شرطاه وقد يكون أحدهما أحذق من الآخر ويشترط أن يكون له من الربح أكثر من الثاني وقد يتساويان وكل هذا جائز.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: شركة الوجوه كل واحد من الشريكين وكيل صاحبه وهذا =

وَالْمُضَارَبَةُ، وَهِيَ: أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ مَالاً يتَّجِرُ فِيْهِ وَيَشْتَرِكَانِ فِيْ رِبْحِهِ (1)  =هو مقتضاها فيكون وكيله في البيع والشراء وسائر التصرفات المالية التي هي من مصلحة الشركة.

  • الفائدة الثانية: شركة الوجوه يكون كل شريك كفيل عن صاحبه بالثمن ما دام أن البائع باع عليهما بجاهيهما، فلو فرض أن أحدهما أخذ السلعة وهرب وبقي واحد منهما، فالذي لم يهرب يضمن الذي هرب.
  • الفائدة الثالثة: الوضيعة «الخسارة» على قدر ملكيهما، فإذا اتفق على أن يكون لزيد قدر الثلث ولعمرو قدر الثلثين وخسر المال فيكون لعمرو قدر الثلثين من الخسارة، ولزيد قدر الثلث، لأن الوضيعة على قدر المال في جميع الشركات.
  • الفائدة الرابعة: لو قدَّر أن المال تلف بغير تعدٍ ولا تفريط فهل يضمنان لمن أعطاهما بوجهيهما أو لا؟ الجواب نعم يضمنان، لأنهما أخذا هذا المال على أنه ملك لهما، عليهما غرمه ولهما غنمه، وليس هذا من باب المضاربة أو من باب الأمانة أو ما أشبه ذلك بل هذا بيع وشراء.

(1)

قوله «وَالْمُضَارَبَةُ، وَهِيَ: أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ مَالاً يتَّجِرُ فِيْهِ وَيَشْتَرِكَانِ فِيْ رِبْحِهِ»:

هذا هو النوع الثالث من أنواع الشركات «شركات العقود» مأخوذة من الضرب في الأرض، كما قال تعالى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ 1، وهذا تسمية أهل العراق أي «شركة المضاربة»، وهي موافقة للقرآن.

..................................  =ويسميها أهل الحجاز بالقراض، من القرض وهو القطع، لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله وأعطاها له مقارضة يتجر بها.
والمقارضة والقراض: دفع مال إلى شخص يتجر به (1).

حكم هذا النوع من الشركات

: الجواز؛ فهي جائزة بإجماع (2) أهل العلم، أما صفتها الشرعية: فهي كما ذكر المؤلف أن يتفق اثنان أو أكثر يقدم أحدهما مالاً والآخر عملاً ويكون الربح بينهما حسب الاتفاق.
مثال ذلك: أعطى رجل مائة ألف ريال، وأقول له خذ هذا المال فاتجر به ولك نصف الربح أو ثلثه أو ربعه ولابد من تحقق شروطها وهي التي تم ذكرها في شركة العنان وهذه الشروط هي: 1 - أن يكون العاقدان جائزي التصرف.
2 - أن يكون المال المتجر به - المضارب به - معلوماً للشريكين.
3 - أن يكون الربح جزءً معلوماً مشاعاً النصف مثلاً - الربع - الثلث، فإن قال خذ هذا المال مضاربة ببعض ربحه فلا يجوز.

أقسام شركة المضاربة،

تنقسم المضاربة إلى قسمين

: 1 - المضاربة المطلقة: وهي أن يدفع فيها المالك المال مضاربة إلى العامل من غير تقييد العمل والمكان والزمان ومن يتعامل المضارب معه، وهذا النوع يخول للمضارب بما يراه محققاً للمصلحة وبما يتناوله عرف التجار.
2 - المضاربة المقيدة: وهي التي يدفع المالك المال فيها إلى العامل مضاربة=12

..................................  =ويعين المكان والزمان أو من يتعامل معه المضارب، والفقهاء يختلفون في هذه القيود وما يجب الالتزام فيها.
والراجح عندي أن جميع القيود مقيدة وليس في القول بها مخالفة للشرع وإنما هو الرأي والاجتهاد، أما قول من يقول بأن في التقييد تضيقاً على العامل قد ينتج عنه عدم حصول الربح المطلوب فنقول ما دام أن الشريكين التزما الوفاء بها فإنه يجب الوفاء ويجب على المضارب الالتزام بما شرطه المالك لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (1).

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: هل تصح المضاربة بالعروض «مثل العقارات - الدور - السيارات» وغير ذلك؟ الجواب: محل خلاف بين الفقهاء من أهل العلم من يمنعه قالوا لأن قيمتها تختلف من وقت لآخر.
    وقال بعض جمهور الفقهاء بجواز المضاربة بالعروض وقالوا تُقيَّم هذه العروض بداية المضاربة، فيقول كم تساوي مثلاً؟ تساوي مائة ألف ثم يضارب بها، وهذا هو الرأي الراجح لأن الناس يحتاجون إلى ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- (2).

الفائدة الثانية: متى يملك المضارب حصته من الربح؟

هل يملكها بمجرد الربح أم بالقسمة؟12

وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ (1)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ (2)،  =قولان لأهل العلم.
والراجح أن ذلك حسب الشرط بينهما.
فلو قال المضارب حصتك عند الربح فيكون عند الربح، وإن اشترط صاحب المال أن تكون القسمة بعد سنة أو نحو ذلك فلا بد من ذلك، والمضارب هنا يريد مجرد الربح لأنه قد يخسر بعد ذلك فيخصم من الربح السابق، ولذلك نقول هنا حسب الشرط بينهما.
وإن لم يكن شرط فالأولى أن يبقى إلى نهاية الشركة إذا كانت نهايتها محددة سنة أو سنتين أو أكثر.

الفائدة الثالثة: متى تبطل المضاربة

؟ تبطل المضاربة بما يلي: 1 - موت أحد المتعاقدين.
2 - فسخ أحد المتعاقدين.
3 - مخالفة المضارب للشروط التي اتفق عليها مع صاحب العمل.
4 - تلف المال قبل التصرف فيه كأن يسرق قبل أن يعطيه المضارب مثلاً.

(1)

قوله «وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ»:

هذا هو النوع الرابع من أنواع شركات العقود، وهي أن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبون من صنائعهم، كالحدادة، والخياطة، والنجارة، وأعمال البناء، ونحو ذلك، أو يشتركوا فيما يكتسبون من المباح كالاحتشاش، والاحتطاب، وسائر المباحات.
(2) قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ»: أي ليس فيها مال وإن كان كل واحد منهما عنده مال لكن لم يشتركا فيه وقوله «مِنَ الْمُبَاحِ» خرج منه ما ليس مباحاً فلا يجوز أن يشتركا في صناعة خمر مثلاً.

إِمَّا بِصِنَاعَةٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ (1) كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ آتِ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ (2)،  (1) قوله «إِمَّا بِصِنَاعَةٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ»: أو غير ذلك من الأعمال الحديثة كهندسة أو ميكانيكا أو كهرباء أو طب ونحو ذلك، فكل هذا جائز.

(2)

قوله «كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ آتِ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ»

(1). هذا الأثر رواه أبو داود، والنسائي، وقد سبق تخريجه.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: إذا مرض أحد في شركة الأبدان فالكسب بينهما على ما شرطاه إذا كان النصف أو الربع أو الثلث حسب ما شرطاه، لكن هل لصاحبه أن يفسخ الشركة؟ نقول نعم وله أن يطالبه بمن يقوم مقامه.
  • الفائدة الثانية: لو ترك أحد المتعاقدين في شركة الأبدان العمل بغير عذر فالمذهب 2 أن الكسب بينهما لأنه لا يمكن للشريك أن يطالب شريكه بمن يقوم مقامه ولم يفعل.
    والصواب عندي أن ما كسبه في هذا اليوم الذي تغيب فيه شريكه بغير عذر فهو له يعني يختص به وحده لأنه ترك العمل بغير عذر والآخر انفرد بالكسب وحده.1

..................................  - الفائدة الثالثة: من أنواع الشركات التي لم يذكرها المؤلف شركة المفاوضة ومعناها أن يشتركا في جميع الشركات السابقة «العنان - الأبدان - الوجوه - المضاربة»، وهي أن يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي من أنواع هذه الشركات، وهذا ما عليه أكثر الشركات اليوم.
وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من الشركات: فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها، وقال لو أننا أجزنا هذه الشركة وهي واسعة فلا تمكن الإحاطة بها، فهي مفاوضة قد تؤدي إلى الفوضى والغرر.
والصواب: أنه لا مانع من هذا النوع من الشركات بل عمل أكثر الناس عليه والحاجة تدعو إليها.

الفائدة الرابعة: الحكم الشرعي في بعض الشركات المعاصرة

؟ من المعلوم أنه قد استجد في الآونة الأخيرة شركات كثيرة كالشركات المدنية التي تقوم على أعمال مدنية، مثل الشركات التي تقوم بأعمال المناجم، أو التي تقوم بشراء الأراضي وبيعها، أو الشركات التجارية، وغير ذلك من الشركات المعاصرة.
نقول هذه الشركات وغيرها لا تخرج عن القواعد الشرعية للشركات الواردة في الفقه الإسلامي.
ولذلك نقول بجواز هذه الشركات لما يلي: 1 - أن الأصل في العقود الإباحة والجواز لأن الله تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.. ﴾ 1.

وَالرِّبْحُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ (1)،  2 - أن السنة قد جاءت بالالتزام بالشروط التي يتفق عليها ولا تخالف الشريعة الإسلامية، قال - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (1). 3 - أن يتم استبعاد ما خالف الشريعة الإسلامية من شروط وأمور ممنوعة كاشتراط فائدة ثابتة لأي من الشركاء أو توزيع الخسائر بمقتضى اتفاق الشركاء دون اعتبار لمقدار نصيب كل شريك في رأس المال أو كانت الشركة قد أنشئت للتعامل فيما حرم الإسلام من بيع أو شراء أو استيراد أو غير ذلك، فلابد أن تكون الشركة موافقة للقواعد والأسس الشرعية، وما يتم من أمور تنظيمية أو إدارية أو غيرها فلا مانع منه لعدم مخالفته للنصوص والقواعد الشرعية.

الفائدة الخامسة: في أسباب انقضاء الشركة وانتهائها

: 1 - انقضاء المدة المحددة للشركة.
2 - انتهاء العمل الذي من أجله تأسست أو استحالة تنفيذه.
3 - الاتفاق على إنهاء الشركة قبل انقضاء مدتها.
4 - اجتماع الحصص في يد شريك واحد.
5 - اندماج الشركة في شركة أخرى.
6 - التأميم «نقل ملكية الشركة من الملكية الخاصة إلى العامة».

(1)

قوله «وَالرِّبْحُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ»:

أي والربح في جميع ما ذكر من أنواع الشركات على ما شرطه المتعاقدان لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».1

وَالْوَضِيْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ (1)، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُجْعَلَ لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُعَيَّنَةٌ، وَلا رِبْحُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ (2)، وَالْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، كَذلِكَ (3)،  (1)

قوله «وَالْوَضِيْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ»:

يعني والخسارة على قدر المال الذي بينهم، وهذا في جميع أنواع الشركات وقد سبق الإشارة إلى ذلك، فإذا اتفق الشريكان أن يكون لأحدهم الثلث وللآخر الثلثان وخسر المال، فتكون الخسارة لمن كان له الثلث بقدر الثلث، والخسارة لمن كان له الثلثان بقدر الثلثين، لأن الوضيعة - الخسارة - على قدر المال في جميع الشركات.
(2)

قوله «وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُجْعَلَ لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُعَيَّنَةٌ، وَلا رِبْحُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ»:

أي لابد أن يكون الربح مشاعاً معلوماً وقد سبق بيان ذلك، فإنه إذا كان الربح مجهولاً كأن يقول لك بعض الربح ولي بعضه والباقي لي فلا تصح لأنه مجهول، فلا بد من تعيين الربح المشاع، وكذلك إذا عيَّن شيئاً وقال أحدهما للأخر ربح السيارات لي وربح الطعام لك فهذا لا يصح لأنه ربما يربح في السيارات ولا يربح في الطعام، أو قال ربح السفر إلى مكة لي وربح السفر إلى المدينة لك، فلا يصح أيضاً لأنه قد يربح في مكة ولا يربح في المدينة أو العكس، الحاصل أنه لا بد من أن يكون الربح مشاعاً معلوماً «الثلث - الربع - الخمس»، وهكذا، وذلك لأن الأصل أن يشترك الاثنان في المغنم والمغرم.
(3)

قوله «وَالْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، كَذلِكَ»:

المساقاة: هي أن يدفع الإنسان أرضه ونخله لشخص يقوم عليها بجزء من الثمر، والمزارعة أن يدفع الإنسان أرضه لمن يزرعها بجزء معلوم مشاع من الزرع، وسيأتي توضيح للأحكام المتعلقة بها في موضعها إن شاء الله تعالى.
ومعنى كلام المؤلف أن المساقاة والمزارعة تقاس على الشركة فلا يصح أن=

وَتُجْبَرُ الْوَضِيْعَةُ مِنَ الرِّبْحِ (1)، وَلَيْسَ لأَحَدِهِمَا الْبَيْعِ نَسِيْئَةً (2).  =يشترط العامل فيها ثمرة معينة أو زرع ناحية بعينها لأن الربح يشترط أن يكون مشاعاً معلوماً كما سبق، فلو قال له «خذ هذا الشجر واعمل فيه ولك بعضه»، فهذا لا يصح لأنه غير معلوم، أو قال له «خذ هذا الشجر اعمل فيه ولك ثمر الشجر كذا والباقي لي»، فهذا لا يصح لأنه ربما يثمر هذا ولا يثمر هذا، أو قال «خذ هذه الأرض ولك ثمرتها عام كذا ولي ثمرتها عام كذا» فهذا لا يصح لأنه مجهول، وقد تثمر في عام ولا تثمر في الأخر، أو قال «خذ هذا الثمر اعمل فيه ولي ثمر الجزء الغربي ولك ثمر الجزء الشرقي»، فهذا أيضاً لا يجوز، فلا بد أن يكون الربح مشاعاً معلوماً كما سبق، والدليل على ما ذكره المؤلف ما ثبت عَنْ رَافِعٍ -رضي الله عنه- قَالَ «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -» (1).

(1)

قوله «وَتُجْبَرُ الْوَضِيْعَةُ مِنَ الرِّبْحِ»:

شركة المضاربة إذا دفع أحد المضاربين مبلغ مائة ألف مثلاً، فاشترى بخمسين ألف سيارة والخمسين الألف الأخرى أرضاً، فربح في الأرض ولم يربح في السيارة، أو تلف المال في الأخرى فهنا وجب جبر الخسران من الربح ولا يستحق المضارب شيئاً إلا بعد كمال المائة ألف.
(2) قوله «وَلَيْسَ لأَحَدِهِمَا الْبَيْعِ نَسِيْئَةً»: أي ليس لأحد الشريكين أن يبيع شيئاً من أموال الشركة مؤجلاً إلا بإذن شريكه الأخر وذلك لأن النائب لا يجوز =1

..................................  =له التصرف في المال إلا على وجه الحظ والاحتياط وفي النسيئة تغرير بالمال، وفي رواية عن الإمام أحمد جواز البيع نساءً، وقالوا هذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة 1، وعللوا ذلك لأن إذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذه عادة التجار، ولأن المقصود من الشركة الربح والربح في النساء أكثر، وقيل أيضاً يصح البيع ويلزمه الضمان لأن ذهاب الثمن حصل بتفريطه.
قلت: والأظهر عندي القول الأول، وهو مذهب جمهور الفقهاء.

بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ

(1) تَجُوْزُ الْمُسَاقَاةُ (2)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ»:

المساقاة: سبق تعريفها وهي مأخوذة من السقي، وشرعاً: هي دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه بجزء معلوم من ثمره، كالنخل، وشجر الرمان، والعنب، ونحو ذلك.
أما المزارعة: فهي مأخوذة من الزراعة، وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها، والمساقاة والمزارعة من عقود الشركات القائمة على العدل بين الشريكين.

(2)

قوله «تَجُوْزُ الْمُسَاقَاةُ»:

ذهب جماهير الفقهاء من المالكية 1، والشافعية 2، والحنابلة 3، وغيرهم إلى جواز المساقاة لعموم الأدلة التي جاءت بذلك.
وخالف في مشروعيتها أبو حنيفة 4 فمنعها لأدلة أوردها وهي أدلة حكم عليها العلماء بالاضطراب في سندها ومتنها.
أما أدلة مشروعيتها فما ثبت عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» 5. قلت: ويرى الشافعية 6 مشروعية المساقاة لحديث معاملة أهل خيبر المذكور=

فِيْ كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ (1)  =آنفا وكذلك حديث رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ -رضي الله عنه- يَقُولُ كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا فَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هذِهِ فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ نُنْهَ عَنْ الْوَرِقِ» (1). قلت: والراجح هو مشروعية المساقاة والمزارعة للأحاديث الصحيحة الواردة فيها سواء كانتا مجتمعتين أم كان الاتفاق على واحدة منهما منفردة.
وأما حديث رافع بن خديج المتقدم فقد رده زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وأخبر أن النهي لفض النزاع، وكذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» (2). قال شيخ الإسلام -رحمه الله- (3) المقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام إذا اشترط رب الأرض فيها زرع مكان بعينه، وقد حث الإسلام على المساقاة والمزارعة كما جاء عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (4).

(1)

قوله «فِيْ كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ»:

أي تجوز المساقاة في جميع الشجر المثمر وهذا قول جماهير الفقهاء وقال الشافعي لا تجوز إلا في النخيل والعنب لأن الزكاة=1234

بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ، مُشَاعًا مَعْلُوْمًا (1)، وَالْمُزَارَعَةُ فِي الأَرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ زَرْعِهَا (2)،  =تجب في ثمرتها، أما الأشجار غير المثمرة فيرى مالك (1)، والشافعي (2) أنها لا تجوز المساقاة عليها، لأن المساقاة تكون بجزء من الثمر، وهذا لا ثمر له واستثنى منه ما يقص ورقه كالتوت والورد.
قلت: والراجح عندي جواز المساقاة في كل شجر ولو كان غير مثمر، ودليل ذلك الحديث السابق يعني حديث ابن عمر رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» (3). وهذا عام يشمل المثمر وغير المثمر، كما أن الأشجار غير المثمرة محل حاجة الناس في الوقت الحاضر لعمل الورق والأثاث وما يحتاجه الناس في أمور حياتهم، وهو مقصود كثير وفي جوازه تيسير على الناس إذ هو طريق من الكسب.

(1)

قوله «بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ، مُشَاعًا مَعْلُوْمًا»:

هذا هو شرط صحة المساقاة وهو كما سبق تقدير نصيب العامل بجزء معلوم من الثمرة كالنصف أو الربع أو الثلث ونحو ذلك، فلو شرط ثمرة شجرة معينة لم تصح وقد سبق بيان ذلك مفصلاً في باب الشركة فالحاصل أنه لا بد أن يكون نصيب العامل من الثمر مشاعاً معلوماً.
(2)

قوله «وَالْمُزَارَعَةُ فِي الأَرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ زَرْعِهَا»:

سبق بيان معنى المزارعة ومعنى كلامه -رحمه الله- أنه تجوز المزارعة بجزء معلوم من الزرع كربع الزرع أو نصفه ونحو ذلك مما تقدم.123

سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (1) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضْيَ اللهُ عَنْهُمَا: عَامَلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، وَفِيْ لَفْظٍ: عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (2)، وَعَلَى الْعَامِلِ عَمَلُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِعَمَلِهِ (3)،  =فإن شرط العامل أن يكون له من الزرع مائة صاع مثلاً فلا تصح لأنه قد لا يكون إلا ذلك القدر الذي حدده فيختص به العامل دون صاحب الأرض.

(1)

قوله «سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا»:

ما ذكره المؤلف هنا هو إحدى الروايتين في المذهب (1)، أي يجوز أن يكون البذر بين رب الأرض والعامل، وفي رواية في المذهب أن البذر من رب الأرض، وهو المشهور من المذهب لأنه عقد يشترك فيه رب الأرض والعامل في نمائه فوجب أن يكون رأس المال كله من أحدهما كالمضاربة.
والصحيح: هو القول الأول لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عامل أهل خيبر لم يشترط أن يكون البذر على المسلمين، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ينقل البذر إليهم من المدينة (2).

(2)

قوله «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضْيَ اللهُ عَنْهُمَا: عَامَلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، وَفِيْ لَفْظٍ: عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»

(3): هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو عمدة لمن أجاز المزارعة والمخابرة.
(3)

قوله «وَعَلَى الْعَامِلِ عَمَلُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِعَمَلِهِ»:

كالحرث والسقي والزرع وكل ما فيه صلاح الثمر كما جرت به العادة، فإن اشترط أحدهما شيئاً =123

وَلَوْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ دَابَّةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا، جَازَ عَلَى قِيَاسِ ذلِكَ (1)  =جاز ذلك، لكن يعتبر أن يكون ما يلزم كل واحد منهما من العمل معلوماً، وأن لا يكون على رب المال أكثر العمل ولا نصفه لأن العامل إنما يستحقه بعمله.
(1) قوله «وَلَوْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ دَابَّةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا، جَازَ عَلَى قِيَاسِ ذلِكَ»: يعني إذا أعطاه دابته وقال له اعمل عليها والربح بيني وبينك ولك الربع أو النصف أو الثلث فهذا جائز قياساً على ما سبق.
مثال ذلك: أعطاه سيارة أجرة وقال اعمل عليها ولك كل مائة كيلو كذا، أو إذا كسبت كذا لك كذا، وهذا موجود، فهذا جائز ما دام نسبة محددة.
أما إذا حدد مبلغاً يعطيه إياه يومياً، فقال خذ هذه السيارة واعمل عليها وأعطني في اليوم كذا فهذا لا يجوز لحصول الغرر، فقد لا تأتي بالمبلغ المحدد لكن كما سبق يجوز أن يقول له لك الربع أو النصف أو الثلث من الربح وعليك البنزين وإصلاح السيارة ونحو ذلك فهذا جائز.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: لا يجوز تحديد المبلغ حتى ولو اتفقا عليه لأن فيه غرراً ظاهراً.
  • الفائدة الثانية: إذا قال له أنا لي مائة ريال ولكن إذا حصلت أقل من مائة ما أخذ إلا ما حصلت أو قال إذا حصلت أكثر من مائة ريال أخذ منك مائة ريال والباقي لك فهذا لا إشكال في جوازه لانتفاء الغرر.
  • الفائدة الثالثة: يجوز أن يؤجر دابته لسقي أرضٍ أو يؤجر سيارته بمائة ريال في اليوم ونحو ذلك لانتفاء الغرر.
  • الفائدة الرابعة: يجوز إجارة الأرض بالنقد وبالعروض أما الطعام فقد منعه=

..................................  =مالك (1) مطلقاً سواء كان من الخارج منها أو من غيرها.
وأجاز ذلك الجمهور (2) لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الْمُزَارَعَةِ فَقَالَ زَعَمَ ثَابِتٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم- لا بَأْسَ بِهَا» (3)، والنهي عن المزارعة في الحديث هي المزارعة الفاسدة التي يدخلها كثير من الجهالة والغرر والظلم لأحد الطرفين.

الفائدة الخامسة: في الشروط المعتبرة في المساقاة

: (1) أهلية المتعاقدين.
(2) أن يكون الخارج لهما معاً.
(3) أن تكون الحصة مشاعة معلومة القدر «الربع - الثمن - النصف».
(4) التخلية بين الساقي والعمل.
(5) صلاحية الشجر بالمساقاة ليحصل المقصود.

الفائدة السادسة: في أركان المساقاة

: (1) العاقدان «العامل - صاحب العمل».
(2) المحل «محل السقي والزرع».
(3) الصيغة «وهي تصح بكل ما يؤدي إلى الرضا».

الفائدة السابعة: في انتهاء المساقاة والمزارعة

: تنتهي المساقاة والمزارعة بأمور هي:123

..................................  1 - هرب العامل، وهذا يخول الفسخ للمالك على القول بأنها عقد جائز وأما على قول من يقول أنها عقد لازم فحكمه أن يستأجر القاضي عليه من يعمل عمله.
2 - عجز العامل عن العمل وفي تلك الحالة يقيم من يعمل مقامه والأجرة عليه لأن عليه توفية العمل.
3 - موت كل واحد منهما أو جنونه على القول بأنها عقد جائز وأما مع اللزوم فإن الوارث والولي يقوم مقام الميت أو جنونه.
4 - اتفاقهما على إنهائها برضاهما.

  • الفائدة الثامنة: حكم عقد الإجارة هل هو لازم أم جائز؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فأكثر الفقهاء من المالكية 1، والشافعية 2، وأصحاب الإمام أحمد 3 على أنها عقد لازم لأنها عقد معاوضة.
    وقال بعض الفقهاء منهم الإمام أحمد 4، وهو قول لبعض الشافعية 5 أنها عقد جائز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضرب لأهل خيبر مدة ولا خلفاؤه من بعده، ولأنها عقد على جزء من نماء المال فكانت جائزة.
    والأرجح عندي: أنها عقد لازم، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 6.

بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ

(1) وَهِيَ الأَرْضُ الدَّاثِرَةُ (2) الَّتِيْ لا يُعْرَفُ لَهَا مَالِكٌ (3)، فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ» (4)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ»:

أي الأرض التي ليس لها مالك من الآدميين ولا ينتفع بها أحد كما سيذكر المؤلف.
والإحياء: مصدر أحيّا، أي بث فيها الحياة بعد أن كانت هامدة، والمراد هنا جعل الأرض الميتة منتفعاً بها بوجه من الوجوه، كالغرس، والزرع، والبناء، ونحو ذلك.

(2)

قوله «وَهِيَ الأَرْضُ الدَّاثِرَةُ»:

أي الأرض التي لا أثر للحياة عليها، والداثرة أي التي لم تعمر، وهذا هو الشرط الأول، أي أن تكون أرضاً لا أثر للحياة فيها.
(3)

قوله «الَّتِيْ لا يُعْرَفُ لَهَا مَالِكٌ»:

هذا هو الشرط الثاني، وهو أن لا يعرف لها صاحب، ولا تتعلق بها مصالح الناس، كالطرق، والأقنية، والغابات، والمراعي، والبقاع المعدة لدفن الموتى، ونحو ذلك، فلا يجوز إحياؤه، والمالك هنا يشترط أن يكون معصوماً، يعني معصوم الدم ممن لا يجوز قتله لكونه مسلماً أو ذمياً معاهداً، فإن كان غير معصوم الدم فأحيّا شيئاً بدار الحرب قد اندرس كان كالموات يملكه المسلم بالإحياء.
(1)

قوله «فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ» 1»: أي تكون لمن أحياها ملكاً له، واستدل لذلك بحديث عَنْ عَائِشَةَ=

وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا، كَالتَّحْوِيْطِ عَلَيْهَا (1)،  =رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» (1)، وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- أيضاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (2)، وقوله «لِعِرْقٍ ظَالِمٍ» كل ما احْتُفر أَو أُخذَ أَو غُرسَ بغير حقٍ.
لكن هل يشترط إذن الإمام في الإحياء؟ محل خلاف بين العلماء؛ فقال بعضهم: لا يشترط، وقال آخرون: يشترط، وبعضهم فرق بين ما هو مجاور للعمران وما ليس مجاور، فقالوا إن كان قريباً من العمران فلا بد من الإذن.
والصواب عندي: أنه لا بد من إذن الإمام لما فيه من تحقيق مصلحة الأفراد والجماعات.

(1)

قوله «وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا، كَالتَّحْوِيْطِ عَلَيْهَا»:

هذا شروع فيما يحصل به الإحياء وهي: التحويط عليها يضرب عليها حائطاً يمنع من الدخول إليها وليس حائطاً يسيراً كحجر أو حجرين، بل لا بد أن يكون مرتفعاً عن الأرض.
والمعمول عندنا في المحاكم أنه إذا كان الارتفاع متراً ونصف المتر فهو إحياء لأنه منيع وما كان سوى ذلك فهو تحجير، وهو منع الغير من إحياء الأرض الموات، فهذا يفيد الاختصاص لا الملك، فيعطي مهلة فإن أحياها وإلا أعطيت لمن يريد إحياءها.12

وَسَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَهَا لِلزَّرْعِ (1)، وْقَلْعِ أَحْجَارِهَا وَأَشْجَارِهَا الْمَانِعَةِ مِنْ غَرْسِهَا وَزَرْعِهَا (2)، وَإِنْ حَفَرَ فِيْهَا بِئْرًا، فَوَصَلَ إِلَى الْمَاءِ، مَلَكَ حَرِيْمَهُ (3)، وَهُوَ خَمْسُوْنَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِنْ كَانَتْ عَادِيَةً (4)،  (1)

قوله «وَسَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَهَا لِلزَّرْعِ»:

هذا هو الوصف الثاني لما يحصل به الإحياء، فإن أرادها للزرع تم إحياءها بوصول الماء إليها من عين أو نهر أو حفر ونحو ذلك، وكذلك قد يكون الإحياء بحبس الماء عن الأرض كأن تكون أرضاً الماء فيها كثير لا تصلح للزرع بسببه فقام فحبس عنها الماء لتصلح للزرع فقد أحياها.
(2)

قوله «أَوْ قَلْعِ أَحْجَارِهَا وَأَشْجَارِهَا الْمَانِعَةِ مِنْ غَرْسِهَا وَزَرْعِهَا»:

هذا هو الوصف الثالث الذي يحصل به الإحياء، فمتى كانت الأرض فيها أشجار لا يمكن أن يغرس معها أو تزرع فأزال الأشجار فهو إحياء، وكذلك لو كان بها أحجار متراكمة عليها لا تصلح الأرض مع هذه الحجارة فقام وأزالها فهذا إحياء.
قلت: والأظهر عندي أن كل ما يحصل به الإحياء فإنه يرجع فيه إلى العرف فما عدَّه الناس إحياء فهو إحياء، وما لم يعدوه إحياء فليس بإحياء.
(3) قوله «وَإِنْ حَفَرَ فِيْهَا بِئْرًا»: يعني في الأرض الموات، «فَوَصَلَ إِلَى الْمَاءِ، مَلَكَ حَرِيْمَهُ»: والمراد بالبئر هنا: هي بئر السقيا لا الزرع.
أي إن حفر من الموات بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمها، وحريم الشيء ما حوله يعني ملك ما حولها من مرافقها وحقوقها، وسمي بذلك لأنه يحرم على غيره التصرف فيه أو لأنه يحرم منع صاحبه منه.

(4)

قوله «وَهُوَ خَمْسُوْنَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِنْ كَانَتْ عَادِيَةً»:

البئر العادية يعني القديمة، وهي التي سبق للشخص أن حفرها ثم بعد ذلك دفنها الرمل=

وَحَرِيْمُ الْبِئْرِ الْبَدِيْءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُوْنَ ذِرَاعًا

(1)  = أو السيول أو غير ذلك، وقد حدد المؤلف بأن تكون خمسين ذراعاً من كل جانب، يعني أن هذا الرجل يملك بهذه البئر خمسين ذراعاً إذا كانت قد أعيدت.
(1) قوله «وَحَرِيْمُ الْبِئْرِ الْبَدِيْءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُوْنَ ذِرَاعًا»: البئر البدائي أي المستحدث، وهي التي تحفر لأول مرة، فهذه حريمها يعني ما حوله خمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب.
دليل ذلك ما روى أبو عبيد عن سعيد بن المسيب قال: «السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدئ خمسة وعشرون ذراعاً» (1). قلت: والأظهر عندي أن حريم البئر إذا حفرت في أرض موات يكون بقدر ما يحتاجه فإن حفرها للزراعة فله ما حواليه من مقدار الزرع، وإن حفرها للسقي يكون حريمها ما يحتاجه لمعاطن إبله، وهو ما تأوي إليه وتقيم فيه.

فائدة: الأرض على نوعين

: 1 - نوع لا مالك له وهي تملك بالإحياء بعد إذن الحاكم.
2 - نوع فيها آثار ملك ولا يعرف مالكه وهذه محل خلاف.
والصواب: أنها إذا تم إحيائها ولم يتقدم أحد بالمطالبة بها وأذن الحاكم فإنها تملك بالإحياء، ومن أحيّا أرضاً وصرف عليها ثم تبين له بعد ذلك أنها لغيره فإنه في هذه الحالة يقول لصاحب الأرض أنت بالخيار فإما أن تعطيني ما دفعت وصرفت عليها وإما أن تبيع الأرض ويشتريها الذي أحياها.1

بَابُ الْجُعَالَةِ

(1)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الْجُعَالَةِ»:

الجعالة فعالة من الجَعْل، ومعناه وضع الشيء.
أما في الاصطلاح: فهي أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة، وسيأتي زيادة بيانها إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: حكم الجعالة: الجعالة جائزة ومشروعة بالكتاب، والسنة، والمعقول.
    أما دليل الكتاب: فقوله تعالى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1، وجه الدلالة من الآية: أنه جعل لمن يأتي بصواع الملك الذي فُقد جعلاً وهو حمل بعير، ووثّق ذلك بكونه ضمنه والتزمه على نفسه.
    أما دلالة السنة: فما سيذكره المؤلف من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
    ووجه الدلالة منه: أنهم جعلوا جعلاً لمن سيكون سبباً في شفاء سيدهم.
    أما دلالة المعقول: فإن حاجة الناس قد تدعو إليها لرد مال ضائع أو عمل لا يقدر عليه الجاعل ولا يجد من يتطوع به ولا تصح الإجارة عليه لجهالته، فجازت شرعاً للحاجة إليها كالمضاربة.
  • الفائدة الثانية: الفرق بين الجعالة والإجارة: 1 - صحة الجعالة على عمل مجهول يعسر ضبطه وتعيينه كرد مال ضائع=

..................................  =خلافاً للإجارة.
2 - صحة الجعالة على عامل غير معين.
3 - كون العامل لا يستحق الجعل إلا بعد تمام العمل.
4 - لا يشترط للجعالة تلفظ العامل بالقبول.
5 - الجعالة عقد غير لازم خلافاً للإجارة.

  • الفائدة الثالثة: حكم عقد الجعالة: عقد الجعالة عقد جائز لكل واحد من العاقدين فسخه قبل الشروع في العمل، فإن شرع في العمل فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئاً لأنه لم يأت بما شرط عليه، وإن كان الفسخ من الجاعل فعليه أجرة المثل للعامل لأنه عمل بعوض لم يتمكن من إتمامه.

الفائدة الرابعة: في شروط الجعالة

: كون العمل مباحاً فلا يصح عقد الجعالة على شيء غير مباح كخمر وغناء مثلاً.
كون الجعل مالاً معلوماً جنساً وقدراً لأن جهالة العوض تفوت المقصود من عقد الجعالة.
كون الجعل ظاهراً مقدوراً على تسليمه ومملوكاً للجاعل.
أن يتم العامل العمل المجاعل عليه ويفرغ منه ويسلمه الجاعل.

الفائدة الخامسة: في تخصيص الإذن والجعل لشخص محدد

. إذا حدد الجاعل شخصاً بعينه في الإذن واستحقاق الجعل فإنه يتحدد بذلك عند الشافعية 1، والحنابلة 2 ولا يستحق الجعل أحدٌ غيره، وإذا قام غيره بذلك فإنه يعتبر متبرعاً.

..................................  =وقال المالكية (1) يستحق جعل المثل إن كان معروفاً بأداء مثل هذا العمل بعوض وإلا فله النفقة.

الفائدة السادسة: في اختلاف المتعاقدين

في الجعالة: إذا اختلف المتعاقدان في بذل الجعل وتسميته، فقال العامل بذلت جعلاً وأنكر الجاعل، فإنه على العامل أن يثبت قوله ببينة وإلا فإن القول قول الجاعل بيمينه لأن الأصل براءته.
وإن اختلفا في قدر الجعل أو في جنسه أو صفته فإن الشافعية 2 يرون أنهما يتحالفان وينفسخ العقد ويجب للعامل أجرة المثل إذا كان ذلك بعد الشروع في العمل أو بعد انتهائه، وهو رواية عند الحنابلة 3. ويرى الحنابلة 4 كذلك أن القول قول الجاعل بيمينه لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه.
والراجح عندي: أن القول قول الجاعل لأن الأصل عدم الجعالة إلا إذا اختلفا في القدر وادعى الجاعل قدراً لا يمكن أن يقام العمل بمثله، وادعى العامل قدراً يمكن أن يقام بمثله، فهنا تكون دعوى الجاعل غير صحيحة لأن العادة والعرف تكذبانها فلا يقبل قوله ويقبل قول العامل، والعكس بالعكس فإذا ادعى العامل شيئاً كثيراً فإنه لا يقبل لأنه ادعى ما يخالف العادة ولأنه ادعى على العامل ما لم يعترف به فيقبل قول الجاعل.1

وَهِيَ أَنْ يَقُوْلَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِيْ، أَوْ ضَالَّتِيْ، أَوْ بَنَى لِيْ هَذَا الْحَائِطَ، فَلَهُ كَذَا (1)  -

الفائدة السابعة: ما يترتب على الجعالة من آثار

: يترتب على الجعالة آثارٌ هي: 1 - لزوم عقد الجعالة بعد تمام العمل لأن الجُعل قد استقر على الجاعل.
2 - أن يد العامل على ما وقع في يده من مال الجاعل يد أمانة لا ضمان عليه ما لم يفرط.
3 - أن نفقة المال على المال المجاعل عليه على المالك لأن الإنفاق مأذون فيه شرعاً لحرمة النفس وصيانة المال.

الفائدة الثامنة: في انتهاء عقد الجعالة

: تنفسخ الجعالة لأسباب منها: 1 - موت أحد المتعاقدين أو جنونه جنوناً مطبقاً، وقال بعض الفقهاء بل يلزم للورثة، والراجح القول الأول.
2 - فسخ العامل للجعالة.
3 - فسخ الجاعل قبل الشروع في العمل.

(1)

قوله «وَهِيَ أَنْ يَقُوْلَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِيْ، أَوْ ضَالَّتِيْ، أَوْ بَنَى لِيْ هَذَا الْحَائِطَ، فَلَهُ كَذَا»:

هذا هو تعريف الجعالة الذي سبق بيانه وهي أن يقول إن رددت لقطتي فلك ألف ريال مثلاً، أو يقول إن رددت ضالتي كبعيري مثلاً فلك ألفا ريال، أو من بني لي هذا الجدار فله كذا ونحو ذلك.

فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ سَعِيْدٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ قَوْمًا لُدِغَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَأَتَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالُوْا: هَلْ فِيْكُمْ مِنْ رَاقٍ، فَقَالُوْا: لا، حَتَّى تَجْعَلُوْا لَنَا شَيْئًا، فَجَعَلُوْا لَهُمْ قَطِيْعًا مِنَ الْغَنَمِ.
قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيَرْقِيْ، وَيَتْفُلُ حَتَّى بَرَأَ، فَأَخَذُوْا الْغَنَمَ، وَسَأَلُوْا عَنْ ذلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيْكُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» 1،  (1)

قوله «فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ سَعِيْدٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ قَوْمًا لُدِغَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَأَتَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالُوْا: هَلْ فِيْكُمْ مِنْ رَاقٍ، فَقَالُوْا: لا، حَتَّى تَجْعَلُوْا لَنَا شَيْئًا، فَجَعَلُوْا لَهُمْ قَطِيْعًا مِنَ الْغَنَمِ.
قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيَرْقِيْ، وَيَتْفُلُ حَتَّى بَرَأَ، فَأَخَذُوْا الْغَنَمَ، وَسَأَلُوْا عَنْ ذلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيْكُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ»

(1): هذا هو دليل الجعالة، وقد سبق الإشارة إلى أدلة الجعالة من الكتاب والسنة، وفي الحديث بعض الفوائد منها: 1 - مشروعية الجعل، وذلك لقول الصحابة «اجعلوا لنا جعلاً»، فدل على مشروعيته.
2 - أن الجعل جعل على الشيء الذي يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل، وهو المجهول العاقبة المتردد بين الحصول وعدمه كما في البعير الشارد والعبد الآبق واللقطة.
3 - صحة الجعل بالمشارطة لأن الصحابة رضي الله عنهم امتنعوا وقالوا «حتى تجعلوا لنا جعلاً».
4 - جواز رقية الكافر، لأنهم رقوا سيد القوم وكان كافراً، فدل على جواز=

جارٍ التحميل