..................................
- الفائدة السادسة: يلزم الكفيل إحضار المكفول حال طلبه ولو كان غائباً وأمكن إحضاره إلا إذا غاب غيبة طويلة ولم يعرف له أثر وتعذر إحضاره فتبرأ ذمته ولا يكفي قوله بحثت عنه ولم أجده حتى يثبت ذلك.
ولو رفض إحضاره أو البحث عنه فإنه يلزمه السداد عنه، أما إذا مات المكفول برئ الكفيل ولا يلزم أن يسلم عنه شيئاً، لأن التسليم بدل الإحضار والإحضار هنا متعذر، وهذا مما يفارق فيه الضمان الكفالة، لأن الضامن يسدد عنه ولو كان ميتاً.
وقول المؤلف: «وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ»: أي إذا كان ميتاً فلا شيء على الكفيل أما إذا كان حياً فما ذكره المؤلف على قولين:
القول الأول: وهو ما ذهب إليه أكثر الفقهاء أنه لا يلزم الكفيل التحمل، بل يلزمه الإحضار، لأن الكفالة بالبدن وليست بالمال.
القول الثاني: وهو ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب أنه إذا لم يحضره وهو حي فيلزم بما عليه سواء كان إحضاره ممكناً أو غير ممكن، كأن يلحق بدار العدو مثلاً لما ثبت عَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» 1، فعلى هذا إذا كان المكفول حيًّا ولم يحضره الكفيل، فإنه يلزم بما عليه من حق سواء كان إحضاره ممكناً أو معسراً.
والراجح عندي: أن الكفيل لا يلزمه التحمل إذا كان المكفول ميتاً أو بعيداً=
فَإِنْ مَاتَ، بَرِئَ كَفِيْلُهُ (1). =عنه ولا يستطيع إحضار المكفول، أما إذا كان قريباً ويستطيع إحضاره أو بعيداً يمكنه البحث عنه فهنا يلزمه التحمل بالسداد.
(1)
قوله «فَإِنْ مَاتَ، بَرِئَ كَفِيْلُهُ»:
أي فإن مات المدين فإن الكفيل يبرئ من الدين وتسقط الكفالة، لأن الحضور سقط بموت المكفول وما ذهب إليه المؤلف هو قول الجمهور (1). وذهب المالكية (2) إلى أنه إذا مات المكفول فإن الكفيل يتحمل لأن الكفيل كالرهن فيستوفي منه المكفول له عند التعذر وكذلك يبرئ الكفيل إذا تلفت العين عند المكفول بفعل الله تعالى وكذا يبرئ إذا سلَّم المكفول نفسه في الوقت المحدد أو سدد الكفيل ما عليه.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: يعتبر في الكفالة رضا الكفيل لا المكفول وذلك لأن الكفيل سوف يلتزم بحق وإذا لم يرضى بذلك فإنه لا يلزم به.
- الفائدة الثانية: لا تصح كفالة من عليه حد سواء كان لله تعالى، كالزنا، والسرقة، والشرب، أو كان لآدمي كالقذف، لأنه لا فائدة من الكفالة، ولأنه لا يجوز استيفاؤه من الكفيل في حالة تعذر الاستيفاء من المكفول.12
بَابُ الرَّهْنِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الرَّهْنِ»:
الرهن من جملة التوثيقات، فالتوثيقات تكون بالكتابة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.. ﴾ 1، وتكون أيضاً بالإشهاد كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ.. ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ... ﴾ 3، وتكون بالرهن كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ.. ﴾ 4.
تعريف الرهن: الرهن في اللغة: يطلق على معان منها الحبس كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ 5 أي محبوس بعمله.
الثبوت والدوام: كما تقول ماء راهن، وهو الدائم الذي لا يجري.
أما تعريفه في الاصطلاح: فهو جعل عين مالية وثيقة بدين ليستوفي منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء.
مثاله: إنسان في ذمته لي ألف ريال، فأعطاني ما قيمته ألف ريال رهناً بالدين، فهنا يمكن استيفاء الدين من الرهن، أو يكون لي في ذمته ألفا ريال فأعطاني رهناً قيمته ألف ريال فهذا يمكن استيفاء بعضه منها، أو يكون لي=
..................................
=في ذمته ألف ريال فأعطاني رهناً قيمته ألفا ريال فهذا يمكن استيفاء الرهن منه وزيادة عليه وكل هذا جائز يعني سواء كان الرهن أكثر من الدين أو الدين أكثر من الرهن أو كان الرهن يعادل الدين.
وقول الفقهاء في تعريف الرهن «جعل عين مالية»، يستفاد منه أنه لابد من أن يكون الرهن عيناً، لأن الاستيفاء الكامل لا يكون إلا بالعين فإن كان منافع أو ديناً فإنه لا يصح على كلام الفقهاء.
والصحيح: صحة الرهن في المنافع والدَّين.
مثال ذلك: أن يكون لي في ذمة شخص خمسة ألاف ريال فأقول له أرهني منافع هذا البيت الذي لك ثم يؤجره ويأخذ أجرته رهناً فإنه يجوز.
وكذلك في الدين كأن يكون لشخص دين على فلان يقدر بعشرة ألاف فيقول له اجعل هذا الدين الذي لي عندك رهناً عند فلان الذي تطلبه بعشرة ألاف ريال فهذا أيضاً جائز على القول الصحيح.
ويمكن جعل
حالات الرهن
ما يلي:
الحالة الأولى: توثقة دين بعين؛ كأن يقترض منه ألف ريال ويعطيه ساعة رهناً.
الحالة الثانية: توثقة دين بدين؛ كان يقترض ألف ريال ويرهنه ألف ريال في ذمة زيد.
الحالة الثالثة: دين بمنفعة؛ كأن يقترض ألف ريال ويرهنه منفعة بيت قد استأجره.
الحالة الرابعة: توثقة عين بدين؛ كأن يقول لصاحب الكتاب خذ رهناً ألف=
وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ، جَازَ رَهْنُهُ (1) =ريال لي عند فلان.
حكم الرهن
: الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ.. ﴾ (1)، والمعنى هنا: وإن كنتم مسافرين، فالوثيقة رهان يقبضها من له الحق ليستوثقه بها.
أما السنة: فمن ذلك ما ثبت عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - «اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» (2).
أما الحكمة في مشروعيته: فهي أن الناس يحتاجون إليه فإذا كان الإنسان يريد ديناً أو عارية ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالرهن صح الرهن والرَّاهن يستوثق بالرهن دينه أو عاريته.
أما عقد الرهن: فهو من العقود اللازمة في حق الرَّاهن، وهو المدين الذي دفع الرهن، لأن الحظ فيه لغيره فلزم من جهته.
أما المرتهن فهو عقد جائز في حقه لأن له أن يفسخ العقد لأن الحظ فيه له وحده، فكان له فسخه.
(1)
قوله «وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ، جَازَ رَهْنُهُ»:
أي يصح الرهن في كل ما يجوز بيعه، وهذه قاعدة في الرهن وذلك لأن الغرض من الرهن هو الاستيفاء من ثمنه عند تعذر ذلك من المدين، فإن كان لا يجوز بيعه كالكلب والوقف والخمر =12
..................................
=والمجهول فإنه لا يصح رهنه لأنه لا يمكن استيفاء الحق منه وهنا بعض المسائل:
المسألة الأولى: في حكم رهن المشاع:
المشاع: هو الشيء غير المقسوم، فإذا كان شيء بين اثنين ولم يقسم فهو مشاع كالأرض، والدار، والبستان، وغيرها.
وقد اختلف الفقهاء على جواز الرهن بذلك: فذهب الجمهور إلى جواز الرهن بالمشاع لأنه قسط أو شقص يجوز بيعه فيجوز رهنه.
وقال الحنفية 1 لا يجوز رهن المشاع لأن الرهن يقتضي حبس المرهون وإقباضه للمشتري فيلزم منه تعطيل المرهون.
قلت: والراجح عندي جواز الرهن بالمشاع لأنه ليس المقصود من الرهن الحبس كما قال الحنفية، بل المقصود منه التوثيق والاستيفاء من ثمنه عند التعذر وهذا متحقق في المشاع فلا يكون الحبس علة المنع.
المسألة الثانية: في حكم رهن ما يسرع إليه الفساد: كالخضروات، والفواكه، واللحوم.
نقول في هذه المسألة تفصيل:
1 - أن يكون الدين حل أجله قبل وقت فساد المرهون فيصح رهنه لحصول الغرض.
2 - أن يفسد المرهون قبل حلول الأجل، ففيه حالتان:
الأولى: أن يكون المرهون مما يمكن تجفيفه: كاللحوم والعنب ونحوه، فيجفف أو يعلب حتى يحل الأجل وتكون نفقة التجفيف والتعليب على الراهن =
..................................
= كما لو احتاجت الدابة إلى علف.
الثانية: أن يكون المرهون مما لا يمكن تجفيفه: فهنا يباع قبل فساده ويحتفظ بثمنه حتى يحل الأجل، فلو ترك المرهون حتى فسد، فإن العقد يبطل وتكون على الراهن إلا إذا كان الفساد بسبب تعد من المرتهن وناتج عن تصرف غير مأذون فإنه يضمن.
المسألة الثالثة: في رهن العصير: يصح رهن العصير لجواز بيعه ولو انقلب خلاً لأنه يجوز بيعه ولو أن المرهون تغيرت صفته أما إذا تخمر العصير فإنه يبطل الرهن كالذي تلف، لكن هل يهرق أم يمسك حتى يتحول إلى خل؟
الصحيح أنه يهرق، وإن تخلل قبل إهراقه عاد الرهن لأنها مفسدة وزالت.
المسألة الرابعة: في حكم رهن الثمرة قبل بدو صلاحها والزرع قبل اشتداد حبه: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
الأول: وهو المذهب جواز رهنه لجواز بيعه بشرط القطع في الحال أو مع أصله ويجوز رهنه بشرط التبقية لأن الرهن ليس بيعاً بل هو توثيق واستيفاء عند العجز.
الثاني: لا يجوز رهن هذه الأشياء لأنه لا يجوز بيعها في الحال وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.
والصحيح من القولين: الأول وعليه العمل عندنا.
المسألة الخامسة: في رهن المصحف:
تقدم الخلاف في جواز بيع المصحف وقلنا بأن بعض العلماء أجاز بيعه وأن البيع لا يقع على كلام الله تعالى وإنما يقع على المواد المالية فيه كالورق=
..................................
=والطباعة والعمالة ونحو ذلك، وعلى ذلك يجوز رهنه.
وقال الحنابلة 1 لا يجوز لاشتماله على كلام الله، وكلام الله سبحانه ليس مالاً، وعلى ذلك لا يجوز رهنه.
والصحيح عندي: كما ذكرنا جواز البيع للمصحف، وهو قول جمهور الفقهاء 2، وهو ما عليه عمل الناس الآن وعلى ذلك يجوز رهنه.
المسألة السادسة: في رهن المستعار: يجوز للإنسان أن يستعير عيناً مالية ليرهنها عند دائنه لأن هذا معناه التوثيق وهو بإذن العين فيكون جائزاً لكن لا يكون ذلك إلا بشروط:
1 - أن يذكر قدر الدين المرهون.
2 - تعيين المرتهن.
3 - تعيين مدة الرهن.
أما إذا أطلق الرهن ولم يعين هذه الشروط فعلى قولين عند العلماء:
الأول: الجواز.
الثاني: أنه لا يجوز لوجود الجهالة ولأن الرهن كالضمان والضمان المجهول لا يصح فكذلك الرهن فلا يجوز رهن المعار من أجل هذه الجهالة، وهذا هو الأظهر عندي.
المسألة السابعة: إذا حل الدين وبيع الرهن المستعار فبماذا يرجع المعير؟
الجواب: فيه خلاف قيل يرجع على المعار بما يساويها عند التقويم دون النظر إلى ما بيع به لأن هذا هو موجب ضمان الأموال، وقيل فيه تفصيل إذا =
وَمَا لا، فَلا (1) وَلا يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ (2) = كانت القيمة التي بيع بها مساوية للقيمة التي يقوم بها أو أقل منها فله القيمة وقت الرد، أما إذا كانت القيمة التي بيع بها أكثر من الدين فإنه يرد القيمة التي بيع بها فبم يستحل هذه الزيادة، وهذا هو الراجح.
(1)
قوله «وَمَا لا، فَلا»:
أي وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه لأن رهنه لا فائدة منه كرهن الوقف مثلاً وكذا رهن الإبن.
(2)
قوله «وَلا يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ»:
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1: أي ويشترط في الرهن القبض وذلك لأن الرهن عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض، وقبض الرهن كقبض البيع، فإذا رهنه منزلاً سلمه مفاتيحه، وإذا رهن سيارة سلمها إياها، وما ذكره المؤلف في اشتراط القبض للرهن هو المذهب 2. وفي رواية في المذهب: أن القبض ليس شرطاً في الرهن لعموم الأدلة على وجوب الوفاء بالعقود والعهود ولقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 3، وهذا دليل على أنه إذا حصل الائتمان لم يلزم القبض اكتفاء بالائتمان عنه، ثم إن اشتراط القبض ضرر كبير على بعض ما يرهن، فالمزارع والسيارات ونحوها مما يكون الراهن مضطراً إلى بقائه في يده وتحت تصرفه وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 4، وعليه عمل الناس من قديم الزمن، فنجد=
وَهُوَ نَقْلُهُ إِنْ كَانَ مَنْقُوْلاً (1)، وَالتَّخْلِيَةُ فِيْمَا سِوَاهُ (2)، وَقَبْضُ أَمِيْنِ الْمُرْتَهِنِ يَقُوْمُ مَقَامَ قَبْضِهِ (3)، وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَمِيْنِهِ (4)،
= أن الفلاح يستدين من الشخص ويرهنه مزرعته وهو باق في المزرعة، ويستدين صاحب السيارة من شخص ويرهنه السيارة، والسيارة بيد صاحبها وكل يعرف أن هذه العين المرهونة لا يجوز أن يتصرف فيها الراهن وأن الرهن لازم ولا يملك الراهن أن يفسخه.
(1) قوله «وَهُوَ نَقْلُهُ إِنْ كَانَ مَنْقُوْلاً»: أي ويحصل القبض بنقله إن كان منقولاً، وذلك لأن القبض في الرهن كالقبض في البيع فإن كان منقولاً فإنه يحصل القبض بنقله أو تناوله كالثوب والعبد والكتاب ونحو ذلك، والمكيل يحصل نقله بالكيل فقبضه اكتياله وإن كان موزوناً فقبضه بالوزن.
(2)
قوله «وَالتَّخْلِيَةُ فِيْمَا سِوَاهُ»:
أما ما لا يمكن نقله كالعقار والثمار على الشجرة فقبضها إنما يكون بالتخلية بين مرتهنه وبينه من غير حائل بأن يفتح له باب الدار ويسلم إليه مفاتيحها.
(3)
قوله «وَقَبْضُ أَمِيْنِ الْمُرْتَهِنِ يَقُوْمُ مَقَامَ قَبْضِهِ»:
أمين المرتهن هو وكيله ونائبه فإذا قبض الرهن صح القبض لأنه يقوم مقامه في القبض.
(4)
قوله «وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَمِيْنِهِ»:
أي أن الرهن أمانة في يد المرتهن أو أمينه ووجه ذلك أنه حصل المال في يده من مالكه، وكل ما حصل بإذن من المالك فهو بيد صاحبه أمانة، وإذا كان أمانة فلا يجوز له أن يتصرف فيه إلا ما استثنى الشرع في قوله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «الظُهرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» 1، =
لا يَضْمَنُهُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى (1)، وَلا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إِلاَّ مَا كَانَ مَرْكُوْبًا أَوْ مَحْلُوْبًا، فَيُرْكَبُ وَيُحْلَبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ (2) =وما عدا ذلك لا يجوز التصرف فيه.
(1)
قوله «لا يَضْمَنُهُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى»:
فإن تلف الرهن وهو بيد المرتهن بغير قصد منه، ولا تفريط فلا شيء عليه لأنه أمانة في يده كالوديعة ولأنه لو ضمن الرهن لامتنع الناس من فعله خوفاً من الضمان، وذلك وسيلة إلى تعطيل المداينات والقروض وفيه ضرر عظيم، فإن تعدى على الرهن بفعل ما لا يسوغ فيه شرعاً أو فرط في حفظه بأن لم يضعه في حرز مثله فإنه يضمن بالإجماع (1) لزوال ائتمانه.
(2)
قوله «وَلا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إِلاَّ مَا كَانَ مَرْكُوْبًا أَوْ مَحْلُوْبًا، فَيُرْكَبُ وَيُحْلَبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ»:
أي إذا كان الرهن حيواناً يحتاج إلى مؤنة فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر علفه ولو لم يأذن له المالك لأنه مأذون فيه شرعاً لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الظُهرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» 2، لكن عليه أن يتحرى العدل في الحلب والركوب.
أما غير المحلوب والمركوب فلا يجوز الانتفاع منه كالدار والمتاع والسيارة ونحوها فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن.
قال ابن قدامه 3 لا نعلم فيه خلافاً، لأن الرهن ملك الراهن فكذلك منافعه فليس لغيره أخذها إلا بإذنه.
=1
وَلِلرَّاهِنِ غُنْمُهُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَكَسْبِهِ وَنَمَائِهِ (1)
=قلت: وذهب جمهور الفقهاء من المالكية (1)، والشافعية (2)، وأحمد (3) في رواية عنه إلى أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع من الرهن بشيء مطلقاً لأنه ملك غيره ولم يأذن له في الانتفاع، وردوا على الحديث بأنه مخالف للقياس من وجهين:
1 - التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذن المالك، والأصل أنه لا يجوز إلا بإذنه لحديث ابن عمر -رضي الله عنه-: «لا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» (4)
2 - تضمنه الانتفاع بالنفقة لا القيمة، والأصل أن النفقة تقابل القيمة.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الحنابلة (5) لقوة الدليل، وهو اختيار شيخ الإسلام (6).
(1)
قوله «وَلِلرَّاهِنِ غُنْمُهُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَكَسْبِهِ وَنَمَائِهِ»:
وغُنْمه بضم الغين وسكون النون ثمرته وكسبه.
أي لصاحب الرهن نماء رهنه وهو ما يحصل منه من أجرة كتأجير الدار وتأجير العبد، وكذا النماء المتصل كالسِّمن وتعلم الصنعة ونحو ذلك.
وقد اختلف الفقهاء: هل نماء الرهن والكسب يتبع العين المرهونة أم لا؟
على أقوال:123456
لَكِنَّهُ يَكُوْنُ رَهْنًا مَعَهُ (1)
القول الأول: ما ذكره المؤلف أي أن النماء والكسب يتبع الرهن ويكون رهناً معه، لأنه نماء وغلة حاصلان من عين الرهن ومتفرعان عنه فيتبعانه في الحكم.
القول الثاني: أنهما لا يتبعان الرهن بحال من الأحوال لأنها عين زائدة لم تدخل في العقد فلا تدخل في الرهن.
القول الثالث: أن نماء الرهن يتبع العين، لكن الكسب لا يتبعها لأن النماء متولد منها وهو جزء منها أما الكسب فللراهن لأنه عين مستقلة ولم يشملها العقد.
القول الرابع: قول المالكية (1) أن الولد - ولد الأمة والدابة - يتبع العين أما ما عداه من أنواع النماء والكسب فلا يتبعها.
والراجح عندي من الأقوال: هو القول الأول، يعني قول المؤلف -رحمه الله- لأن الكسب والنماء يتبع العين لأنه متولد عنها فيتبعها في الرهن، ثم إن الرهن ملك للراهن لم تزل ملكيته عنه فأشبه غير المرهون فيكون النماء في ملكه، ثم إن المدار على سداد الدين فإذا سدد الدين يرجع الزائد إلى الراهن.
(1)
قوله «لَكِنَّهُ يَكُوْنُ رَهْنًا مَعَهُ»:
أي يكون النماء والكسب والغلة وجميع ما يتفرع من الرهن يلحق به أي يصير رهناً معه، فكسب العبد رهن تبعاً للأصل، وكذا نماءه كأن تَسْمن الشاة أو تلد فيكون نماءها المتصل والمنفصل تبعاً لأصله.1
وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (1) مِنْ مُؤْنَتِهِ (2)، وَمَخْزَنِهِ (3)، وَكَفَنِهِ إِنْ مَاتَ (4)، وَإِنْ أَتْلَفَهُ (5)، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنَ الرَّهْنِ بِعِتْقٍ (6)، أَوِ اسْتِيْلادٍ (7)، فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ تَكُوْنُ رَهْنًا مَكَانَهُ (8)، (1)
قوله «وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»:
غُرْمُهُ بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة يعني هلاكه ونقصه ونفقته.
(2)
قوله «مِنْ مُؤْنَتِهِ»:
يعني طعامه وشرابه وكسوته إن كان يحتاج إلى كسوة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (1). (3)
قوله «وَمَخْزَنِهِ»:
يعني عليه كذلك أجرة مخزنه لو كان الرهن يحتاج إلى خزن واستأجرنا مكاناً نخزنه فيه فأجرة المخزن على الراهن.
(4)
قوله «وَكَفَنِهِ إِنْ مَاتَ»:
كأن يكون المرهون عبداً فيموت فإذا مات يحتاج إلى أجرة غسل، وقيمة ماء، وقيمة كفن فتكون هذه على الراهن لأنه ملكه له غنمه وعليه غرمه.
(5) قوله «وَإِنْ أَتْلَفَهُ»: أي الراهن.
(6) قوله «أَوْ أَخْرَجَهُ مِنَ الرَّهْنِ بِعِتْقٍ»: كأن يكون الرهن عبداً فأعتقه فإنه بذلك أخرج المرهون وهو العبد بسبب إعتاقه من الرهن.
(7)
قوله «أَوِ اسْتِيْلادٍ»:
أي وطأ الجارية ثم ولدت فإنه بذلك قد أخرجها من الرهن بفعله ذلك لأنها إذا ولدت صارت أم ولد فخرجت من الرهن، والولد حر لكن يجب عليه شيءٌ آخر وهو ما ذكره المؤلف.
(8) قوله «فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ تَكُوْنُ رَهْنًا مَكَانَهُ»: أي فعليه قيمة الرهن تكون رهناً مكانه يدفع الراهن قيمة ما أتلفه، وتحجز القيمة عند المرتهن بدلاً من هذا الذي =1
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ (1) فَهُوَ الْخَصْمُ فِيْهِ، وَمَا قُبِضَ بِسَبَبِهِ، فَهُوَ رَهْنٌ (2)، وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ (3)، فَإِنْ فَدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ (4)، وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَلَمْ يُوَفِّهِ الرَّاهِنُ (5)، بِيْعَ، وَوُفِّيَ الْحَقُّ مِنْ ثَمَنِهِ وَبَاقِيْهِ لِلرَّاهِنِ (6)، =أعتقه أو أخرجه من الولادة لأنه لا يجوز الإضرار بالمرتهن وإسقاط حقه اللازم له.
(1)
قوله «وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ»:
أي إن جنى على الرهن غير الراهن.
(2)
قوله «فَهُوَ الْخَصْمُ فِيْهِ، وَمَا قُبِضَ بِسَبَبِهِ، فَهُوَ رَهْنٌ»:
أي الراهن خصم في الرهن على من جنى عليه لأنه ملكه، فإن كانت الجناية عليه موجبة للقصاص فلسيده الاقتصاص، وله العفو لأنه مالكه، فإن اقتص فعليه قيمة أقلهما قيمة من العبد الجاني والعبد المرهون، وما قبضه سيده بسبب ذلك من القتل أو الجرح على العبد المرهون فهو رهن لأنها بدل عنه أو بدل جزء منه.
(3)
قوله «وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ»:
أي إذا كان الرهن عبداً مثلاً وجنى جناية موجبة للمال سواء كانت على إنسان أو مال فالمجني عليه أحق برقبة الجاني «وهو العبد» من المرتهن لأن الجناية مقدمة على حق المالك، ويبطل الرهن بتسليمه للمجني عليه.
(4)
قوله «فَإِنْ فَدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ»:
أي إن اختار سيد العبد الجاني فداءه فهو رهن بحاله، لأن حق المرتهن قائم لوجود سببه، وإنما قدم حق المجني عليه لقوته، فإذا زال رجع الأمر كما كان عليه أي صار رهناً بحاله بيد المرتهن.
(5)
قوله «وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَلَمْ يُوَفِّهِ الرَّاهِنُ»:
أي إن حل موعد سداد الدين وامتنع الراهن من الوفاء فما الحكم إذاً قال المؤلف.
(6)
قوله «بِيْعَ، وَوُفِّيَ الْحَقُّ مِنْ ثَمَنِهِ وَبَاقِيْهِ لِلرَّاهِنِ»:
أي إن امتنع الراهن =
وَإِذَا شُرِطَ الرَّهْنُ أَوِ الضَّمِيْنُ (1) فِيْ بَيْعٍ، فَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُسَلِّمَهُ، أَوْ أَبىَ الضَّمِيْنُ أَنْ يَضْمَنَ (2) خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ إِقَامَتِهِ بِلا رَهْنٍ وَلا ضَمِيْنٍ (3). =من سداد الدين باعه لأن هذا هو المقصود من الرهن، فإن أبى الراهن بيع المرهون قام الحاكم ببيعه وقضى دينه من ثمنه لأنه حق تعين عليه، ولا يخلو بيع الرهن من أمور، إما أن يكون الثمن أقل من قيمة الدَّين فهنا يأخذ الموجود والباقي يكون في ذمة المرتهن، وإن كان ثمن الرهن بقدر الدَّين أخذه المرتهن وإن كان ثمنها أكثر من قيمة الدَّين أخذ المرتهن حقه ورد الباقي على الراهن.
(1)
قوله «وَإِذَا شُرِطَ الرَّهْنُ أَوِ الضَّمِيْنُ»:
أي إذا شرط البائع رهناً أو ضميناً على المشتري.
(2)
قوله «فِيْ بَيْعٍ، فَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُسَلِّمَهُ، أَوْ أَبىَ الضَّمِيْنُ أَنْ يَضْمَنَ»:
أي وقد وافق الراهن على تسليم رهن أو وافق الضمين على أن يضمن ثم نكص عن ذلك فما الحكم إذاً؟ قال المؤلف.
(3)
قوله «خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ إِقَامَتِهِ بِلا رَهْنٍ وَلا ضَمِيْنٍ»:
أي للبائع الخيار بين فسخ البيع لأنه إنما بذل ماله بهذا الشرط، فإذا لم يسلم له استحق الفسخ وله أيضاً إتمام البيع بلا رهن ولا ضمين لأن ذلك حقه وقد أسقطه فيلزمه البيع كما لو لم يشترطه.
ذكر بعض المسائل المتعلقة بالرهن
:
المسألة الأولى: في اختلاف المتراهنين
، إذا اختلف المتراهنان ففي اختلافهما أحوال: الحالة الأولى: أن يختلفا ولأحدهما بينة فيقبل قوله.
..................................
الحالة الثانية: أن يختلفا وليس لأحدهما بينة، فهذا محل تفصيل:
1 - أن يختلفا في قيمة الرهن التالف في يد المرتهن: فإن كان بدون نقد ولا تفريط لم يضمن لأنها أمانة في يده، وهذا مذهب الجمهور 1.
أما إذا تلف بتفريط فإنه يضمنه نتيجة لفعله، فإن اختلفا في قيمة الرهن فقال الراهن قيمته عشرة ألاف، وقال المرتهن لك قيمته خمسة ألاف، فيقبل قول المرتهن لأنه غارم ولأنه منكر للزيادة وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» 2، فهنا قد اتفقا على خمسة ألاف واختلفا في خمسة ألاف، وإذا لم توجد بينة فالقول قول المنكر مع يمينه والمنكر هو المرتهن وهذا هو مذهب الجمهور 3، وذهب بعض أهل العلم إلى أن القول قول الراهن إذا كانت قيمة المرهون بقدر الدين، لأن الغالب أن الرهن يكون بحدود الدين أما إذا زادت على الدين فلا تقبل، واختار هذا القول شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- 4، والأظهر عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
2 - أن يختلفا في قدر الحق الذي بسببه كان الرهن كأن يقول الراهن رهنته عندك بألف فقال المرتهن بل رهنته بألفين، فالقول قول الراهن لأنهما اتفقا في ألف والألف الأخرى منكرة والقول قول المنكر مع يمينه وهو الراهن، لأن الأصل عدم الرهن بالألف الزائدة.
3 - أن يختلفا في حلول الدين وتأجيله كأن يكون على الراهن دين حال للمرتهن =
..................................
= ودين مؤجل فقال الراهن: الرهن على الدين المؤجل، وقال المرتهن الرهن على الدين الحال، فالقول قول الراهن بأن الرهن للدين المؤجل، لأنه هو المنكر في هذا والمرتهن هو المدعي والقول قول المنكر وهو الراهن فيكون الرهن للدين المؤجل لا الحال.
4 - أن يختلفا في قدر الرهن عند التبايع: كأن يقول الراهن رهنتك ثلاث سيارات ويقول المرتهن بل خمس سيارات، فيقبل قول المنكر مع يمينه وهو الراهن لأنهما اتفقا على ثلاثة واختلفا في اثنين.
5 - أن يختلفا في عين الرهن فيقول الراهن رهنتك الدار، ويقول المرتهن بل رهنتني المزرعة، فيتحالفان؛ فيحلف الراهن أنه لم يرهنه المزرعة وإنما رهنه الدار، ويحلف المرتهن أنه لم يرهنه الدار وإنما رهنه المزرعة، ويسقط الرهن ويكون البيع بدون رهن، وإذا بطل الرهن يكون للمرتهن الخيار، لأنه اشترط شرطاً ولم يسلم له دفعاً للضرر عنه.
ولو قال المرتهن أنا أتنازل عن المزرعة إلى الدار لم يقبل ذلك لأنه كان منكراً له إلا إذا رضي الراهن بذلك وإذا امتنع أحدهما عن الحلف قضى عليه بالنكول، فيكون فيه اعترافٌ للآخر ويلزم بقول خصمه، وقيل بل يقبل قول الراهن، لأنه منكر لما ادعاه المرتهن وهو رهن العين الأخرى لأن الأصل عدم الرهن ولم يعترف بما ادعاه المرتهن فيقع بما اعترف به الراهن.
6 - إذا اختلفا في رد الرهن إلى الراهن فقال المرتهن رددت إليك الرهن: فقال الراهن بل لم ترده، فيقبل قول الراهن لأن الأصل عدم الرد مع يمينه، ويلزم المرتهن برد الرهن أو قيمته عند تلفه، هذا بخلاف الأمانة فلو كان عنده لشخص=
.................................. = أمانة وادعى ردها فيقبل قوله، لأنه مؤتمن مع يمينه ولأنه قبضها لحظ غيره، وإذا ادعى تلفها فإن كان بحادث ظاهر قبلت دعواه وإلا فلا بد من بينة.
المسألة الثانية: الشروط في الرهن
:
الشروط في الرهن منها شروط فاسدة وشروط صحيحة وشروط مختلف فيها.
أولاً: الشروط الفاسدة:
تعريفها: هي كل شرط يخالف مقتضى العقد أو لا يقتضيه العقد.
مثالها: كأن يشترط ألا يباع الرهن عند حلول الدين، أو شرط ألا يقبضه المرتهن، أو شرط ألا يوفي الدين من ثمن الرهن فهذه شروط فاسدة تخالف مقتضى العقد.
أما الشروط التي لا يقتضيها العقد مثل شرط شيء محرم مثل شرطه رهناً مجهولاً أو خمراً أو معدوماً أو ما لا يقدر على تسليمه فهذه شروط فاسدة لكن هل تؤثر على العقد فتبطله أم لا؟ قولان لأهل العلم:
الأول: يبطل البيع لأن البيع وقع على هذا الشرط فإذا فسد فسد ما بني عليه.
الثاني لا يفسده فهوَ يفْسُدْ ولا يفسد البيع.
ثانياً: الشروط الصحيحة: كما لو شرط أن يكون الرهن عند عدل يحفظه، أو شرط أنه عند حلول الدين يباع الرهن ويستوفي من ثمنه فهذه شروط لا تخالف مقتضى العقد فيجب الوفاء بها.
ثالثاً: الشروط المختلف فيها وهي أنواع:
النوع الأول: أن يشترط رهن المبيع على ثمنه بأن قال أبيع عليك السيارة بعشرة ألاف ريال إلى أجل لكن أرهنها حتى تسدد فهذا النوع لها ثلاث حالات:
1 - أن يكون رهن المبيع مشروطاً في العقد، وهذه الحالة محل خلاف بين العلماء=
..................................
=والصحيح أنه يجوز رهن المبيع على ثمنه إذا شرطه لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» 1.
2 - إذا رهنه المبيع قبل لزوم العقد: فهذا يرجع إلى الخلاف في أصل المسألة وهو التصرف في المبيع قبل قبضه، فمن رأى أنه يتصرف فيه قبل قبضه أجاز ذلك، ومن لم يجز التصرف فيه قبل قبضه لم يجزه، وهو الصحيح.
3 - إذا رهنه بعد قبضه فلا خلاف في جوازه.
النوع الثاني: أن يقول الراهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، فهل هذا يجوز؟
قولان للفقهاء، والصحيح عندي جواز ذلك.
بَابُ الصُّلْحِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الصُّلْحِ»:
الصلح لغة: قطع المنازعة.
وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين.
أما حكمه: فهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فقوله ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.. ﴾ 1، وقوله ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ 2، وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ 3.
أما السنة: فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله وفعله ما يدل على ذلك، فمن الفعل ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ» 4.
أما القول فمن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ».
قَالُوا بَلَى.
قَالَ «إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ» 5، وعن أبي=
.................................. =هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (1). أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز الصلح بين المتخاصمين.
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأولى: أعدل الصلح وأحقه ما اعتمد فيه رضا الله ورضا المتخاصمين ولا يكون ذلك إلا بشرطين العلم والعدل العلم بالوقائع والمعرفة بالواجب وقصد العدل.
الفائدة الثانية: في أنواع الصلح
: الصلح على خمسة أنواع:
1 - الصلح بين المسلمين والكفار.
2 - الصلح بين أهل العدل وأهل البغي.
3 - الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت الزوجة إعراض الزوج عنها.
4 - الصلح بين المتخاصمين في غير مال.
5 - الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهذا هو الذي يريده الفقهاء في تبويبهم بباب الصلح وهو مراد المؤلف هنا.
الفائدة الثالثة: في شروط الصلح
: 1 - أن يكون المصالح ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم =1
..................................
=يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط.
مثال ذلك: ولي اليتيم إذا أسقط بعض دينه وأخذ الباقي فلا يصح الإسقاط لأنه لا يصح تبرعه، اللهم إلا إذا كان في الإسقاط مصلحة لليتيم، كأن يكون مال اليتيم عند مماطل ولا يمكن الحصول عليه إلا بإسقاط بعض المال فهنا يجوز الإسقاط وذلك لأن استدراك بعض الشيء أولى من فوات الكل.
2 - أن يكون المصالح عنه «الشيء المنازع فيه» مالاً متقوّماً مقدور التسليم أو منفعة مباحة.
3 - أن يكون المصالح عنه مالاً معلوماً علماً نافياً للجهالة أو ما يقوم مقام المال.
وسيأتي إن شاء الله مزيد من التوضيح في ثنايا شرحنا كلام المؤلف على هذه الشروط.
الفائدة الرابعة: الصلح في الأموال ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الصلح مع الإقرار: وذلك بأن يكون المدعى عليه مقراً بحق خصمه وهو نوعان:
النوع الأول: الصلح على جنس الحق ببعضه، كأن يقر له بدين فيضع عنه بعضه كنصفه أو ربعه فيقول وهبتك نصف الدين فأعطني بقيته، أو يقر له بعين كدار أو ثياب أو كتب فيهب له بعضها، ويأخذ الباقي فهذا يصح باتفاق الفقهاء، لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه كما لا يمنع من استيفائه، دليل ذلك قصة جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - «أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَكَلَّمْتُهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ =
.................................. =حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي.. » (1). وأيضاً ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى «يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ» (2). النوع الثاني: الصلح عن الحق بغير جنسه: وهو ما يسمى بصلح المعاوضة، وصفته أن يكون عليه دين فيصالحه على أرض عوضاً عنه، أو يكون عليه دار فيقرُّ له بها ثم يصالحه عنها على ثوب أو دار أخرى، وهذا النوع جائز باتفاق الفقهاء، ويعد بيعاً، وإن عقد بلفظ الصلح، لأنه مبادلة مال بمال، ويشترط فيه جميع شروط البيع كمعلومية البدل، والقدرة على التسليم والتقابض في المجلس إن جرى بين العوضين ربا النسيئة، وكذلك تتعلق به جميع أحكام البيع كرد المعيب، وحق الشفعة، والمنع من التصرف قبل القبض، وكذلك يدخل في هذا النوع إن صالحه على منفعة في مقابل الدين كما إذا ادعى على رجل شيئاً فأقر به ثم صالحه على سكن داره أو ركوب دابته.
القسم الثاني: الصلح على الإنكار
«الصلح مع إنكار المدعى عليه»: وهو أن يدعي شخص على آخر عيناً أو ديناً أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحان.12
..................................
مثاله: أن يدَّعي «زيد» على «عمرو» عشرة آلاف ريال، أو يدَّعى عليه سيارة بيده، أو داراً، فأنكر المدعى عليه «عمرو» هذا الدَّين، وبدلاً من الذهاب إلى المحكمة والقضاء أراد المدعى عليه قطع النزاع وافتداءً اليمين، فصالح المدعى عليه المدعي على سبعة آلاف ريال مثلاً فأخذها «زيد» وانتهى ما بينهما.
وهذا القسم قد اختلف الفقهاء فيه على قولين:
الأول: جوازه، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية 1، والمالكية 2، والحنابلة 3 بشرط أن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أن لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع.
أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه وما أخذه بكذب نفسه حرام عليه لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
واستدل الجمهور لذلك بعموم الأدلة التي تدل على جواز الصلح.
الثاني: قول الشافعية 4، وابن حزم 5 أن الصلح مع الإنكار باطل لا يجوز، واحتجوا لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» 6، وأيضاً بالقياس على ما لو أنكر الزوج الخلع ثم=
وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِه (1) أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ (2) مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ (3)، أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذلِكَ (4)،
=تصالح مع زوجته على شيء فلا يصح ذلك.
وأيضاً لو كان المدعي كاذباً فقد استحل مال المدعى عليه.
والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فالحاجة داعية إلى هذا النوع قطعاً للنزاع، فإن المدعي يأخذ عوضاً عن حقه الثابت في اعتقاده، وهذا مشروع، والمدعى عليه يؤديه افتداءً لنفسه من الدعوى واليمين.
(1)
قوله «وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِهِ»:
كأن يكون عند شخص عشرة آلاف ريال فأسقط ثلاثة.
(2)
قوله «أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ»:
كأن يقرَّ له بعين ثم يصالحه على نصفها أو ربعها أو ما شابه ذلك، فهذا جائز وهو كما سبق يسمى صلح الإقرار، وقد سبق بيان حكمه وأنواعه.
(3)
قوله «مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ»:
كأن يقول له نعم أنا مقر لك بهذا الدين أو بهذه العين ولكن لا أوفيك دينك أو لا أعطيك عينك إلا بأن تصالحني على شيء منها هبة منك لي أو تبرأني على شيء منها، فهذا لا يصح ولا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه.
فهذا حرام ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولأن في هذه الحالة تحولت المسألة إلى معاوضة فتؤدي إلى ربا، فالحاصل أن محل صحة صلح الإقرار ألا يكون ذلك بشرط.
(4)
قوله «أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذلِكَ»:
أي لا يعطيه حقه إلا بأن يهب له أو يبرأه من بعضه، وهذا لا يجوز أيضاً.
أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ (1)، (1)
قوله «أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ»:
مثل أن يصالحه عن عشرة آلاف ريال مؤجله بخمسة آلاف حالة لم يجز.
والعلة في ذلك أنه ربا وهو بيع بعض ماله بماله، ولأن بيع الحلول غير جائز.
وهذا هو قول الجمهور من الحنفية 1، والمالكية 2، والشافعية 3، وهو الصحيح في مذهب الإمام أحمد 4، والرواية الثانية للإمام أحمد، وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 5، وتلميذه ابن القيم 6، والشوكاني 7.
بل هي قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي 8 جواز ذلك لأن فيه مصلحة للدائن وهي أنه تعجل قبض حقه، ومصلحة للمدين وهي براءة ذمته وإسقاط بعض الدين عنه.
وقد يحتاج صاحب الحق حقه لعذر من الأعذار، ولا دليل على المنع وليس هذا من الربا، لأن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأصل، وهذا يتضمن براءة ذمته من العوض في مقابلة سقوط الأصل.
وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 9.
وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ الْمَجْلِسِ (1)، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لا يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ (2) (1)
قوله «وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ الْمَجْلِسِ»:
سبق بيان ذلك في باب الربا والصرف، وقلنا أنه يجوز بيع الذهب بالورق «الفضة» والعكس، لكن يشترط لذلك شرطان هما:
1 - أن تكون بسعر يومها.
2 - التقابض قبل التفرق.
دليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إني أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير وأخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير أخذ هذا من هذا لأعطي هذا من هذا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا بَأْسَ أَنْ تُؤْخَذَ بِسِعِّرِ يَوْمِهَا بِشَّرْطِ أَنْ تَتَفَرَقَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيء» (1).
فمتى صالح صاحب الدين المدين عن أثمان بأثمان «كذهب بورق» أو العكس فإنه يجوز ذلك، لكن يعتبر لذلك شروط الصرف لأنه صرف أثمان بأثمان، فيشترط له أن يكون بسعر يومه والتقابض قبل التفرق.
(2)
قوله «وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لا يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ»:
هذا هو صلح الإنكار، وقد سبق بيانه في أقسام الصلح وقلنا بأن هذا القسم جائز، وهو قول الجمهور.1
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ (1)، وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَازَ (2) (1)
قوله «فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ»:
سبق أن قلنا بأن صلح الإنكار يشترط لجوازه أن يكون المدعي معتقداً صدق نفسه، وأن ما ادعاه حق والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع.
أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه فالصلح باطل في حقه، وما أخذه حرام لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (1)، هذا فيما بينه وبين الله تعالى، أما ظاهراً فإنهما لو ترافعا إلى القاضي في المحكمة حكم بالصلح، وعلى هذا لا يجوز له أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع.
مثال ذلك: رجل ادعى أن قطعة الأرض هذه له، وهي أرض مشتركة، فأنكر من بيده الأرض ثم اتفقا على الصلح، فأعطى المدعي عشرة آلاف ريال عوضاً عن الأرض.
إن كان المدعي صادقاً والمنكر - المدعى عليه - كاذباً فالأرض حرام على المدعى عليه كالأرض المغصوبة تماماً، وإن كان بالعكس المدعى عليه هو المحق والمدعي هو المبطل فالعوض الذي أخذه عن الأرض حرام.
(2)
قوله «وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَازَ»:
هذا ما يسمى بالصلح عن المجهول وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من=1
..................................
=الصلح، فذهب المالكية 1، والحنابلة 2 إلى جوازه سواء كان عيناً أو ديناً لا سبيل إلى معرفته.
ويرى الحنفية 3 أن هذا النوع لا يجوز إذا كان مما يحتاج إلى التسليم لئلا يفضي إلى المنازعة، كما إذا ادعى حقاً في دار رجل ولم يسلم، فاصطلحا على مال معلوم يعطيه المدعي، أما إذا كان مما لا يحتاج إلى تسليم كترك الدعوى مثلاً فيجوز لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة فهو بمنزلة الإبراء عن المجهول وهو جائز.
ويرى الشافعية 4 أنه لا يجوز الصلح عن المجهول لأن الصلح فرع البيع ولا يصح بيع المجهول.
والراجح من الأقوال الثلاثة: جواز الصلح عن المجهول، دليل ذلك ما ثبت عن أم سلمة قالت: «جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ أَوْ قَدْ قَالَ لِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَإِنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ يَأْتِي بِهَا إِسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِّي لِأَخِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَا إِذْ قُلْتُمَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ=
.................................. =مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» (1)، ولو لم يجز الصلح لأفضى إلى ضياع الحق أو بقاء شغل الذمة على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه، وليس الصلح هنا بيعاً وإنما هو إبراء.
ذكر بعض الفوائد
المتعلقة بهذا الباب:
-
الفائدة الأولى: اتفق الفقهاء على عدم صحة الصلح عن حق الله، فلا يصح الصلح عن حد الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك، أما حقوق العباد فيجوز الصلح عن كل حق ثابت للمُصالح إذا كان مما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أم لا، وسواء أكان مالاً أم غير مال، فيجوز العفو عن دم العمد في النفس وما دونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في المبيع قطعاً للخصومة والمنازعة.
الفائدة الثانية: الصلح بين الجاني والمدعي
:
يرى الحنفية 2 أن الصلح إما أن يكون بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه صح الصلح، وأما إذا كان بغير إذنه فهذا هو صلح الفضولي وهو جائز وصحيح، ويكون الفضولي متبرعاً حيث التزم ببدل الصلح ولا شيء له لأنه أجرى العقد بلا أمر المدعى عليه، وإذا أطلق الفضولي الصلح ولم يلتزم بشيء فَصُلْحُه هذا موقوفٌ على إجازة المدعى عليه.
ويرى المالكية 3 أنه لا يجوز للرجل أن يصالح عن غيره بوكالة أو بغير وكالة =1
..................................
= ويلزم المصالح إذا كانت الدعوى على عين وبإذن المدعى عليه، أما إذا كانت على دين فيصح سواء كان ذلك بإذن المدعى عليه أم لا.
أما الحنابلة 1 فإنهم قالوا بجواز الصلح سواء كان عيناً أو ديناً بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه، لكن إن كان الصلح بإذن المدعى عليه فإن الأجنبي يرجع عليه بما أدى، وإن كان بغير إذن المدعى عليه فلا يرجع لأنه أدى عنه ما لا يلزمه فكان متبرعاً.
والراجح من الأقوال: ما ذهب إليه الحنابلة لحديث علي وأبي قتادة -رضي الله عنه- ما حيث قضى عن الميت فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويرجع بما أداه إذا كان بإذنه لأنه قد أقره فيما يقوم به من الصلح، وفي حال عدم الإذن لا يرجع عليه بشيء، فإن إلزام المدعى عليه بما لم يقبله فيه مضرة عليه حيث أنه يمكن ألا يثبت هذا الحق المدعى به.
- الفائدة الثالثة: تجري على أحكام الصلح أقرب العقود إليه شبهاً، فالصلح عن مال بمال يعتبر في حكم البيع.
والصلح عن مال بمنفعة يكون في حكم الإجارة، والصلح على بعض العين المدعاة هبة، والصلح عن نقد بنقد له حكم الصرف، والصلح في دعوى الدَّين على أن يأخذ المدعي أقل من المطلوب لترك دعواه يعتبر أخذ بعض الحق وإبراء الباقي، ونتيجة لذلك فإنه يجري في الصلح أحكام العقد الذي اعتبر فيه وتراعى فيه شروطه ومتطلباته 2.
بَابُ الْوَكالَةِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْوَكالَةِ»:
الوكالة في اللغة: بفتح الواو وكسرها، وهي اسم مصدر بمعنى الوكيل، وهي لغة: التفويض والحفظ (1)، يقال: وكلت الأمر إليه أي فوضته إليه.
أما في الاصطلاح: فهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
قولنا جائز التصرف: هو من اجتمعت فيه أوصاف أربعة «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد»، وقولنا فيما تدخله النيابة احترازاً مما لا تدخله النيابة، كالوضوء، والصلاة مثلاً، فلا تدخلها النيابة.
فلو قال «وكلتك لتصلي عني، أو لتتوضأ عني» فهذا لا يجوز.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة
الأولى: حكم الوكالة
: الوكالة جائزة بالنسبة للموكل لأنها من التصرفات المباحة أي التي أباحها الله، سُنَّة بالنسبة للوكيل لما فيها من الإحسان إلى أخيه المسلم وقضاء حاجته، وقد دلَّ الكتاب والسنة على مشروعيتها.
ومن أدلة الكتاب: قال الله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ.. ﴾ 2، وجه الدلالة من الآية أن أصحاب الكهف وكلوا واحداً =1
..................................
= منهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بطعام، ويكون في ذهابه متلطفاً يعني مستتراً ما أمكنه ولا يخبر عنهم.
ومن ذلك أيضاً قول موسى عليه السلام لأخيه هارون عليه السلام ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي.. ﴾ (1)، وهذه وكالة.
أما دليل السنة: فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّه أَمَرَ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلا يُعْطِىَ في جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا» (2).
ووكَّل - صلى الله عليه وسلم - عروة بن أبي الجعد -رضي الله عنه- ليشتري له أضحية بدينار، «.. فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ كَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ» (3)، فكان لا يبيع شيئاً أو يشتريه إلا ربح فيه.
ومن حيث النظر فإن الحاجة داعية إلى جواز الوكالة لأنها من مصلحة العباد، فقد لا يستطيع الإنسان أن يعمل أعماله بنفسه، فمن رحمة الله تعالى أن أجاز هذا النوع من المعاملات فالمصلحة تقتضيه.
- الفائدة
الثانية: حكم عقد الوكالة
: عقد الوكالة جائز بين الطرفين «الوكيل والموكل»، يملك كل واحد منهما فسخه، لأنها من جهة الموكل إذن ومن جهة الوكيل بذل نفع وكلاهما غير لازم وهذا هو الأصل، لكن إن تعلق على عزل الوكيل من الموكل أو من نفسه بعد مباشرته الوكالة وعمله بموجبها ضرر على الوكيل أو الموكل فهنا يلزم عقد الوكالة لأن الوكالة تعلق بها حق الغير.123
وَهِيَ جَائِزَةٌ فِيْ كُلِّ مَا تَجُوْزُ النِّيَابَةُ فِيْهِ (1) =والقول بلزوم الوكالة في تلك الحالة حسن لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (1).
-
الفائدة الثالثة: أركان الوكالة: للوكالة أركان أربعة: 1 - العاقدان: وهما «الوكيل - الموكل».
2 - الصيغة: وهي الإيجاب والقبول؛ ويصح الإيجاب بكل لفظ يدل على الإذن، ويجوز القبول بكل لفظ أو فعل يدل عليه على الصحيح.
3 - الموكل فيه وهو كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات، ويصح في كل حق آدمي من العقود والفسخ والعتق والطلاق والرجعة، وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك. -
الفائدة
الرابعة: شروط الوكالة
:
1 - تعيين الوكيل.
2 - أن يكون الوكيل والموكل جائزي التصرف.
3 - أن يكون التوكيل فيما تدخله النيابة.
4 - أن تكون الوكالة بشيء معين.
(1)
قوله «وَهِيَ جَائِزَةٌ فِيْ كُلِّ مَا تَجُوْزُ النِّيَابَةُ فِيْهِ»:
بين المؤلف هنا حكم الوكالة وقد سبق بيان حكمها، وقوله «في حكم ما يجوز النيابة فيه»، أي فيما يقبل النيابة من العبادات كالزكاة، وكذلك سائر العقود كالبيع والشراء والإجارة والنكاح والطلاق والهبة والصدقة والخلع والصلح والإعارة والإبداع وقبض الحقوق والخصومة والرهن وطلب الشفعة.1
..................................
=ولا تصح الوكالة في العبادات التي لا تدخلها النيابة كالإيمان، والصلاة، والطهارة.
ولا تصح في العقود التي لا تقبل النيابة، كالظهار، والأيمان، واللعان، والنذر.
ومن خلال ما ذكرناه يمكن القول بأن الأعمال بالنسبة لجواز الوكالة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حقوق الله تعالى، وهي نوعان:
نوع تدخله النيابة، ونوع لا تدخله النيابة.
فالذي تدخله النيابة هي العبادات المالية، أي التي لها تعلق بالمال كالزكاة والصدقات والكفارات وغيرها، فيجوز التوكيل في قبضها وتفريقها.
أما الذي لا يقبل النيابة فهي العبادات البدنية المحضة كالوضوء والصلاة والصوم والاعتكاف ونحو ذلك، أما الحج فتدخله النيابة، لكن بشرط العجز من الموكل لحديث الخثعمية حيث قالت يا رسول الله «إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» 1.
القسم الثاني: ما كان له تعلق بحقوق الآدميين، وهو أيضاً نوعان:
الأول: ما يتعلق بشخص الفاعل كالحدود والقصاص فلا يجوز فيه النيابة.
الثاني: ما يتعلق بفعل الفاعل فهذا تدخله النيابة كما سبق بيان ذلك.
إِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيْلُ مِمَّنْ يَصِحُّ ذلِكَ مِنْهُ (1)، وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ (2) يَبْطُلُ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (3)، (1)
قوله «إِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيْلُ مِمَّنْ يَصِحُّ ذلِكَ مِنْهُ»:
سبق أن بيَّنَّا تعريف الوكالة اصطلاحاً، واشترطنا فيها أن تكون الاستنابة فيمن اجتمع فيه أربعة أوصاف: «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد».
فهذه الأوصاف الأربعة لا بد من توفرها في الموكل والوكيل، والقاعدة في ذلك أن كل من له التصرف في شيء - وكان مما تدخله النيابة - فله أن يوكل فيه وله أن يتوكل، ومن ليس له التصرف في شيء فليس له أن يوكل وليس له أن يتوكل.
(2)
قوله «وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ»:
يعني الوكالة عقد جائز من الطرفين ولكل منهما أن يتخلى عنها متى شاء إلا إذا كان في ذلك ضرر على كل منهما كما سبق فتكون عقداً لازماً في حق أحدهما.
(3)
قوله «يَبْطُلُ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا»:
هذا أول مبطلات الكفالة فهي تبطل بموت الموكل أو الوكيل لأنها تعتمد على الحياة، فإذا انتفت الحياة انتفت صحتها وذلك لانتفاء ما تعتمد عليه وهو أهلية التصرف.
فإذا كان الموكل هو الذي قد مات فإن الموكل به انتقل إلى ملك آخرين لم يأذنوا بتصرف الوكيل، وعلى ورثة الموكل إبلاغ الوكيل بموت موكله ليكف عن التصرف وإلا فهم المسئولون عن كل تصرف قبل علم الوكيل بموت الموكل، وفي حالة موت الوكيل انتفت الوكالة ويجب على ورثته إذا توفرت فيهم الأهلية وكانوا على علم بالوكالة أن يبادروا بإخبار الموكل، والقيام بحفظ كل ما يتعلق بالوكالة.
وَفَسْخِهِ لَهَا (1)، وَجُنُوْنِهِ (2)، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ (3)، (1)
قوله «وَفَسْخِهِ لَهَا»:
هذا هو الأمر الثاني فيما تبطل به الوكالة وهو الفسخ سواء كان فسخ الموكل أو الوكيل، وقد سبق أنه لا بد أن لا يترتب على الفسخ ضرر على الموكل أو الوكيل والقاعدة في ذلك «إذا تضمن الفسخ ضرراً على أحد الطرفين فإن العقود الجائزة تنقلب لازمة دفعاً للضرر».
(2)
قوله «وَجُنُوْنِهِ»:
هذا هو الأمر الثالث، فتبطل الوكالة بجنون الوكيل أو الموكِّل لزوال أهلية التصرف، وقد سبق أن أهلية التصرف لا تتحقق إلا بأمور أربعة: «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد».
ولكن أي أنواع الجنون الذي تبطل به الوكالة؟
قال أهل العلم: الجنون المطبق أي الدائم، أما إذا كان جنوناً مؤقتاً أو كان أحدهما قليل الجنون فهنا لا تبطل لأنها تأخذ حكم الإغماء، والإغماء على القول الصحيح لا تبطل به الوكالة لأنه بمنزلة النوم.
(3)
قوله «وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ»:
هذا هو النوع الرابع مما تبطل به الوكالة وقد سبق بيان الحجر وما يتعلق به من أحكام، فإذا حجر على أحد المتعاقدين بالوكالة «الموكل - الوكيل» لسفه أحدهما فإن الوكالة تبطل، فإذا حجر على الموكل لسفه فإن تصرفاته غير نافذة في شؤونه الخاصة، فتصرفات وكيله من باب أولى أما الوكيل إذا حجر عليه لسفهه، فإنه لما منع من التصرف فيما يختص به كان الأولى أن يمنع من التصرف في حق غيره.
وقول المؤلف «وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ» فهم منه أنه إذا حجر عليه لفلسه أنها لا تبطل لأنه لم يخرج بالفلس عن أهلية التصرف فصحت وكالته، فإن كانت الوكالة متعلقة بما حجر عليه فيه وهو عين ماله بطلت بفلسه لانقطاع تصرفه فيه
ولو كان الحجر على الوكيل لم تتأثر الوكالة بذلك لكمال أهليته لأن الوكالة=
وَكَذلِكَ الشَّرِكَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْجَعَالَةُ وَالْمُسَابَقَةُ (1)، وَلَيْسَ لِلْوَكِيْلِ أَنْ يَفْعَلَ إِلاَّ مَا تَنَاوَلَهُ الإِذْنُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا (2)، وَلَيْسَ لَهُ تَوْكِيْلُ غَيْرِهِ (3)
= ليست من التصرفات المالية التي سلبت أهليته فيها.
(1) قوله «وَكذلِكَ الشَّرِكَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْجَعَالَةُ وَالْمُسَابَقَةُ»: أي كل هذه المذكورات تبطل بموت أو عزل أو جنون أو الحجر عليه لسفه أحد المتعاقدين، وسيأتي - إن شاء الله - بيان ذلك موضحاً في موضعه.
(2)
قوله «وَلَيْسَ لِلْوَكِيْلِ أَنْ يَفْعَلَ إِلاَّ مَا تَنَاوَلَهُ الإِذْنُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا»:
أي ليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله إذن الموكل لفظاً أو عرفاً، لفظاً كأن يقول له بع سيارتي بعشرة آلاف فليس له أن يبيعها بأقل من ذلك، وإن قال له بع سيارتي وسكت لم يبيعها بقرض ولا نسيئة ولا بغير نقد البلد لأن العرف ينصرف إلى ذلك، ولو باعها بثمن المثل أو بأكثر منه فالقرينة العرفية تقتضي صحة ذلك.
(3)
قوله «وَلَيْسَ لَهُ تَوْكِيْلُ غَيْرِهِ»:
أي ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما أسند إليه نيابة عن الموكل فلو وكَّل إنسان فلاناً من الناس ليبيع له سيارة فليس له أن يوكل غيره، لأن التوكيل كان له بنفسه فقد يكون الموكل يثق فيه هو ولا يثق في غيره، لاسيما في الأمور التي يختلف فيها القصد اختلافاً كبيراً كالزكاة مثلاً إذا وكل بها شخصاً فإنما وكله لعلمه به وثقته به لأن أمرها عظيم وربما يثق في فلان ولا يثق في فلان، فإذا أراد الموكل أن يوكل غيره فلابد من إذن الوكيل.
والموكل عند توكيله لغيره له حالات:
الحالة الأولى: أن ينهاه الموكل عن التوكيل فهنا لا يجوز له أن يوكل غيره.
الحالة الثانية: أن يأذن له في التوكيل فيجوز أيضاً.
وَلا الشِّرَاءُ مِنْ نَفْسِهِ (1)،
الحالة الثالثة: أن يطلق الوكالة فهذا لا يخلو من أربعة أحوال أيضاً:
الأولى: أن يكون العمل مما لا يتناسب مع الموكل كالأعمال الدنيئة مع أشراف الناس، كأن يقول لقاضي أو أمير ونحوه إني مسافر وأوكلك في علف دابتي مثلاً فهذه مما لا يفعله الوكيل بنفسه عادة فهنا يوكل من يشتري له علفاً لدابته وإن لم يؤذن له في ذلك.
الثانية: أن يكون العمل مما يتناسب معه لكنه عمل كثير لا يستطيع أن يؤديه وحده، كأن يكون وكله في بيع أموال كثيرة، وقال له اصرف هذه الأموال في شهر كذا لا تتعدى هذا الشهر، ولا يمكن له أن يباشر هذه الأعمال وحده وينتهي الشهر ولم ينتهي منها، فهنا يجوز له أن يوكل أحداً معه ويكون إذن الموكل معلوماً من قرينة الحال.
الثالثة: أن يكون العمل مناسباً له، ويستطيع أن يؤديه بغير كلفة عليه، فهذا لا يجوز له أن يوكل غيره إلا بإذن الموكل.
الرابعة: أن يكون العمل مما يعجز عن القيام بمثله عادة مثل أن يوكل رجلاً ضعيفاً في حمل حجر كبير إلى سطح منزل، فهذا رجل ضعيف لا يستطيع حمل هذا الحجر وحده فله أن يوكل من يحمل هذا الحجر إلى سطح المنزل.
(1)
قوله «وَلا الشِّرَاءُ مِنْ نَفْسِهِ»:
إذا وكل في بيع فإنه لا يبيع على نفسه لأنه متهم في ذلك، وهذا هو المذهب وهو قول الحنفية 1، والشافعية 2، وعلى ذلك لو وكلته في بيع سيارة أو بيع بيت فباعه على نفسه لا يصح البيع، =