.................................. =وذهب مالك 1 إلى جواز ذلك.
- الفائدة السادسة: ما تفعله بعض البنوك من وضع «شرط جزائي» عند تأخر المدين عن تسليم المسلم فيه وقته, فهو شرط باطل, لأنه دين, ولا يجوز اشتراط الزيادة على الدين عند التأخير, لأنه ربا وقد سبق، أما ما يفعله بعض الأشخاص فيما بينهم في شروط العقد «الشرط الجزائي» لمصلحة العقد, كأن يشترط رب العمل على المتعامل, أنه إذا تأخر في إنجاز العمل أن عليه عن كل يوم تأخير مبلغ مائة ريال مثلاً فهذا جائز، لكن يشترط أن لا يكون هذا الشرط الجزائي كثيراً, بحيث يراد به التهديد المالي وأكل مال الطرف الأخر بالباطل فإنه حينئذ يجب الرجوع في تقديره إلى العدل والإنصاف بحسب ما فات من مصلحة أو لحق من مضرة.
- الفائدة السابعة: أنه إذا حصلت ظروف طارئة عامة بعد عقد السلم وقبل تسليم المسلم فيه، وتسببت هذه الظروف في حصول غلاء فاحش للسلع المسلم فيها - ومثل ذلك المقاولات التي تحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها وحصل ارتفاع حاد لأسعار السلع التي عقد على توريدها أو التي يحتاج إليها العمل الذي تعاقد مع غيره على تنفيذه ونحو ذلك - ولم يكن المسلم إليه أو المقاول متسبباً في ذلك بتأخير أو غيره، فإنه يحق للقاضي في هذه الحالة عند التنازع وبناء على الطلب تعديل الحقوق والالتزامات العقدية بصورة تعدل القدر المتجاوز للمتعاقد من الخسارة على الطرفين المتعاقدين، كما يجوز له أن يفسخ العقد فيما لم يتم تنفيذه منه، إذا رأى أن فسخه أصلح وأسهل في =
..................................
=القضية المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزم له - وهو صاحب الحق في التنفيذ - يجبر له جانباً معقولاً من الخسارة التي تلحقه من فسخ العقد، بحيث يتحقق عدل بينهما دون إرهاق للملتزم، ويعتمد القاضي في هذه الموازنات جميعاً رأي أهل الخبرة الثقات 1.
هذا ومن العقود التي كثر التعامل بها في هذا الوقت، وبها شبه بالسلم:
عقد الاستصناع، وهو عقد يتعهد به الطرف الأول للطرف الثاني بصناعة سلعة معينة يسلمها له في وقت معين مقابل مبلغ معين.
فهو يزيد على عقد السلم بأنه عقد على العمل أيضاً، ولهذا يجوز فيه تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة 2.
باب القرض
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْقَرْضِ»:
القرض في اللغة: القطع، وفي الاصطلاح: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وقيده بعضهم على وجه الإحسان: أي أنه من باب الإرفاق والإحسان لا من باب المعاوضات، فليس هو من بيع ربوي بجنسه من غير قبض، لأن القرض من باب الإرفاق والقربة، ولا يمكن أن يبيع عاقلاً درهماً بمثله ولا صاعاً بمثله.
والقرض: مندوب إليه كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ 1.
وقال أيضاً: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَنا﴾ 2.
والمراد بإقراض الله تعالى هنا: الإحسان إلى عباده، وإلا فهو سبحانه ليس بحاجة إلى خلقه.
ومعنى القرض في الآيات: السلف.
ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ 3، والقرض نوع من الإحسان.
..................................
أما السنة: فقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على فضله فمن ذلك:
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً» 1.
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رَبَاعِيًا.
فَقَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» 2.
الحكمة في مشروعيته: لما كانت أحوال الناس مختلفة منهم المعسر ومنهم الموسر نُدِب إلى القرض وجعله قربة من القرب وذلك لما فيه من إيصال النفع للمقترض، وذلك لقضاء حاجته وتفريج كربته.
فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» 3.
فالقرض من محاسن الدين لأنه يحتاجه من ضاقت أموره وانكسر خاطره واشتدت حاجته.
عَنْ أَبِيْ رَافِعٍ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُوْ رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيْهَا، إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًا.
فَقَالَ: أَعْطُوْهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً 1
(1) قوله «عَنْ أَبِيْ رَافِعٍ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُوْ رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيْهَا، إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًا.
فَقَالَ: «أَعْطُوْهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» (1): هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأهل السنن، وقوله «بَكْرًا»: بفتح الباء، وهي الصغير من الإبل.
وفي الحديث فوائد منها:
1 - جواز المطالبة بالدين إذا حل الأجل.
2 - حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه.
3 - أن من عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق.
4 - فيه جواز استقراض الإبل ويلحق به جميع الحيوانات، وهو قول أكثر أهل العلم 2 بخلاف ما ذهب إليه بعض الفقهاء 3 من منع ذلك لحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
5 - فيه أيضاً جواز وفاء ما هو أفضل من المثل إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ بالاتفاق.
6 - وفيه أيضاً أن الاقتراض في البر والطاعة وكذا الأمور المباحة لا يعاب.
وَمَنِ اقْتَرَضَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا (1)، (1)
قوله «وَمَنِ اقْتَرَضَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا»: هذا هو الأصل فالذي يرد في القرض المثل إن كان مثلياً كالمكيل والموزون والمذروع لأن المثلي يضمن بمثله كالمتلفات والمثلي كما ذكرنا كل مكيل أو موزون أو مذروع.
أما غير المثلي فهو نوعان: حيوان وغير حيوان، وقد اختلف العلماء فيما يرد من غير المثلي بنوعيه على قولين:
القول الأول: ترد قيمته حيواناً كان أو غير حيوان.
القول الثاني: أن في ذلك تفصيلاً، فالحيوان يرد بمثله كما في حديث أبي رافع المتقدم، وغير الحيوان كالجواهر وسائر الأموال غير المثلية ترد قيمتها، لكن هل تنضبط المثلية في الحيوان؟
الصواب: أنه لا يمكن انضباطها كلياً ولذا نقول تكفي المقاربة ولو لم تكن مثلية تامة، فالضأن متقاربة، والإبل متقاربة، وتنضبط بالسن والذكورة والأنوثة وغيرها كما سبق في السلم.
أما القيميات فتضمن بالقيمة، ولكن كيف تعرف القيمة؟
تعرف القيمة بوقت القرض لا وقت الوفاء به لأن القرض إنما دخل ذمة المستقرض من حين قبضه فاعتبرت القيمة في ذلك الوقت.
فالحاصل أن القيميات تضمن بالقيمة وقت القرض سواء كانت قيمته عند الدفع أكثر أم أقل أم مساوية، كما أنه يضمن المثلي بمثله بغض النظر عن قيمته في الزيادة والنقصان، فلو أعوز المثل «يعني تعذر حصوله»، فله القيمة وقت الإعواز «أي وقت الطلب» لا وقت القرض لأنه يجب المثل، فإذا لم يجد المثل وجبت قيمة المثل، ويحصل الإعواز بأمور ثلاثة:
وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ (1)
1 - العدم؛ كأن يعدم المثل في السوق مثلاً فلا يوجد.
2 - الغلاء الفاحش؛ كأن يقترض منه بمائة فوجده في السوق بألف مثلاً فهذا غلاء فاحش يضر.
3 - البعد الشاق؛ بأن يكون موجوداً لكن لا يمكن إحضاره كأن يكون المثل في روسيا ونحن الآن في الرياض فهنا يكون إعوازاً، فينتقل إلى القيمة وتكون قيمته وقت الإعواز, فإذا قال المقرض أنا أريد المثل فقال له المقترض والله ليس موجوداً إلا في بلاد بعيدة فقال اذهب واشتره فلا يلزمه لأنه إذا اشتراه سيأتي بأضعاف أضعافه.
وهذا فيه إضرار، وقد جاء عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَضَى أَنْ لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (1).
- فائدة: إذا كان القرض نقوداً وألغى السلطان التعامل بها واستبدلها بنقود أخرى: فمن العلماء من يرى أنه يأخذ مثلها ولو أبطلها السلطان لأن إلغائها لم يكن من قبل المستقرض.
والقول الأخر: أن له قيمتها وقت القرض من النقود البديلة، وهذا هو الأظهر عندي.
أما إذا كان قد بقي التعامل بهذا النقد عند بعض الناس فله أن يرد مثله ولو كان أقل من قيمته.
(1) قوله «وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ»: سواء كان في الصفة أو الكمية على القول الصحيح لحديث أبي رافع المتقدم و
الزيادة في القرض على نوعين
:1
وَأَنْ يَقْتَرِضَ تَفَارِيْقَ وَيَرُدَّ جُمْلَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ (1)،
1 - أن تكون مشترطة في أصل العقد وهذا ربا بالإجماع، فقد أجمع العلماء على أن اشتراط الزيادة في القرض ربا، لأن القرض عقد إرفاق وهو قربة، فإذا أخذ عليه الزيادة فهو ربا ويسمى هذا ربا القرض، ولهذا القروض التي تعطى من البنوك بالزيادة قروض محرمة سواء كانت قروضاً استهلاكية أو قروضاً استثمارية مع الأفراد أو الشركات أو الدول.
2 - أن تكون الزيادة غير مشروطة في أصل العقد، وإنما بذلها المقترض من باب حسن الأداء، فهذا جائز، وهو الذي عناه المؤلف هنا بقوله «وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ».
لكن اختلف الفقهاء في ما إذا كان من المعلوم عن المقترض أنه يزيد في الوفاء فهل يجوز الإقراض والتطلع إلى الزيادة ولو لم يشترط؟.
نقول: كره هذا بعض الفقهاء، والصحيح عدم الكراهة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كريماً معروفاً بأنه يزيد في الوفاء وكانوا يقرضونه، فلا بأس بذلك إن كان تبرعاً من المقترض بدون إلزام من المقرض.
(1)
قوله «وَأَنْ يَقْتَرِضَ تَفَارِيْقَ وَيَرُدَّ جُمْلَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ»:
مثاله: أن يقترض مائة ثم بعد فترة يقترض مائة وهكذا حتى يصل إلى ألف مثلاً فله أن يرد الألف جملة لأنه أدى ما عليه من غير زيادة ولا نقصان ويكون كمن اقترض جملة ورد بالتفريق.
لكن لو اشترط المقرض أن يعطيه مائة بعد مائة قرضاً فإذا وفاه إياها أعطاها جملة، فهذا لا يجوز لأن فيه نفعاً للمقرض فيكون قرضاً جر نفعاً فلا يجوز كما لو شرط زيادة في القرض.
وَإِنْ أَجَّلَهُ، لَمْ يَتَأَجَّلْ (1)، وَلا يَجُوْزُ شَرْطُ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقْرِضُ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ أَجَّلَهُ، لَمْ يَتَأَجَّلْ»:
كأن يقول له أقرضك على أن توفيني إياه في شهر كذا، وقد اختلف الفقهاء فيما لو شرط في القرض أجلاً محدداً على قولين (1):
القول الأول: لا يصح الأجل في القرض ولا يلزم لأن القرض دين حال والدين الحال لا يتأجل فله مطالبته به في الحال مطلقاً، كسائر الديون الحالة، وأيضاً لأن القرض عقد منع فيه من التفاضل فمنع الأجل فيه كالصرف، فالشرط باطل وليس له مفعول لو اشترط وهذا هو قول الأكثر وعليه المذهب (2).
القول الثاني: ما ذهب إليه جمع من أهل العلم وهو صحة اشتراط تأجيل القرض.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- (3)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (4)، فلو قال المستقرض سأوفيك القرض بعد سنة صح هذا الشرط، فإذا رضي المقرض فإنه يثبت الأجل ويكون لازماً ولا يحل للمقرض أن يطالب المستقرض حتى يحل الأجل، لكن إن أطلق ولم يحدد السداد فالأصل أنه حال إلا أن يكون المقترض معسراً فإنه ينظره.
(2)
قوله «وَلا يَجُوْزُ شَرْطُ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقْرِضُ»:
كأن يقول للمقترض أقرضك المبلغ على أن أسكن بيتك لمدة سنة، فهذا القرض جر نفعاً للمقرض فهو حرام.1234
إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ رَهْنًا، أَوْ كَفِيْلاً (1) وَلا تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْمُقْتَرِضِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَهُمَا عَادَةً بِهَا، قَبْلَ الْقَرْضِ (2). =لكن إن اشترط المقرض على المقترض مالاً زيادة فيه على المقترض مما ينتفع به المقرض، كأن يقول له - أي المقرض - أقرضك الذي تريد بشرط أن توفيني به في مكان كذا، فهذا قد اختلف فيه الفقهاء، والصحيح عندي: أن هذا جائز بشرط أن لا يكون في حمله مؤونة لأن المقرض لم يأته زيادة على ما أقرضه، لكن اختلف في المكان فقط، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة قريباً إن شاء الله تعالى.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ رَهْنًا، أَوْ كَفِيْلاً»:
كما مر بنا في السلم فيجوز أن يقرضه على أن يأخذ رهناً عنده لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رهن درعه على شعير أخذه لأهله ويجوز أيضاً للمقرض أن يشترط وجود كفيل يضمن به المقرض ويرجع إليه عند المماطلة أو عدم رد القرض.
فالحاصل أن الرهن أو الكفيل توثيق لاستيفاء القرض، وليس فيهما زيادة على المقترض وكذلك لا نفع زائد للمقرض.
(2)
قوله «وَلا تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْمُقْتَرِضِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَهُمَا عَادَةً بِهَا، قَبْلَ الْقَرْضِ»:
أي لا يجوز للمقرض أن يقبل هدية من المقترض قبل الوفاء إلا ما استثناه المؤلف من جريان العادة بذلك قبل القرض مثال ذلك: أن يكون الذي عليه القرض صاحباً للمقرض، وجرت العادة أنه إذا سافر أن يعطي المقرض هدية بعد رجوعه من السفر، فلما رجع المقترض من سفره أعطى هدية للمقرض فهذا لا بأس، وكذلك إذا جرت العادة أنهما يتبادلان الهدايا بعضهم مع بعض فلا بأس، لأن الحامل له ليس الاقتراض، بل الحامل له=
..................................
=المودة والمصاحبة بينه وبين صاحبه أما إذا لم تكن هناك عادة بينهما فإنه لا يحل للمقرض قبول هدية المقترض قبل وفاء القرض، دليل ذلك ما جاء عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ -رضي الله عنه- فَقَالَ أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا» 1.
والعلة في المنع من ذلك أيضاً سد الذرائع لأخذ الزيادة في القرض، الذي موجبه رد المثل، أو يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين، فيكون ربا، لأنه يعود عليه ماله مع أخذ الفضل الذي استفاده.
أما إذا أخذ المقرض ما أهداه إليه المقترض بنية احتساب ما أعطاه من الدين أو بنية أن يكافئه عليه فإنه يجوز.
ونذكر هنا بعض المسائل التي لم يتعرض لها المؤلف في باب القرض:
المسألة الأولى: إذا أقرضه وشرط عليه الوفاء ببلد آخر: هذه المسألة لها حالتان:
الأولى: ما يكون لحملة مؤونة، فهذا لا يصح قولاً واحداً لأنه قرض جر نفعاً، كما لو أقرضه براً أو تمراً وشرط عليه الأداء في بلد آخر، فلا يجوز لأنه أراد أن يسلم من أجرة نقله «وكل قرض جر نفعاً فهو ربا».
الثانية: إذا لم يكن لحمله مؤونة كالنقود فهذه موضع خلاف بين أهل العلم.
القول الأول: المنع من ذلك لأنه قرض جر نفعاً فاستفاد المقترض باستخدام هذه النقود في هذه البلدة وهذا قرض جر نفعاً.
..................................
القول الثاني: جواز ذلك لأن النفع لم ينفرد به المقترض وإنما انتفع به الطرفان، لأن المقترض ربح من أمن الطريق والمقترض ربح بأنه استفاد من النقود واشترى بها فلا بأس، والممنوع النفع الذي للمقترض فقط ثم إن هذه المصلحة لم يكن بها ضرر، والشرع قد جاء بجلب المصالح.
وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- (1).
المسألة
الثانية: في شروط صحة القرض
: هناك شروط في المقرض، وشروط في المقترض: وشروط في القرض:
أولاً: شروط المقرض: يشترط في المقرض شروط قد سبق بيانها في أول كتاب البيوع, فلا بد أن يكون المقرض ممن يصح تبرعه بأن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً، فلو كان صغيراً أو بالغاً سفيهاً فلا يصح إقراضه كما لا تصح سائر تصرفاته، وكذا لا يصح إقراض من حجر عليه لحظ الغرماء.
ثانياً: شروط المقترض: يشترط في المقترض أن يصادف القرض ذمة صالحة للتحمل وهل يجوز، إقراض جهة الوقف ونحوها على قولين، الصحيح جواز ذلك لكن لا بد فيه من إذن حاكم أو من ينوب عنه.
ثالثاً: ما يشترط في المال المقترض: ذكرنا ذلك في ثنايا شرحنا وقلنا إنه يشترط أن يكون المال المقترض مثلياً كالمكيل والموزون والمذروع.
وقد اختلف 2 الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: يشترط أن يكون المال المقترض مثلياً ولا يجوز في غيره لأن المطلوب =1
..................................
= رد المثل ولا يكون إلا في المكيل أو الموزون.
الثاني: كل ما جاز فيه السَّلَم جاز فيه القرض سواء كان مثلياً أم لم يكن مثلياً.
الثالث: أن كل ما صح بيعه صح قرضه حتى ولو لم يجز فيه السلم كالجواهر والأشياء التي لا تنضبط بالوصف، وهذا هو الصحيح.
المسألة الثالثة: هل يجوز إقراض المنافع؟
الجمهور (1) على أنه لا يجوز إقراض المنافع كأن يقول أحصد عندي هذا اليوم وأحصد عندك غداً، أو يسكنه داراً ليسكنه الأخر بدلها.
وأجاز شيخ الإسلام -رحمه الله- (2) ذلك، وهو الصحيح لأن المنفعة لها حكم المال، ويقصد لها ما يقصد من المال، فيجوز إقراض المنافع والتفاوت اليسير لا يضر، ولأن الأصل في المعاملات الإباحة، ولأن المنافع تجوز المعاوضة عنها فيجوز قرضها.
المسألة
الرابعة: في قرض الخبز
: أجاز الفقهاء قرض الخبز ولا يشترط فيه الوزن لأنه مما يتسامح فيه، لكن يعتبر فيه العدد ومثله أنواع الخبز كالقرصان ونحوه، والتفاوت اليسير لا يضر، وهذا هو قول جمهور الفقهاء 3، وهو اختيار شيخ الإسلام 4، ومنع أبو حنيفة 5 ذلك.12
بَابُ أَحْكَامِ الدَّيْنِ (1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ أَحْكَامِ الدَّيْنِ»:
لما ذكر المؤلف -رحمه الله- أحكام القرض ناسب أن يلحق بها أحكام الدين، لأن القرض أصل، والدين فرع عليه، فإذا وقع القرض وحصل الدين فهناك آثار تترتب على القرض والدين، فقد يكون الشخص الذي أخذ الدين معسراً أو طرأ عليه الإعسار، وقد يحكم بفلسه ومن ثم يحجر عليه في ماله وتصرفاته فيه، ومن هنا اعتنى المؤلف بأن يذكر
باب أحكام الدين
بعد القرض.
- فائدة: بيع الدين يشمل:
1 - بيع الدين لمن هو عليه بثمن حال: مثاله: يطلبه مائة ريال مؤجلة فيأخذ عنها سلعة قبل حلول الأجل أو يأخذ مبلغاً أقل، فهذا ما دام برضاهما وليس حيلة على الربا فالصواب جواز ذلك، ومنعه بعض أهل العلم.
2 - بيع الدين لمن هو عليه بثمن مؤجل: مثاله: يطلبه مائة ريال فيأخذ عنها عشرة آصع من البر بعد سنة، فهذا محل خلاف، والصواب المنع.
3 - بيع الدين لغير المدين بثمن حال كأن يكون على شخص عشرة آصع من البر بعد سنة فيبيعها على شخص آخر بمائة ريال حاله وهذا محل خلاف، والصواب: أنه إذا كان العوضان لا يجري فيها الربا فالقول بالجواز فيه تيسير وتسهيل ورفع للحرج.
4 - بيع الدين لغير المدين بثمن مؤجل: كأن يكون له على شخص عشرة آصع من البر فيبيعها على شخص ثالث بمائة ريال بعد سنة، فهذا محل خلاف.
=
مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ (1)، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ (2)، وَلَمْ يَحِلَّ بِفَلَسِهِ (3)، وَلا بِمَوْتِهِ، إِذَا وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ، أَوْ كَفِيْلٍ (4)،
=والصواب: عدم الجواز إلا إذا كان الدين حالا ولم يبعه بشيء ربوي فهنا لو قيل بالجواز لكان فيه وجه.
5 - بيع الدين بالدين ابتداء مثل السلم ولا يسلم الثمن فهذا لا يجوز.
(1) قوله «مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ»: لأن المدين لا يلزمه أداؤه قبل أجله بل ولا يحل للدائن أن يطالب به قبل حلول أجل الدين حتى ولو أفلس المدين قبل وقت السداد، دليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (1)، وصاحب الدين قد رضي بتأجيله، فيجب عليه الانتظار حتى يحل الأجل.
(2) قوله «وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ»: لأن المدين لا يستحق المطالبة به قبل موعده ولأن الأجل حق للمدين، فلم يملك منعه من ماله بسببه.
(3)
قوله «وَلَمْ يَحِلَّ بِفَلَسِهِ»:
أي لا يحكم من أجل هذا الدين المؤجل ولا يتحول حالا إذا أفلس المدين، بل يبقى الدين إلى أجله لأن الأجل حق للمدين فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه.
(4)
قوله «وَلا بِمَوْتِهِ، إِذَا وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ، أَوْ كَفِيْلٍ:
أي لا يحل الدين المؤجل بموت المدين لكن من حق الدائن أن يطلب توثيق الدين برهن أو كفيل.
مثال ذلك: رجل عليه دين قدره مائة ألف ريال تحل بعد سنة، ثم مات الرجل قبل حلول أجل الدين فهل يحل الدين؟
نقول: لا؛ لأن المال انتقل إلى الورثة بأعيانه وأوصافه, ومن أوصافه أنه =1
..................................
=مؤجل، فالحق للورثة الآن فلو قال الورثة لا نوفيك الآن لأن أجل الدين لم يحل بعد فالقول قولهم، فإن خشي الدائن أن يقسم الورثة التركة فيضيع حقه فقال اجعلوا لي رهناً, فقالوا هذا البيت رهن لك وهذا البيت ثمنه يكفي الدين فللدائن ذلك، فإن قالوا لا نرهنك شيئاً فقال قدموا لي كفيلاً قالوا هذا فلان يكفل دينك فإن كان الكفيل مليئاً أي يستطيع أن يوفي الدين بماله وقوله وبدنه قبل وإلا فلا.
فالحاصل أنه إذا أفلس الرجل المدين فإنه لا يحل دينه ويبقى مؤجلاً، فإن مات ففي ذلك تفصيل، إن وثَّق الدين برهن يكفي أو بكفيل مليء فالدين باق لا يحل لأنه لا ضرر على صاحب الدين، أما إذا لم يوثق برهن أو كفيل مليء فإنه يحل الدين، لئلا يضيع حقه.
قلت: وفي رواية أخرى في المذهب 1 أن الدين يصبح حالا بموت المدين وعللوا لذلك بأن في بقائه ضرراً على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث لمنعه من التصرف في التركة، وعلى الغريم بتأخير حقه، وربما تلفت التركة والحق يتعلق بها، وقد لا يكون للورثة قدره على السداد فيؤدي تصرفهم إلى هلاك الحق.
قلت: والأظهر عندي: ما ذهب إليه المؤلف اللهم إلا إذا كان الورثة يريدون أن يتخلصوا من الديون التي على المدين ويريدون تعجيل الدين فهذا أفضل وأحسن.
إِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، أَوِ الْغَزْوَ تَطَوُّعًا، فَلِغَرِيْمِهِ مَنْعُهُ، إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ بِذلِكَ (1)، وَإِنْ كَانَ حَالاًّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَجَبَ إِنْظَارُهُ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، أَوِ الْغَزْوَ تَطَوُّعًا، فَلِغَرِيْمِهِ مَنْعُهُ، إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ بِذلِكَ»:
أي إذا أراد المدين أن يسافر والدين يحل أجله قبل عودته من السفر، فللغريم منعه إلا أن يوثق ذلك برهن أو كفيل، ولكن إذا كان سيرجع قبل موعد السداد ففي ذلك روايتان في المذهب (1).
الأولى: أنه له منعه لأن رجوعه مرة أخرى من سفره غير متيقن ولا ظاهر فيملك منعه منه.
الثانية: ليس له منعه لأنه لا يملك المطالبة به في الحال ولا يعلم أن السفر مانع منه عند الحلول فأشبه السفر القصير.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ حَالاًّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَجَبَ إِنْظَارُهُ»:
لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ.. ﴾ 2، وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ أُصِيبَ رَجُلٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ».
فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِغُرَمَائِهِ «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ» 3، وقوله عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ.. » 4 فبمفهومه أن غير الواجد لا تحل عقوبته فلا يجوز مطالبة المدين المعسر بل تحرم مطالبته بالدين والحجر عليه ما دام معسراً، وفي إنظار المعسر فضل، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: =1
وَإِنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، حُلِّفَ، وَخُلِّيَ سَبِيْلُهُ (1)، إِلاَّ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذلِكَ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ (2)، وَإِنْ كَانَ مُوْسِرًا بِهِ، لَزِمَهُ وَفَاؤُهُ (3)، = سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ» (1). وعلى ذلك ما تقوم به المصارف الربوية من إعادة جدولة الديون, فيقوم البنك بزيادة الدين على المدين المعسر, أو بيع الدين على المدين بذهب أو فضة أو نقد مؤجل أكثر من مقدار الدين كل هذا ربا, بل هو ربا الجاهلية الذي جاءت نصوص الكتاب والسنة بالنهي عنه, لأنه بيع نقد حال بنقد مؤجل أكثر منه.
(1)
قوله «وَإِنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، حُلِّفَ، وَخُلِّيَ سَبِيْلُهُ»:
أي فإن ادعى المدين أنه معسر لزمه أن يحلف أنه معسر ثم يخلى سبيله وذلك لأن الإعسار هو الأصل.
2 قوله «إِلاَّ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذلِكَ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ»: أي فلا يقبل دعواه أنه معسر لأن الأصل بقاء المال, فدعوى أنه معسر تحتاج إلى بينة من شهود أو ما يثبت ذلك، فيحبس حتى يأتي ببينة على إعساره ونفاد ماله, وعليه مع البينة اليمين أنه معسر لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال.
(3) قوله «وَإِنْ كَانَ مُوْسِرًا بِهِ، لَزِمَهُ وَفَاؤُهُ»: أي إن كان المدين موسراً وحل الأجل لسداد الدين فإنه يلزمه الوفاء لقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍّ فَلْيَتْبَعْ» (2)، ولأنه حق واجب عليه فلزمه أداؤه.1
فَإِنْ أَبَى، حُبِسَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ (1)، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ لا يَفِيْ بِدَيْنِهِ كُلِّهِ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُمْ (2)، فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِيْ مَالِهِ (3) (1)
قوله «فَإِنْ أَبَى، حُبِسَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ»:
أي أبى المدين عن سداد الدين لا لإعساره وإنما مماطلة فإنه يحبس لذلك حتى يوفي الدَّين، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ.. » (1), أي مطل الغني يحل عرضه فيغلظ عليه وينسب إلى سوء القضاء ويقول له أنك ظالم ومتعد, ومع ذلك تجب عقوبته بأن يحبس حتى يؤدي الحق.
(2) قوله «فَإِنْ كَانَ مَالُهُ لا يَفِيْ بِدَيْنِهِ كُلِّهِ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُمْ»: مما سبق يتضح لنا أن المدين له ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكون معسراً.
الثانية: أن يكون غير معسرٍ.
الثالثة: أن يكون ماله لا يفي بما عليه وهو مراد المؤلف هنا.
مثال ذلك: رجل له ألف ريال وهو مطالب بألفين، فالمال الذي عنده لا يفي بما عليه حالاً، فماذا نصنع؟
نقول: إذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه فإنه يلزمه إجابتهم وذلك حماية لحقهم وحماية لذمة المدين حتى لا تبقى ذمته معلقة ومشغولة بالدين دائماً.
(3)
قوله «فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِيْ مَالِهِ»:
أي لا يعتد بتصرفه في ماله ببيع ولا شراء ولا تأجير ولا هبة ولا رهن ولا وقف وغير ذلك، فأي تصرف في المال بعد الحجر عليه لا يصح لأن أمواله أصبحت مشغولة بحقوق الغرماء.1
وَلَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ (1)، وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ قَضَاءَ دَيْنِهِ (2)، (1)
قوله «وَلَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ»:
أي لا يصح بعد الحجر أن يقر على شيء من ماله الذي بيده، ويصح إقراره في ذمته.
مثال ذلك: لو قال «هذه السيارة لفلان»، فلا يقبل إقراره هنا بعد الحجر عليه لكن يقبل في ذمته، بمعنى أننا نقول له هذه السيارة تباع ويوفي منها الدين، وأما الذي أقر له بالسيارة فيطالبه بعد فك الحجر عليه.
لكن ما الحكمة من قوله لا يقبل إقراره؟
نقول: لأنه قد يتواطأْ الغريم وآخر على الإقرار، بأن هذا شيء للآخر من أجل ألا يباع في دينه.
مثاله: شخص محجوز عليه وعنده سيارة تساوي خمسين ألفاً فجاءه صاحب له وقال يا فلان أقر بأن هذه السيارة لي من أجل ألا تباع في الدين، فهنا لا يؤخذ إقراره بذلك.
(2)
قوله «وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ قَضَاءَ دَيْنِهِ»:
دليل ذلك ما جاء عن بلال بن الحارث قال: كان رجل يغالي بالرواحل ويسبق الحاج حتى أفلس، قال فخطب عمر بن الخطاب فقال: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ أَنْ يُقَالَ سَبَقَ الْحَاجُّ إِلاَّ أَنَّهُ قَدِ أَدَّانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ وَقَدْ رِينَ بِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ» (1)، والمراد بالحاكم هنا القاضي.
ولكن
هل يتولى القاضي بنفسه البيع؟
الجواب: لا لكن يأمر من يبيع ماله، المهم أنه يبيع ما يمكن بيعه وتقسم بين=1
وَيَبْدَأُ بِمَنْ لَهُ أَرْشُ جِنَايَةٍ مِنْ رَقِيْقِهِ فَيَدْفَعُ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَةِ الْجَانِيْ، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ دَيْنِهِ (1) =غرمائه على ما سيذكره المؤلف.
فائدة: يشترط أن لا يكون ماله من جنس الدين
, فإن كان من جنس الدين فإنه لا يبيعه، لأنه لا حاجة للبيع حينئذ، ولأن البيع قد يضر المحجور عليه.
(1)
قوله «وَيَبْدَأُ بِمَنْ لَهُ أَرْشُ جِنَايَةٍ مِنْ رَقِيْقِهِ فَيَدْفَعُ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَةِ الْجَانِيْ، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ دَيْنِهِ»:
لأن الأرش تعلق برقبة العبد الجاني, فإن كان للمفلس عبد جاني بدأ الحاكم في القسمة بأرش الجناية، سواء كانت الجناية قبل الحجر أو بعده لأن الحق كما ذكرنا تعلق بحق الجاني يفوت بفواتها بخلاف بقية الغرماء فيعطي المجني عليه الأقل من قيمته أي قيمة العبد الجاني أو الأقل من قدرها أي قدر الجناية وهي الأرش ولا شيء عليه إلا الأقل منهما، فإن بقي شيء من ثمن الجاني عن أرش الجناية قسم على بقية الغرماء، فإن كان الجاني هو المفلس فالمجني عليه أسوة الغرماء فيضرب له معهم بأرش الجناية سواء كانت قبل الحجر أو بعده.
مثال ذلك: أن يكون للمفلس عبد قد جني جناية على عبد آخر فقُدرت قيمة الجناية بعشرة ألاف, وكانت قيمة هذا العبد الجاني خمسة عشر ألفاً, فإنه يدفع لسيد العبد المجني عليه قيمة الجناية هي عشرة ألاف, لأنها أقل من قيمة العبد الجاني, ثم يقدم بعد من له أرش جناية من له رهن في دين.
كأن يكون رهنه منزلاً, فيدفع لهذا الدائن الذي عنده رهن الأقل من قيمة هذا الرهن أو الدين.
أَوْ ثَمَنِ رَهْنِهِ، وَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيْ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ (1)، ثُمَّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ الَّذِيْ بَاعَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (2) (1)
قوله «أَوْ ثَمَنِ رَهْنِهِ، وَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيْ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ»:
أي ثم يعطي الغرماء، فيبدأ بمن له رهن مقبوض للمفلس مقابل دين، فيخصه الحاكم بثمنه، بأن يبيعه ويعطيه ثمنه إن كان بقدر دينه أو أقل، فإن كان المرهون لم يوفي حق المرتهن بعد أخذه ثمن الرهن فإنه يضرب له مع الغرماء لأنه ساواهم في ذلك وإن بقي من الرهن مال رد عليَّ بقية أموال المفلس.
مثال ذلك: أن يكون على رجل دين مقداره مائة ألف ريال، وقد رهن المدين منزلاً لصاحب الدين قيمته خمسون ألفاً، فهنا يعطي المدين خمسين ألفاً التي هي قيمة الرهن, أما الباقي من الدين وهي خمسون ألفا المتبقية فتكون بالنسبة مع بقية الغرماء.
والحجة في تقديم من معه الرهن على غيره من الغرماء، أن دين الدائن قد تعلق بالرهن وبذمة المفلس معاً، بخلاف باقي الغرماء فإن دينهم متعلق بذمة المفلس فقط، فكان حقه أقوى من غيره.
(2)
قوله: «ثُمَّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ الَّذِيْ بَاعَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»:
كأن يكون المحجور عليه اشترى من أحد الغرماء ساعة أو كتاباً أو سيارة ونحو ذلك، فلما حجر على المدين وجد هذه السلعة بعينها عند المدين فهو أحق بهذه العين من =
وَيُقَسَّمُ الْبَاقِيْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُوْنِهِمْ (1)،
=غيره، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (1). لكن يشترط لذلك شروطٌ:
1 - أن تكون بحالها سالمة لم يتلف بعضها.
2 - أن لا تزيد زيادة متصلة كالسِمن والكبر وتعلم صنعة، وهذا الشرط على روايتين في المذهب (2) أصحها عدم اشتراطه لأن النماء إنما كان في ملكه فكانت له كما لو ردها بعيب.
3 - أن لا يكون البائع قد أخذ من ثمنها شيئاً، فإن قبض بعض ثمنها فلا رجوع له، دليل ذلك ما ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ وَقَدْ أَفْلَسَ وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهِيَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ» (3).
4 - ألا يتعلق بها حق غير حق المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع لأنه تعلق بها حق غيره.
5 - أن يكون المفلس حيًّا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء.
(1)
قوله «وَيُقَسَّمُ الْبَاقِيْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُوْنِهِمْ»:
أي يقوم القاضي بتقسيم ما بقي من المبيع بقدر ديون الغرماء، ويكون تقسيم ذلك بأن يقسم الباقي من الديون بالنِسَبِ، فما حصل من النسب فهو لكل واحد من دينه.=123
وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَالِهِ إِلَى أَنْ يُقْسَمَ (1)، وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوْا (2).
=مثال ذلك: الدين عشرة آلاف ريال والموجود من باقي المبيع ثمانية، فينسب الثمانية إلى العشرة تكون أربعة أخماس، فلكل واحد من الغرماء أربعة أخماس ماله، فمن له ألف نعطيه ثمانمائة، ومن له مائة نعطيه ثمانين، وهكذا.
(1) قوله «وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَالِهِ إِلَى أَنْ يُقْسَمَ»: أي إذا حجر على المفلس انفق عليه وعلى من تلزمه نفقته كزوجته ووالديه وأولاده وعبيده ينفق عليهم من ماله إلى أن يقسم بين الغرماء، وإن طالت المدة لأن ملكه باق عليه قبل القسمة ومن النفقة كسوته وكسوة عياله على الصحيح من المذهب (1) إذا لم يكن له كسب، فإن كان له كسب لم يترك شيء من النفقة.
(2)
قوله «وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوْا»:
أي ولو وجب للمفلس حق على أحد بشاهد واحد عدل فأبى المفلس أن يحلف مع هذا الشاهد ليثبت الحق له لم يجبر، لأننا لا نعلم صدق الشاهد، فإذا قال الغرماء نحن نحلف مع الشاهد على أن هذا حقه لم يكن لهم ذلك لأنهم يثبتون ملكاً لغريمهم تتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز لهم ذلك.
- فائدة: إن ظهر غريم بعد قسمة مال المحجور عليه: فإنه يرجع على الغرماء بقسطه.
مثال ذلك: رجل عليه دين ثمانية ألاف ومجموع ما عنده ستة ألاف تم =1
.................................. =تقسيمها على الغرماء، ثم ظهر غريم له أربعة ألاف فهنا نضم دينه إلى الدين السابق فيصير اثني عشر ألف، ونسبة الدين الذي ظهر إلى مجموع الدين الثلث فيرجع على كل واحد بثلث نصيبه.
بَابُ الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ»:
الحوالة والضمان هما بابان من أبوب الفقه وقد جمعهما المؤلف مع أن الأكثر على إفراد كل باب على حده، ولعل المؤلف -رحمه الله- لما راعى الاختصار في كتابه، ورأى قرب الحوالة من الضمان في بعض الأحكام جمعهما في باب واحد.
والحوالة في اللغة: التحويل، أو التحول من أحال.
والأصل: حوالة.
أما في الاصطلاح: فهي نقل دين من ذمة إلى ذمة.
وصورتها أن يكون لشخص دين على آخر فيطلبه منه فيقول له المدين اذهب إلى فلان, فإن لي عنده ديناً مماثلاً لدينك الذي في ذمتي, فليعطك إياه سداداً لدينك الذي عليّ.
أما حكمها الشرعي: فهي ثابتة بالسنة والإجماع.
أما دليل السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» 1، وقوله أيضاً: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍّ فَلْيَتْبَعْ» 2.
فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحيل بحقه أن يقبل الحوالة ويتبع المحال عليه لأخذ حقه منه.
أما الإجماع فقد نقل صاحب المغني 3 الإجماع على مشروعية الحوالة في الجملة.
..................................
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بهذا الباب
:
-
الفائدة الأولى: اختلف الفقهاء في حقيقة الحوالة هل هي نوع من الاستيفاء أم هي بيع؟ والصحيح: أنها استيفاء؛ أي عقد إرفاق ليست من باب بيع الدين بالدين وإنما هي من جنس إيفاء الحق.
الفائدة الثانية: الحوالة يتعلق بها ثلاثة أطراف
:
المحال: وهو صاحب الحق ويقال له المحتال.
المحيل: وهو من عليه حق وله حق.
المحال عليه: وهو من عليه حق للمحيل, ونضرب مثالاً للتقريب: شخص - المحال - يطلبني بألف ريال ولي - المحيل - عند زيد من الناس ألف ريال فجاء إليَّ صاحب الدين الذي عليّ يطلبني الألف ريال فقلت له اذهب إلى زيد - المحال عليه - فإن لي عنده ألف ريال فخذها منه, فهذه صورة الحوالة.
- الفائدة الثالثة: يشترط رضا المحيل فقط، أما المحال والمحال عليه، فلا يشترط رضاهم، لأن المحيل لا يتعين عليه أن يسدد من دينه الذي على الناس، فلو أكره على الحوالة لم تصح، ولا ضرر على المحيل عليه في ذلك لأن الحق سيؤخذ منه سواء من المحيل أم المحال، والمحال لا ضرر عليه، لأنه سيأخذ حقه سواء من المحيل أم المحال عليه.
- الفائدة الرابعة: يشترط لصحة الحوالة شروط هي: 1 - اتفاق الدينين: ويكون اتفاق الدينين في ثلاث صور: 2 - الجنس: كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والطعام بالطعام، وإذا=
وَمَنْ أُحِيْلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيْلُ (1)
=اختلف الجنس لم تكن حوالة وإنما هي صرف.
3 - الصفة: فلو أحال بمكسرة على صحيحة، أو برديء على جيد، أو العكس لم تصح لاختلافهما في الوصف.
4 - الحلول والتأجيل: فإن اختلف الدينان في الحلول والتأجيل لم يصح، فلو أحال بدين حال على مؤجل أو مؤجل على حال لم يصح، فلا بد أن يكونا حالين أو مؤجلين إلى أجل واحد، حتى ولو حصل الرضا لأن هذا يقلبه إلى بيع.
5 - أن تكون الحوالة على دين مستقر - ثابت -: أما الدين الذي هو عرضة للفسخ فلا تصح فيه.
فلا تصح في دين السلم، ودين الكتابة كمن أحال على مكاتب لأن العبد يملك الفسخ، وكذا المرأة إذا أحالت بصداقها قبل الدخول بها لأن الصداق لا يستقر إلا بالدخول.
6 - رضا المحيل: وقد سبق بيان ذلك في الفائدة التي قبل هذا.
7 - أن تكون الحوالة بمال معلوم: فلو كان المحال به مجهولاً لم يصح، فيقول مثلاً: «أحيلك بألف ريال لي عند فلان» حتى يمكن الإلزام به، أما الحق المبهم كقوله «أحلتك بحقي على فلان» فلا يصح.
(1)
قوله «وَمَنْ أُحِيْلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيْلُ»:
أي من أحيل بدينه على من عليه مثله أي بالشروط المذكورة آنفا فرضي المحيل فقد بريء المحيل براءة تامة ولا يعتبر في صحة الحوالة رضا المحتال - صاحب الحق - إن أحاله على شخص مليء غير مماطل كما سيذكر ذلك المؤلف.
وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْتَالَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ (1) (1)
قوله «وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْتَالَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ»
..................................
= فإن كان جاهلاً أو خدعه المحيل فله الرجوع.
ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَلِيْءٍ» يعني غني غير مماطل.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: إذا تبين أن المحال عليه قد أعسر أو أنه قد مات فهل يرجع على المحيل؟ نقول فيه تفصيل: أن يكون المحال - صاحب الحق - لم يشترط يسار المحال عليه ففي هذه الحالة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يرجع أبداً وهو قول الجمهور 1، لأن ذمة المحيل برئت والمحال لم يشترط يساراً.
قال الحافظ في الفتح في شرحه الحديث «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ»، قال: واستدل به على أن الحوالة إذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت, أو فلس، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع فيه، كما لو عوضه عن دينه بعوض، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له الرجوع 2. القول الثاني: أنه يرجع مطلقاً في حالة الموت وفي حالة الإعسار، لأن أصل الدين ثابت في ذمة المحيل، فلما لم يحصل عليه من المحال عليه رجع إلى الأصل وهو المحيل وهذا رواية في المذهب 3.
..................................
القول الثالث: أنه يرجع على المحيل في حالة واحدة هي حالة الإفلاس إذا لم يعلم بالواقع، أما إذا علم بها حال الحوالة سواء بإقراره أو قامت البينة على ذلك فلا رجوع.
والأظهر عندي: أن في ذلك تفصيلاً: وهو أن المحال إن علم أن المحال عليه مفلس، ورضي بذلك فلا يرجع بلا خلاف وإن علم أنه مفلس ولم يقبل الإحالة عليه فله الرجوع بلا خلاف، وإن جهل حاله وكانت حالته جيدة فقبل حاله، لأنه كان غنياً بالأمس، ثم تبين أنه قد أفلس فقد اختلف فيه الفقهاء، والأقرب عندي أن له الرجوع، وكذلك لو ظنه غير مماطل فتبين أنه مماطل وهذا هو ما رجحه شيخنا -رحمه الله- (1).
إذا شرط اليسار ثم تبين أنه مفلس فعلى قولين عند الفقهاء:
الأول: أن له الرجوع لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2).
الثاني: أنه لا يرجع، وهو قول في المذهب (3) لأن الحق انتقل من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه بالحوالة، ولأنها صدرت مستوفية لشروطها فلا يرجع ولا يعتبر الشرط.
والراجح عندي: أنه متى اشترط ذلك في الحوالة ثم تبين خلافه فله الرجوع لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (4).
الفائدة الثانية: إذا أحال على شخص وتبين أنه ليس له دين
عليه أو أنه=1234
وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ، وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا (1) = قد سدد أو أحال على بنك وليس له فيه رصيد: نقول لا تصح الحوالة، لأن من شروطها كما سبق أنها تكون على دين مستقر، فلا تصح على دين غير مستقر، فإحالته على غير دين من باب أولى.
- الفائدة الثالثة: لو أحاله على شخص ليس عليه دين من باب الثقة فهل تكون حوالة؟ ليست حوالة، ولصاحب الحق الرجوع إذا لم يقبل الطرف الثاني تسديد الدين.
(1)
قوله «وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ، وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا»: هذا هو الشق الثاني من تبويب المؤلف وهو الضمان - الكفالة -.
والضمان تعريفه في اللغة: مصدر ضمن، يضمن ضماناً، مأخوذ من الضم، لأنه ضم ذمة إلى ذمة.
أما في الشرع: فهو التزام المرء ما وجب أو يجب على غيره من حق.
فقولنا التزام المرء ما وجب أي أن يلتزم إنسان يصح تبرعه ما وجب على غيره كثمن بيع أو قرض أو قيمة متلف ونحوه مع بقائه على مضمون عنه، فلا يسقط بالضمان.
مثاله: أن يكون على شخص لآخر مال، فيمسكه صاحب الدين فيقول له أعطني ديني وإلا رفعت أمرك للسلطان، فيأتي إنسان آخر فيقول أنا أضمن ما عليه.
وقولنا «مع بقائه على مضمون عنه»: أي لم تبرأ ذمة المضمون عنه إلا بالإيفاء فلا يسقط بمجرد الضمان.
وقولنا «أو يجب على غيره من حق»: أي ما قد يجب مستقبلاً كجعل على=
.................................. =عمل أو ثمن بيع مستقبل كأن يقول للبقال افتح له حساباً وأنا ضامنه.
ذكر بعض الفوائد
المتعلقة بالضمان:
- الفائدة الأولى في حكم الضمان:
أما في حق المضمون عنه فهو جائز وفي حق الضامن فهو سنة مستحبة، لأنه من الإحسان، والله يحب المحسنين ولكنه سنة مقيدة بقدرة الضامن على الوفاء، فإن كان لا يستطيع الوفاء فلا ينبغي له ذلك لأنه يجلب مضرة على نفسه.
الفائدة الثانية: في أركان الضمان
: للضمان أربعة أركان:
الضامن؛ ويشترط فيه أوصاف خمسة: «أن يكون بالغاً - عاقلاً - رشيداً - حراً - راضياً بأن يكون ضامناً».
مضمون عنه: وهو من يشترط فيه الأوصاف الأربعة السابقة عدا شرط الرضا، فلا يشترط فيه أن يكون راضياً لأنه ليس عليه ضرر، بل إحسان عليه ومساعدة.
مضمون له: وهو أيضاً من تحقق فيه الشروط الأربعة السابقة ولا يشترط رضاه على القول الراجح، وهو قول الجمهور 1.
وذهب أبو حنيفة 2 إلى اشتراط رضا المضمون له، والراجح قول الجمهور لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يطلب حضور صاحب الدين وهل رضي أم لا.
المضمون فيه: وهو أنواع: مضمون فيه معلوم، ومضمون فيه مجهول كأن يضمن الدين ولا يعلم قدره, ومعلوم كأن يقول من داين فلاناً فأنا متكفل=
.................................. = عنه جميع التحملات، وكل هذه الحالات جائزة.
الفائدة الثالثة: في حقيقة الضمان
: هل الضمان تعدد لمحل الدين، أي بدل أن يكون الدين في ذمة يكون في ذمتين؟ أم هو في ذمة المدين والضمان توثيق له فقط؟ قلت: قبل بيان الراجح أبين: ما الذي يترتب على الأمرين؟
فأقول: يترتب على الأمرين من الذي يطالب بالدين هل هو الضامن أم المدين، فإذا قلنا بأن الضمان تعدد لمحل الدين فيكون للدائن مطالبة أيهما - الضامن أو المدين - فهو مخير وله ذلك في حال الحياة أو الموت وهذا هو رأي الجمهور 1.
وإن قلنا إن الضمان توثيق فقط فليس لصاحب الحق أن يطالب الضامن، بل يطالب المدين فإن أبى أو تعذر فإنه يطالب الضامن كالرهن.
والراجح عندي: هو القول الثاني، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي 2، فكون المضمون له يترك المدين - المضمون عنه - ويطالب الضامن هذا خلاف الأصل، لأن الضامن فرع والمدين أصل، فلا يعدل إلى الفرع مع وجود الأصل كالتيمم مع وجود الماء، فهذا خلاف القاعدة وخلاف العرف لأن الناس يستقبحون هذا ولأن هذا ينفر من الضمان.
أما إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه بموت أو غيبة أو مماطلة أو فقر فإن له أن يطالب الضامن، وعلى ذلك نقول بأن حقيقة الضمان توثيق للدين فقط، فمتى تعذر الرجوع على المدين رجع على الضامن.
..................................
- الفائدة الرابعة: هل يصح الضمان عن الحي والميت
أم عن الميت فقط؟
أقول: هذه المسألة محل خلاف عند الفقهاء:
فالجمهور 1 يرون جوازها في الاثنين - الحي والميت - سواء كان له تركة أم لم يكن له تركة لحديث قتادة عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ -رضي الله عنه- قَالَ «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ» 2.
وذهب أبو حنيفة 3 إلى أن الضمان مختص بالحي دون الميت لأن الحي له ذمة ترجع إليها.
أما الميت ففيه تفصيل: إن ترك تركة تغطي الدين صح الضمان عنه ويرجع الضامن إلى التركة، وإن لم تكن له تركة لم يصح الضمان عنه، وهذا أخذ من معنى الضمان، لأنه ضم ذمة إلى ذمة أخرى وهو مفقود في التحمل عن الميت، لأن ذمته قد خربت فأين يرجع الضامن، ويمكن أن يكون التحمل عن الميت تبرع بالوفاء عنه وليس ضماناً عنه.
وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ (1) وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا (2)، وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا (3)، فَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الْمَضْمُوْنِ عَنْهُ (4)، أَوْ أَبْرَأَهُ (5)، بَرِئَ ضَامِنُهُ (6)، = والأظهر عندي: ما ذهب إليه الجمهور، فمتى ضمن الضامن عن الميت برئت ذمة الميت وللضامن أن يطالب الميت في تركته، فإن لم يخلف تركة طالبه يوم القيامة.
(1)
قوله «وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ»:
أي متى ضمن المضمون عنه ضامن فإنه لم يبرأ بذلك، بل الحق ثابت في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة وبعد الموت.
وقد سبق بيان هذه المسألة، وذكرنا الخلاف فيها، وبينا أن الراجح في هذه المسألة أن صاحب الحق لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه.
(2)
قوله «وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا»:
أي على الضامن والمضمون عنه.
(3)
قوله «وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا»:
قلت: هذا هو المذهب، وهو قول الجمهور.
والصحيح: كما ذكرنا أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه بموت أو غيبة أو مماطلة ونحو ذلك، أما كونه يطالب الضامن ابتداء فلا كما سبق توضيح ذلك.
(4) قوله «فَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الْمَضْمُوْنِ عَنْهُ»: أي إذا استوفى صاحب الحق وهو المضمون له حقه من المضمون عنه فإن ذمة الضامن تبرأ بذلك.
(5)
قوله «أَوْ أَبْرَأَهُ»:
أي أسقط عنه الدين أو قام المدين بسداد الدين.
(6)
قوله «بَرِئَ ضَامِنُهُ»:
أي برئت ذمة الضامن بذلك لأن الضامن تابع للمضمون عنه فزال بزوال أصله كالرهن.
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ، لَمْ يَبْرَأِ الأَصِيْلُ (1)، وَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الضَّامِنِ، رَجَعَ عَلَيْهِ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ، لَمْ يَبْرَأِ الأَصِيْلُ»:
أي أن أبرأ المضمون له الضامن فإن المضمون عنه - المدين - لا يبرأ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع ولأنه وثيقة انحلت من غير استيفاء فلم يسقط الدين كالرهن إذا فسخ من غير استيفاء.
لكن بأي شيء تحصل براءة الضامن؟ نقول تحصل بأمور ثلاثة:
الأول: أن يبرأ صاحب الحق ويقول له: يا فلان أسقطت ضمانك.
ثانياً: أن يوفي الضامن ما ضمنه فتبرئ ذمته.
ثالثاً: أن يبرئ المضمون عنه، بأن يقول له يا فلان - يعني المضمون عنه وهو المدين - أبرأتك فهنا تبرئ ذمة الضامن.
(2) قوله «وَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الضَّامِنِ، رَجَعَ عَلَيْهِ»: أي إن استوفى الدائن دينه من الضامن رجع على المضمون عنه هذا إذا كان في نيته الرجوع على المضمون عنه سواء أذن المضمون عنه في القضاء أو لم يأذن.
وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف لها سبع حالات:
الحالة الأولى: أن يضمن بإذنه ويؤدي الدين بإذنه ففي هذه الحالة يرجع على المضمون عنه فكأنه وكله في التسديد وقال بعض الفقهاء يرجع إذا كان خليطاً يعني شريكاً بخلاف ما إذا كان أجنبياً فلا يرجع.
والصحيح: القول الأول، وهو قول الجمهور 1.
الحالة الثانية: أن يأذن له بالضمان دون الإستبراء - يعني التسديد -:
قال الجمهور 2 له المطالبة لأن إذنه له بالضمان إذن له بالسداد ولو لم ينطق به.
وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ (1)
=وعند الشافعي (1) لا يرجع عليه لأنه لم يأذن له إلا في الضمان لا التسديد.
الحالة الثالثة: أن يأذن له بالتسديد دون الضمان فيصح الضمان ولو لم يأذن له، فهنا يرجع إليه، لأنه سدد عنه بأمره فكأنه وكله وأنابه.
الحالة الرابعة: ألا يأذن له في الضمان ولا التسديد، فالضمان يصح ولو لم يأذن له وكذلك لو لم يعرفه أما الرجوع ففيه قولان:
الأول: لا يرجع عليه بشيء لأنه لم يأذن له فظاهره أنه تبرع.
الثاني: أنه يرجع عليه، فكما صح الضمان ولو بدون إذن فكذلك التسديد، لأنه متبرع عنه فإنه يرجع عليه، فكأنه محسن وهذا هو الصحيح، لأنه فتح باب للخير وليس فيه مجال للتهمة.
الحالة الخامسة: أن يضمنه ويؤدي عنه وفي نيته الرجوع عليه فهنا يرجع عليه كما ذكرنا في أول المسألة.
الحالة السادسة: أن يؤدي عنه ولم ينو تبرعاً ولا رجوعاً، بل ذهل عن قصد الرجوع وعدمه، فالمذهب (2) أنه لا يرجع وقيل يرجع وهو ظاهر كلام الخرقي، وهو الأظهر عندي لأن ذهول المكلف عن النية أمر وارد.
الحالة السابعة: أن يؤدي عنه ولم ينو رجوعاً بل جعله من محض التبرع عنه فالصحيح أنه لا يرجع.
(1)
قوله «وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ»:
بدأ المؤلف هنا ببيان نوع آخر من عقود التوثيق وهو الكفالة فعقود التوثيق =12
..................................
= ثلاثة ضمان وقد سبق، وكفالة ورهن وسيأتي بيانه إن شاء الله.
وبهذا يتضح لنا أن المؤلف جمع في هذا الباب ثلاثة أمور من عقود المعاملات وهي: «الحوالة - الضمان - الكفالة»، ولما كان كتاب المؤلف مختصراً والحاجة داعية لبيان بعض الأحكام فيه فسنوضح بعض الأحكام المتعلقة بالكفالة في الفوائد التالية:
الفائدة الأولى: تعريف الكفالة
: الكفالة في اللغة: يقال كفل فلان كفلاً، وكفالة: ضمنه (1).
وقال بعض الفقهاء (2): إن العرف قد خصص الضمين بالمال والحميل بالدية، والزعيم بالمال العظيم، والكفيل بالنفس، والصبير يعم الكل، ومثله القبيل.
الكفالة في الشرع: من خلال التعريفات السابقة يتبين لنا تعريف الكفالة بأنها: التزام جائز التصرف في إحضار بدن من عليه حق.
الفائدة الثانية: في حكم الكفالة
: الكفالة جائزة بالكتاب والسنة:
قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ 3، وجه الدلالة في أنهم وثقوه وتكفلوا له ببدنه، فدل على أن الكفالة تكون بالبدن.
أما السنة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ وَاللَّهِ لا=12
..................................
=أُفَارِقُكَ حَتَّى تقضيني أَوْ تأتيني بِحَمِيلٍ فَتَحَمَّلَ بِهَا النبي - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ فَقَالَ لَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ»، قَالَ مِنْ مَعْدِنٍ.
قَالَ «لا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا وَلَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ»، فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - 1.
وفي رواية: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ» 2، فتركه الرجل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحمل عنه وكفله.
والجمهور 3 على شرعية الكفالة لهذين الدليلين.
وقد نقل البعض الإجماع عليها، لكن نقل الإجماع فيه نظر.
- الفائدة الثالثة: أكثر الفقهاء يطلقون لفظ الضمان والكفالة كل واحد منهما على الآخر، فهما مترادفان يراد منهما ما يعم ضمان المال وضمان النفس وضمان الطلب.
- الفائدة الرابعة: من تصح منه الكفالة؟ تصح الكفالة من الرشيد البالغ العاقل فيخرج من ذلك الصغير والسفيه فلا تصح منهما الكفالة، لأن الكفالة تحمل وهؤلاء ليسوا أهلاً للتحمل، أما المحجور عليه لفلس فتصح منه الكفالة، لأن الذمة موجودة وإنما حجر عليه في المال فقط.
- الفائدة الخامسة: إذا كان العرف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان فهل يحمل المعنى على العرف أم على الشرع؟ الجواب: لا شك أنه يحمل على العرف، لأن هذه معاملات يجري الناس فيها على أعرافهم.