فَإِنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ، فَجَائِزٌ (1)،
= -صلى الله عليه وسلم- نحر بدنه، وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده» (1).
وذهب المالكية (2) إلى وجوب نحرها، وألحقوا بها الزرافة لأن أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر البدن وذبح الغنم وإنما نأخذ الأحكام من جهته.
والصحيح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو جواز الذبح في الإبل وإن كان خلاف الأولى وذلك لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» (3)، فلم يفرق بين النحر والذبح، فيجوز نحر ما يذبح وذبح ما ينحر.
(1)
قوله «فَإِنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ، فَجَائِزٌ»:
أي فإن استبدل النحر بالذبح أو استبدل الذبح بالنحر فإن ذلك جائز، وقد سبق الإشارة إلى ذلك آنفاً وقلنا بأن النحر يكون للإبل، والذبح لغيرها، والعَقْر يكون للصيد وما يَمْتَنع من الحيوان، فلو أنه ذبح ما ينحر، كأن يأتي لبعير ويذبحه بسكين كما يذبح الشاة أو البقر، فإن هذا يصح، أو العكس، بأن نَحَرَ ما يُذبح كأن يأتي إلى البقرة أو الغنم فينحره نَحرًا، فيصح أيضاً وذلك لأدلة منها:123
وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ كُلِّهَا ثَلاثَةُ شُرُوْطٍ: (1)
أولاً: حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَمِرَّ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» (1).
ثانياً: حديث أسماء رضي الله عنها قالت: «نَحَرْنا فرسًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأكلناه» (2)، ومن المعلوم أن الفرس يُذبح.
ثالثاً: جاء في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نَحَرَ في حجة الوداع عن نسائه البقر، ومعلوم أن البقر يُذبح، ومع ذلك قال الراوي: «نَحَرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البقر»، فدل ذلك على أنه لو نُحِرَ ما يُذبح أو ذُبِحَ ما يُنحر أن ذلك لا بأس به، لكن الأفضل أن النَحْرَ يكون للإبل، والذبح يكون لما عداها كما سبق.
(1)
قوله «وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ كُلِّهَا ثَلاثَةُ شُرُوْطٍ»:
بدأ المؤلف ببيان شروط الذكاة التي لابد من توفرها لتكون صحيحة يحل بها الحيوان المذكي، وهذه الشروط بعضها يعتبر في الذابح وبعضها يعتبر في آلة الذبح وبعضها يعتبر في صفة الذبح، وهذا ما سيتم بيانه إن شاء الله تعالى.12
أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّيْ، وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ عَاقِلاً، قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَأَمَّا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُوْنُ وَالسَّكْرَانُ وَالكَافِرُ الَّذِيْ لَيْسَ بِكِتَابِيٍّ فَلا تَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ 1، (1)
قوله «أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّيْ، وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ عَاقِلاً، قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَأَمَّا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُوْنُ وَالسَّكْرَانُ وَالكَافِرُ الَّذِيْ لَيْسَ بِكِتَابِيٍّ فَلا تَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ»:
هذا هو الشرط الأول فيما يعتبر في الذابح وهو أن يكون أهلاً للذكاة، ولا يكون كذلك إلا إذا توفر فيه شروط ثلاثة:
1 - العقل.
2 - القدرة على الذبح.
3 - الدين.
أما الشرط الأول وهو أن يكون عاقلاً: فهذا قول الحنفية (1)، والمالكية 2، والحنابلة 3 لأن الذكاة يعتبر لها القصد كالعبادة، ومن لا عقل له لا يصح منه القصد، فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها.
فإذا كان الذابح طفلاً دون التمييز أو مجنونًا أو سكراناً لا يصح منه الذبح.
والأظهر في مذهب الشافعية 4 أنه لا يشترط العقل في الذابح فيحل ذبح الصبي غير المميز والمجنون والسكران لأن لهم قصدًا وإرادة في الجملة لكن مع الكراهة خوفًا من عدولهم عن محل الذبح.
=
.................................. = والراجح أنه يشترط العقل في الذابح فلا تَحِلُ ذبيحة غير المميز والسكران والمجنون لأنه يُشترط للذبح صحة القصد والإرادة، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (1) فأضاف التذكية إلى المخاطبين، وهو ظاهر في إرادة الفعل، وما لا يمكن منه القصد لا تمكن منه الإرادة، ومعلوم أن المجنون لا يمكن منه الإرادة على وجه صحيح، وكذلك أيضاً الطفل غير المميز، لا يعقل النية، فلا يصح ذبحه ولا نَحْرُهُ، لكن الطفل المميز يصحّ ذَبْحُهُ، ولهذا قال ابن المنذر -رحمه الله-: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي» (2)، ولأن الذكاة فيها نوع تعبد لله ويذكر عليها اسمه، والعبادة لابد لها من نية ولا يأتي هذا بدون أن يكون الذابح عاقلاً مميزًا.
الشرط الثاني: القدرة على الذبح
: فيُشترط في الذابح أن يكون «قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ»، وذلك ليتحقق منه فإن كان غير قادرٍ على الذبح أيضًا لا يصح ذبحه.
الشرط الثالث: أن يكون مسلماً أو كتابياً:
أي ذا دين سماوي فيخرج بذلك ما ذبحه كافر غير كتابي فلا يحل، والمسلم هنا من دان بشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، والكتابي هو من كان يهودياً، أو نصرانياً، فإن اليهودي والنصراني تحل ذبيحتهما؛ لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ=12
..................................
=أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} 1، والطعام في الأصل: اسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاص بالذبائح، لأن غير الذبائح يحل منهم ومن غيرهم ولم يختلف السلف أن المراد بذلك الذبائح، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين 2.
والحكمة في إباحة ذبائح أهل الكتاب كما قال أهل العلم: أنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه، فهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين لأنهم ينتسبون إلى الأنبياء والكتب، وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله لأنه شرك؛ فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم.
هذا ما ذكره بعض العلماء في الحكمة في إباحة ذبائح أهل الكتابين فإن صح فذاك، وإلا فالله قد أباح ذبائحهم دون غيرهم وعلينا الاستسلام لحكمه سبحانه عرفنا الحكمة أم لم نعرفها 3.
.................................. -
فائدة: في حكم ما ذبحه أهل الكتاب ولم يذكر اسم الله عليه
:
ما ذبحه أهل الكتاب ولم يذكروا اسم الله عليه له حالتان:
الحالة الأولى: ما تركوا التسمية عليه بالكلية فلم يذكروا عليه اسم الله ولا اسم غيره
.
الحالة الثانية: ما ذبحوه على اسم المسيح أو الزهرة أو غيرهما
. ففي الحالة الأولى للعلماء في حكم الذبيحة قولان: القول الأول: أنها لا تحل مطلقًا سواء قلنا: إن التسمية شرط لحل ذبيحة المسلم أو لا - لأننا أن قلنا إن التسمية شرط في حل ذبيحة المسلم فالكتابي من باب أولى، وإن قلنا إنها غير شرط في حل ذبيحة المسلم فهناك فرق بين المسلم والكتابي لأن اسم الله في قلب المسلم وإن ترك ذكره بلسانه بخلاف الكتابي 1. القول الثاني: أنها تحل مطلقًا: أي سواء اشترطت التسمية لحل ذبيحة المسلم أم لا، فذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله تعالى عليها أم لا لظاهر القرآن العزيز، كما في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ 2، فظاهر الآية العموم فيتناول ما لم يذكروا اسم الله عليه 3. =
..................................
=والذي يظهر لي ترجيحه هو القول الأول، وهو تحريم ذبيحة الكتابي إذا لم يذكر اسم الله عليها متعمداً، لأن الراجح أن التسمية شرط في حل
ذبيحة المسلم والكتابي مع الذكر كما سيأتي إن شاء الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 1، وهذا عام في ذبيحة المسلم والكتابي، وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ 2 يراد به ما ذبحوه بشرطه كالمسلم.
الحالة الثانية: وهو ما ذبحوه على اسم غير الله كالمسيح والزهرة وغيرهما، نقول للعلماء في حكم الذبيحة في هذه الحالة ثلاثة أقوال:
القول الأول: التحريم: وهو قول الشافعية 3، والحنفية 4، وهو أصح الروايتين عن أحمد 5 لأن القرآن الكريم صرح بتحريم ما أهل به لغير الله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ 6، وهذا عام في ذبيحة الوثني والكتابي إذا أهل بها لغير الله.
القول الثاني: الإباحة: وهو قول جماعة من السلف 7، ورواية عن أحمد 8 لأن هذا من طعامهم، وقد أباح الله لنا طعامهم من غير=
..................................
=تخصيص، وقد علم سبحانه أنهم يسمون غير اسمه.
القول الثالث: وهو قول المالكية (1): أن ذبح أهل الكتاب إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم قربانًا وتركوه لا ينتفعون به فإنه لا يحل لنا أكله إذ ليس من طعامهم لأنهم لا ينتفعون به، وأما ما ذبحوه لأنفسهم بقصد أكلهم منه ولو في أعيادهم لكن سموا عليه اسم آلهتهم مثلاً تبركًا فهذا يكره أن يؤكل لأنه تناوله عموم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (2). والراجح من الأقوال هو القول الأول، وهو التحريم مطلقًا لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (3)، وهذا مما أهل به لغير الله، وإباحة ذبائح أهل الكتاب وإن كانت مطلقة: لكنها مقيدة بما لم يهلوا به لغير الله فلا يجوز تعطيل القيد وإلغاؤه بل يحمل المطلق على المقيد.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: هل طعام الذين أوتوا الكتاب كل ما اعتقدوه طعاماً، وإن لم يكن على الطريقة الإسلامية؟
نقول لا، وهو المشهور عند عامة أهل العلم عامتهم، وذهب بعض العلماء - من الأقدمين والمتأخرين - إلى أن ما اعتقدوه طعاماً فهو حلال لنا؛ لأن الاختصاص في قوله تعالى: =123
..................................
= ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (1) لولا أن له فائدة لم يكن
لذكره فائدة، وهي أن طعامهم يتميز عن طعامنا باعتقادهم إياه طعاماً، فإن كانوا مثلا يعتقدون أن المصعوق بالكهرباء ونحوه يعتبر طعاما فهو حل لنا، كما لو أن أحداً من الفقهاء خالفنا في شرط من شروط الذكاة، وذكى الذبيحة على اعتقاده فإنها تكون حلالاً لنا، ولنفرض أن شخصاً لا يرى وجوب التسمية ذبح ذبيحة ولم يسم الله؛ فهي حلالٌ لنا وله؛ لأنه اعتقدها حلالاً، أما لو ذبحها من يعتقد التحريم فهي حرام.
فالمهم أن بعض العلماء قال: ما اعتقده أهل الكتاب طعاماً فإنه حلال، ولا نحتاج إلى قطع الحلقوم والمريء، ولا إلى التسمية.
قلت: والصواب هو ما عليه جمهور العلماء، فلا بد أن يذكى وينهر الدم فيه، ولا بد أن يسمى الله عليه؛ كما سيأتينا - إن شاء الله تعالى - في الشروط المستقبلة.
الفائدة الثانية: هل يشترط أن يكون أبوا الكتابي كتابيين؟
الصحيح أنه لا يشترط أن يكون أبواه كتابيين، وأن لكل إنسان حكم نفسه، فلو قدر أن الأب شيوعي، أو وثني، وأن ابنه اعتنق دين اليهود مثلا، أو دين النصارى، فإن ذبيحته - على القول الراجح - حلال؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ 2.1
.................................. - الفائدة الثالثة: شكك بعض الناس في عصرنا في حل ذبيحة اليهودي والنصراني، وقال: إنهم الآن لا يدينون بدين اليهود، ولا النصارى، وهذا ليس بصواب، نعم إن قالوا: نحن لا ندين بهذه الأديان، ولا نعتبرها دينا، فإن ردتهم واضحة، أما إذا قالوا: إنهم يدينون بها، ولكنَّ عندهم شركا، فإن ذلك لا يمنع، بدليل أن الله - تعالى - أنزل سورة المائدة، وحكي فيها عن النصارى ما حكي من القول بالتثليث، وكفرهم بذلك، فقال سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (1)، وفي نفس السورة قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (2)، فالقرآن نزل بعد أن غيروا وبدلوا، بل بعد أن كفروا، ومع ذلك أحل ذبائحهم ونساءهم، وعلى هذا فما دام هؤلاء يقولون: إنهم يدينون بدين النصارى، أو بدين اليهود فإن لهم حكم اليهود والنصارى، ولو كان عندهم تبديل وتغيير، ما لم يقولوا: إنهم مرتدون (3).
الفائدة الرابعة: في حكم اللحوم المستوردة
: اللحوم المستوردة من أهل الكتاب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما علم أنه ذكي على الطريقة الشرعية، فهذا حلال بالإجماع.123
..................................
القسم الثاني: ما علم أنه ذكي على غير الطريقة الشرعية كأن يذبحوه بالخنق أو الكهرباء أو ضرب الرأس ونحو ذلك فقد سبق الإشارة إليه وقلنا بأن الصحيح أنه يحرم.
القسم الثالث: وهو ما جهل حاله من هذه اللحوم المستوردة فلم يعلم هل ذكي على الطريقة الإسلامية أو لا، فهذا قد اختلفت فيه أقوال العلماء في عصرنا على قولين:
القول الأول: أنه مباح عملاً بالآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ 1، فالأصل فيه الإباحة إلا إذا علمنا أنهم ذبحوه على غير الوجه الشرعي، وهذا هو اختيار شيخنا عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- 2، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين 3، وقول اللجنة الدائمة 4.
القول الثاني: أن هذا النوع من الذبائح لا يحل واحتج أصحاب هذا القول بما يلي:
1 - لأن الأصل في الحيوانات التحريم فلا يحل شيء منها إلا بذكاة شرعية متيقنة تنقلها من التحريم إلى الإباحة، وحصول الذكاة على الوجه الشرعي في هذه اللحوم مشكوك فيه، بل يغلب على الظن عدم وجود التذكية فيها فتبقى على التحريم.
=
الثَّانِيْ: أَنْ يَذْكُرَ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا (1)،
=2 - أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر، وهذه اللحوم ترددت بين كونها مذكاة ذكاة شرعية فتحل أم غير مذكاة فلا تحل تغليباً لجانب التحريم.
قلت: والراجح هو القول الأول وأنَّ تورع الإنسان بتركها وإن كان ذلك محموداً وذلك لكَثُرَت شهادات من شهدوا بأن كثيرا من المصانع في بعض الدول أنهم يصعقون الحيوانات ولا يُذَكُّونَها التذكية الشرعية.
ومع قولنا بأن الإنسان يتورع بتركها فلا يأكل هذه الذبائح المستوردة، لكن لا يُحَرِّم هذا على غيره، ولا يُنكر على الذين يأكلون هذه الذبائح، وذلك لاختلاف العلماء في حلها وحرمتها، والورع شيء والتحريم شيء آخر.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَذْكُرَ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا»:
هذا هو الشرط الثاني مما تحل به الذبيحة فلابد فيها من التسمية دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، إلى قوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ 1.
ومن السنة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ» 2، و «ما» هنا شرطية.
=
..................................
=ومن السنة أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» 1، فقولها «لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا»، فإن هذا يدل على أنه كان من المستقر عندهم أن ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل.
وقد اختلف الفقهاء في حكم التسمية على الذبيحة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب التسمية على الذبيحة مطلقًا فلا تحل بدونها أي فلا تسقط بأي حال من الأحوال، لا سهواً ولا جهلاً ولا عمداً مع الذكر وهذا هو قول الظاهرية 2، وهو رواية عن الإمام أحمد 3، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 4، وشيخنا -رحمه الله- 5.
واستدل هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 6. ففيه النهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه وتسميته فسقًا.
..................................
=ومن ذلك أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ» 1، فشرط لحل الأكل التسمية، ومعلوم أنه إذا فقد الشرط فقد المشروط، فإذا فقدت التسمية فإنه يفقد الحل، كسائر الشروط.
القول الثاني: أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حال النسيان، فيباح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا من الذبائح، وهذا قول الحنفية 2، والمالكية 3، والمشهور في مذهب الحنابلة 4، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز 5 -رحمه الله-.
واستدل هؤلاء بأدلة منها:
حديث ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ لْيَأْكُلْ» 6.
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 7.
القول الثالث: أن التسمية على الذبيحة سنة مطلقًا وليست شرطًا وهو=
..................................
=رواية عن أحمد 1 ومذهب الشافعية 2 واحتجوا بما يأتي:
1 - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.. ﴾، إلى قوله تعالى ﴿.. إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ 3، فأباح المذكي ولم يذكر التسمية.
2 - واستدلوا أيضًا بأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ وهم لا يسمون غالبًا فدل على أنها غير واجبة لأنها لو اشترطت التسمية لما حلت الذبيحة مع الشك في وجودها لأن الشك في الشرط شك في المشروط.
3 - واستدلوا أيضاً بحديث عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» 4. ووجه الدلالة منه أنه لو كانت التسمية شرطًا لم يرخص لهم إلا مع تحققها وما ذكر في الحديث المراد به التسمية المأمور بها عند أكل الطعام.
قلت: والراجح من الأقوال هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حالة النسيان، فيباح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا من الذبائح.
.................................. =وهذا هو الموافق لأصول هذه الشريعة، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (1)، قال: قد فعلت»، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ» (2).
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: اختلف الفقهاء في الصيغة المعتبرة في التسمية على الذبيحة على قولين:
القول الأول: وهو قول الحنفية 3، والمالكية 4 أن المراد بالتسمية ذكر أي اسم من أسماء الله سواء قرن به كأن قال: الله أكبر، الله أجل، الله أعظم، الله الرحمن، الله الرحيم، أو لم يقرن بأن قال: الله أو الرحمن أو الرحيم، وكذا التهليل والتحميد والتسبيح.
ووجهتهم في ذلك: أن الله سبحانه قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 5. وكذا جاء في الأحاديث من غير فصل بين اسم واسم، ويرى شيخنا -رحمه الله- جواز قوله باسم الرحمن، أو باسم رب العالمين 6.12
..................................
القول الثاني: أنه يتعين أن يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها، وهذا قول الحنابلة (1)، والشافعية (2). ووجهتهم في ذلك: أن إطلاق التسمية ينصرف إلى: «بسم الله»، وقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ذبح قال: «بسم الله الرحمن الرحيم».
والراجح عندي: هو القول الثاني؛ لأن اسم الله وإن جاء مطلقًا في النصوص فقد بينه فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- الثابت في الصحيح، فقد كان يقول عند الذبح «بسم الله»، ويرى شيخنا -رحمه الله- جواز قوله «باسم الرحمن»، أو «باسم رب العالمين» (3).
-
الفائدة الثانية: وقت التسمية على الذبيحة: وقت التسمية على الذبيحة هو وقت الذبح، لأنه لا يتحقق معنى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا إذا كان وقت الذبح ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير لا يمكن التحرز عنه.
الفائدة الثالثة: ما جهل حاله هل ذكر الذابح اسم الله عليه أو لا؟
إن تيقن أن الذابح لم يسم عليها لم يجز أن يأكل منها، وإذا لم يعلم هل سمي عليها أو لا جاز أن يأكل منها لأنه لا يلزم أن تعلم التسمية فيما يجلب إلى أسواق المسلمين مما ذبحه المسلمون أو أهل الكتاب لأن المسلمين قد عرفوا التسمية، والمسلم يحسن به الظن ما لم يتبين خلاف ذلك، =123
.................................. =دليل ذلك «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» (1).
الفائدة الرابعة: هل يشرع أن يذكر اسم الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الذبيحة؟
لا يشرع أن يقول عند الذبح «باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله» لأن هذا مقام إخلاص لله عز وجل، فلا ينبغي أن يذكر مع اسمه اسم غيره.
- الفائدة الخامسة: هل يشترط أن تكون التسمية واقعة من الفاعل:
بمعنى لو سمى غيره ممن هو إلى جانبه هل يجزئ؟ نقول: لا يجزئ، فلا بد أن يكون من الفاعل، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصيد: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (2)، فالمخاطب في قوله -صلى الله عليه وسلم- «أرسلت» و «ذكرت» هو الفاعل، فلا بد أن تكون التسمية منه.
الفائدة السادسة: في الذبح عن طريق الآلات الأوتوماتيكية
:
أولاً: يجوز الذبح بالآلات الحديثة بشرط كونها حادة، وأن تقطع الحلقوم والمريء.
ثانياً: إذا كان هذا العامل مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً، وهو الذي أدار=12
أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا (1)،
=جهاز الذبح بقصد ذبح هذه الذبائح، وتحرى التسمية عند مرور السكين الأوتوماتيكية على الذبائح، وقطع ما شرع قطعه من الحلقوم والمريء والودجين - جاز أكل ما ذبح على هذا الوصف.
ثالثاً: تكفي تسمية واحدة عند ذبح الجميع إذا كانت الآلة المستخدمة للذبح يحصل بها ذبح الجميع عند تحريكها، أما إن كانت الآلة تذبح عددا بعد عدد، فإنه يسمى عند كل تحريكه للذبح،
رابعاً: كتابة البسملة على شفرة الذبح، لا تكفي ولا تتأدى بها التسمية المطلوبة عند الذبح مع العلم بأن الذكاة الشرعية هي قطع الحلقوم والمريء والودجين.
خامساً: إذا كان الشخص يذبح بيده فيجب أن يسمي تسمية مستقلة على كل دجاجة يذبحها لاستقلال كل دجاجة بنفسها.
سادساً: يجب أن تكون التذكية في محل الذبح، وأن يقطع المريء والودجان، أو أحدهما.
(1)
قوله «أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا»:
أي وكذلك أيضًا عند إرسال الآلة في الصيد لابد له من أن يُسَمِّي عند إرساله إن كان متكلماً والأدلة على ذلك كثيرة منها: عن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- أنه قال أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب نأكل في آنيتهم وأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم والذي ليس معلما فأخبرني ما الذي يحل =
..................................
= لنا من ذلك فقال «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَأَىنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» 1.
وعن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت إنا قوم نصيد بهذه الكلاب فقال «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ قَتَلْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلا تَأْكُلْ» 2.
وعنه أيضاً قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي أجد معه كلباً آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: «لا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ».
وسأَلته عن صيد المعراض فقال «إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ» 3.
وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَشَارَ إِلى السَّمَاءِ (1)، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَّةَ عَلى الذَّبِيْحَةِ عَامِدًا، لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا، حَلَّتْ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَشَارَ إِلى السَّمَاءِ»:
هذا من مفردات المذهب (1)، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على إباحة ذبيحة الأخرس» (2).
إذا ثبت هذا فإنه يشير إلى السماء؛ لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق، وإشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء.
دليل ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن عليّ رقبة مؤمنة، أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَيْنَ اللَّهُ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ أَنَا قَالَتْ فَأَشَارَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَإِلَى السَّمَاءِ أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (3)، ولو أشار إشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافيا.
(2)
قوله «فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَّةَ عَلى الذَّبِيْحَةِ عَامِدًا، لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا، حَلَّتْ»:
سبق الكلام على حكم التسمية وذكر الخلاف في حكمها، وقلنا بأن الراجح من أقوال الفقهاء أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حالة النسيان، فيباح من الذبائح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا.123
وَإِنْ تَرَكَهَا عَلى الصَّيْدِ، لَمْ يَحِلَّ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا (1)، الثَّالِثُ: أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ تَرَكَهَا عَلى الصَّيْدِ، لَمْ يَحِلَّ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا»:
أي إن ترك التسمية سهواً، أو عمداً لم يبح، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (1)، وكذلك للأحاديث التي ذكرناها آنفاً كحديث أبي ثعلبة الخشني وحديث عدي ابن حاتم المتقدمين، فعلى هذا لو نسي هذا الصائد أن يقول: باسم الله عند إرسال السهم، أو عند إرسال الجارحة، فإنها لا تحل وتكون ميتة.
وقد سبق أن المؤلف -رحمه الله- يرى أن من تركها سهواً عند الذبح فإنها تحل وهو الصحيح كما سبق، ولا فرق بين هذا وهذا، فإن التسمية واجبة في الذكاة، كما هي واجبة في الصيد، وتسقط بالنسيان في الحالتين بل سقوطها في حال الصيد أقرب وذلك لأن الصائد أعذر من الذابح في نسيان التسمية، فهو عندما يرى الصيد يخاف من أن يفوته، فيأخذ البندقية بسرعة، أو يرسل الجارح بسرعة، ويذهل، ويغفل، فهو إلى النسيان أقرب من الذابح الذي يأتي بهدوء، ويضجع الذبيحة، أو يعلقها إذا كانت بعيراً ويذبح، فهذا يبعد النسيان في حقه بخلاف الصائد.
(2)
قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ»:
أي الشرط الثالث من شروط حل ما يُذبح «أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ»، وهي الآلة التي يذبح بها، فلا بد أن يكون الذبح بآلة، فلا يصح الخنق، ولا أن يرديها من الجبل حتى تموت - ولا=1
سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيْدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ غَيْرِهِ (1)، إِلاَّ السِّنَّ وَالظُفْرَ (2)؛
=الحذف بأن يحذفها بشيء حتى تموت، ولا الضرب، فكل هذا لا تحل به الذبيحة، بل لابد من آلة، ولابد في هذه الآلة من أن تكون محددة، أي تجعله يسيل، ولهذا قال المؤلف «بمحدد» أي له حد يقطع، أما إذا لم يكن له حد فلا تحل الذكاة به.
فلو صعقها بالكهرباء فلا تحل، لأنها غير محددة، ولا تنهر الدم، دليل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما أَنْهَرَ الدم وَذُكِرَ اسم الله عليه؛ فَكُلْ ما لم يكن سنًّا أو ظفرًا» (1)، فقوله: «ما أَنْهَرَ الدم» معلوم أنه لا يحصل إِنْهار الدم إلا بالشيء المحدد، فلا بد من أن تكون التذكية بشيء محدد سواء كان حديدًا كأن تكون سكيناً مثلاً أو حجر أو قصباً كما سيذكر ذلك المؤلف.
(1)
قوله «سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيْدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ غَيْرِهِ»:
أي سواء كان المذبوح به «وهي آلة الذبح» من حديد كأن تكون سكينة أو حجراً محدداً فإنه يصح أن يُذَكَّى به، ويدل لذلك قصة جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذبحتها بحجر فسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «كُلُوهَا» (2)، وكذلك القصب والمراد به قشره، ومثله الذرة الغليظة، فكل قصب يكون محدداً تحل به الذكاة.
(2)
قوله «إِلاَّ السِّنَّ وَالظُفْرَ»:
هذا مستثنى مما سبق أي كل شيء يكون محددا ينهر الدم، فإنه تباح التذكية به، وتحل الذبيحة إلا السن والظفر، ولو=12
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ» (1)، =كان محدداً، وعلى هذا فما يفعله الصبيان من قطع رقبة العصفور بأظفارهم، ثم يأكلونه حرام، حتى لو كان الظفر حاداً، لقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (1)، ومدى: جمع مدية، وهي السكين.
(1)
قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ»
وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ (1)،
=فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُر، وَسَأُحْدثُكُمْ عَنْهُ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (1).
وفي الحديث بعض الفوائد منها:
1 - جواز التذكية بكل ما أنهر الدم وأساله، من حديد، أو حجر، أو قصب أو غيرها كما سبق.
2 - اشتراطْ التسمية، وتقدم أنها تسقط سهواً وجهلا.
3 - أنه لا يجوز الذبح بالسن والظفر، والحكمة في ذلك ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- من أن السن عظم، وأما الظفر فلمخالفة الكفار، لم يجز الذبح به.
4 - قوله -صلى الله عليه وسلم- «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ» يفهم منه أنه لا يجوز التذكية بجميع العظام وهو الصحيح، وهو رواية عن الإمام أحمد (2)، أما المشهور من المذهب (3) فيختص بالسن فقط.
5 - قوله -صلى الله عليه وسلم- «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» يؤخذ منه عدم جواز مشابهة الكفار وتقليدهم، ومتابعتهم بشيء من أعمالهم.
(1)
قوله «وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ»:
شرع المؤلف هنا في بيان الأحكام المتعلقة بالصيد فذكر أول أحكامه وهو اعتبار الآلة التي يصاد بها فقال «وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ»، كالبندقية مثلاً ونحوها، هذا صيد بمحدد ويشترط فيها ما يشترط في آلة=123
فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ بِحَجَرٍ، أَوْ بُنْدُقٍ أَوْ شَبَكَة (1)،
= الذبح، وقد سبق أن ذكرنا أنه يشترط في آلة الذبح أن تكون بغير السن والظُّفُر، لأن السن عظم، والظفر مدي الحبشة.
والحكم الثاني: أن يجرح الصيد، ولذا قال «أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ» يعني لابد أن يكون بمحدد وأن يحصل أيضاً جرح الصيد، لابد من جرحه، فإن مات من غير جرح لم يحل، وذلك لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» فإنه عام إلا أنه يختلف عن الذبح، لأن الذبح يشترط أن يكون في الرقبة وذلك بقطع الحلقوم والمريء والودجين أو ثلاثة منها، وأما في الصيد، ففي أي موضع أصابه حل، كالمعجوز عنه.
(2)
قوله «فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ بِحَجَرٍ، أَوْ بُنْدُقٍ أَوْ شَبَكَة»:
كأن يرى حمامة أو عصفوراً فيأخذ حجرًا ويضربها به فتموت فلا تَحِل؛ لأنه لا بد من أن يكون ذلك بمحدد.
وقوله «أَوْ بُنْدُقٍ» البندق هو طين مُدَوَّر كان يُرمى به قديمًا وهو عبارة عن طين يدور، وييبس، والغالب أنه يكون من الفخار، وهو يقتل بثقله؛ لأنه لا ينفذ، فلو صدت طائرا بالبندق سواء حذفت باليد، أو حذفت بالمقلاع فقتلته لم يحل؛ لأن النبي نهى عنها، وقال «إِنَّهُ لا يُصَادُ بِهَا صَيْدٌ، وَلا يَنْكَأُ بِهَا عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَفْقَأُ الْعَيْنَ وَتَكْسِرُ السِّنَّ» 1، =
أَوْ قَتَلَ الجَارِحُ الصَّيْدَ بِصَدْمَتِهِ أَوْ خَنْقِهِ أَوْ رَوْعَتِهِ، لَمْ يَحِلَّ (1)،
=فالعدو لا تدفعه، والصيد لا تصيده؛ لأنه لا يحل الصيد بها، إلا إذا أدركته حيًّا فذكيته.
وهل مثل البندق الرصاص؟
لا؛ لأن الرصاص نوعان: رصاص مدبب، فهذا كالسهم تماماً، ورصاص غير مدبب لكنه لا يقتل بثقله، وإنما يقتل بنفوذه فيكون جارحاً.
وقد اختلف العلماء أول ما ظهر بندق الرصاص، فمنهم من حرمه، وقال: إن الصيد به لا يجوز، ولا يحل، ولكنهم في آخر الأمر أجمعوا على حل صيده.
وقوله «أَوْ شَبَكَةٍ»: وهي ما تسمى شَركَاً، يحفرون بالجدار حفرة صغيرة، ويضعون فيها تمرة، ويستحسن أن يكون فيها حب بر، ثم يضعون على فم الحفرة خيطاً أو حبلاً يكون تكة، فإذا جاء العصفور وأدخل رأسه يأكل التمرة، أمسكه الحبل واشتد على رقبته، فأحياناً يدركه الإنسان قبل أن يموت فيأخذه ويذبحه، وأحياناً يموت قبل أن يدركه، فإذا مات فلا يحل؛ لأنه خنق خنقاً.
(1)
قوله «أَوْ قَتَلَ الجَارِحُ الصَّيْدَ بِصَدْمَتِهِ أَوْ خَنْقِهِ أَوْ رَوْعَتِهِ، لَمْ يَحِلَّ»:
أي وكذلك إن قتل الجارح الصيد كأن يرسل كلبه المعلم إلى الصيد فيصطدم به فيموت، أو يخنقه من رقبته، أو يفجعه فتموت من حينه ولا يبقى فيه رمق، فإنه لا يحل لأنه في حكم الموقوذة، فإن أدركه وبه رمق حل.
وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ (1)، أَكَلَ مَا قُتِلَ بِحَدِّهِ دُوْنَ مَا قُتِلَ بِعَرْضِهِ (2)، وَإِنْ نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ وَسَمَّى، فَعَقَرَتِ الصَّيْدَ أَوْ قَتَلَتْهُ، حَلَّ (3)، (1)
قوله «وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ»:
المعراض: خشبة محدودة الطرف أو في طرفها حديدة يرمي بها الصيد.
(2)
قوله «أَكَلَ مَا قُتِلَ بِحَدِّهِ دُوْنَ مَا قُتِلَ بِعَرْضِهِ»:
وهذا هو قول جمهور أهل العلم أي أنهم يفرقون بين أن يقتل المعراض بحده أي بطرفه المحدد، وفي رواية (1) كل ما خرق فيحل أكله لأنه يجرح ما أصابه، بخلاف ما قتل بعرضه فإنه لا يحل لأنه مات بسبب الثقل فإنه يكون وقيذاً ولا يحل.
وذهب بعض السلف إلى أنه يحل صيد المعراض مطلقاً، فيباح ما قتله بحده وعرضه خزق أم لا.
قلت: والصواب هو قول جمهور الفقهاء لحديث عدى بن حاتم المتقدم وفيه: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ» (2)، فالحجة في السنة لا فيما خالفها.
(3)
قوله «وَإِنْ نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ وَسَمَّى، فَعَقَرَتِ الصَّيْدَ أَوْ قَتَلَتْهُ، حَلَّ»:
المناجل: جمع منجل، وهي الآلة التي يحش بها ويُحصد بها، فإن نصبها للصيد فصادت الصيد وصدم بها، أو أنها عَقَرَت الصيد، =12
..................................
= كأن يلقيها على الصيد فتعقره فتقتله؛ فإنه يحل ذلك، لأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها.
فالمقصود أنه لا بد في هذا من أن يكون الصيد بمحدد، فلو أن سيارة صدمت جملاً فمات هذا الجمل؛ فإنه لا يَحِل، ويكون وقيذًا، ولو سال منه الدم، فلابد من أن يكون ذلك بمحدد، لكن لو أن السيارة لَمَّا صدمت هذا الجمل لا زال فيه حياة، فأتى أحد الحاضرين بسكين وَنَحَرَهُ، فإنه يَحِل.
فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَالعَقْرِ
(1) وَيُشْتَرَطُ فِيْ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ خَاصَّةً شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، فَيَقْطَعُ الحُلْقُوْمَ وَالْمَرِيْءَ، وَمَا لا تَبْقَى الحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَالعَقْرِ»:
سبق تعريف الذبح والنحر والعقر، وذكرنا الشروط المعتبرة في الذابح والمذبوح به، وهنا سيذكر المؤلف الشروط المعتبرة في الذبح ذاته فقال: (2)
قوله «وَيُشْتَرَطُ فِيْ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ خَاصَّةً شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، فَيَقْطَعُ الحُلْقُوْمَ وَالْمَرِيْء، وَمَا لا تَبْقَى الحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ»:
بدأ المؤلف بشروط الذبح والنحر دون العقر، وذلك لأن العقر إنما يكون في حال الضرورة كما سبق، فله حكم يختلف فيه عن الذبح أو النحر اللذان محلهما الاختيار، فذكر الشرط الأول وهو «أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ»، يعني يكون الذبح في الحلق، «واللَّبَّةِ»: بفتح اللام وتشديد الموحدة هي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.
وفي الرقبة أربعة أشياء: ودجان، وحلقوم، ومريء.
والودجان عرقان غليظان يحاذيان الحلقوم والمريء، ويسميان الشرايين، والحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب.
هذه الأربعة إذا قطعها الذابح؛ حلت الذبيحة وحصل بها التذكية باتفاق أهل العلم، فإذا اقتصر على بعضها، فالقول الصحيح في هذه المسألة أنه لا بد من قطع ثلاثة من هذه الأربعة، فإما أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، أو يقطع الودجين والحلقوم، أو يقطع الودجين=
الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْمَذْبُوْحِ حَيَاةٌ يُذْهِبُهَا الذَّبْحُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ إِلاَّ كَحَيَاةِ المَذْبُوْحِ، وَمَا أُبِيْنَتْ حَشْوَتُهُ، لَمْ يَحِلَّ بِالذَّبْحِ وَلا النَّحْرِ 1، =والمريء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (1)، واختيار الشيخين رحمهما الله 2.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْمَذْبُوْحِ حَيَاةٌ يُذْهِبُهَا الذَّبْحُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ إِلاَّ كَحَيَاةِ المَذْبُوْحِ، وَمَا أُبِيْنَتْ حَشْوَتُهُ، لَمْ يَحِلَّ بِالذَّبْحِ وَلا النَّحْرِ»:
هذا هو الشرط الثاني، وهو أن يكون في المذبوح حياة فإن لم يكن في المذبوح حياة؛ فإنها لا تَحِل، والضابط في معرفة حياتها وعدم موتها يكون بأحد أمرين:
الأمر الأول: الحركة، فمتى تحركت بحركة قليلة أو كثيرة بيد أو برجل، أو بعين أو بأذن أو ذنب أو غير ذلك؛ فإن هذا دليل على حياتها، فتكون مباحة.
الأمر الثاني: جريان الدم الأحمر الذي يخرج من المُذكَّى المذبوح عادة بقوة وإن لم تتحرك، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «والصحيح: أنه إذا كان حيًّا فذكي حل أكله ولا يعتبر في ذلك حركة مذبوح، فإن حركات المذبوح لا تنضبط، بل فيها ما يطول زمانه وتعظم حركته، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُل» 3، =
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، حَلَّ (1)؛ =فمتى جرى الدم الذي يجري من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله، والناس يفرقون بين دم ما كان حيًّا ودم ما كان ميّتًا؛ فإن الميت يجمد دمه ويسود» (1). مسألة: إذا شُكَّ هل هو حيٌ أو ميت أو شكَّ في حركته فإنها لا تَحِل لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وما شككنا في بقاء حياته، لم نتحقق من ذكاته، فإن قيل الأصل بقاء الحياة؟ نقول نعم إلا أن الأصل عارضه ظاهرٌ أقوى منه وهو السبب المفضي إلى الموت فأنيط الحكمُ به ما لم يتحقق من حياته.
(2)
قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، حَلَّ»:
أي وإن لم يكن في حكم الميت فإنه يحل، لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ 2، فاستثنى الله تعالى ما ذُكِّيَ.
وبناءً على ذلك إذا وجد في الحيوان حياةٌ فذكي هذا الحيوان فإنه يحل، أما لو كان في حكم الميت كما مثل المؤلف بأن أبينت أحشاؤه، فإن هذا لا يحل بالتذكية، لأنه في الحقيقة في حكم الميت.1
لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ لَنَا غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتاً، فَكَسَرَتْ حَجَراً، فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا (1)، وَأَمَّا العَقْرُ، فَهُوَ: القَتْلُ بِجُرْحٍ فِيْ غَيْرِ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَيُشْرَعُ فِيْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَعْجُوْزٍ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالأَنْعَامِ (2)؛
(1) قوله «لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ لَنَا غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتاً، فَكَسَرَتْ حَجَراً، فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا» (1): هذا الحديث حُجَّة في هذه المسألة.
وفي هذا الحديث من الفقه أن ذبيحة النساء حلال والحرة والأمة في ذلك سواء.
وفيه جواز الذبح بالحجر الذي له حد.
والحديث محمول على أن هذه الذبيحة كانت بها حياة مستقرة فذبحتها ولولا ذلك ما حلت.
(2)
قوله «وَأَمَّا العَقْرُ، فَهُوَ: القَتْلُ بِجُرْحٍ فِيْ غَيْرِ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَيُشْرَعُ فِيْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَعْجُوْزٍ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالأَنْعَامِ»:
سبق تعريف العقر، وقلنا بأن العقر هو الجرح في أي موضع كان من البدن في غير الحلق واللبة عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام.1
لِمَا رَوَى رَافِعٌ أَنَّ بَعِيْرًا نَدَّ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوْا بِهِ هَكَذَا (1)، وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيْرٌ فِيْ بِئْرٍ فَتَعَذَّرَ نَحْرُهُ، فَجُرِحَ فِيْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ، فَمَاتَ بِهِ، حَلَّ أَكْلُهُ (2)، (1)
قوله «لِمَا رَوَى رَافِعٌ أَنَّ بَعِيْرًا نَدَّ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوْا بِهِ هَكَذَا»
(1): الأوابد: هي التي قد توحشت ونفرت، ومعنى الحديث أن ما شرد وهرب ولم تستطيعوا إمساكه بحيث تذبحونه من حلقه أو لبته، فإنه يرمى بسهم، فإذا سقط فإنه يكون حكمه حكم الصيد، وشأنه شأن الصيد الذي لا يقدر على ذبحه إلا بهذه الطريقة، لكنه إذا وقع وأدرك وفيه حياة تعيَّن ذبحه؛ أما ما رمي وخرجت روحه بهذه الإصابة التي حصلت في فخذه أو في أي مكان منه وسال الدم، فإنه يكون حلالاً بذلك إلحاقاً له بالصيد.
وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة أن المقدور عليه من الدواب الإنسية إذا توحش فامتنع صار حكمه في الذكاة حكم الوحشي غير المقدور عليه.
(2)
قوله «وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيْرٌ فِيْ بِئْرٍ فَتَعَذَّرَ نَحْرُهُ، فَجُرِحَ فِيْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ، فَمَاتَ بِهِ، حَلَّ أَكْلُهُ»:
أي وكذلك لو أن بعيراً سقط في بئر، ولم يمكن نحره إلا بهذه الطريقة، فإن هذا لا بأس به، ولهذا قال البخاري في صحيحه: «وقال ابن عباس ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو=1
.................................. =كالصيد، وفي بعير تردى في بئر من حيث قدرت عليه فذكه ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة» 1.
كِتَابُ الصَّيْدِ (1) كُلُّ مَا أَمْكَنَ ذَبْحُهُ مِنَ الصَّيْدِ، لَمْ يُبَحْ إِلاَّ بِذَبْحِهِ (2)، (1)
قوله «كِتَابُ الصَّيْدِ»:
الصيد: مصدر صاد يصيد صيداً، ومعناه: الاقتناص، ثم أطلق الصيد على الحيوان المصاد، من باب تسمية اسم المفعول باسم المصدر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (1). وأما الصيد بمعنى المصدر الذي هو فعل الصيد فهو: اقتناص المتوحش بطبعه من الحيوان المأكول الذي لا مالك له.
(2)
قوله «كُلُّ مَا أَمْكَنَ ذَبْحُهُ مِنَ الصَّيْدِ، لَمْ يُبَحْ إِلاَّ بِذَبْحِهِ»:
أي: كل ما كان مقدوراً عليه من الصيد فلا يباح إلا بالتذكية، وهذا بلا خلاف بين أهل العلم, دليل ذلك حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» 2.1