إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 1.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ 2.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ 3، أمابعد:
فلقد جاء ديننا الحنيف بالحث على العلم والترغيب فيه، قال الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 4. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ 5.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» 6.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» 1.
والعلماء في الأمة هم العارفون بشرع الله، العاملون بعلمهم على هدىً وبصيرة، وهم الذين يعتمد عليهم الناس بعد الله في أمور دينهم ودنياهم، وهم منارات الهدى، ومصابيح الدجى، وهم ورثة الأنبياء.
وهم كما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة».
وهم كما قال معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «يرفع الله بالعلم أقواماً فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة، يقتدى بهم، أدلة في الخير، تقتضى آثارهم وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها... ».
وقال الحسن -رحمه الله-: «لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم».
وقال يحيى بن معاذ -رحمه الله-: «العلماء أرحم بأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من آبائهم وأمهاتهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة».
والعلم دليل الإيمان والعمل ثمرته، وهو أفضل من سائر العبادات، بل الاشتغال به أفضل ما يتطوع به المرء، ونفعه لايقتصر على الدنيا بل يشمل الدنيا والآخرة، فيجمع لحامليه بين الحسنيين، ويرفع درجاتهم عند الله وعند الناس، فثمراته معجلة، وقطوفه دانية.
ولذلك اجتهد الكثيرون للظفر بهذا الفضل، وتلك الخيرية التي وعد بها رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» 1، فعكف العلماء من السلف والخلف على تعلم العلم وتعليمه، والجلوس له، والتأليف فيه.
وكانوا فيه أصنافاً عديدة، منهم السابقون، ومنهم الجادون، ومنهم المشمرون الحريصون على بلوغ أعلى الدرجات ومراتب الكمال، والله - جل وعلا - يؤتي فضله وحكمته من يشاء.
وقد أوضح ربنا - جل وعلا - مراتب الكمال وغايته في سورة العصر، وهي أربع مراتب:
الأولى: معرفة الحق، والثانية: العمل به، والثالثة: تعليمه من لا يحسنه، والرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه.
وقد بذل العلماء في كل زمان ومكان جهدهم في استنباط الأحكام الشرعية، وألفوا المؤلفات الكثيرة المطولة والمختصرة، ومنها ما هو على شكل متون دقيقة العبارة تحتاج إلى شرح وإيضاح، والمعول عليه عند أهل العلم في بيان الأحكام وتقريرها هو الدليل من الكتاب والسنة.
ولذا اجتهد العلماء في تقرير الأحكام الشرعية، وعولوا على الدليل، بل إن الأئمة الكبار كالأئمة الأربعة أمروا بترك أقوالهم، والإعراض عنها إذا خالفت الدليل، وهذا أمر متقرر معلوم، فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.
ورغم ذلك نبتت نابتة بعدت عن العلماء، وسلكت غير سبيلهم، فزهدت بكتب أهل العلم وطرحها، وهؤلاء لهم سلف من الخوارج الذين سلكوا غير سبيل المؤمنين، وطعنوا في العلماء، فضلوا وأضلوا - عياذاً بالله -.
لكن أهل العلم وقفوا لهم بالمرصاد، وبينوا خطأهم، وجاهدوهم بألسنتهم وأقلامهم، وهم في كل زمن يأخذون أشكالاً مختلفة، لكن يجمعهم هدف واحد، وطريق واحد، وهو الطعن في أهل العلم، والتنقص منهم، وتزهيد الناس بهم، وصد الناس عن الاستفادة من كتبهم، والتشويش على العامة.
وقد دفعني حب العلماء والدفاع عنهم على التطفل على موائدهم، والحرص على سلوك دربهم رجاء اللحاق بهم، وأن يحشرني الله في زمرتهم، فعقدت العزم على تدريس كتاب (عمدة الفقه لابن قدامة) وشرحه للطلاب بأسلوب واضح، وعبارة سهلة في مناطق متعددة وبلدان كثيرة، وكنت أنا المستفيد أكثر من الطلاب في مراجعة العلم وتثبيت مسائله.
وقد اخترت هذا الكتاب لأنه من أفضل متون الحنابلة وأوضحها عبارة, وأقواها وأكثرها أدلة، ولندرة من شرحه، ثم إن مؤلفه هو شيخ المذهب كما هو المصطلح عليه عند الحنابلة.
وقد يسر الله لي شرحه في دروس كثيرة، ودروات عديدة في أماكن مختلفة - من مملكتنا الغالية - ومن هذه البلدان الزلفي، الخبراء، بريدة، المجمعة، الأفلاج، حوطة بني تميم، مكة، المدينة، الأحساء، الدمام، الجبيل، تبوك، تيماء، حقل، ضباء، البدع، الغاط، الطائف، السر، الباحة، المذنب، الدلم، حفر الباطن، حائل، الرياض.
وأكملت شرح هذا الكتاب المبارك في كل من الزلفي، ومكة، والأفلاج، وكان أول درس ألقيته في هذا الكتاب المبارك في: 10/ 10/1401 هـ، ولا زلت إلى اليوم أشرحه في أماكن متفرقة.
وطريقتي في تدريسه للطلاب أنني أوضح عبارة ابن قدامة في العمدة، وأوضح المذهب، وأشير أحياناً للرواية الثانية، وأحرص على ذكر راي شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن سعدي، وشيخينا الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ محمد بن عثيمين - رحمهم الله - قدر الاستطاعة، كما حرصت على بيان الراجح عندي في معظم المسائل التي تعرضت لها، كما حرصت على ذكر الدليل حسب ما يتيسر لي.
وقد تم هذا الشرح كما قلت في أوقات متفاوتة، وأماكن متفرقة في دروس أسبوعية، وشهرية، وخلال دورات علمية مكثفة، وكنت أقيد على كتابي ما يظهر لي خلال مطالعتي أثناء شرحه.
وقد تم تسجيله في أماكن متفرقة، وتم تفريغه من الأشرطة، وأعدت النظر فيه، فحذفت منه ما يستغنى عنه خشية الإطالة والتكرار، وأضفت ما لاغنى لطالب العلم عنه، فأضفت إليه أقوال المذاهب الأربعة اكتفاءًا بذكر قولهم دون التعرض لأدلتهم، ثم بينت الراجح من أقوال هذه المذاهب مع ذكر دليل الترجيح، ومن رجح هذا القول كشيح الإسلام، وتلميذه ابن القيم، والعلامة ابن سعدي، وسماحة شيخنا ابن باز، وشيخنا محمد الصالح العثيمين - رحمهم الله - وكذا اللجنة الدائمة.
ومتى قلت: قال شيخنا، فأعني به شيخنا العلامة التقي الثبت الضابط المدقق في سائر علوم الشريعة شيخنا الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- رحمة واسعة.
وإذا قلت: قال به شيخنا الشيخ عبد العزيز، فأعني به إمام العلماء في عصره العالم الرباني الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- رحمة واسعة.
وإذا قلت: قال به الشيخان، فأعني به الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين.
وإذا قلت: قال به شيخ الإسلام، فأعني به الحبر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.
وإذا قلت: قال به الإمام المجدد، فأعني به الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-.
أ. د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932
في: 1/ 1/ 1428 هـ
ترجمة المؤلف
اسمه
: هو الشيخ العلامة المجتهد شيخ الإسلام موفق الدين ابو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، الجماعيلي، ثم الدمشقي الصالحي، الحنبلي.
المولد والنشأة
: ولد -رحمه الله- بجماعيل بلدة من أعمال نابلس بفلسطين في شعبان سنة (541 هـ)، وحينما استولى الصليبيون على أرض فلسطين هاجر والد الموفق بأسرته إلى دمشق سنة (551 هـ) تقريباً، ونزلوا في مسجد أبي صالح ظاهر الباب الشرقي، ثم انتقلوا إلى سفح قاسبون من صالحية دمشق.
تلقيه العلم
: كان والده -رحمه الله- الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن قدامة من أهل العلم والصلاح، فقد كان قبل هجرته إلى دمشق خطيب جماعيل، وعالمها، ومفتيها، ولذا كان من الطبيعي أن يدرس الابن على أبيه، فتلقى الموفق -رحمه الله- عن أبيه العلم.
وقد تتلمذ أيضاً على شيوخ دمشق منهم أبو المكارم عبد الواحد الأزدي الدمشقي المتوفى في جمادى الآخرة سنة (565 هـ)، وأبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن الدمشقي المتوفى سنة (576 هـ)، ثم رحل في طلب العلم خارج دمشق، فخرج هو وابن خاله الحافظ عبد الغني المقدسي إلى بغداد فقرأ على علماءها منهم الشيخ عبد القادر الجيلاني، قرأ عليه (متن الخرقي) ثم توفى بعد أربعين يوماً من لقائه به، ثم لازم أبا الفتح بن المني، وقرأ عليه المذهب، والخلاف، والأصول حتى برع في ذلك.
وقرأ أيضاً على بعض شيوخ بغداد منهم هبة الله بن الحسن الدقاق، وأبي زرعة بن طاهر، وشهدة الكاتبة، وغيرهم.
وفي حجة (574 هـ) لقي بمكة إمام الحنابلة بالحرم المكي المحدث ابا محمد المبارك بن علي البغدادي نزيل مكة المتوفى بها في عيد الفطر سنة (575 هـ)، ثم استقر الإمام الموفق رحمه الله في دمشق، فاشتغل بالتأليف.
ثناء العلماء عليه
: قال الضياء: كان -رحمه الله- إماماً في التفسير، وفي الحديث ومشكلاته، إماماً في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إماماً في علم الخلاف، إماماً في أصول الفقه، إماماً في النحو والحساب والأنجم السيارة والمنازل.
وقال عنه الذهبي -رحمه الله-: سمعت داود بن صالح المقراء سمعت ابن المنى يقول: - وعنده الإمام الموفق - إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه.
وسمعت البهاء بن عبد الرحمن -رحمه الله- يقول: كان شيخنا ابن المنى يقول للموفق: إن خرجت من بغداد لا يخلف بها مثلك.
وسمعت المفتي أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة -رحمه الله- يقول: ما أعرف أحداً في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق.
مؤلفاته
: له -رحمه الله- مؤلفات عديدة أهمها:
(1) العمدة في الفقه (للمبتدئين) وهو كتابنا الذي سنقوم بشرحه - إن شاء الله - جعله المؤلف على القول المعتمد في المذهب.
(2) المقنع في الفقه (للمتوسطين) أطلق في كثير من مسائله روايتين ليتدرب طالب العلم على الترجيح، فيربى فيه الميل إلى الدليل.
(3) الكافي؛ وهو أوسع من المقنع، ذكر فيه من الأدلة ما يؤهل الطلبة للعمل بالدليل.
(4) المغني (شرح مختصر الخرقي) ذكر فيه المذاهب وأدلتها.
وفاته
: توفي -رحمه الله- يوم السبت يوم عيد الفطر سنة (620 هـ) بمنزله بدمشق، وصلي عليه من الغد، وحمل إلى سفح قاسبون فدفن به، وكان له جمع عظيم امتد الناس في طرق الجبل فملؤوه فرحمه الله رحمة واسعة.
شرح مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 1
(1) قوله «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» استفتح كتابه بالبسملة، وفي بعض النسخ الاقتصار على تركها والبداءة بالحمد لله، وعلى كلٍ هذه عادة أهل التأليف أنهم ينوعون في البداءة في مؤلفاتهم، فأحياناً يجمعون بين البسملة والحمد له، وأحياناً يقتصرون على ذكر الحمد.
وعلى اعتبار أنه استفتح كتابه بالبسملة نقول: ابتدأ بها المؤلف لآمرين:
الأول: اقتداءًا بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فكتاب الله يبتدأ في ببسم الله الرحمن الرحيم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في مراسلاته كان يبدأ فيها ببسم الله الرحمن الرحيم، ومن هنا ابتدأ بها المؤلف.
الثاني: أنه ابتدأ بها تبركاً، فإن من طلب البركة أن يبدأ الإنسان في عمله بذكر الله تعالى رجاء حصول البركة، ولذا حث -صلى الله عليه وسلم- عليها عند الأكل، والشرب، والملبس، والجماع، ودخول الخلاء، وركوب الدابة، وغير ذلك مما جاءت به السنة.
وللكلام على البسملة نقول:
قوله «بِسْمِ اللَّهِ» الجار والمجرور كلاهما متعلق بمحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام.
فتقديره فعلاً لأن الأصل في الأعمال الأفعال، وكونه مؤخراً لفائدتين:
الأولى: التبرك بالبداءة باسم الله تعالى.
الثانية: إفادة الحصر، لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر.
وكونه مناسباً للمقام لأنه أدل على المراد، فلو أن إنساناً أراد أن يبدأ في =
الحمدُ للهِ أهلِ الحمدِ ومستحِقِّهِ (1)،
= قراءة كتاب مثلاً فقال: بسم الله أبدأ فإنه لا يدري بماذا يبتدى، لكنه لو قال: بسم الله اقرأ فإنه يكون أدل على المراد.
قوله «اللَّهِ» علم على الباري - سبحانه وتعالى - وهو الاسم الذي ترجع إليه جميع الأسماء.
قوله «الرَّحْمَنِ» اسم من أسمائه - سبحانه وتعالى - وهو من الأسماء المختصة به لا يطلق على غيره، ومعنى «الرحمن» ذو الرحمة الواسعة.
قوله «الرَّحِيمِ» هو أيضاً اسم من أسمائه - سبحانه وتعالى - الغير مختصة به كما قال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (1)، ومعنى «الرحيم» ذو الرحمة الواصلة، أي الموصل رحمته من يشاء.
(1) وقوله «الحمدُ للهِ» جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، والحمد في اللغة: ثناء، يقال: حمد فلان فلاناً، إذا أثنى عليه.
أما في الشرع: فمعنى الحمد، الوصف بالجميل الاختياري على المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد، فقولنا «فلان عالم»، «فلان جواد»، «فلان كريم» وهكذا كل هذا يعد حمداً.
والألف واللام في الحمد للاستغراق، أي استغراق جميع المحامد وجميع الحمد، واللام (لله) للاختصاص، أي لا تكون هذه المحامد إلا لله وحده لاشريك له.
(2) قوله «أهلِ الحمدِ ومستحِقِّهِ» هو أهل أن يحمد، بل هو المستحق للحمد، فهو المحمود على كل حال في السراء والضراء، والنعماء والبأساء.
حمداً يفضُلُ على كلِّ حمدٍ 1، كَفَضلِ اللهِ على خلقِهِ 2. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لاشَريكَ لَهُ (3)، شَهادةَ قائمٍ للهِ بحقِّهِ (4)، وأشهدُ أنَّ محمّداً عَبدُه ورسُوله (5)،
(1) قوله «حمداً يفضُلُ على كلِّ حمدٍ» أي حمداً يزيد على كل حمد.
(2) قوله «كَفَضلِ اللهِ على خلقِهِ» أي كفضل الخالق - جل وعلا - على المخلوق، ففضل الخالق - سبحانه - على المخلوق لا يحصى ولا يعد، ولذا كان حمد المخلوق له ينبغي أن يفضل على كل حمد.
(3) قوله «وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ» أي أعلم علماً يقيناً لاشك فيه أنه (لا إله إلا الله)، أي لا معبود بحق إلا الله.
قوله «وحدَهُ لاشَريكَ لَهُ» جملة تأكيدية لما قبلها.
(4) قوله «شَهادةَ قائمٍ للهِ بحقِّهِ» أي هذه الشهادة المذكورة شهادة من قائم لله بحقها من إفرادالعبادة لله تعالى وحده لا شريك له لأنه المستحق أن يعبد، فلا تصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره، لأن هذا من لوازم شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له.
(5) قوله «وأشهدُ أنَّ محمّداً عَبدُه ورسُوله» أي أعلم علماً يقيناً أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- عبد من عباد الله لا يملك من الربوبية شيء، ومع ذلك هو رسول من عند الله تعالى أرسله الله للثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله؛ طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله بما شرع.
غيرَ مُرتابٍ في صدقهِ، صلَّى اللهُ عليهِ (1)، وعلى آلهِ وصحبِه (2)، ما جَادَ سَحابٌ بوَدقِهِ، وما رَعدَ بعد بَرقِهِ (3).
(1) قوله «غيرَ مُرتابٍ في صدقهِ» أي ليس عندي شك ولا ريب في كونه رسول من عند الله، وأن ما يبلغه عن ربه صدق لأن الله تعالى زكاه في النقل عنه فقال ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (1)
قوله «صلَّى اللهُ عليهِ» هذه جملة خبرية دعائية، فهي من جهة الإخبار، فهي خبر عن أن الله تعالى صلى عليه، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (2).
وهي أيضاً دعائية، فهي في طلب من الله تعالى أن يصلي على نبيه، وهذا زيادة في تشريفه وتكريمه -صلى الله عليه وسلم-، ومعنى «-صلى الله عليه وسلم-» أي أثني عليه في الملأ الأعلى.
(2) قوله «وعلى آلهِ وصحبِه» الآل هنا هم المؤمنون من قرابته، مثل بناته - رضي الله عنهن - وعميه العباس وحمزة، وأبناء عمه علي وابن عباس - رضي الله عنهماـ.
والمراد بالصحب: كل من اجتمع به مؤمناً، ومات على ذلك ولو لم يره، ولو لم تطل الصحبة بخلاف غيره.
(3) قوله «ما جَادَ سَحابٌ بوَدقِهِ، وما رَعدَ بعد بَرقِهِ» الودق: هوالمطر، والمعنى أي أسألك يا إلهي أن تصلي عليه بعدد قطرات الماء التي تنزل من السحاب، وبعدد الرعد الذي يجيء بعد البرق.
هذا كتابُ أحكامٍ في الفِقه 1، اختَصرتُه حَسَبَ الإمْكَان 2، واقتصَرتُ فيه على قولٍ واحدٍ (3)؛
(1) قوله «هذا كتابُ أحكامٍ في الفِقه» أي هذا كتاب في علم الفقه الذي يختص بالأحكام العملية التي تنقسم إلى قسمين:
الأول: العبادات: وهي تشمل الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وما يتبعها من الأيمان، والنذور، وغيرها.
الثاني: المعاملات؛ سواء كانت مالية كالبيع، والإجارة، والرهن، والشركة، والقرض، والوكالة، والكفالة.
أو كانت معاملات شخصية كالنكاح، والطلاق، والرجعة، والخلع، وغير ذلك.
أو معاملات جنائية قضائية، فهذا هو الذي يشمله الفقه.
(2) قوله «اختَصرتُه حَسَبَ الإمْكَان» أي جعلته مختصراً، والمختصر كما قال أهل العلم: هو ما قل لفظه وكثر معناه، ولما كان اختصار الكلام أمر صعب وعزيز قال -رحمه الله- «حسب الإمكان» أي على حسب قدرتي وطاقتي، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
(3) قوله «واقتصَرتُ فيه على قولٍ واحدٍ» بين المؤلف هنا منهجه في هذا المختصر، وأنه جعله على قول واحد في مذهب الحنابلة، وذلك لأن العلماء في المذاهب لهم أقوال، فتارة ما يكون الجائز عند بعضهم لا يكون جائزاً عند الآخر، وتارة ما يكون مكروهاً عند البعض لا يكون مكروهاً عند الآخر، ومن هنا تعددت الأقوال في المذهب، لكن المؤلف لما كان شيخ المذهب ذكر هنا قوله.
ليكونَ عُمدةً لقارئِه (1)، ولا يَلتبِسَ عليه الصَّوابُ باختلاف الوُجوهِ والرِّواياتِ (2).
سأَلني بعضُ أصحابنا تلخيصَهُ؛ ليقرُبَ على المتعلِّمِين (1)،
(1) قوله «ليكونَ عُمدةً لقارئِه» ذكر المؤلف هنا السبب الذي من أجله اختصرهذا الكتاب، وجعله على قول واحد فقال «ليكون عمدة لقارئه» وعمدة الشيء ما يقوم عليه، فإذا كان عند طالب العلم قول واحد جعل الحكم عنده أمراً واضحاً، ولا يحصل عنده نوع تذبذب ولا تشتت، وهذا أمر مهم جداً لطالب العلم أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره فيبدأ بالمختصرات لينضبط عنده العلم، وهذا هو دأب العلماء الكبار، فإنهم كانوا يبدأون بالمختصرات حفظاً ودراية، ثم بعد ذلك يبدأون بالأوسط ثم المطولات.
(2) قوله «ولا يَلتبِسَ عليه الصَّوابُ باختلاف الوُجوهِ والرِّواياتِ» وذلك لأن طالب العلم إذا أهمل جانب المختصرات وسلك طريق الخلافات والروايات حصل عنده نوع التباس، لأن المذهب الواحد قد يكون فيه أكثر من قول كما ذكرت آنفاً، ولذا نجد القاضي أبو يعلى له كتاب في ذلك باسم «الروايتان والوجهان» هذا في مذهب واحد، فكيف إذا انضم إلى ذلك الروايات والوجوه في المذاهب الأخرى.، ثم انشغل بذلك طالب العلم، فهل يستطيع أن يحصل علماً من واقع الخبرة؟ لا يستطيع أبداً أن يحصِّل شيء، ولذا نجد الكثير ممن يبدأون في الطلب إذا انشغل بذلك يحصل عنده نوع فتور ثم يترك طلب العلم أو تجده ما حصَّل شيء من العلم.
ولذا أنصح طالب العلم أن يهتم بمختصرات المذاهب ويحفظها ويقرأ شروحها، ويجعل له مختصراً واحداً يعلق عليه، ويفهم ألفاظه، وهذا ولله الحمد يكفيه في تحصيل العلم.
(1) قوله «سأَلني بعضُ أصحابنا تلخيصَهُ؛ ليقرُبَ على المتعلِّمِين» وذلك =
ويسهُلَ حِفظُه على الطَّالبين (1)؛ فأَجبتُهُ إلى ذلك، مُعْتمِداً عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ في إِخلاصِ القَصدِ لِوجههِ الكَريم (1)، والمعُونةِ على الوصول إلى رِضوانِهِ العظيم (1)، وهو حَسبُنَا ونعم الوكيلُ (1)،
= لكي يسهل عليهم ضبط العلم، ويحصل لهم بذلك العلم الذي به ينتفعون وينفعون.
(2) قوله «ويسهُلَ حِفظُه على الطَّالبين» هذا أيضاً من مميزات المختصرات أنه يسهل حفظها عند طالب العلم، ومن هنا كانت قيمة المختصرات عند طالب العلم فإنها بإذن الله تكون عمدة لقارئها، وأنها تكون سهلة عليه، وأنها تكون مانعاً له بعد الله تعالى من الشتات.
(3) قوله «فأَجبتُهُ إلى ذلك، مُعْتمِداً عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ في إِخلاصِ القَصدِ لِوجههِ الكَريم» أي أجبته إلى ما سألني من اختصار الفقه على مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- معتمداً على الله تعالى في اختصاري قاصداً بهذا الاختصار وجه الرب - سبحانه وتعالاـ.
(4) قوله «والمعُونةِ على الوصول إلى رِضوانِهِ العظيم» أي طالباً من الرب - سبحانه وتعالى - العون وذلك للوصول إلى رضوانه، وهذا من أعظم ما يسأل العبد به ربه، أي أن يرضى عنه، فإذا رضي الله تعالى عن العبد أرضاه في الدنيا والآخرة.
قوله «وهو حَسبُنَا ونعم الوكيلُ» أي هو - سبحانه وتعالى - حسبي، أي كافيني، ونعم الوكيل، أي وربي نعم الوكيل الذي هو قائم على كل خلقه مدبر شؤونهم وأمورهم.
وأودعتُهُ أحاديثَ صحيحةً (1)؛ تَبرُّكاً بها، واعتِمادًا عليها، وجعلتها من الصِّحَاح لأَستغني عن نسبتها إليها (1).
(1) قوله «وأودعتُهُ أحاديثَ صحيحةً» أي جعلت فيه أحاديث صحيحة، وهذا لأمور ذكرها بقوله:
(2) قوله «تَبرُّكاً بها، واعتِمادًا عليها، وجعلتها من الصِّحَاح لأَستغني عن نسبتها إليها» هذه هي الأمور التي جعلته يودع في مختصره الأحاديث الصحيحة: أولاً: تبركاً بها، فكما أن القرآن مبارك كما قال تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (1)، فكذلك السنة النبوية فيها البركة، فهي كالقرآن في التماس البركة منها، قال -صلى الله عليه وسلم-: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (2).
ثانياً: واعتماداً عليها، أي ذكرتها أيضاً للاعتماد عليها، فالحديث الصحيح الذي سلم من القدح في الحقيقة لكون الاحتجاج به أقوى، والاعتماد عليه أولى، ولذا إن كان الدليل صحيحاً استراح طالب العلم ومن هنا جعل المؤلف في هذا الكتاب الأحاديث الواردة فيه صحيحة.
ثالثاً: وجعلها ايضاً من الصحاح: لكي يستغنى عن نسبتها إليها، والأحاديث التي أوردها المؤلف في كتابه أغلبها من الصحيحين، وهناك أيضاً من غير الصحيحين لكنها أحاديث صحاح.
انتهى شرح مقدمة المؤلف.
بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
(1). خُلِقَ الْمَاءُ طَهُوْرًا (2)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ»
لما كانت المياه منها ما هو طهور، ومنها ما هو طاهر، ومنها ما هو نجس، ولكل قسم منها أحكام متعلقة به، أراد المؤلف أن يبين أحكامها؛ وذلك لاختلاف أحكامها وأنواعها وأجناسها.
وقد بدأ المؤلف بالمياه لأن الطهارة مفتاح الصلاة، ولأن الصلاة أهم أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين، ولأن الفقه إما عبادات أو معاملات، والعبادات مقدمة على المعاملات، والإنسان بحاجة إلى تصحيح عبادته.
وبدأ بالمياه أيضًا لأنه لابد من الطهارة، والطهارة تكون بالماء أو ما يقوم مقامه وهو التراب، وأيضًا لأن الطهارة تخلية، والتخلية قبل التحلية.
(2)
قوله «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُوْرًا»
أي أن الأصل في خلق الله تعالى للماء أنه طهور، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ 2، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في ماء البحر: «هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» 3. وقوله «طَهُوْرًا» بالفتح على وزن فعول وهو اسم لما يتطهر به كالسحور =
يُطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ (1)، فَلا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ (2)
=اسم لما يتسحر به، أما بالضم «طُهُوْرًا» فالمراد به الفعل، والماء الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره وهو الباقي على أصل خلقته حقيقة أو حكمًا.
فقولنا «حقيقة» نعني أن الأصل في خلقته على هذه الصفة الموجودة كماء البحر الأصل في خلقته أنه مالح، وكذا الماء الخارج من البئر، الأصل في خلقته أنه ساخن، أو يكون مالحًا أحيانًا.
وقولنا «حكمًا» أي أنه طهور لا باعتبار أصل خلقته بل تغير بفعل فاعل، ولكن مع هذا التغير لم ينقله عن الطهورية كالماء المتغير بغير ممازج، أو بما يشق صون الماء عنه، أو الماء الذي نقوم بتسخينه من أجل التطهر به.
(1)
قوله «يُطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ»:
الأحداث: جمع حدث، والحدث معنى يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها.
والحدث نوعان: أكبر، وهو ما يلزم الغسل له، كالجنابة والحيض والنفاس، وأصغروهو ما يلزم له الوضوء فقط.
والنجاسات: هي أعيان مستخبثة في الشرع، والمراد بها هنا العين المستخبثة التي يمنع المصلي من استصحابها.
والنجاسة نوعان: معنوية وحسية، فالنجاسة المعنوية نجاسة الشرك كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (1). أما النجاسة الحسية فهي التي تقع على شيء طاهر فيتنجس بها.
(2)
قوله «فَلا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ»
أي لا تحصل الطهارة من الأحداث
والنجاسات بغير الماء.
أما الأحداث فنعم يشترط لها الماء لأن الله تعالى أمر =1
فَإِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ (1)، =بالتيمم عند عدمه، فقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (1) ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الصَّعِيْدَ الطَّيِّبَ طَهُوْرُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ» (2). أما النجاسات فهل يشترط لإزالتها الماء؟ المذهب (3): يشترط الماء لإزالة النجاسة، وفي رواية أخرى (4) عن الإمام أحمد أنه لا يشترط بل تزال بكل مائع طاهر يزيل، وهذا هو الراجح؛ لأن المقصود هو زوال النجاسة، فمتى زالت زال حكمها، وهذا قول أبي حنيفة (5)، واختاره شيخ الإسلام (6) وشيخنا (7) - رحمهم الله -.
(1)
قوله «فَإِذا بَلَغَ الْماءُ قُلَّتَيْنِ»
فإنه لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة؛ لونه أو طعمه أو ريحه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» 8.1234567
أَوْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيْحَهُ (1)، وَمَا سِوَى ذلِكَ يَنْجُسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ (2). (1)
قوله «أَوْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيْحَهُ»
أي أن الماء الجاري وإن كان قليلاً فإنه لا ينجس إلا بالتغير، وهذا هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-، بخلاف من قاس الجاري على الدائم.
دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يَبُوْلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِيْ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيْهِ» (2). ومفهوم الحديث جواز ذلك في الماء الجاري، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (3)، ومفهومه جواز ذلك في الماء الجاري، ولأن الماء الجاري له قوة يدفع بها التغير عن نفسه، فلا يقاس بالماء الواقف.
ومن قال ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة إذا كان قليلاً فغير صحيح؛ لأنه أخذ بمفهوم حديث القلتين ويعارضه حديث بئر بضاعة بمنطوقه والمنطوق مقدم على المفهوم.
(2)
قوله «وَمَا سِوَى ذلِكَ يَنْجُسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ»
أي متى كان الماء أقل من القلتين، فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، هذا هو المشهور من المذهب 4، واختاره المؤلف -رحمه الله-.
وفي رواية أخرى للإمام أحمد: أن الكثير والقليل لا ينجس إلا بالتغير وهذا هو الراجح واختار هذه الرواية شيخ =123
وَالْقُلَّتَانِ: مَا قَارَبَ مِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ (1). وَإِنْ طُبِخَ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُوْرٍ (2)، = الإسلام (1) -رحمه الله-، وبه قال الشيخان (2) (3) - رحمهما الله -. دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ الْمَاءَ طَهُوْرٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (4).
(1)
قوله «وَالْقُلَّتَانِ: مَا قَارَبَ مِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ»
القلة سميت بذلك لأنها تقل بالأيدي، والقلتان بالذراع تعادل ذراع وربع طولاً وعرضًا وعمقًا، وبالقرب خمس قرب، والقربة مائة رطل والرطل تسعون مثقالاً والمثقال يساوي (3.5) جرام إذن يكون حسابها على النحو التالي:
(5×100×90) = (4500 مثقالاً)
(4500 × 3.5) = (4500 × 7 ÷ 2) = (31500 ÷ 2) = (15750) جرام أي تعادل (157.5) كيلو جرام.
أما باللتر فهي تعادل قريبًا من ذلك (158) لترًا.
وبالصاع تساوي (93 صاعًا و 3 ÷ 4 الصاع).
(2)
قوله «وَإِنْ طُبِخَ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُوْرٍ»
أي طبخ فيه شيء طاهر كالباقلاء أو اللحم مثلا فتغير به فإنه يسلبه الطهورية نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك 5 ولأنه لا يسمّى ماء حينئذ بل يسمى مرقًا أو شايًا ونحو ذلك مما صبغ فيه.1234
أَوْ خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلى اسْمِهِ (1)، أَوْ اسْتُعْمِلَ فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ سَلَبَ طَهُوْرِيَّتَهُ (2). (1)
قوله «أَوْ خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلى اسْمِهِ»
أي خالطه شيء طاهر كالحبر أو الصبغ أو الخل ونحو ذلك فغلب على أجزائه حتى صار صبغًا أو خلاً أو حبرًا فإنه يسلبه الطهورية أي يكون طاهرًا غير مطهر.
لكني أنبه إلى ما قاله شيخي -رحمه الله- في ذلك حيث قال: «إنه لا يكفي انتقاله من الطهورية إلى الطهارة إلا إذا انتقل اسمه انتقالا كاملا فيقال هذا صبغ أو هذا حبر أو هذا خل أو هذه قهوة أو هذا مرق وهكذا فحينئذ لا يسمى ماء» (1).
(2)
قوله «أَوْ اسْتُعْمِلَ فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ سَلَبَ طَهُوْرِيَّتَهُ»
هذا مبني على القول
بأن المياه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس، وفي رواية في المذهب 2 أنه ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس، والذي اختاره شيخ الإسلام 3، وابن سعدي 4، والشيخان: ابن باز 5، والعثيمين 6 - رحمهم الله-: أن الماء قسمان طهور ونجس، أما الطاهر فلا وجود له في الشرع، وهذا هو الصحيح.
وقوله «أَوْ اسْتُعْمِلَ» الضمير يعود على الماء الطهور ويعبر عنه الفقهاء هنا بالماء المستعمل «فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ» أي في طهارة واجبة كوضوء وغسل لا طهارة مستحبة كتجديد وضوء أو غسل جمعة على قول من يقول باستحبابه أو =1
..................................
=الغسل الثانية أو الثالثة فإنه لا يسلبه الطهورية بل يكره استعماله على المذهب بخلاف ما إذا كان مستعملاً في طهارة واجبة فإنه «سَلَبَ طَهُوْرِيَّتَهُ» أي يصير طاهرًا غير مطهر، هذه هي إحدى الروايتين 1 في المذهب، والرواية الأخرى 2 أن الماء المستعمل طاهر مطهر، وهذا هو الراجح، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام 3 وشيخنا 4 رحمهما الله.
دليل ذلك ما رواه البخاري «وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَادُوْا يَقْتَتِلُوْنَ عَلَى وَضُوْئِهِ» 5، ولما رواه أيضاً مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنه - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» 6. وفي السنن عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي جَفْنَةٍ 7 فَجَاءَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ» 8.
- تنبيهان: أولاً: الماء المستعمل المراد به المتساقط حال الوضوء أو الغسل وليس المراد به الماء الذي يغترف منه.
وَإِذَا شَكَّ فِيْ طَهَارَةِ الْمَاءِ 1، أَوْ غَيْرِهِ 2، أَوْ نَجَاسَتِهِ، بَنَى عَلى الْيَقِيْنِ 3.
ثانيًا: الماء المستعمل في طهارة غير واجبة، المذهب (1) أنه يكره استعماله خروجًا من الخلاف.
والصحيح أنه لا يكره استعماله لأن الكراهة حكم شرعي لا بد فيها من الدليل ولا دليل على الكراهة وهو اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-.
(1) قوله «وَإِذَا شَكَّ فِيْ طَهَارَةِ الْمَاءِ» أي شك هل هو طاهر أو نجس، كأن يرى فيه مثلاً روثًا لا يدري هل هو روث بعير أو روث حمار؟ والماء متغير من هذا الروث، فحصل عنده الشك في طهارة الماء فنقول: ابن على اليقين وهو الطهارة، لأنها الأصل، ولأن اليقين لا يزول بالشك.
(2) قوله «أَوْ غَيْرِهِ» أي غير الماء، كثوب أو أرض ونحوه، فحصل عنده الشك في طهارة ذلك، فإنه يبني على اليقين وهو الطهارة.
(3) قوله «أَوْ نَجَاسَتِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ» اليقين هو ما لا شك فيه، دليل ما ذكرنا حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل يجد الشيء في بطنه فيشكل عليه، هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال: «لا يَنْصَرِفُ حَتىَّ يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيْحًا» (3). فهذا الحديث أصل في هذه القاعدة المعروفة: (اليقين لا يزول بالشك).
ومن الأدلة أيضًا ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول=
وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ، غَسَلَ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ غَسْلَهَا (1).
وَإِنِ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُمَا (2)،
= الله - صلى الله عليه وسلم - «إِذا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟
فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى ما اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» (1).
(1) قوله «وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ، غَسَلَ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ غَسْلَهَا» أي يغسل حتى يتيقن أن الماء قد أتى على النجاسة، وذلك لاشتباه الطاهر بالنجس، فوجب اجتناب الجميع حتى يتيقن الطهارة، إما بالغسل أو اليقين.
مثال ذلك: إنسان في أحد كميه نجاسة ولا يدري في أيهما النجاسة؟ فعلى كلام المؤلف أنه يعمل ما يتيقن به زوالها فيغسل الكمين لأن هذا هو اليقين، لكن هل هذا هو الراجح؟ نقول: الراجح أنه يتحرى، فإذا تحرى وغسل أحد الكمين أجزأه.
(1)
قوله «وَإِنِ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ»
كأن يكون عنده إناءان فيهما ماء أحدهما طهور والآخر نجس وشكّ أيهما الطهور قال «وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُمَا» لاشتباه الطهور بالنجس، ولأن اجتناب النجس واجب، ولا يتم إلا باجتناب الإناءين، هذا هو المذهب.
والصحيح أنه يتحرى؛ لأنه إذا تعذر اليقين يرجع إلى غلبة الظن، وهنا تعذر اليقين فنرجع إلى غلبة الظن وهو التحري.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الشكِ في الصلاةِ فقال: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ =1
وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُوْرٌ بِطَاهِرٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (1). = عَلَيْهِ» (1)، وهذا هو قول الشافعي (2)، وإحدى الروايتين في المذهب (3)، واختاره شيخنا (4) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُوْرٌ بِطَاهِرٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا»
هذا على اعتبار القول بأن الماء ثلاثة أقسام، وبيّنا
القول الصحيح
في ذلك، وهو أن الماء قسمان فقط: طهور ونجس.
وعلى هذا فالمسألة التي ذكرها المؤلف لا ترد على القول الصحيح.
- تنبيه: ذكرنا أنه إن اشتبه طهور بنجس فإنه يتحرى وذلك إذا كانت هناك قرائن تدل على أن هذا هو الطهور أو هذا هو النجس لكن إذا لم يمكنه التحري لعدم وجود القرائن؟
قال بعض العلماء 5: إنه يعمل بما تطمئن به نفسه فإذا اطمأنت مفسه إلى أحدهما أخذ به.
قال شيخنا -رحمه الله-: «ولا شك أن استعماله لأحد الماءين في هذه الحالة فيه شيء من الضعف لكنه خير من العدول إلى التيمم» 6.1234
وَإِنِ اشْتَبَهَتْ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ، صَلَّى فِيْ كُلِّ ثَوْبٍ صَلاةً بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلاةً (1)، وتُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيْرِ سَبْعًا، إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ (2)، (1)
قوله «وَإِنِ اشْتَبَهَتْ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ»
كأن تقع على بعض ثيابه نجاسة
وأيقن حصول ذلك ولكن لا يدري أيّها أصابته النجاسة، قال -رحمه الله- «صَلَّى فِيْ كُلِّ ثَوْبٍ صَلاةً بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلاةً».
مثاله: إنسان عنده عشرون ثوبًا، خمسة منهن نجسة، يقول المؤلف بأنه يصلي بعدد النجس: أي كم يصلي؟ يصلي خمس صلوات ويزيد صلاة فيصبح عدد الصلوات ست واحدة منهن مائة بالمائة ستكون بثوب طاهر، وذلك لأنه إذا صلى زيادة على عدد ما أصابته النجاسة تيقن أنه صلى في ثوب طاهر هذا هو المذهب.
والصحيح أنه يتحرى، فإذا غلب على ظنه طهارة أحد الثياب صلى فيه ولا يعيد، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1)، وبه قال شيخنا (2) -رحمه الله-، وهو أحد القولين في المذهب (3).
(2)
قوله «وتُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيْرِ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»،
أما الكلب فلقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِيْ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» 4، ولمسلم «طَهُوْرُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُوْلاهُنَّ بِالتُّرَابِ» 5. أما الخنزير فألحقوا نجاسته بالكلب، لأنه أخبث منه، ولأنه لا يباح الانتفاع به أصلاً، وقد نص القرآن عليه، فيكون أولى بالحكم من =123
..................................
= الكلب، ومن هنا كان المذهب قياس الخنزير على الكلب في وجوب غسل الإناء منه سبعًا.
وذهب أكثر العلماء منهم ابن سعدي (1)، وشيخنا (2) إلى أن نجاسة الخنزير كنجاسة غيره، لا يغسل سبع مرات بالتراب، لأن القياس ضعيف، فإن الخنزير ذكر في القرآن وهو موجود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد قياسه بالكلب، وهذه هي رواية عن أحمد (3)، وقول للشافعية (4)، وهو الراجح.
تنبيهات
:
أولاً: اختلفت الرواية عن أحمد 5 في عدد الغسلات فتارة قال بغسل الإناء سبعا، وقال في رواية أخرى بغسله ثمان مرات، واحتج لهذه الرواية بما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مغفل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوْهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ» 6.
أما رواية السبع فللأدلة المذكورة سابقًا.
والمختار في المذهب الرواية الأولى، وهي وجوب الغسل سبعًا، لكن كيف يجاب على الرواية الثانية مع صحة الحديث الوارد فيها؟ قيل: بأن الرواية الأولى الأحاديث الواردة فيها أصح، لكن الصحيح أن يقال: بأن الجمع بينهما يكون بأنه عد التراب ثامنة، وإن =1234
..................................
= لم تكن غسله، لأنه من غير جنس المغسول به.
ثانيًا: هل يجزئ غير التراب كالأشنان والصابون ونحوه؟ قيل: لا يجزئ مطلقا لتعينه في الحديث مع وجود غيره فلا يجزئ العدول عنه.
وقيل: يجزئ لأن هذه الأشياء أبلغ في التنظيف من التراب وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على التراب لأنه هو الأرفق والأيسر، وهذا هو أقوى الوجوه في المذهب، وقيل: بأنه لا يجزئ إلا عند عدم التراب.
واختار شيخنا عدم الإجزاء، إلا عند عدم وجوده، فإن استعمال الأشنان أو الصابون أولى من عدمه.
ثالثًا: المختار في المذهب 1؛ أن كلب الصيد إذا أمسك الصيد بفمه، فلا بد من غسل اللحم سبع مرات، إحداها بالتراب، أو ما يقوم مقامه من الأشنان أو الصابون ونحوه.
والصحيح أنه لا يجب غسله سبع مرات؛ لأن هذا مما عفا عنه الشارع، والقاعدة في ذلك «ما كان معفوًا عنه شرعًا زال ضرره قدرًا» وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 2 وشيخنا 3 -رحمه الله-.
رابعًا: إذا تنجس الإناء بالبول أو الروث أو الريق، هل يقاس على الولوغ في وجوب غسل الإناء سبعًا؟ جمهور العلماء 4 على أن الروث والبول كالولوغ في وجوب الغسل سبعًا، وعللوا ذلك بتعليلات منها:
وَيُجْزِئُ فِيْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلاثٌ مُنْقِيَةٌ (1)،
(1) أن الروث والبول أخبث من الولوغ فقيس عليه.
كون النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على الولوغ؛ لأن هذا هو الغالب، فإن الكلب لا يجعل بوله وروثه في الأواني، بل يلغ فيها فقط، وما كان من باب الغالب لا مفهوم له ولا يخص به الحكم.
أما الظاهرية (1) فقصروا الحكم على الولوغ، أما البول والروث فكسائر النجاسات.
والأحوط ما ذهب إليه الفقهاء، وبه قال شيخنا (2) -رحمه الله-.
خامسًا: المذهب (3) الأولى في التراب أن تكون في الأولى، لأنها هي الرواية الأرجح من حيث الأحفظية والأكثرية، ومن حيث المعنى إذا جعلها في الأولى خفت النجاسة وهذا ما رجحه شيخنا -رحمه الله- (4). لكن الأظهر عندي
أن تكون الأخيرة لورود النص في ذلك وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَعَفِّرُوْهُ الثَّامِنَةَ فِيْ التُّرَابِ» (5) فالأولى إعمال النص دون إهماله.
(1) و
قوله «وَيُجْزِئُ فِيْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلاثٌ مُنقيةٌ»
وقيل سبع، وقيل واحدة تكفي، وهذا هو الصحيح، وهو ابن سعدي 6 وشيخنا 7 - رحمها الله -. دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في دم الحيض الذي يصيب الثوب «تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيْهِ» 8. وجه الدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر هنا عددًا =12345
فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ فَصَبَّةٌ وَاحِدَةٌ تَذْهَبُ بِعَيْنِهَا (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «صُبُّوْا عَلىَ بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ ذَنُوْبًا مِنْ مَاءٍ»، وَيُجْزِئُ فِيْ بَوْلِ الْغُلامِ الَّذِيْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ (2)،
= والمقام مقام بيان، فلو كان هناك عدد لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما كانت النجاسة عينًا خبيثة فمتى زالت زال حكمها.
فالحاصل أنه لا عبرة بالعدد هنا، فإن زالت بواحدة كفت، وإن احتيج لغسلة ثانية، أو ثالثة، أو رابعة، وهكذا غسلت، لأن العبرة بزوال النجاسة.
(1)
قوله «فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ فَصَبَّةٌ وَاحِدَةٌ تَذْهَبُ بِعَيْنِهَا»
أي تذهب بعين النجاسة أيًّا كانت هذه النجاسة، من آدمي، أو كلب، أو غيره.
فإن كانت النجاسة ذات جرم؛ كعذرة آدمي، أو عذرة كلب، ويخاف على تلويث المكان، فإنه لابد من إزالة الجرم، ثم صب الماء على محل النجاسة.
(2)
قوله «وَيُجْزِئُ فِيْ بَوْلِ الْغُلامِ الَّذِيْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ»:
النضح هو أن تتبع بول الغلام الماء، دون فرك، أو عصر، دليله ما ذكره المؤلف في حديث أم قيس بنت محصن «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيْرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» 1، وفي رواية «فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» 2. وقوله «لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ»: أي يشتهيه لكي يتغذى به بخلاف ما يحنك به = = نجاسة الدم وكيفية غسله - رقم (291). أخرجه البخاري في كتاب الوضوء - باب صب الماء على البول في المسجد (217) من حديث أبي هريرة.
وَكَذلِكَ الْمَذْيُ (2)،
= ويلعقه من الأشربة ونحوها.
ويلاحظ هنا أن عندنا قيدين ذكرهما المؤلف:
القيد الأول: أن يكون غلامًا، والغلام خاص بالذكر.
القيد الثاني: لم يأكل الطعام، فيكفي فيه النضح.
فإن قيل: ما السبب في التفريق بين الذكر والأنثى؟ قيل: إن العلة تعبدية، الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرق فنقف، هذا أسلم وأحسن وأكثر طمأنينة، وقيل: إن العلة هي أن بول الغلام أخف من بول الجارية، فبول الجارية ينتشر، وقيل: بأن الغلام يبتلى به الناس أكثر لكثرة محبتهم له فجاء التخفيف في بوله، لكن الصواب أن العلة تعبدية كما ذكرنا.
(1) و
قوله «وَكَذلِكَ الْمَذْيُ»:
المذي ماء رقيق يخرج لابتداء الشهوة إذا تحركت بتفكر أو نظر أو مس وبعد فتورها من غير إحساسه به.
واختلف في حكمه هل هو طاهر أم نجس؟ فظاهر المذهب 1 القول بنجاسته، هذا هو المشهور في المذهب وهو الصحيح لكن نجاسته مخففة وفي رواية أخرى في المذهب القول بطهارته 2.
فقوله «وَكَذلِكَ الْمَذْيُ» أي أن المذي يأخذ حكم بول الغلام في تطهيره، وذلك بنضح ما أصابه.
وقيل لا يطهر بالنضح بل لا بد فيه من الغسل، وهذا هو المذهب 3. والصحيح أنه يكفي فيه النضح كما ذكر المؤلف -رحمه الله-، دليل ذلك حديث سهل بن حنيف قال: «كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ =
وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِهِ وَيَسِيْرِ الدَّمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ (1)، = مِنَ الاِغْتِسَالِ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا يُجْزِيْكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيْبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: يَكْفِيْكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ» (1).
(1)
قوله «وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِهِ وَيَسِيْرِ الدَّمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ»
الضمير في «يَسِيْرِهِ» يعود على المذي، أي يعفى عن يسير المذي، والمذهب 2 لا يعفى عن يسيره، والصحيح ما ذكره المؤلف من العفو عن يسير المذي لعموم البلوى به، ولمشقة التحرز منه، ولأن شريعتنا مبناها على السماحة والتيسير على الخلق، وهذا من باب الرحمة بالخلق.
قوله «وَيَسِيْرِ الدَّمِ» أي يعفى عن يسير الدم أيضًا، وهذا رواية في المذهب 3، وكذلك ما تولد منه؛ من قيح، وصديد، ونحوه، وهذا هو قول أكثر الصحابة، كأبي هريرة وابن عباس وجابر وغيرهم - رضي الله عنهم -، وبه قال شيخ الإسلام 4 -رحمه الله-، وفي رواية في المذهب 5 أنه لا يعفى عن قليله ولا كثيره، لكن الصواب ما ذهب إليه الأولون.
- تنبيه: قول المؤلف «وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِ الدَّمِ» ذكر ذلك بناء على القول بنجاسة الدم وهو قول جمهور أهل العلم، والمقصود بالدم هنا دم الآدمي.1
وَهُوَ مَا لا يَفْحُشُ فِيْ النَّفْسِ (1).
= والصحيح القول بطهارته وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-، دليل ذلك:
الأول: أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل على النجاسة، ولا دليل فيما نعلمه على نجاسة الدم.
الثاني: ما جاء عن الحسن البصري -رحمه الله- حيث قال: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم» (2)، ومع القول بطهارته نرى أن الأحوط الطهارة منه إذا نزل وغسل الثوب منه.
لكن عندنا دم باتفاق أهل العلم أنه نجس، وأنه ينقض الوضوء وهو دم الحيض والنفاس والدم المسفوح والذي يخرج من السبيلين قل أو كثر فإنه نجس كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في نواقض الوضوء.
(1)
قوله «وَهُوَ مَا لا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ»
هذا حد اليسير، فالمرجع فيه إلى النفس، فكل من رأى أنه قليل صار قليلاً، والعكس بالعكس.
وقيل في حده ثلاث قطرات فقط فأكثر 3، وقال بعضهم ما زاد عن مكانه، قال شيخنا -رحمه الله- تعليقًا على ما ذهب إليه المؤلف: «وهذا القول فيه نظر؛ لأن من الناس من عنده وسوسة، فالنقطة الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإذا خرج منه دم كثير قال قليل» 4.
وقيل بل المعتبر في حد اليسير هو ما اعتبره أوساط الناس، فما اعتبروه يسيرًا =12
وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ (1)، وَبوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ (2) = فهو يسير، وما اعتبروه كثيرًا فهو كثير، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ»
اختلفت الرواية في المذهب عن حكم المني: فالمشهور من المذهب (2)، وعليه جماهير الأصحاب، وبه قال الشافعي (3)، وشيخ الإسلام (4)، وابن القيم (5)، وشيخنا (6) - رحمهم الله-، وبه أفتت اللجنة الدائمة (7): القول بطهارته وهو الراجح.
دليل ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها- حيث قالت: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُوْلِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَيُصَلِّيْ فِيْهِ» (8) فلو كان نجسًا لم يجزئ فركه كسائر النجاسات، ولأن الأصل في الأشياء الطهارة ولا دليل يدل على نجاسته.
والرواية الأخرى في المذهب (9) القول بنجاسته، وبه قال الحنفية (10)، والمالكية (11). والصحيح القول الأول كما ذكرنا.
(1)
قوله «وَبوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ»:
وما يؤكل لحمه؛ كالإبل، والبقر، =1234567891011
..................................
= والغنم، ونحو ذلك، بولها بل وروثها طاهر في ظاهر المذهب 1، بل لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته.
قال شيخ الإسلام 2: «القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة»، وإلى هذا القول ذهب مالك 3 وشيخنا 4 -رحمه الله- وهو الصحيح، دليل ذلك:
- حديث أنس ابن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوْا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» 5. فالشاهد منه أمره بأن يشربوا من أبوال الإبل فقد ساقه مع اللبن وسياقه معه دليل على طهارته.
- إذنه - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في مرابض الغنم وهي لا تخلو من البول والروث.
- استصحاب البراءة الأصلية، إذ لا دليل على نجاسة بول وروث ما يؤكل لحمه، وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أكثر من خمسة وعشرين دليلاً يدل على طهارتها 6. وبنجاستها قال الحنفية 7 والشافعية 8. قلت: والصحيح القول بالطهارة لما ذكرناه من الأدلة.
.................................. -
تنبيهات
:
أولاً: الرطوبة التي في فرج المرأة اختلفت الرواية فيها في المذهب (1)، لكن الأقوى من هذه الروايات القول بطهارتها، وهذا اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-، وهو الصحيح.
لكن لشيخنا تفصيل في هذه الرطوبة فقد ذكر أن الفرج له مجريان:
الأول: مجرى مسلك الذكر وهو الذي يتصل بالرحم ولا علاقة له بمجرى البول ولا بالمثانة، فإن كانت الرطوبة خارجة منه فهي طاهرة لأنها ليست من فضلات الطعام ولا الشراب ولأن الأصل عدم النجاسة حتى يأتي دليل.
الثاني: مجرى البول وهو الذي يتصل بالمثانة ويخرج من أعلى الفرج فإن كانت الرطوبة خارجة منه فهي نجاسة وحكمها حكم سلس البول.
ثانيًا: لكن هل ينتقض الوضوء بهذه الرطوبة؟ الجواب: هذا مبني على ما ذكره شيخنا؛ فإن كانت الرطوبة من مجرى البول فإنه ينتقض وضوؤها، أما إن كانت خارجة من مجرى الذكر فالجمهور على أنه ينقض الوضوء، وقيل لا ينقض.
والأحوط عندي أنها تتوضأ لأن نقض الوضوء أسهل من القول
بنجاستها وبه قال شيخنا (3) -رحمه الله-.
ثالثًا: إن كانت الرطوبة مستمرة فما العمل؟
نقول: بأن حكمها حكم سلس البول أي أنها تتطهر للصلاة المفروضة بعد دخول وقتها وتتحفظ ما استطاعت وتصلي ولا يضرها ما خرج.
لكن إن كانت هذه الرطوبة تنقطع=123
..................................
= في وقت معين قبل خروج وقت الصلاة فالواجب على المرأة أن تنتظر حتى يأتي وقت الانقطاع ثم تتوضأ فتصلي.
رابعًا: لم يشر المؤلف -رحمه الله- إلى ما يشق صون الماء عنه مثل غدير نبت فيه عشب أو طحلب أو ساقط فيه ورق شجر فيتغير بها فهذا الماء طهور لا يكره استعماله.
خامسًا: لم يشر المؤلف أيضًا إلى غمس يد القائم من النوم في الماء، والصواب في هذه المسألة بقاء طهورية الماء، فيجوز أن يتطهر به المسلم لكن يأثم الغامس يده في الإناء لمخالفته النهي الوارد في ذلك وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِيْ وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» 1.
بَابُ الآنِيَةِ.
لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (1)،
الشرح:
تنبيهان
: أولاً: يذكر الفقهاء
باب الآنية
عقب باب الطهارة لأن الماء جوهر سيال لا يمكن حفظه إلا بإناء ولذلك يتبعون باب أحكام الآنية بباب المياه.
ثانيًا: الأصل في الآنية
الحل لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (1) والآنية من الأرض، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوْهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوْهَا، وَحَدَّ حُدُوْدًا فَلا تَعْتَدُوْهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوْا عَنْهَا» (2). (1)
قوله «لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»
لورود النهي بتحريم ذلك كما ذكر المؤلف من حديث حذيفة - رضي الله عنه -، وأيضاً لما جاء في حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الَّذِيْ يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» 3. والاستعمال هو أن ينتفع بها فيما استعملت له، والنهي هنا يقتضي التحريم، لكن هل هذا التحريم خاص باستعمالها في الأكل والشرب فقط، أم التحريم في الاستعمال مطلقًا؟ =12