وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 163-176

وَتَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ (1)، ثُمَّ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَتُصَلِّيْ (2)، وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ (3)، وَمَنْ فِيْ مَعْنَاهُ (4)،  (1)

قوله «وَتَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ»

أي يجب على المستحاضة عند غسلها أن تغسل فرجها وتعصبه عند آخر الحيض؛ لأنها أتمت الحيض وإن كان ينزل معها الدم، أما دليل غسل فرجها فهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في المستحاضة: «فَاغْسِلِيْ عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّيْ» (1)، وأما دليل عصب الفرج ما جاء في حديث أم سلمة رضي الله عنها في شأن المستحاضة وفيه «فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيْهِ» (2) ومعنى الاستثفار هو شد الفرج بخرقة عريضة أو قطنة تحتشي بها المرأة، أما الآن فيمكن أن تستخدم الحفائظ الحديثة ويكفيها ذلك.
(2)

قوله «ثُمَّ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَتُصَلِّيْ»

أي المستحاضة يجب عليها الوضوء لا الغسل، وذلك عند وقت كل صلاة، فمتى أرادت الصلاة يجب عليها الوضوء، ويجزئها وضوؤها، لفعل السنن القبلية والبعدية، ولا يلزمها إعادة الوضوء.
(3) قوله «وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ» قياسًا على المستحاضة، فيجب عليه الوضوء لكل صلاة، ثم يصلي هذه الصلاة، ولا يجوز له تأخيرها حتى يخرج وقتها.
(4) قوله «وَمَنْ فِيْ مَعْنَاهُ» كمن يخرج منه الريح باستمرار، فإنه يأخذ حكم =12

فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ (1)، فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا (2). وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ- وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ (3)  =المستحاضة قياسًا عليها؛ لكونه من أهل الأعذار، فيجب عليه الوضوء، ولا يلزمه إن خرج منه شيء أثناء الصلاة، بل عليه أن يستمرّ في صلاته ولا يلتفت للخارج.

(1)

قوله «فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ»

شرع المؤلف -رحمه الله- في بيان الحالات التي تمر بها المرأة المستحاضة، ومعنى قوله «فإذا استمرَّ بها الدم في الشهر الآخر» أي لم ينقطع عنها الدم حتى دخل بها في الشهر الذي يلي عادتها.
(2)

قوله «فَإِنْ كَانَتْ مُعْتادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا»

هذا هو القسم الثاني وهي المرأة المعتادة، وقد مرّ بنا القسم الأول وهو المبتدأة وسبق بيان حكمها.
أما المرأة المعتادة فقد قال المؤلف «فحيضها أيام عادتها» ما دامت لها عادة محدودة فنقول لها: اجلسي أيام عادتك خمسة أو ستة أو سبعة أو ثمانية فما زاد عن هذه الأيام فليس بحيض إلا إذا أخذ نفس مواصفات الحيض أو تسببت المرأة في تغير دورتها كأن تكون استعملت مانعًا أو وضعت لولبًا، فالحاصل أن المعتادة حيضها أيام عادتها، وما عدا أيام العادة فليس بحيض، بل استحاضة.

(3)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ- وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ» هذا هو القسم الثالث من أقسام النساء المستحيضات وهي المرأة التي لها تمييز، أي التي =

وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَلا تَمْيِيْزَ لَهَا، فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةٌ؛ لأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ (1).  =يتميز بعض دمها عن بعض.
وعلامات دم الحيض كما أسلفنا هي: العلامة الأولى: أن يكون أسود.
العلامة الثانية: أن يكون ثخينًا.
العلامة الثالثة: أن يكون له رائحة كريهة.
فإن وجدت هذه العلامات الثلاث حكمنا بأنه دم حيض، فإذا تغيرت هذه الصفات وأصبح الدم خفيفًا أحمر غير ثخين، وليس له رائحة تحول إلى دم استحاضة أي إلى دم فساد، فحكم هذه المرأة -أي التي لها تمييز أن أيام حيضها هي التي تكون صفة الدم فيها على الصفات المذكورة - فإنها تجلس هذه الأيام ولا تصوم ولا تصلي عملاً بتمييزها.
لكن إن كانت المرأة لها عادة وتمييز فأيهما تقدم، العادة أم التمييز؟ اختلف الفقهاء في ذلك، والذي يظهر أن التمييز يقدم على العادة؛ لأن دلالته في الحس أقوى من دلالة العادة.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَلا تَمْيِيْزَ لَهَا،

فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةٌ؛ لأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ» هذا هو القسم الرابع وهي المتحيرة، وهي كما ذكر المؤلف المبتدأة أو الناسية لعادتها، أو التي لا تمييز لها، فهذه - قال المؤلف - يكون حيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة، وما عداها من الأيام يكون استحاضة ما دام الدم متواصلاً، وعلل لذلك بأنه غالب عادة النساء، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لحمنة بنت جحش: «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِيْ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ ثُمَّ اغْتَسِلِيْ حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّيْ ثَلاثًا وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا =

..................................  =وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِيْ فَإِنَّ ذلِكَ يَجْزِيْكِ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِيْ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيْضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ وَإِنْ قَوِيَتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِيْنَ وَتَجْمَعِيْنَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَتُؤَخِّرِيْنَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِيْنَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِيْنَ وَتَجْمَعِيْنَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فَافْعَلِيْ وَتَغْتَسِلِيْنَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِيْ وَصُومِيْ إِنْ قَدِرْتِ عَلَى ذلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ» 1. وقال شيخنا 2 -رحمه الله- في حكم هذه المرأة المتحيرة تجلس غالب عادات نسائها كأمها وأختها وخالتها وعمتها ثم تغتسل وتصلي وتصوم.
وقد اختلفت الروايات في المذهب 3 في هذه المسألة: فقيل إنها تعتبر بأقل الحيض وهو يوم وليلة، وما زاد على ذلك يحتمل الحيض والاستحاضة، والصلاة ثابتة في ذمتها بيقين، فلا تتركها بالشك.
ورواية أخرى في المذهب 4 أن المتحيرة تعتبر بأكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا؛ لأن الأصل في الخارج أن يكون دم حيض، فتعمل بذلك ما لم تتيقن أن الخارج دم استحاضة، ولا يتم التيقن إلا إذا جاوز الدم خمسة عشر يومًا.
والذي نرجحه أنها ترجع إلى غالب عادات نسائها كأمها وأختها وخالتها وعمتها، وهي إحدى الروايات في المذهب 5 واختارها شيخنا 6 -رحمه الله-؛ =

وَالْحَامِلُ لا تَحِيْضُ (1).  =لأن اشتراك الأقارب في هذه الأمور أقرب ما لم يكن الدم على وتيرة واحدة بنفس الصفات فهنا تجلس أكثر الحيض.

(1)

قوله «وَالْحَامِلُ لا تَحِيْضُ»

أي إن جاءها دم فهو دم فساد، وهذا هو قول الحنفية 1 والحنابلة 2، وعللوا لذلك بتعليلات منها: أـ أن الشرع جعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل، فلو جاز اجتماع الحمل مع الحيض لما كان علامة على عدمه.
ب - الطلاق في الحيض محرم، أما بعد تبين الحمل فهو جائز، فلو كان الدم الذي تراه الحامل حيضًا لما جاز الطلاق فيه.
ج - أيضًا قالوا بأن دم الحيض يتحول إلى غذاء يتغذى به الجنين، فلو خرج شيء لخرج على غير الوجه المعتاد.
ومن هنا قال الفقهاء بأن الدم الخارج من الحامل لا يعتبر حيضًا، بل هو دم فساد لا يمنع الصلاة والصوم وسائر العبادات، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز 3 -رحمه الله-.
وذهب المالكية 4 والشافعية 5 وقول في مذهب أحمد 6 واختارها شيخ الإسلام 7، وشيخنا 8 إلى أنه يمكن للحامل أن تحيض، لاسيما إن كان حيضها منضبطًا، وجاءها في نفس أيام عادتها ونفس =

إِلاَّ أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةٍ، فَيَكُوْنُ دَمَ نِفَاسٍ (1).  =مواصفات دم الحيض، وكان يتكرر معها في كل حمل، فهذا يعتبر حيضًا، وهذا هو الصواب.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةٍ، فَيَكُوْنُ دَمَ نِفَاسٍ» أي يأخذ الدم الخارج قبل الولادة بيوم أو يومين حكم دم النفاس، ولا تصلي ولا تصوم، وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء: فالمذهب (1) وأكثر الفقهاء على أنه نفاس، ومنهم من يرى أنه لا يعتبر نفاسًا، بل هو دم فساد، لا تترك العبادات بخروجه، وهو قول الحنفية (2)، ورأي عند الشافعية (3).

والذي نرجحه أنه إن كان هذا الدم الذي خرج قبل الولادة بيوم أو يومين مصاحبًا له الطلق وعلامات الولادة فيعتبر نفاسًا وإلا فلا، وسيأتي بيان ذلك في باب النفاس.
وإن رأت المرأة الدم قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة ثم بعد الولادة انقطع عنها الدم، فنقول هذه المرأة نفست قبل ولادتها، وبعد الولادة لا تعتبر نفساء.

تنبيهات

: أولاً: استعمال ما يمنع الحيض جائز بشرطين: أ - أن لا يكون فيه ضرر على المرأة.
ب - أن يكون ذلك بإذن الزوج إذا كان له تعلق به، مثل أن تكون معتدة به=123

..................................  =على وجه تجب فيه نفقتها فتستعمل ما يمنع الحيض لكي تطول المدة، ومن ثم تزداد على زوجها نفقتها فلا يجوز لها أن تستعمل ما يمنع الحيض حينئذ إلا بإذنه.
وأيضًا إذا ثبت من خلال أطباء مسلمين عدول موثوق فيهم أن منع الحيض يمنع الحمل فلا بد من إذن الزوج.
وإذا قلنا بجواز استعمال ما يمنع الحمل فنقول بأن الأولى للمرأة عدم استعماله إلا لحاجة؛ لأن ترك الطبيعة على ما هي عليه أقرب لاعتدال الصحة والسلامة.
ثانيًا: استعمال ما يجلب الحيض جائز بشرطين: أ - أن لا تتحيل به على إسقاط واجب، مثل أن تستعمله قرب شهر رمضان من أجل أن تفطر، أو تستعمله من أجل أن تسقط به الصلاة أو عبادة من العبادات.
ب - أن يكون ذلك بإذن الزوج لأن حصول الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع بزوجته فلا يجوز استعمال ما يمنع حقه إلا برضاه، وإن كانت مطلقة فإن فيه تعجيل إسقاط حق الزوج من الرجعة إن كان له رجعة.

بَابُ النِّفَاسِ

(1). وَهُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلادَةِ (2)، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِيْمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيَسْقُطُ بِهِ (3).  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ النِّفَاسِ»

النفاس في اللغة بكسر النون من نفَّس الله كربته كما جاء في الحديث: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (1)، فالمرأة بالنفاس يتنفس عنها كربة من أعظم الكرب الدنيوية وهي وضع الحمل، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (2)، وقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (3). وفي الاصطلاح هو «دم يخرج من المرأة بعد الولادة، أو معها، أو قبلها بيوم أو يومين أو ثلاثة مع الطلق» أما بدون الطلق فالذي يخرج قبل الولادة دم فساد، وقد سبق أقوال الفقهاء مع بيان الراجح في هذه المسألة.

(2)

قوله «وَهُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلادَةِ»

ولو قبلها بثلاثة أيام فأقلّ كما ذكرنا سابقًا، ودم النفاس في الأصل دم الحيض المحتقن في الرحم الفاضل عن رزق الولد، فلما خرج الولد تنفس الرحم فخرج بخروجه.
(3)

قوله «وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِيْمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيَسْقُطُ بِهِ» هذا بيان حكم دم النفاس، فحكمه كالحيض.123

..................................  =وقوله «فِيْمَا يَحِلُّ» من الاستمتاع بها فيما دون الفرج والمرور من المسجد بدون تلويث.
وقوله «وَيَحْرُمُ» من الوطء في الفرج وسائر العبادات.
وقوله «وَيَجِبُ» أي فيما يوجبه من الغسل إذا طهرت.
وقوله «وَيَسْقُطُ بِهِ» ما يسقط عنها كالصلاة والصوم، لكن الصوم لابد من قضائه إذا طهرت، والصلاة لا تقضى، هذا معنى كلام المؤلف.
لكن هناك فروق بين الحيض والنفاس، منها: الحيض يحسب من العدة، والنفاس لا يحسب من العدة، فلو طلقها قبل النفاس فهنا بمجرد الوضع تنتهي عدتها، وإن طلقها بعد الوضع فلا بد من ثلاث حيضات بعد النفاس ولا أثر للنفاس في العدة.
البلوغ، فالحيض تبلغ به المرأة، أما النفاس فليس علامة على بلوغ المرأة؛ لأنها بلغت بما هو قبله وهو الإنزال؛ لأنها لا تحمل إلا إذا أنزلت.
مدة الإيلاء تحسب فيها مدة الحيض وأما النفاس فلا تجب، فإذا حلف ألا يطأ زوجته سنة ثم ولدت فلا تحسب مدة النفاس من الأربعة أشهر التي تحدد له، إما أن يطأ أو يطلق.
الطلاق في الحيض محرم، أما في النفاس فجائز.
وذهب سماحة شيخنا 1 إلى أنه لا يجوز التطليق حال النفاس بل يحرم ولا يقع على الصحيح.
يكره وطء النفساء عند بعض الفقهاء إذا طهرت قبل الأربعين، ولا يكره=

وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا (1)، وَلا حَدَّ لأَقَلِّهِ (2)، وَمَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ، اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ (3)،  = وطء الحائض إذا طهرت قبل نهاية عادتها.

(1)

قوله «وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا»

هذا على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الجمهور، وقيل: أكثره ستون يومًا وهذا هو قول المالكية (1) والشافعية (2) ورواية في مذهب أحمد (3)، وقيل: لا حد لأكثره، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (4). والصحيح أنها إذا رأت الدم لأكثر من أربعين يومًا لم تكن نفساء، فلا تلتفت المرأة لما زاد عن الأربعين، إلا إذا وافق عادتها، وإن لم يوافق عادتها فلا تلتفت إلى هذا الزائد عن الأربعين، بل تغتسل وتصلي وتصوم وتؤدي سائر العبادات، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا (5) -رحمه الله-.

(2)

قوله «وَلا حَدَّ لأَقَلِّهِ»

بإجماع أهل العلم، كما نقل الإجماع على ذلك الترمذي حيث قال: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» (6)، فمتى انقطع دمها قبل الأربعين اغتسلت وصلت وصامت باتفاق أهل العلم.
(3)

قوله «وَمَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ، اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ»

أي متى رأت النفساء الطهر أثناء الأربعين فيجب عليها الاغتسال وتأخذ حكم المرأة الطاهرة بذلك؛ لأن النفاس كما ذكرنا لا حد لأقله.123456

فَإِنْ عَادَ فِيْ مُدَّةِ الأَرْبَعِيْنَ، فَهُوَ نِفَاسٌ أَيْضًا (1).  (1)

قوله «فَإِنْ عَادَ فِيْ مُدَّةِ الأَرْبَعِيْنَ، فَهُوَ نِفَاسٌ أَيْضًا»

أي إذا عاودها الدم أثناء الأربعين بعد أن طهرت فيأخذ حكم النفاس؛ لأنه لم يجاوز الأربعين، فتتوقف عن الصلاة والصوم، ولا يجوز للزوج وطؤها بعد أن عاودها الدم وغير ذلك مما تمنع منه النفساء، وما ذكره المؤلف هو المذهب (1). وفي رواية في المذهب (2) إن عاودها الدم بعد انقطاعه فهو مشكوك فيه، فتصوم وتصلي وتقضي الواجب، لكنها تتجنب ما يحرم على النفساء كالجماع مثلاً وهذا على سبيل الاحتياط.
والصحيح: إن عاودها الدم وكان العائد دم نفاس بلونه ورائحته وكل أحواله فهو نفاس أيضًا، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز (3) -رحمه الله-.

  • ذكر بعض التنبيهات التابعة لباب النفاس:

أولاً: المرأة التي تلد ولادة خالية عن الدم

لا تجلس مدة النفاس، ولا يجب عليها غسل، بل تتوضأ وتصلي.

ثانيًا: إذا ولدت المرأة توأمين

فأول النفاس وآخره من أولهما إلا إذا تجدد دم للثاني فإنها تبقى في نفاسها.
ثالثًا: إذا أسقطت المرأة جنينها فلا يخلو السقط من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون السقط نطفة، فالدم الخارج دم فساد وليس بنفاس.
الحالة الثانية: أن يكون السقط علقة، فالدم الخارج محل خلاف، والصواب أنه ليس بحيض ولا نفاس.123

..................................  =الحالة الثالثة: أن يكون السقط مضغة غير مخلقة، فالمشهور في المذهب 1 أنه ليس بنفاس، وقال بعضهم إنه نفاس، والصحيح أنه ليس بنفاس.
الحالة الرابعة: أن يكون السقط مضغة مخلقة، بحيث يتبين فيه الرأس والرجلان واليدان، فالمذهب 2 وعليه أكثر أهل العلم أنه نفاس.
ولا يتم التخليق إلا بعد واحد وثمانين يومًا، فإذا سقط لأقل من ثمانين فلا نفاس والدم الخارج حكمه حكم دم الاستحاضة، أما إذا بلغ السقط واحدًا وثمانين يومًا فلابد من التثبت، هل هو مخلق أم غير مخلق؟ فإن كان مخلقًا كان نفاسًا وإلا فلا.
إما بعد مائة وعشرين يومًا فهو نفاس قطعاً.
الحالة الخامسة: أن تضع ما تم له أربعة أشهر فهذا نفاس باتفاق الفقهاء، ويغسل السقط ويصلى عليه لأنه مخلوق قد نفخت فيه الروح.
رابعًا: إذا طهرت المرأة قبل الأربعين فالمذهب 3 علاأنه يكره وطؤها، والذي رجحه الشيخان 4 جواز وطئها قبل الأربعين إذا طهرت، وهذا هو الراجح.
خامسًا: كل دم أو صفرة أو كدرة في مدة الأربعين فهو نفاس.
سادسًا: إذا ولدت المرأة بعد دخول وقت الظهر مثلا ونزل منها دم النفاس قبل أن تصلي الظهر واستمر فهل يلزم قضاء الظهر بعد أن تطهر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

..................................  =القول الأول: يلزمها قضاء الظهر والعصر معًا؛ لأن العصر مما يجمع مع الظهر، وهذا قول بعض الشافعية (1) ورواية عند الحنابلة (2). القول الثاني: يلزمها قضاء الظهر فقط، هذا هو المذهب عند الشافعية (3) والحنابلة (4) بشرط أن تدرك ما يسع فرض الصلاة.
القول الثالث: لا يلزمها، لا الظهر ولا العصر، وهذا هو المذهب عند الحنفية (5)، والمالكية (6)، ورجحه شيخ الإسلام (7)، وسماحة شيخنا ابن باز (8) - رحمهم الله -، لكن اشترط هؤلاء لعدم وجوب القضاء أن يكون العذر طرأ وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض، أما إن تضايق الوقت ثم وجد المانع فعليها القضاء.
والذي يظهر أن القضاء هنا مستحب وليس بواجب.

سابعًا: إذا طهرت المرأة من النفاس في وقت صلاة العصر مثلا،

هل تصلي معها الظهر؟ قولان لأهل العلم: الأول: يلزمها العصر فقط، وهذا قول الحنفية 9، وهو رأي شيخ الإسلام 10 وشيخنا 11 -رحمه الله-.12345678

..................................  =الثاني: يلزمها الظهر والعصر، وهو قول المالكية 1، والشافعية 2، والحنابلة 3، ورجحه سماحة شيخنا ابن باز 4 -رحمه الله-، وهو الراجح.
لكن اختلفوا في القدر الذي تجب به الصلاة، والذي يظهر - والله أعلم - أن الإدراك يكون بإدراك ركعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» 5. وعلى هذا نقول لهذه المرأة أنها يلزمها الظهر مع العصر إبراء للذمة وعملاً بالأحوط.

جارٍ التحميل