مسألة [14]
لا يلي (إلا) من الضمائر إلا المنفصل، نحو: ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة هود: 14]، ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف: 40]، وقد يليها المتصل بشرطين: كونه بلفظ المنصوب لا المرفوع، وكونه ذلك في الشعر، كقوله: [البسيط].
(وما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألا يجاورنا إلاك ديار)
وكان حقه إلا إياك، وإنما استحق النصب؛ لأنه استثناء مقدّم على المستنثنى منه، وهو ديّار، فهو كقول الكميت: [الطويل]
الحديث: 14 - الجزء: 1 - الصفحة: 81
(وما لي إلا آل أحمد شيعة... وما لي إلا مشعب الحق مشعب)
وإنما استحق الفصل مع أنه معمول لإلاّ على الصحيح؛ لأن المستثنى في التفريغ واجب الفصل، نحو: ما أكرمت إلا إياك، لأنه معموك للفعل بالاتفاق، فلا يصح اتصاله بغير عامله، ثم حمل عليه غير المفرغ، ليجريا على سنن واحد، وإنما سهّل وصله في الضرورة لثلاثة أمور، أحدهما: إن الأصل في الضمير الاتصال /25/، الثاني: أن الأصل في الحرف الناصب للضمير أن يتصل به، نحو: إنك ولعلك، والثالث: إجراء (إلا) مجرى أختها (غير)، كما أجريت مجراها في الوصف بها، وزعم الناظم في شرح التسهيل: أن الفصل في البيت ليس بضرورة، لتمكن الشاعر من أن يقول:
(أن لا يكون لنا خِلٌّ ولا جار)
وإذا فتح هذا الباب لم يبق في الوجود ضرورة، وإنما الضرورة عبارة عما أتى في الشعر على خلاف ما عليه النثر، وزعم أبو الفتح أن الذي سوّغ لهم أن يرتكبوا في الشعر ما لهم عنه مندوحة إرادة أن يسهل عليهم ارتكابه عند الاضطرار وجعل من ذلك قوله: [مجزؤ الكامل].
(فزججتها متمكّناً... زجّ القلوص أبي مزاده)
الجزء: 1 - الصفحة: 82
فإنه فصل بين المتضايفين بمفعول المضاف مع تمكنه من أن يضيف المصدر إلى المفعول، ثم يرفع الفاعل.
وظهر لي وجهان غير ما ذكر، أحدهما: أن أكثر أشعارهم كانت تقع من غير روية، فقد لا يتمكنون من تخير الوجه الذي لا ضرورة فيه.
والثاني: أن الشعر كان مظنّة الضرورة استباحوا فيه ما لم يضطروا إليه، كما أبيح القصر في السفر، لكونه مظنة المشقة مع أنها قد تنتفي مع بقاء الرخصة.
ويقال: باليته وبه ويحتملان هنا، لأن الجار يحذف من (أنّ وأنْ) قياساً، والمحمل على الأول نصب، وعلى الثاني نصب أو جر على الخلاف المشهور، و (إذا) ظرف لـ (نبالي) أن قدّر تجرده من معنى الشرط، وإلا فناصبه فعل الجواب المحذوف، أو فعل الشرط إذا لم تقدّر (إذا) مضافة، و (ديّار) من ألفاظ العموم، ولا تستعمل في الإيجاب، وأصلها (ديْوارٌ).