مسألة [62]
إنما تستعمل زال وأخواتها ناقصة بعد نفي أو نهي أو دعاء،
فشاهد النفي قوله: [الخفيف].
(ليس ينفك ذا غِنى واعتزازٍ... كل ذي عِفَّةِ مُقِل قَنوعِ)
تنازع ليس وينفك في قوله: (كلُّ ذي عِفَّةٍ)، والأرجح أعمال الثاني لقربه، وليتخلص به من فصل العامل من معموله بجملة، وهو مخلص هنا من تقدم خبر ليس على اسمها، ومن ترجيح الجامد على المتصرف.
ويترجح عند الكوفي إعمال الأول لسبقه، وليتخلص به من الإضمار قبل الذكر، ولك أن تقول: لا تنازع بينهما، إمّا على أن في ليس ضمير الشأن، أو على أنها مهملة، حملاً على ما، والوجهان مذكوران في قولهم: ليس خلق الله مثله، وقول الشاعر: [البسيط].
(هي الشفاء لدائي لو ظفرتُ بها... وليسّ منها شِفاءُ النفسِ مَبْذولُ)
وليس لك تقدير ضمير الشأن في (ينفك)، لأن خبره مفرد و"مقل وقنوع" صفتان لذي.
وشاهد النهيُ قوله: [الخفيف] /109/.
(صاحِ شَمِّرْ ولا تَزَلْ ذاكرَ المو.... تِ فنسيانُهُ ضلالٌ مُبينُ)
وشاهد الدعاء قوله: [الطويل]
الجزء: 1 - الصفحة: 230
(ولا زالَ مُنْهَلاً بجرعائك القَطْرُ)
وقبله:
(ألا يا اسلمي يا دارَمي على البِلَى)
والمعنى: ألا يا هذه سلمك الله على أنك قد بَليتِ، وتغيّرتِ.
فحذف المنادي، ولا يحسن تقدير (يا) هنا للتنبيه، لدخول (ألا) عليها.
و (الجرعاء) أرض لينة لا يبلغ ترابها أن يكون رملاً.
وقال أبو عمرو: هو رمل مستوٍ، والمنهل السائل.
وقد عيب عليه عجز البيت، وقيل: أراد أن يدعو لها، فدعا عليها بالخراب، وقُدِّمَ عليه بيت طرقة: [الكامل].
(فسقى ديارَكِ غيرَ مُفْسدِها... صَوْبُ الربيعِ وَدِيْمَةُ تَهْمِي)
والجواب: أنه قدم الاحتراس بقوله: (أسلمي)، وأنه إذا قيل: لم يزل فلان يؤذن، فمعناه في أوقات الاحتياج إلى ذلك.
وعن إبراهيم الموصلي، قال: عملت لحنًا مطربًا، فلم أجد شعرًا يناسبه، فأتاني في النوم شيخ أشوة الخلق، فقال: أين أنت عن بيت ذي الرمة:
الجزء: 1 - الصفحة: 231
(ألا يا أسلمى....... ثم غناه بذلك اللحن حتى انتبهْتُ وأنا أتقنه.
ومن أبيات هذه القصيدة:
(لها بَشَرٌ مثلُ الحريرِ ومنطقٌ... رخيم الحواشي لا هراءٌ ولا نَزْرُ)
(وعينان قال الله كونا فكاتنا... فَعولين بالألباب ما تفعل الخمرُ)
(ووجْهٌ له دِيباجةٌ عربيةٌ... به تُكْشَفُ البَلْوى ويُسْتَنْزَلُ القَطْرُ)
(البشر) جمع بشرة، وهو ما ولي الثياب من الجسد، و (الرخيم) الناعم اللين.
و (الهراء والهذر) بالذال المعجمة: الكثير والمعنى: كونا فعولين فكانتا كذلك، فحذف خبر الثاني، ويروى: فعولان.
وفي مجالس النحويين: أن الأصمعي حدّث أن عَنْبَسة النحوي قال: قلتُ لذي الرُّمة هلا /110 قُلْتُ فَعولان، أي عينان فعولان، فقال ذو الرمة: لو قلت سبحان الله، الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لكان خيرًا لك، إنك أردتَ القَدَر.
والبيت الثالث غير مشهور ولست على ثقة منه.