فصل في صوم أيام عيد الكفار
] فصل فأما صوم أيام أعياد الكفار مفردة بالصوم، كصوم يوم النيروز والمهرجان، وهما يومان يعظمهما الفرس، فقد اختلف فيها؛ لأجل أن المخالفة1تحصل بالصوم، أو بترك تخصيصه بعمل أصلا.
فنذكر صوم يوم2السبت أولا: وذلك أنه روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر السلمي3عن أخته الصماء4أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء5
عنب أو عود شجرة - وفي لفظ: إلا عود عنب أو لحاء1شجرة - فليمضغه»2رواه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن "3وقد رواه النسائي من وجوه أخرى عن خالد وعبد الله بن بسر، ورواه أيضا عن الصماء عن عائشة.
وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه: قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يفترد4به فقال أما صيام يوم السبت يفترد5به فقد جاء في6ذلك الحديث حديث الصماء7" يعني حديث ثور عن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن
النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»1". قال أبو عبد الله: " وكان2يحيى بن سعيد يتقيه3وأبى4أن يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور. قال: فسمعته من أبي عاصم.5
قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة حين سئلت: «أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها؟ فقالت: " السبت والأحد».6
ومنها: حديث جويرية7أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوم الجمعة: «أصمت
أمس؟ " [قالت: لا، قال]1" أتريدين أن تصومي غدا؟ "2فالغد هو يوم السبت».
وحديث أبي هريرة: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا بيوم قبله أو يوم3بعده».4
فاليوم الذي بعده هو5يوم السبت.
ومنها: أنه كان يصوم شعبان كله،6وفيه يوم السبت.
ومنها: أنه أمر بصوم المحرم7وفيه يوم السبت، وقال: «من صام
رمضان، وأتبعه بست من شوال».... "1وقد يكون فيها السبت.
وأمر بصيام أيام البيض2وقد يكون فيها السبت.
ومثل هذا3كثير.4
فهذا الأثرم، فهم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في5علل الحديث (يحيى بن سعيد) كان يتقيه، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف للحديث.
واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت، ولا يقال: يحمل النهي على إفراده؛ لأن لفظه: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عم صومه على كل وجه، وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه، فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده.
وعلى هذا؛ فيكون الحديث: إما شاذا غير محفوظ، وإما منسوخا، وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم، وأبي داود.
وقال أبو داود1"هذا حديث منسوخ ".2 وذكر أبو داود بإسناده3عن ابن شهاب أنه كان إذا ذكر له أنه نهى عن صيام السبت، يقول ابن شهاب: " هذا حديث حمصي "4وعن الأوزاعي قال: " ما زلت له كاتما حتى رأيته انتشر بعد "5يعني حديث6ابن بسر في صوم يوم السبت.
قال أبو داود: قال مالك: " هذا كذب "7وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة.
وأما أكثر8أصحابنا ففهموا9من كلام أحمد الأخذ بالحديث، وحمله على الإفراد، فإنه سئل عن عين الحكم، فأجاب بالحديث، وجوابه بالحديث10يقتضي اتباعه.
وما ذكره عن يحيى11إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة، وهؤلاء يكرهون إفراده بالصوم، عملا بهذا الحديث، لجودة إسناده، وذلك موجب للعمل به، وحملوه على الإفراد كصوم يوم الجمعة، وشهر رجب.
وقد روى أحمد في المسند من حديث ابن لهيعة، حدثنا موسى بن وردان1«عن عبيد الأعرج2حدثتني جدتي -يعني الصماء - أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت هو يتغدى، فقال: " تعالي تغدي "3فقالت: " إني صائمة " فقال لها: " أصمت أمس؟ " قالت: لا، قال: " كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك».4
وهذا وإن كان إسناده ضعيفا لكن تدل عليه سائر الأحاديث، وعلى هذا فيكون قوله: " لا تصوموا يوم السبت " أي: لا تقصدوا صيامه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده.
وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض5مجرد كونه فرضا، لا للمقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة ونحو ذلك.
وقد يقال: الاستثناء أخرج بعض صور6الرخصة، وأخرج الباقي بالدليل.
ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة: فعللها ابن عقيل بأنه يوم تمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم1في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبها بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد.
وعلله طائفة من الأصحاب: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب، وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون، وهذا التعليل قد يعارض بيوم2الأحد، فإنه يوم عيد النصارى، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " اليوم لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى ".3 وقد يقال: إذا كان يوم عيد، فمخالفتهم فيه بالصوم لا بالفطر، ويدل على ذلك ما رواه كريب مولى ابن عباس قال: «أرسلني ابن عباس، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها صياما؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: " إنهما يوما4عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» رواه أحمد والنسائي، وابن أبي عاصم5وصححه بعض
الحفاظ.1
وهذا نص في استحباب صوم2يوم عيدهم لأجل قصد3مخالفتهم.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس» رواه الترمذي، وقال: " حديث حسن "4قال: " وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه "5وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره6صوم يوم السبت وحده، وعلل ذلك بأنهم يتركون فيه العمل والصوم مظنة ذلك، فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم.
[