إطلاق العيد على المكان الذي يقصد الاجتماع فيه
] والعيد إذا جعل اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه1للعبادة عنده، أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة، جعلها الله عيدًا، مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها، للدعاء والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها.
فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله.
وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبورًا لهم، بتقدير كونها قبورًا لهم، بل وسائر القبور أيضًا داخلة في هذا.
فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة، إذ هو بيت المسلم الميت، فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يداس، ولا يتكأ عليه عندنا، وعند جمهور العلماء، ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه، والدعاء له، وكلما كان الميت أفضل، كان حقه أوكد.
قال بريدة بن الحصيب2رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا
خرجوا إلى المقابر، أن يقول قائلهم: "السلام على أهل الديار"، وفي لفظ: "السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». رواه مسلم.1
وروى أيضًا عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون».2
وروي أيضًا عن عائشة في حديث طويل "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»3".4 وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: «فقدته فإذا هو بالبقيع، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، ونحن بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم».5
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم،
أنتم سلفنا ونحن بالأثر» رواه أحمد والترمذي وقال: "حديث حسن غريب".1
وقد ثبت عنه أنه بعد أحد بثمان سنين خرج إلى الشهداء، فصلى عليهم كصلاته على الميت.2
وروى أبو داود، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا3له التثبيت، فإنه الآن يسأل».4
/ 50 وقد روي حديث صححه ابن عبد البر أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام».5
وروى في تلقين الميت1بعد الدفن حديث فيه نظر، لكن عمل به رجال من أهل الشام الأولين، مع روايتهم له، فلذلك استحبه أكثر أصحابنا وغيرهم.2
فهذا ونحوه مما3كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، ويأمر به أمته عند قبور المسلمين، عقب الدفن،4وعند زيارتهم، والمرور بهم، إنما هو تحية للميت، كما يحي الحي ودعاء له كما يدعى له، إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده، وفي ضمن الدعاء للميت، دعاء الحي لنفسه، ولسائر المسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي، ولسائر المسلمين، وتخصيص الميت بالدعاء له، فهذا كله، وما كان مثله، من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، هو المشروع للمسلمين في ذلك.
وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره.
وروى ابن بطة5في الإبانة، بإسناد صحيح، عن معاذ بن
معاذ1حدثنا ابن2عون3قال: سأل رجل نافعًا4فقال: هل كان ابن عمر يسلم على القبر، فقال: نعم، لقد رأيته مائة5أو أكثر من مائة مرة، كان يأتي القبر، فيقوم عنده فيقول: "السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي".6
وفي رواية أخرى، ذكرها الإمام أحمد محتجًا بها: "ثم ينصرف"، وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ.7
[