ابتياع الذمي أرض العشر من مسلم
] ومما يشبه ذلك: أنه قد اختلف قول أحمد إذا ابتاع الذمي أرض عشر من مسلم، على روايتين، منع من8ذلك في إحداهما، قال: " لأنه لا زكاة على الذمي، وفيه إبطال العشر9وهذا ضرر على المسلمين " قال: " وكذلك لا يمكنون10
من استئجار أرض العشر لهذه العلة.1
وقال في الرواية الأخرى: " لا بأس أن يشتري الذمي أرض العشر من مسلم ". واختلف قوله إذا جاز ذلك فيما على الذمي فيما تخرج هذه الأرض على روايتين: قال في إحداهما: " لا عشر عليه، ولا شيء سوى الجزية ". وقال في الرواية الأخرى: " عليه فيما يخرج من هذه الأرض2الخمس ضعف ما كان على المسلم " ومن أصحابنا من حكى رواية أنهم ينهون عن شرائها، فإن اشتروها أضعف3عليهم العشر.4
وفي كلام أحمد ما يدل على هذا5فإذا كان قد اختلف قوله في جواز تمليكهم عامر6الأرض العشرية؛ لما فيه من رفع العشر، فالمفسدة الدينية الحاصلة بكفرهم وفسقهم -في دار كانت للمسلمين7يعبد الله فيها ويطاع- أعظم من منع العشر.
ولهذا تردد: " هل يرفع الضرر بمنع التملك بالكلية؟ " إذ مع تجويز البيع: إما أن يعطل حق المسلمين، أو تؤخذ الزكاة من الكفار، وكلاهما غير ممكن، فكان منع التملك أسهل، كما منعناه من تملك العبد المسلم والمصحف، لما فيه من تمكين عدو الله من أولياء الله8وكلام الله.
وكذلك نمنعهم -على ظاهر المذهب- من شراء السبي الذي جرى عليه
سهام المسلمين1كما شرط عليهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أو يرفع الضرر بإبقاء حق الأرض عليه، كما يؤخذ ممن اتجر منهم في أرض المسلمين2ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة.
ويتخرج: أنه لا يؤخذ منه إلا عشر واحد كالمسألة الآتية، وهذا في العشرية التي ليست خراجية.
فأما الخراجية فقالوا: ليس لذمي3أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة، وإذا جوزنا بيع أرض العنوة كان حكم الذمي في ابتياعها كحكمه في ابتياع أرض العشر المحض، إذ جميع الأرض عشرية عندنا وعند الجمهور، بمعنى4أن العشر يجب فيما أخرجت.
وكذلك أرض الموات من أرض الإسلام التي ليست خراجية، هل للذمي أن يتملكها بالإحياء5؟ قال طائفة من العلماء: ليس6له ذلك، وهو قول الشافعي7وابن حامد8وهذا قياس إحدى الروايتين عن أحمد في
منعه ابتياعها1فإنها إذا لم يجوِّز تملكها بالابتياع فبالإحياء أولى، لكن قد يفرق بينهما بأن2المبتاعة أرض عامرة، ففيه ضرر محقق بخلاف إحياء الميتة فإنه لا يقطع حقا، والمنصوص عن أحمد - وعليه الجمهور من أصحابه3- أنه يملكها بالإحياء، وهو قول أبي حنيفة، واختلف فيه عن مالك.4
متسوى3أخذ العشر على أرض أهل الذمة ثم هل عليه5العشر؟ فيه روايتان: قال ابن أبي موسى: " ومن أحيا من أهل الذمة أرضا مواتا فهي له، ولا زكاة عليه فيها، ولا عشر فيما أخرجت " وقد روي عنه رواية أخرى: " أنه لا خراج على أهل الذمة في أرضهم، ويؤخذ منهم العشر مما يخرج، يضاعف عليهم " والأول عنه أظهر.
فهذا الذي حكاه ابن أبي موسى، من تضعيف العشر فيما يملكه بالإحياء، هو قياس تضعيفه فيما ملكه بالابتياع.
لكن نقل حرب عنه في رجل من أهل الذمة أحيا مواتا.
قال: " هو عشر "6ففهم القاضي وغيره من الأصحاب أن الواجب هو العشر المأخوذ من المسلم من غير تضعيف7فحكوا في وجوب العشر فيها روايتين، وابن أبي موسى نقل الروايتين في وجوب عشر مضعف.8
وعلى طريقة القاضي يخرج في مسألة الابتياع كذلك.
وهذا الذي نقله ابن أبي موسى أصح؛ فإن1الكرماني2ومحمد بن أبي3حرب4وإبراهيم بن هانئ5ويعقوب بن بختان6نقلوا: أن أحمد سئل- وقال حرب: سألت أحمد7قلت-: " إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا ماذا عليه؟ " قال: " أما أنا فأقول: ليس عليه شيء " قال: " وأهل المدينة يقولون في هذا قولا حسنا، يقولون: لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر ". قال: " وأهل البصرة يقولون قولا عجبا! يقولون: يضاعف عليه العشر "8قال: وسألت أحمد مرة أخرى، فقلت: إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا؟ قال: " هو عشر ". وقال مرة أخرى: " ليس عليه شيء ". وروى حرب عن عبيد الله بن الحسن العنبري9أنه قيل له: أخذكم
الخمس من أرض أهل1الذمة، التي في أرض العرب، أبأثر عندكم، أم بغير أثر؟ قال: " ليس عندنا فيه أثر، ولكن قسناه بما2أمر به عمر -رضي الله عنه- أن يؤخذ من أموالهم إذا اتجروا بها، ومروا بها على عشار ". فهذا أحمد -رضي الله عنه- سئل عن إحياء الذمي3الأرض، فأجاب: بأنه ليس عليه شيء، وذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اشترائه الأرض: هل يمنع، أو يضعف عليه العشر؟ وهذا يبين لك أن المسألتين عنده واحدة، وهو تملك الذمي الأرض العشرية، سواء كان بابتياع أو إحياء أو غير ذلك.
وكذلك ذكر العنبري قاضي أهل البصرة: أنهم يأخذون الخمس4من جميع أرض أهل5الذمة العشرية، وذلك يعم ما ملك6انتقالا، أو ابتداء.7
وهذا يفيدك أن أحمد إذا منع الذمي أن يبتاع الأرض العشرية، فكذلك يمنعه من إحيائها، وأنه إذا أخذ منه فيما ابتاعه الخمس، فكذلك فيما أحياه، وأن من نقل عنه عشرا مفردا في الأرض المحياة دون المبتاعة8فليس بمستقيم، وإنما سببه قوله9في الرواية الأخرى التي نقلها الكرماني: هي أرض
عشر.1
ولكن هذا كلام مجمل قد فسره2أبو عبد الله في موضع آخر، وبين مأخذه.
ونقل الفقه: إن لم يعرف الناقل مأخذ الفقيه، وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيرا.
وقد أفصح أرباب هذا القول بأن مأخذهم قياس الحراثة على التجارة، فإن الذمي إذا3اتجر في غير أرضه4فإنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلمين، وهو نصف العشر، فكذلك إذا استحدث أرضا غير أرضه5؛ لأنه في كلا الموضعين قد أخذ يكتسب في غير مكانه الأصلي، وحق الحرث والتجارة قرينان، كما في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267].6 وكذلك قال أحمد في رواية الميموني: يؤخذ من أموال أهل الذمة، إذا اتجروا فيها قومت، ثم أخذ منهم زكاتها مرتين، تضعف عليهم؛ لقول7عمر -رضي الله عنه-: " أضعفها عليهم ". فمن الناس من شبه8الزرع9على ذلك.
قال الميموني: " والذي لا شك1فيه من قول أبي عبد الله -غير مرة-: أن أرض أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج، إنما ينظر إلى ما أخرجت، يؤخذ منهم العشر مرتين ". قال الميموني: " قلت لأبي عبد الله: فالذي يشتري أرض العشر ما عليه؟ " قال لي: " الناس كلهم يختلفون في هذا: منهم من لا يرى عليه شيئا، ويشبهه بماله ليس عليه فيه زكاة إذا كان مقيما ما كان بين أظهرنا، وبماشيته " فيقول2" هذه أموال، وليس عليه فيها صدقة ". ومنهم من يقول: " هذه حقوق لقوم، ولا يكون شراؤه الأرض يذهب بحقوق هؤلاء منهم "، والحسن يقول: " إذا اشتراها ضوعف عليه ". قلت: " كيف يضعف عليه؟ " قال: " لأن عليه العشر، فيؤخذ منه الخمس " قلت: " يذهب إلى أن يضعف عليه الخمس فيؤخذ منه الخمس3فالتفت إلي، فقال: " نعم يضعف عليهم ". قال: وذاكرنا أبا عبد الله: أن مالكا كان يرى أن لا يؤخذ منهم شيء، وكان يحول بينهم وبين الشراء لشيء منها، وهذه الرواية اختيار الخلال، وهي مسألة كبيرة، ليس هذا موضع استقصائها.
والفقهاء أيضا مختلفون في هذه المسألة، كما ذكره أبو عبد الله.
فمن نقل عنه تضعيف العشر: عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيره من أهل البصرة، وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو قول أبي يوسف.4
ومنهم من قال: " بل يؤخذ العشر على ما كان عليه، كالقول الذي ذكره بعض أصحابنا ". ويروى هذا عن1الثوري، ومحمد بن الحسن.
وحكي عن الثوري: لا شيء عليه كالرواية الأخرى عن أحمد.
ويروى هذا عن مالك أيضا، وعن مالك: أنه يؤمر ببيعها.
وحكي ذلك عن الحسن بن صالح2وشريك3وهو قول الشافعي.
وقال أبو ثور4يجبر على بيعها.
وقياس قول من يضعف العشر: أن المستأمن لو زرع في دار الإسلام لكان الواجب عليه خُمْسَيْن5ضعفا ما يؤخذ من الذمي، كما أنه إذا اتجر في دار الإسلام6يؤخذ منه العشر، ضعفا ما يؤخذ من الذمي.
فقد ظهر
أنا1-على إحدى الروايتين، وقول طوائف من أهل العلم -نمنعهم من2أن يستولوا على عقار في دار الإسلام للمسلمين فيه حق من المساكن والمزارع، كما نمنعهم أن يحدثوا في دار الإسلام3بناء لعباداتهم من كنيسة أو بيعة أو صومعة؛ لأن عقد الذمة اقتضى إقرارهم على ما كانوا عليه4من غير تعد منهم إلى الاستيلاء فيما ثبت للمسلمين فيه حق من عقار أو رقيق.
وهذا لأن مقصود الدعوة: أن تكون كلمة الله هي العليا، وإنما أقروا بالجزية للضرورة العارضة، والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها، ولهذا لم يثبت عن5واحد من السلف حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك أحمد رحمه الله وغيره؛ لأن الشقص الذي يملكه مسلم، إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي، كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى ذمي بطريق القهر للمسلم، وهذا خلاف الأصول.6
ولهذا نص أحمد على أن البائع للشقص إذا كان مسلما وشريكه ذمي، لم يجب7له شفعة؛ لأن الشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر، بمنزلة الحقوق التي تجب على المسلم للمسلم: كإجابة الدعوة، وعيادة المريض، وكمنعه8أن يبيع على بيعه أو يخطب على خطبته، وهذا كله عند أحمد مخصوص بالمسلمين، وفي البيع والخطبة خلاف بين الفقهاء.
[